قوة القانون : "الأساس الخفي للسلطة"


جاك دريدا ‏، فيلسوف وناقد أدب فرنسي

بقلم : جاك دريدا



ها هو ذا واجبي، يتعين علىّ أن أخاطبكم باللغة الإنجليزية.


إن عنوان هذه الحلقة الدراسية والمشكلة التي تتطلب مني، أن أخاطبكم، حسبما تقولون في لغتكم بشكل متعد، قد جعلتني مستغرقاً في التفكير لعدة شهور. ورغم أنه قد عهد إلىّ بالشرف العظيم أي بإلقاء "الخطاب الرئيس، " فلم يكن لي شأن بابتداع هذا العنوان أو بالصياغة الضمنية للمشكلة." التفكيك وإمكان العدالة": أداة العطف "و" تقرن معاً كلمات، ومفاهيم، وربما أشياء لا تنتمي إلى المقولة نفسها. إن أداة عطف مثل "و" تجرؤ على تحدي الترتيب، والتصنيف، والمنطق التصنيفي، بغض النظر عن كيف تشتغل: سواء كان ذلك بواسطة القياس، أو التمييز أو التعارض. قد يقول متحدث سيئ المزاج: إنني لا أرى العلاقة، فلا يمكن لبلاغة أن تُخضع نفسها لمثل هذا التمرين. ولسوف تسعدني محاولة التحدث عن كل من هذه الأشياء أو المقولات ("التفكيك"،و"الإمكان"، و"العدالة") وحتى عن هذه التلازمات الحملية syncategoremes ("و" "الـ"، فيما يتعلق بـ ، ) ، ولكن ليس بهذا الترتيب، هذا التصنيف taxis ، هذه الصنافة أو هذا التركيب syntagm على الإطلاق.

لن يكون مثل هذا المتحدث سيىء المزاج فحسب، وإنما سيىء النية أيضا، وحتى غير عادل. حيث يمكن له بسهولة أن يقترح تفسيراً يحقق العدالة للعنوان. وهو ما يعني القول في هذه الحالة بتفسير ملائم وشفاف، أو بالأحرى تفسير شاك في مقصد العنوان أو إرادة القول vouloir- dire . يوحي هذا العنوان بسؤال يتخذ هو نفسه شكل الشك، هل يُؤّمن التفكيك، ويتيح، ويجيز إمكان العدالة؟ هل يجعل العدالة ممكنة، أو يهيئ خطاباً ذا أهمية عن العدالة وشروط إمكانها؟ نعم، سوف يجيب بعض الناس، لا، سوف يجيب البعضهم الآخر. هل لدى من يسمون بالتفكيكيين أي شيء يقال حول العدالة، أي شيء يتعلق بها؟ ِلم يتحدثون عنها قليلاًً جداً بصفة أساسية؟ هل هي تعنيهم في النهاية؟ ألا يرجع ذلك ، كما يشك بعض الناس، إلى أن التفكيك في حد ذاتـه لا يتيح أي فعل عادل، أي خطاب عادل حول العدالة، غير أنه يشكل تهديداً للقانون droit أو الحق، ويخرب أخص شرط لإمكان العدالة؟ نعم، سوف يجيب البعضهم. لا، سوف يجيب بعضهم الآخر.

يمكن لنا أن نجد في مثل هذا التبادل التخيلي الأول تفاوتات slippages ملتبسة بين القانون (droit) والعدالة. "شقاء" التفكيك، ما يجعله يعاني وما يجعل هؤلاء الذين يعذبهم يعانون، هو ربما غياب القواعد، والنماذج، والمعايير المحددة التي يمكن أن تتيح التمييز بجلاء بين القانون droit والعدالة.

