قلعة قاسم (القصيدة تفكك نفسها)حدود المغنى، وسعة المعنى


وقفتُ على الدار التي كنتمُ بها / فمغناكمُ من بعد معناكمُ قفرُ

فعيناي كالـ (خنساء) تجري دموعها / وقلبي شديدٌ في محبتكمْ (صخرُ)

ابن العرندس الحلي

كان لقائي الأول مع (القلعة) القصيدة مسموعا لا مقروءا. "الأذن تعشقُ قبل العين أحيانا". لا أذكر أين ومتى. فتنتُ بها لأول لحظة. برغم قصرها النسبي شعرتُ بأنني أمام كتابة كأنها الحركة، كما قال ذات عبارة الشاعر عبد اللطيف اللعبي. القصيدةُ حين تثير شكك فيها ذاتها. القلعة هي ليست قلعة ممتنعة بل ممتعة بكل ما تتيحه للغائرين عليها من إغراءات ونِعم تستفز لديهم شهوة المباغتة ودون أن يكون هناك ما ينتظرهم من مكائد سوى مكيدة الحب.

النزعة الآخِرية Otherism من الولع بالآخر، بالاشتباك الحميم معه لا بالعداوة. فيما بعدُ سأظل أرددها بيني وبين نفسي لكن بوزن!. إن كانت قصيدة النثر تنثر حبات عِقد الوزن فتبعثره، لم لا أجرب العكس؟ أن أربط خيط الوزن المنفرط وألم الحبات المنثورة. وجدتُ نفسي أردد على بحر الخبب:

"حجراً، حجراً، أبني القلعة / حجراً، حجراً و أشيدها

فعلن فعلن فعلن فعلُ / خبباً ذهبتْ تمشي الإبلُ"



راق لي هذا التحايل على قصيدة النثر بأن أعيد تركيبها. كنتُ قد دافعتُ يوما عن فكرة ليست ذات شعبية كبيرة واعتبرها بعض الأصدقاء فذلكة مجانية، وهي: إن القول بوجود كلام غير موزون في العربية هو بحد ذاته وهم.

إن كل جملة من كلمتين أو أكثر يمكن أن توزن بحسب تشكيلها. قصيدة النثر إذن تتكون من وحدات وزنية ذات تفاعيل خاصة بكل منها حيث الوزن في اللغة متضمن أساسا ولا حيلة لنا في استبعاده. الفرقُ بين قصيدة النثر وقصيدة الوزن (عمودا وتفعيلة) هو فقط أن هذه الأخيرة تقوم ببناء اللاحق على السابق وتغلق الفجوات بين وزن وآخر بجسر من الكلمات وحروف الجر وأسماء الوصل والإشارة وغير ذلك، بينما قصيدة النثر لا تفعل ذلك، بل تتركُ كل وحدة وزنية ناقصة لا مكمل لها. هذا ما يخلق قصيدة النثر. لا أن الكلام لا وزن له. لذلك كل قصيدة نثر قابلة في بعض أجزائها لإعادة سبكها وزنا. وراق لي الآن أن أمتحن تلكم الفذلكة المدانة وراق لي أكثر أنهُ بحر الخبب. كأنها الأفراس وهي في فجر التمرين تخبُ خطواتها متمايلة الأعراف في نور الشمس الذهبي صعودا إلى قلعة لا تُرى.

لكن نثر حبات الوزن هنا ليس لعية إيقاعية فحسب. إنه في النهاية هدمٌ للقلعة وبناء لها من جديد هكذا في عملية متواصلة. لكي يبني الشاعر قلعة تقفُ على أعمدة مجازه (مزاجه)، قلعة هي أصلا ليست قلعة إلا بما يوحي به فعل القلعِ والاقتلاعِ والتقلّعِ من خفة وهشاشة فلا بد إذن من تفكيك صخور الوزن، ومن أن يجيء (أبني) قبل (حجرا) على ما في وزن الخبب من جمال لو قُيض للقصيدة أن تأخذ التفعيلة شكلا، لكن ليس بعبادة الجمال وحده تُصنع القصيدة، بل بمساءلة الجمال أيضا. بالشعر بيانا أيضا. ليس بالمعنى السهل لمفهوم (بيان) بما هو مانفيستو، لكن بما يجعل الحوار متواصلا في الشعر بين الجمال والسؤال:

