قراءة في رواية دارا الزرادشتي



انتفض هاتفي الذكي، وصلت رسالة من تطبيق "مجتمع واعي" تبلغني بأني مصابة بالكورونا، كانت عيّنة عشوائية قد أُخذت مني قبل يوم، لم أهب الإصابة يوماً، لم يخيفني الفيروس العنيد، لم أتوتر أبداً، أبلغت أخي الدكتور طارق الموسوي، استشاري علاج الأمراض المُعدية والحمّيات، الذي وعد أن يطببني عن بُعد في حال ظهور أية أعراض، ثم اتصلت بأخي الدكتور عقيل الموسوي، طبيب الأسنان وصديقي الذي أشاطره أفراح حياتي وأتراحها. هكذا هي حياتي دائماً، معلقة بين هذين الأخوين. أبدى عقيل تعاطفه، هوّن عليّ الأمر كعادته، قال إنها فرصة جيدة للقراءة، وهرّب لي روايته الجديدة "دارا الزرادشتي"، الصادرة هذا العام عن دار سؤال، كان قد تسلم منها نسخا معدودة ولم تُعرض للبيع بعد.


عديلة الموسوي

جلست بين جدران غرفة نومي، أراقب ظهور الأعراض البغيضة، وأقرأ الرواية التي سرعان ما استحوذت عليّ، انغمست في أحداثها معظم ساعات الحجر المنزلي، كنت أقلّب الصفحات بلهفة، علاقتي الوطيدة بالراوي تجعلني استمتع بها على نحو مختلف، رأيت عقيل بين السطور، رأيت طباعه، رأيت أبي، تماديت في التخيّل وتوقّعت أن أرى شيئاً من حياتي في الرواية، وليس ذلك بالأمر الغريب، يعتقد الروائي الإيطالي"أمبرتو إيكو" أن أجزاء من حياة المؤلف تنتقل إلى رواياته بوحي منه أو في غفلة منه. في مناقشة رواية "اريامهر نامه" كرر القراء أن البروفسور في الرواية يحمل صفات الروائي عقيل نفسه، واعترف أنه ربّما حدث ذلك دون شعور منه، وكفوتوغرافي أجاب: "أحيانًا لا مفر من ظهور ظل المصوّر في الصورة، وهو ليس أمر سيء بالضرورة". كان الرجل محقاً، فصوره الناجحة والتي فاز بها حوت في معظمها على ظله أو انعكاس له على مرآة.




كما ذكرت مسبقاً، نشأت بين أخوين، الأكبر هو كاتب الرواية د.عقيل، والأصغر هو د.طارق، ترعرعنا سويا في بيت العائلة، البيت الكبير الذي حوى كل متع الحياة آنذاك، بيت ملئ بالأخوة والأخوات، وكنا الثلاثة آخر الحبّات في ذلك العنقود، وكبرنا بأحلام مشتركة. كنا الثلاثة نحلم بزيارة بلدان العالم جميعها، وكان أكثرنا حظًا هو عقيل، سافر كثيراً، وكنت محظوظة لأني سافرت معه إلى بلدان كثيرة مثل؛ الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وهونك كونغ، ولبنان، ومصر، والإمارات العربية، وقطر، وقبرص، واليونان، وتركيا، وايطاليا، وسويسرا، والنمسا، وفرنسا، وألمانيا، وانجلترا، والسويد، وفنلندا، وموناكو، وروسيا، وصربيا، والأرجنتين، وبيرو، والبرازيل. سافرنا لأسباب عديدة، من أجل الاستكشاف، والمشاركة في مؤتمرات التصوير، وخوض التدريبات الرياضية، وحضور مباريات التنس العالمية، وأسباب أخرى، وفي كل مرة يخطو فيها عقيل شوارع مدينة جديدة أرى في وجهه فرحة أعرفها جيداً، فرحة الاستكشاف والتعرّف على مجتمع جديد، وقد لمحت تلك المشاعر عينها لدى"دارا" الذي سافر كثيراً في فارس. ولد في يزد، ثم سافر إلى شيراز، عبر الصحراء الجرداء، عاش في نيسابور، وقائين، وألموت، وقزوين، وهمدان، ومراغه، وتبريز. يقول"دارا": انطلقت مع الرجال، يحملني الشوق لشيراز، أشعر في صميم قلبي أني منذور لها، نذرني الفردوسي في أشعاره. عقيل كذلك كان منذوراً، لكنه منذوراً لحلمه بزيارة بلدان العالم جميعها. يكمل "دارا": شجعني حادي فامتطيت ناقته بفرحة طفل يسافر لأول مرة فتحت ذراعي أعانق الحرية، ...، عينان تتسعان دهشة، أريد أن أرى فارس بأكملها صفحة. في الرواية، لم أجد فرقاً بين الاثنين سوى أن عقيل ينظر إلى العالم و"دارا" ينظر إلى فارس.


