قراءة في سيرة "معاميرندو: ذاكرة الطفولة في ثمانينيات القرية"




بمجرد أن انتهيت من القراءة رجعت ملهوفًا إلى صفحة الغلاف مرة أخرى، بحثت عن كلمة رواية، ولم تكن هناك، لكن التجربة ستبقى في ذهني رواية، حكاية قرية المعامير بكل شخصياتها الممتعة، سيرة "معاميرندو: ذاكرة الطفولة في ثمانينيات القرية" للكاتب أحمد رضي، (فراديس للنشر والتوزيع، البحرين، الطبعة الأولى ٢٠١٨).


ليست الرواية سوى سرد نثري يصف شخصيات خيالية أو واقعية، إنها حدث في شكل قصة متسلسلة، حدث يعتمد على الوصف والحوار والصراع بين الشخصيات، حدث يسير في حبكة تتعقد حتى تصل إلى الحل. "معاميرندو" حسب هذا التعريف هي رواية، شخصياتها حقيقية، وإن أعطاها الكاتب أوصاف ظريفة، أسماء مستعارة تخفي هوية أصحابها، ويمكننا أن نتفهم أسباب الكاتب النبيلة، ولكن قرية صغيرة ستتعرف بسرعة على أبناءها المعروفين بأطباعهم قبل ألقابهم، وإن غيّرها الكاتب إلى أسماء مثل هتلرية، ذو العين الخضراء، مدمن الشاي، الزكرت، صلعة الحناء، جاك سبارو، سيكا صائد الفئران، الكشخة، وسقراط، والعائد من أمريكا حديثاً. وكانت هناك أيضاً شخصيات حقيقية؛ الاستاذ حسين العريبي، وحجي حسن مهدي بائع اللوز المتجول، والمذيع عباس حبيب ذو الصوت الجهوري، وهم في مجموعهم الجوقة الممتعة التي كشفت لنا ما جرى في المعامير أثناء طفولة الكاتب في الثمانينيّات من القرن المنصرم.


عيقل الموسوي

تبقى الشخصية المحورية في "معاميرندو" هي شخصية "أحمد رضي" نفسه، الكاتب الذي يروي سيرته الذاتية كطفل يكبر في القرية، إلا أنه يرويها من زمنه الحالي، من عالم النضج وهو شاب مثقف، فيستعرض إلى جانب تحليلاته الذكية والعميقة أفكار كتّاب مهمين. تستمر شخصية الكاتب في النمو مترافقة مع القرية التي تكبر معه، يمكن للقرى والمدن أن تكون لها شخصيات اعتبارية. نلاحظ أن الصفحات قليلة (أربعة فصول، ١٥٣ صفحة من القطع الصغير)، وسنوات السرد في هذه التجربة قصيرة (عقد من الزمن، الثمانينات) ومع ذلك يشعر القاريء بالتغير الذي يطرأ على الإثنين، الطفل والقرية، فالحبكة في الرواية هي قصة نشوء المعامير، وأحداثها تسير بإيقاع يتقدم في الزمن، ترصد أطباع أهل القرية، تتابع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها القرية، وتنتهي الرواية أن تصبح المعامير ليست قرية، تتحول إلى ما يشبه الضاحية، وذلك بعد أن فقدت مصادر الرزق لأهلها، فصاروا موظفين في الشركات، يملكون السيارات التي قرّبت لهم عاصمة كانت بعيدة.


كان الكاتب موفقاً في مقارنته المعامير بـ "ماكوندو"، فهناك سرد متواصل لأجيال القرية بدءاً من "حجي رضي" الجد الأكبر للكاتب الذي عاش الزمن القديم، زمن "المختارية"، ثم الجد "احمد رضي" الذي عمل في بابكو في الستينيات ودرس في إنجلترا، ثم الأب الذي تقاذفته الدنيا، وصولاً إلى الكاتب نفسه "أحمد رضي" الذي يمثل الجيل الرابع للقرية. وبمقارنة سريعة نجد أن رواية "مائة عام من العزلة" هي قصة قرية خيالية اسمها "ماكوندو"، فيما "المعامير" قرية حقيقية تقع جنوب العاصمة "المنامة". تستمر سيرة "ماكوندو" لقرن، وفي "معاميرندو" هي ستة عقود، من العشرينيات إلى الثمانينيات. في "ماكوندو" هناك ستة أجيال من عائلة "بوينديا"، وفي "معاميرندو" هناك أربعة أجيال من عائلة "أحمد رضي"، وفي الحالتين كان اسم العائلة يتكرر ويحمله الأبناء من جيل إلى جيل.