"كل موجة من الهجوم

أسميها تفاحة الغواية

أمقتُ الأسلحة

لا أحسنُ الحرب"1

القلعة كورطة جميلة، لا تتحدى في الأعداء سوى ترددهم وخوفهم من افتحام الجمال. ليهجموا إذن، وليكتشفوا، أن ليس الآخر في جزء منهُ إلا صورة منهم، وأن ما ينتظرهم هناك ليس الحرب، بل البحر المليء بالكنوز التي سيعود بها الجنود مدججين بما لذ وطاب، لئلا يتوبوا أبدا عن الإغارة على القصيدة فما يزال لدى الشاعر الكثير من المفاجآت التي تليق بشجاعتهم.


كريم رضي

ظلال الإسم


قِدما قالت العرب: لكل امريء من اسمه نصيب. إن في إسم (قاسم حداد) هذا المعطى الذي هو عليه، ولو أن المسمى ليس بدءا مسؤولا عن اسم لم يخترهُ أصلا أو على الأقل لم يخترْ شكلهُ الأصلي.

تلك المصادفة التي تقذفُ بالكائن وحيدا فجأة كمخلوق غريب سقط من مركبته في كوكب آخر غير كوكبه ثم اكتشف اسمه لاحقا والآن عليه أن يتعامل مع هذا الإسم بوصفه هويته. هكذا تُمنحُ الأسماء لنا دون اختيارنا، لتبقى فيما بعد – فقط في حالة حسن الحظ - للمسمى مهارة أن يشحن ذلك الإسم بدلالة مفارقة أو مقارفة فعل ما، يجعلُ الإسم ذا وحيٍ بما (لا) يفعلهُ المسمى.

عنيتُ ذلك التضاد بين (حداد) مهمته الطرق، والسبك، والتصليد، وكل ما يتعلق بجعل الحديد (شيئا) قابلا للإقامة بيننا كوسيلة للحياة، شيئا هو ما بعد وجوده الأول الغامض في مادته الفلزية الخام (الحديد)، من ناحية، وبين (قاسم) مهمته تقسيم هذا المنجز، بعد أن أنجزه وأتم خلقهُ (حداد)، وليكن أي حداد دون نعمة (ألـ) التعريف، ليذهب الإسم إذن إلى نقيض التعريف الجامع المانع، لفظيا ومعنويا وهو التفريع، إلى تشظيات شتى تفتتُ الضوء الساطع إلى خطوط متفرقة تتخللها الظلال، من ناحية أخرى.

إذْ يلقي هذا الإسم بظلال، وكأني أقول بـ (ضلال) تمتدُ على النص امتدادا فإنه سيخذل ربما البنيوية التي تنبهنا إلى النص في ذاته بعيدا عن مؤلفه الذي مات، بحسب رواية رولان بارت2، أي فقط إلى ما قام به (حداد) بعيدا عما يقوم به (قاسم)، أي إلى الأثر الخالد، لكأن مثل هذا الأثر اللغوي وخلوده دون ظلٍ يلقى عليه هو حقا أمرٌ له وجود! أو لكأن الظل لم يكن يوما هو الأصل بل مجرد اختباء الشيء من النور. فما الظل يا تُرى؟ وهل هو حقا كذلك؟ و أليس فيه بحد ذاته ما يفيد البقاء والاستدامة في (ظلَّ)؟، أوما يفيد الأصالة والأولوية بإزاء النور كما هو مثلا في التنزيل العزيز؟

"ألم تر إلى ربك كيف مد الظلَّ ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا".3


تكوين القلعة:

في اللغة:

مم تتكون القلعة؟ هذا الحصن الركين الراسخ على سفح جبل أم على أرض مستوية؟. وما الذي توحي به؟. من قطع الصخور والأحجار تتكون. وهي إذ توحي بالثبات والصمود في المفهوم المستقر لدينا، فهذا هو فقط ما صارت عليه القلعةُ بعد أن تمت عسكرتها، أما في داخل هذا الإسم نفسه مجردا فلا تكمنُ إلا الهشاشة والرحيل والارتحال4 والتبدل بل والفناء المتضمن في الفعل (قلع)، (اقتلع)، (أقلع)5 وكل ما يعنيه من الانخلاع وعدم الثبات والضعف والرخاوة والتحدر في المشي وتحولات المكان والكينونة.