الروائي الإيطالي"أمبرتو إيكو"

يقول"دارا" وهو أسير يمشي مكبلًا بالسلاسل في شوارع قزوين: كل بلدة فارسية توقظ فيّ وعياً خاصاً بأريانا القديمة، كنت أتنشق رائحة قزوين لأجعل منها ذكرى للوطن في وجداني. كان عقيل يتنشق كل مدينة بالكيفية نفسها، يعتقد أن الكرة الأرضية وطن للبشر جميعهم، يحقّ للناس السفر إلى كل بقعة فيها، وسمعته مراراً يستنكر أمر الدول المتغطرسة التي لا تمنح تأشيرة الدخول لجميع الجنسيات.

كموبذ أصيل تعلق "دارا" بالكتب، وفي ذلك شيء من تعلق عقيل بالكتب، الذي يرفض أن يضيّع وقت السفر من أجل التسوق، لكنه يستغرق طويلًا ليشترى كتباً أعد قائمتها مسبقاً، سعادته هي سعادة "دارا" الغامرة كلما وقع على كتاب جديد يقول "دارا":خرجت لسوق وقعت في حبّها، كان زقاق الوراقين البقعة المفضلة لي، لا أملّ دكاكينه، أُقلّب في الكتب حتى أبتاع واحداً. ذلك منظر مألوف بالنسبة لعقيل في البازارات، وأسواق المدن العتيقة. يتمتع البطل "دارا" بفن الإنصات للآخرين ليتعرف على جوهرهم، حدث ذلك مع الآشوري، والغندورة، والشاعر سعدي، والصوفي حسن، والبدوي رستم، والخواجة الطوسي، والسلطان أوليجايتو. وهو في ذلك يشبه صانعه الراوي، فكم من أصدقاء كسبهم عقيل في أسفاره، تماما مثل "دارا" الذي يطرح أسئلته الذكية على الناس، ويستمع إلى قصصهم بقلب صادق.

لم يخلُ السرد من حس الدعابة، بعض الجمل جعلتني أضحك بصوتٍ عالٍ، ورغم أنها تحمل معاني عميقة إلا أن طرافة عقيل كانت تلوح أمامي في أحيان كثيرة. أثناء حرب المناجيق في سجن ألموت، قال "دارا: "وضعت الرسالة على الرف وقد يأست من الحياة، وتمنيت لو تسقط قذيفة على المكتبة وتدفنني تحت ركامها في قبر حقيقي. من يعرف الروائي عقيل مثلي، يدرك أسلوبه الساخر في دمج الجد بالهزل. وثمة أوصاف هي من طبيعة حديثه الدمث، مثل وصف "دارا" لشيخوخة أبيه: حين أتحقق في وجه أبي الطاعن في الدين، أرى جبهة عريضة كأنها صفحة كتاب.

وجدت أن بعض الشخصيات في الرواية تشبه شخوصاً حقيقية في حياة الروائي. وصف "دارا" والده "الكاهن كردير" فقال: لم أره إلا بصحبة كتاب، لا وقت لديه لتسلية أو تسكع، لا مزاج لديه لمزاح أو تندر. كان ذلك هو عينه حال والدنا، رحمة الله عليه، السيد محمد صالح عدنان الموسوي، الذي ألّف ما يفوق المائة كتاب، وكان يمتلك مكتبة عظيمة هي أكبر غرف البيت مساحةً. في يوم ولادة "دارا" دوّن "الكاهن كردير" في دفتره التاريخ حسب جميع التقويمات التي يعرفها، ربما كان هذا التقليد زرادشتياً، لكني أجزم أن الكاتب اقتبس ذلك من والدي، حيث كان يفعل الأمر ذاته، يدوّن تواريخ ولادات أولاده كلهم في دفاتر خاصة. ومما لفتني أيضاً أن والدنا، رحمة الله عليه، توفي على يد عقيل، رغم أن له من الأولاد 34، لكن شاء القدر يومها أن يكون مع الأطباء المسعفين في الغرفة، وعندما خرج عقيل حزيناً، عرفت العائلة أن الوالد قد توفى. ماذا حدث في الغرفة؟ لا نعلم بالضبط، لكنني أشعر بقلبي أن شيئاً من وفاة والدي ظهر في الرواية، وربما كان دون شعور من الروائي.