تساءل الكاتب في الرواية: كيف يمكن لشخص أن يكون هكذا متعدد الأوجه، فيصبح في لحظة إنساناً آخر؟ لكنه كان قد اعترف منذ البداية، في الإهداء لابنته إلياذة: حتى ذلك الوقت [وقت قراءة إلياذة للرواية] سأمثل دور الأب، وأتمنى أن أكون مقنعاً. في الحقيقة، أكثر ما شدني في هذه الرواية هو البوح الصريح، الكشف الفاضح لطفل وُصف خجولاً، عنيداً، مغامراً، سارقاً، شقياً، طماعاً، ليس الأطفال ملائكة تقول الرواية، أن يتحمل الطفل الضرب لهو أفضل له من أن يشتم نفسه، ليس في ذلك حماقة أبداً، أن تطلب من الخياط جيباً واسعاً في الثوب بسبب طمعك، وأن تشكل عصابة تنوي العنف، وأن تخاف من أمور تافهة مثل حفرة المختلى، وأن تبكي مع أول تجربة إبرة، مع مهانة كشف المؤخرة أمام فتاة، كل تلك مشاعر طبيعية جداً، لكننا لم نتعود أن نعترف بها لأحد، على الأقل ليس في الفضاء العام، لذا كانت الرواية واقعية جداً، فلا يكاد رجل إلا ويكون قد عانى من تحديات الطفولة ومما سرده الكاتب. الرواية تقنع القاريء بسهولة أن الأطفال يمكنهم أن يكونوا أشراراً، هكذا وبدون مبرر، الكاتب نفسه لم يتستر على شقاوته خلف براءة الأطفال، واعتذر بشجاعة لأحد المتضررين من أفعاله، وهكذا جاءت تحليلاته مقنعة جداً، ولن أستغرب لو قرأت الابنة "إلياذة" الرواية في المستقبل ووجدت أباها مقنعاً، من الطبيعي أن تجده كذلك، وحري بنا هنا أن نتوقف قليلاً أمام هذا المشهد الأبوي المعبر، وأن نقدم نظرة إجلال للكاتب، ليس هو مذنب، فقط لاحظ الهوة الكبيرة بين ما كانه في الماضي وما يكونه الآن، المسافة بين أحمد رضي الطفل وأحمد رضي الأب، لذا جاءت كلمات الإهداء موحية بأنه يلتمس تفهماً خاصاً من ابنته.


قد يكون من المفيد أن أذكر هنا أني لم أتعرف على الكاتب "أحمد رضي" شخصياً، قرأت له لكني لم أعرفه كما نأنس بعضنا على هذه الجزيرة الصغيرة، حيث يعرف القارئ عن قرب معظم مثقفي جيله، بعبارة أخرى لم تشأ الظروف أن أكوّن لتاريخه صورة متخيلة في ذهني، فكان شيقاً لي أن أكتشفه من خلال سيرته في هذا النص، أتعرف عليه بطلاً من أبطال معامير، شقياً حسبما اشتهر عنهم. يمكنني أن أجزم أن جهلي به أضاف لي الكثير من التشويق في الرواية، لأن القارئ هو صديق الكاتب معجب به، ضمنياً هناك اتفاق سري غير معلن عن هذه العلاقة، وما كانت هذه التجربة تشدني لو كان كاتبها صديقاً أعرفه، لكن النص سبر لي أغوار الكاتب الباهرة، وصرت الآن معجب به، فعلياً لا ضمنياً، ولست ممن يخجل أن يعرض صداقته على الأذكياء المبدعين.


كلما توالت أحداث "معاميرندو" كانت شخصية الكاتب "أحمد رضي" تتبلور أمامي نموذجاً لشخصية طفل القرية البحريني الشقي والبريء في الوقت نفسه، هو"توم سوير" في هيئة بحرينية ستراوية. قبل نهاية الرواية نميل كقراء لصنع نهايات متخيلة في أذهاننا، والكاتب النابغة هو ذلك الماهر الذي يفاجئنا بنهاية لم تخطر ببالنا، وكنت اخترع النهايات لمغامرات الكاتب دون شعور مني، وكانت الرواية تفاجئني في كل مرة. لقد خلقت "معاميرندو" شخصية "توم سوير" البحريني، أقول "توم سوير" لأن الكاتب لم يعط بطل روايته اسماً، نحسبه تواضعاً منه، لكنه لو فعل، فربما أصبح الاسم رمزاً لشخصية الطفل العربي الشعبية، مثل تلك الشخصيات الكبيرة التي خرجت علينا من صفحات الكتب ومن شاشات السينما لتستقبلها الناس وكأنها شخوص حيّة لأناس يعيشون معنا، مثل شخصية "حسينوه" من مسلسل "درب الزلق" و "سي السيد" من ثلاثية نجيب محفوظ، على سبيل المثال.


نجيب محفوظ

في الفصل الرابع والأخير يشعر الكاتب بنوع من المسؤولية الروائية تجاه قرّاءه، وعلى عادة الروائيين يبدأ بالإعداد للخاتمة، يموت والده الذي ينتمي إلى الجيل الثالث للقرية، ويكبر الطفل الذي يقود الأحداث ويصبح في سن الأربعين، ثم تظهر ابنة الكاتب إلياذة، التي تنتمي للجيل الخامس، إلياذة التي أهدى لها الأب الكتاب كما لو كان يتآمر مع القدر، ليحرضها على الولوج في عالم قرية المعامير.


كانت "مائة عام من العزلة" رواية، ولا يمكن لهذا السرد الجميل في "معاميرندو" إلا أن يكون رواية من تلك الروايات التي لم تُكتب إلا اندهاشاً بأحداث صداها كبير، لم تُكتب إلا تحت تأثير شعور مثقل بالحب لبقعة معينة، لم تُكتب إلا خوفاً على مصير قرية بحجم وطن. قد يسمح لي كل هذا الإعجاب بـ معاميرندو أن أقول أن ما ينقص هذا العمل، البسيط في شكله العام والعميق في معانيه، هو شيئ من الحب البكر الذي يربك الأولاد، الحب الذي يأتي فيروض الولد الشقي، مغامرات الابتسامة والنظرة، نفهم أن القرية لا تنظر بعين الجد لمشاعر اليافعين الأولى هذه، ولن تكون المعامير استثناءً، لكن القرية مهما بلغت من جبروت في عاداتها المتحفظة لا تملك أن تمنع الحب حين يحدث، يغريني لهذا الكلام أن الكاتب شاعر، وكأني قرأت يوماً أحد يقول: من يجيد الشعر يجيد الحب.

37 مشاهدة