فبقدر ما يتصل الأمر باللغة، لا يبدو اسم (القلعة) في نهاية الأمر معبرا عن هذه الهيبة والمنعة التي يوحي بها مثلا اسم (الحصن). الاختلاف هنا نابع أساسا من أن اسم (الحصن) هو اسم وظيفي تماما لا شأن له إطلاقا بالتكوين، بينما (القلعة) اسم تكويني تماما لا شأن له بالوظيفة.

ينبؤنا اسم (الحصن) بما يقوم به هذا البناء وهو التحصين وفرض الهيبة، بينما لا يشير اسم (القلعة) في أصله، ومع أنه بالطبع يجيء في القواميس كمرادف للحصن6 ،إلا أنه لن يعطيك في جذره اللغوي إلا ما يتكون منه هذا الكيان من قطع الطين اليابس المجفف7، وما قُـلع من الصخر والأحجار وجيء به (مقتلعا) أو (مقلوعا) من مكان بعيد ليبنى به هذا البناء.8

وحيثما طفتَ حول اسم (القلعة) بحثا في جذره اللغوي عما يوحي بالوظيفة المعهودة في ثقافتنا للقلعة فلن تجد في هذا الإسم إطلاقا أية دلالة وظيفية من أي نوع. هذا يعني أن (القلعة) اكتسبت اسمها هذا لا مما تقوم به بل مما تتكون منه وكثيرا ما نجد في اللغة ذلك حيث يطغى الجزء على الكل فيتخذ هذا اسم ذاك.

القصيدة هنا تأخذنا لنشهد القلعة وهي تُبنى في لحظة تشييدها من (مقلوعات) الوجود الغريبة التي لا رابط بينها سوى الاقتلاع والغربة:

"أبني القلعة من حولي

أشيّدها حجرا حجرا"9

ليست القلعةُ الحصنَ الذي اكتمل وأصبح الملاذ الذي يتحصنُ به الكائنُ، بل هي تكوين هذا البناء حجرا حجرا الآن وإلى الأبد. الفعل الحاضر (أبني)، (أشيد)، فالقلعة لن ينتهي تشييدها أبدا، لن تصبح المعمار الذي يصد بل سيستمر تشييدها ليفضح ماضي الحجر ورقته التي تجعله يبوح بحديث الماء:

"وإن من الحجارة لما يتقجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرجُ منهُ الماء10

الحجر الرقيق الذي لا يتحمل ثقل الحلم الرهيف برغم خفته فميمشي كلما ألقينا عليه حُلما:

"كلما أرخيتُ أحلامي على حجرٍ مشى" 11

في الفيزياء:

ثم إننا إذا ما جئنا إلى الوجود الفيزيائي للقلعة، فلا شيء أكثرتناقضا بين خارجه المتحدي الممتننع وداخله المفتوح على احتمالات هوية المكان. لا شيء أكثر تجويفا من قلعة. حين تدور حول البناء مأخوذا بعظمة الاستدارة والاستطالة والسمْك الذي تريكهُ الجدران، يسبقكَ نظركَ إلى ما وراء هذه المتانة من فراغ في الداخل. ما أن تلج القلعة حتى تكتشف الأفنية الواسعة حيث الخلاء سيد المكان مباحا بلا حدود. كل هذا الاحتشاد الحجري في الخارج بكل صلابته وبسالته هو لا شيء. فكر فيما داخل هذه الجدران. في هذه الاستدارة التي تحضن الفراغ كأمٍ تطوي شغافها على جنين.