لا يمكننا أن نغفل أن الروائي عقيل

الموسوي هو طبيب أسنان أيضاً، قضى في المهنة ثلاثون عاماً، والشيء الواضح أن مسألة الفم والأسنان اتخذت تجليات حافلة بالوصف البلاغي، ما منح الرواية جمالاً خدم مشاهد متعددة، مثل التقدم في العمر، والمرض، والفقر، والقبح، والجمال، والحب، وثمة تعلّق رومانسي بأسنان الحبيبة، استمر مع أسنان الابن. عندما تقدم العمر بأبيه "الكاهن كردير"، قال "دارا": غار خداه، وبرزت أسنان طويلة في فمه. وقبل أن يموت وصفه : كان في آخر لحظة من لحظات حياته، زمّ فمه الغائر ، ……، وسلّم الروح. أما حين أراد الروائي وصف الفقر والتقشف فقال: ملأت الابتسامة وجه المانوي، حتى بانت أسنانه المتعفنة، وفي وصف القبح قال: أحسست بأنفاس الجويني ورائي، مَسَكَني من ذراعي بقوة، استدرت ورأيت أسنانه الصفراء،……، وتناثر لعابه على وجهي.

في الفصل الثالث، ظهرت شخصية "الآشوري" الذي يمثل الجانب الفكاهي في الرواية، شخصية لا مبالية، ساخرة، وغير منظمة، وصفه "دارا:" ضحك ضحكته الساخرة، وبانت زحمة الأسنان في فمه. ووصفه سكراناً في الحانة: يمشي كالطاووس، أرى بياض أسنانه المتزاحمة في الظلمة. وهكذا يقارب الروائي الزحمة في حياة الآشوري بزحمة أسنانه، فحياته غير منتظمة تماماً كأسنانه.

في مشهد جمال المرأة، تعودنا وصف الأسنان الناصعة البياض، لكن أسلوب الروائي عقيل كان مختلفاً. هكذا وصف" دارا" حبيبته فضة حين أجابت: اسمي فضّة.

تبختر الاسم على شفتيها، وخرج مبعثراً بضحكة عابثة. حين نطقت حرف السين، لمحتُ طرف لسانها يداعب ثناياها، وأوشكت ثاءٌ أن تنطلق، لكن صوت السين انتصر، وخرج بصفير عذب.

هنا نقف أمام مشهد بديع للشفاه والأسنان، ووصف باهر للصوت، وكما يحدث في الأفلام السينمائية حين تتحرك الصورة ببطء للتركيز على أمر مهم. الأمر المهم هنا أن فضّة كانت فرقاء الثنايا، وهي خصلة ليست جميلة بالضرورة، إلا أن" دارا" المتيّم بفضّة يراها شيء رائع جذبه نحوها، وحتى بعد رحيلها، استمر يراقب الأسنان في ابنه طفلاً، يقول في وصفه: أَجد لذة عظيمة في متابعة شبهه بأمه، يبتسم فأبحث في خده عن غمازة، وفي عينيه عن لون عسلي، وفي ثنيتيه الأماميتين عن فرق.

كان الروائي- طبيب الأسنان- استخدم الأسنان ليخبرنا عن الأعمار دون ذكر الأرقام، يقول "دارا" في وصف ابنه الرضيع: بزغت نتوءات بيضاء في فمه. يقصد بلوغه الستة شهور، أما عندما شاخ "دارا" فقال: لما نحيتُ القلم والمحبرة، كان عمري قد تآكل، نخر السوس أسناني وتساقط بعضها.

ثمة جمل أعجبتني كثيراً، توقفت عندها ملياً، مثل قول" دارا": إن موتي أمر طبيعي، وكانت حياتي هي المعجزة، معجزة مليئة بالمغامرات، وما الموت إلا مغامرة أخيرة. لطالما سمعت عقيل يقول: "إن الإيمان الحقيقي لا تفسده قلة العبادة"، ويكرر: "في حضرة الكتب تنتفي الغربة"، كما يقول: "إن الكلام أمام امرأة تعشقها يشبه اعتراف طفل في حضن أمه"، ولكنه كان أكثر إقناعا في الرواية.

"دارا" الباحث عن النور السماوي، شخصية خلقها الروائي عقيل الموسوي، سرد حياته كاملة في قالبٍ لغوي متميز، أبدع في طرح أفكاره، ومشاعره، بطريقة أدبيةٍ فنيَّة وصور إبداعيةٍ خلاّقة، فرأيناه موبذ يزد اليتيم، ودرويش شيراز المتسول، وسجين ألموت، وأسير المغول، وعاشق مراغه، ومستشار السلطان.

عزيزي دارا الزرادشتي، لقد كانت الإصابة بالكورونا فرصة سعيدة لأعرفك، عرفتك قبل عامة الناس، عرفتك لما كنت سراً ينتظر الإعلان، وعرفتك لاحقا مشهوراً في يوم التدشين. لن أنسى الساعات التي قضيتها برفقتك، في 408 صفحة، طرتَ بي من غرفة المرض الكئيبة إلى رحاب صحاري فارس ومدنها العريقة، سأظل أتذكّرك لأنك ظهرت لي كالمنقذ، وجعلت من فترة الحجر المزرية تجربة مثيرة، ومميزة.

196 مشاهدة