لم يكن هذا الصخر يصون داخله إلا هذا الفراغ الشاسع والمحايد. كأن الجدران الصامتة في هيبتها الخارجية لا تحمي سوى ما في أحشائها من الفراغ الذي لا نهاية له. لا يتركُ قاسم للجدران ترف أن تنتصبَ في مواجهة القاصدين، بل يجعلها في حالة انبناء لا انتهاء لها. القلعة في حالة التكوين والذي هو في الشعر التدوين. القلعة ضد نفسها، ضد رسوخها وثباتها، ضد كونها سجنا يعرفهُ قاسم أيما معرفة فيقسّمه ليرق الحجر ويحن فهو جبل لكنه من الغيم 12 . تبذلٌ القصيدة جهدها لتجعل الأسوار مغرية بما يوجد خلفها. تضيء الأسوار بما يدهش لتبدو ملهاة لعشاق الطفولة واللعب الجماعي، ودائما في فعل مضارعٍ يضمنُ لنا ألا يتوقف تصميم القلعة:


"أرممُ أسوار القلعة، أدهنها

وأزينها بالقناديل"13


ضد كافكا:


في روايته (القلعة)14 و لكي يحتفظ كافكا بأقصى ما يمكن الاحتفاظ به من الغموض والرهبة للقلعة في نفوس قراءها فإنه لم يُمكّن بطل الرواية السيد (ك) الذي يبحث عن وظيفته من دخول القلعة أبدا برغم كل محاولاته المستميتة، حتى مات كافكا قبل موت بطله، وظل حلمُ السيد (ك) بدخول القلعة عبر مئات الصفحات من الرواية عزيزا على التحقيق. وفي الأغلب فإن كافكا نفسه قد وجد نفسه متورطا مع بطله السيد (ك) في العجز الخالد عن دخول القلعة ما جعل لها هذه السطوة في العمل الروائي بأكمله، فهي ليست فقط اسما للرواية لكنها الرواية كلها. إنه لا يمكن معرفة أية هشاشة تتوارى خلف الجدران إلا بدخول القلعة.

ضد هذه الكافكاوية الكابوسية يستدعي قاسم المستنفَرين لدخول القلعة، بل ويغريهم بالهدايا ليدخلوا. إذا كانت قلعة كافكا الرهيبة موجودة منذ مئات السنين، واقفة ببلادتها المستدامة ليعيا الناس من الوصول إليها، فإن قاسم يفتح القلعة مباحة كمغارة الكنز في أحلام الطفولة. يداعب شجاعة الأعداء بأسلحة صنعت للهو الجميل. يسعفُ جرحاهم ويرأف بأسراهم. انتصار الشعر لما في أحشاء القلعة من هشاشة وتجويف. صداقة ليست مع ما صاره الحجر بعد أن اكتسب وظيفة لا تليق بتاريخه هي وظيفة قطعة محددة من جدار، بل صداقة مع ما كانه الحجر قبل توظيفه، أي قبل صمته حيث كل وظيفة تؤول إلى صمت لا محالة وكل تكوين يظل ناطقا ما برح تكوينا. الحجر الذي له أخبار خبرها قاسم وعرف أسرارها:

"لكِ هذا الحجر القديم كتبته في نسيان صاعقة عابرة سميت به الحرف الناقص في كلام الليل هندستُ به الطبيعة ونيرانها"15

ولكن ليس قاسم شاعرا فقط بل قاسم يافعا حيث كان للحجر نصيبه من إزميل قاسم حين عمل عامل بناء في بدايات حياته بمدينة المحرق16


في العلاقة:


قيبل كل شيء، القصيدة فعل علاقة. القصيدة التي لا تكون فعل علاقة، لا تستطيع هي أن تبني علاقة مع قارئها. لا تتأسس علاقة القصيدة مع قارئها إلا بكونها هي أساسا فعل علاقة بين مكوناتها بعضها البعض. في القصيدة الوصفية المسطحة مثلا سيقف الشاعر أمام القلعة مـأخوذا بجبروتها ويصفها، يصف عراقة بناءها أو متانة جدرانها. الوصفُ ليس علاقة. الوصفُ فصلُ الواصف عن الموصوف. فصلٌ سطحي لا عمق فيه. لكن في القصيدة العميقة سنجد ذلك التماهي بين الشاعر والقلعة بحيث يعسُر علينا أن نفصل الواصف عن الموصوف، أو أن نفصل القلعة عن بانيها.

قلعة قاسم أمْ قاسم نفسه؟ القصيدة العميقة مشرعةٌ لسكاكين قاصديها، مباحة مغرية لهم لئلا يترددوا كثيرا ولا يتأخروا عن المداهمة. قاسم الذي خبر المداهمات وزيارات الفجر، لا يبدو متذمرا ضجرا بل مأخوذا بمديح الفتك بعد أن ألبسه ثوب الافتتان بالضحية. الكتابة بوصفها ليست نقلا للكلام بوصف الكلام "أصلا" بل هي إنتاج له، لا يعبر عنه بل يوازيه إذ الوجود هو أساسا وجود مكتوب17. ثمة ذات وثمة أخر. لكنهما ليسا جوهرين. الجواهر في ثباتها وصلادتها تغلق أفق العلاقة بين عناصر القصيدة. تكون الجوهرية دائما ضد الآخرية. بذلك نستعيد المقارنة في قراءة العلاقة بالآخر مقارنة بين قصيدتين إحداهما قائمة على الجوهرية الذاتية (نونية عمرو بن كلثوم – ت 600 م):


"نجذُ رؤوسهم في غير بر / فما يدرون ماذا يتقونا

ونشربُ إن وردنا الماء صفوا / ويشربُ غيرنا كدرا وطينا

ونحنُ الحاكمونَ إذا اُطِعْنا / ونحنُ العازمونَ إذا عُصِينا"18

تقابلها قصيدة قائمة على الغيرية الآخرية (دالية المقنع الكِندي – ت 689 م):


"فإن يأكلوا لحمي وفرتُ لحومهم / وإن يهدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

وإن زجروا طيرا بنحسٍ تمر بي / زجرتُ لهم طيراً تمرُ بهم سعدا

وإني لعبدُ الضيف ما دام نازلا / وما شيمةٌ لي غيرها تشبهُ العبدا"19

هذه النزعة الآخرية التي تقود إلى ليس فقط صداقة الأغيار بل إلى إرشاد هجومهم ووضع مصابيح الطريق دليلا لموكبهم الليلي:


"كلما ارتدّت هجمةٌ أسعفتُ الجرحى

وبعثتُ بالأسرى مدججين بالهدايا

أرمِّمُ أسوارَ القلعة

أدْهَنُها ، و أزيَّنُها بالقناديل

كي ترشدَ الهجومَ التالي" 20


يعود قاسم إلى القلعة في مدلولها القار في الأذهان الراسخ لقرون في ذاكرتنا الجمعية وهو مدلول اختبرته عظام قاسم منذ (البشارة)21 وصولا إلى (قلب الحب)22 لكن ليحرر الدال من مدلوله كما يقترح دريدا23 حيث فقط في هذا التحرير يمكن لنا أن نحقق الوجود الإنساني لأول مرة حين ستكون الكتابة هي وجودنا الوحيد نقيض الميتافيزيقا. لقد ظللنا طوال هذه العصور المتعاقبة نسعى إلى الكتابة لنعبر عن ذواتنا لكن ما لم نلتفت إليه وما ظللنا نغفله طويلا هو أن الكتابة ليست وسيلة تعبير ولا هي لغة، إنها وجودنا الأصيل غير القابل للشك في حقيقته.


قصيدة (القلعة)

قاسم حداد


أبني القلعة من حولي

أشيّدها حجرا حجرا

و أستنفر الجيوشَ لتبدأ الهجوم

وحدي

أستعدي شهية القتال في شجاعة الأعداء

أهيئ لهم كي يبدأوا شحذ الأسلحة

ويحسنوا التصويب

أبعث بكتب التحديات و أنتظر في القلعة وحدي

كل موجة من الهجوم أسمّيها تفاحة الغواية

أمقتُ الأسلحة

لا أحسنُ الحربَ،

وليس لديّ جنودٌ ولا سُـعاة

وحدي

كلما ارتدّت هجمةٌ أسعفتُ الجرحى

وبعثتُ بالأسرى مدججين بالهدايا

أرمِّمُ أسوارَ القلعة

أدْهَنُها