هذا هو الخيار، "إما/أو"، " نعم أو لا " ذلك هو ما أتبينه في هذا العنوان. وإلى هذا الحد فـإن العنوان عنيف أو بالأحـرى، جدالي، وتفتيشي. وقد نخشى احتواءه على إحدى أدوات التعذيب – أي طريقة في الاستفهام ليست هي الأكثر عدلاً. لا حاجة للقول بأنني منذ هذه المسألة فصاعداً لا أستطيع أن أقدم أية إجابة ، على الأقل إجابة مطمئنة، لأية أسئلة وضعت بهذه الطريقة ( "إما/أو" ، نعم أم لا" ) لأي طرف أو على توقعات أي طرف صيغت بهذه الطريقة.

يتعين عليّ إذن، وهـا هو ذا واجبي أن أخاطبكم باللغـة الإنجليـزية. يتعين عليّ أن أفعل ذلك je le dois …هذا يعني عدة أشياء لأول وهلة.

1. يتعين عليّ je dois أن أتحدث بالإنجليزية ( كيف يمكن لي أن أترجم كلمة " dois" هذه، وهذا الواجب devoir ؟ يتعين عليّ؟ ينبغي عليّ، يجب عليّ، يجب عليّ؟ ) لأن ذلك قد فُرض علىّ كنوع من الإلزام أو الشرط بنوع من العنف الرمزي، أو القانون في وضع لا أتحكم فيه. نوع من الجدال polemos يُعنى بالفعل بالاستيلاء على اللغة: إذا ما أردت أن أجعل نفسي مفهوما على الأقل، فإنه لمن الضروري أن أتحدث لغتكم ، هذا ما يتعين عليّ.

2. يتعين عليّ أن أتحدث لغتكم لأن ما سأقوله سوف يصبح على هذا النحو أكثر عدلا juste ، أو يعتبر أكثر عدلا juste ،وسوف يقدر على نحو أعدل، juste هذه المرة ( بمعنى "حق تماما" ) بمعنى الملاءمة بين ما هو كائن وما قيل وما فكر، وبين ما قيل وما فهم، وبالفعل بين ما فكر وقيل أوما سمع وفهم من جانب أغلب من هم هنا، وهم بوضوح من يسنون القانون. (سن القانون) Faire la loi هو تعبير مثير للاهتمام سوف يكون لدينا الكثير مما نقول عنه فيما بعد.

3. يتعين علىّ أن أتحدث بلغة ليست لغتي لأن هذا سوف يكون أكثر عدلاً، بمعنى آخر لكلمة juste ، بمعنى العدالـة، وهو معنى، دون أن نقلق عليه كثيراً الآن، يمكن أن نسميه معنى سياسيا – أخلاقياً – قانونياً: إنه لأكثر عدلاً أن نتحدث لغة الأغلبية، خاصة عندما تمنح الأجنبي من خلال الاستضافة حق الكلام. إنه لمن العسير القول عما إذا كان القانون الذي نشير إليه هنا هو قانون اللباقة، الكياسة، قانون الأقوى، أم قانون الديمقراطية المنصف. وما إذا كان يعتمد على العدالة أم القانون ( droit ). أيضا، إذا كان عليّ أن أخضع لهذا القانون وأن أقبله، فإن عدداً معيناً من الشروط يعد ضرورياً: يتعين عليّ، على سبيل المثال، أن أستجيب لدعوتكم وأظهر رغبتي في أن أتحدث هنا، وهو شيء لم يعقني أحد بوضوح عن فعله، عليّ أن أكون قادراً وحتى حد معين، على فهم العقد، وشروط القانون، أي الحد الأدنى على الأقل من تبني، لغتكم وأمتلاكها، والتي تتوقف بدءاً من هذه النقطة، وعلى الأقل لهذا المدى، عن أن تكون أجنبية بالنسبة لي. أنتم وأنا يتعين علينا أن نفهم بنفس الطريقة إلى هذا الحد أو ذاك،ترجمة نصي، الذي كتب ابتداءً بالفرنسية، وهذه الترجمة وأيا ما كان قدر امتيازها (وسوف أنتهز هذه المناسبة لأشكر ماري كوينتانس) تظل بالضرورة ترجمة، بمعنى انها دائماً ممكنة غير أنها ما تزال مساومة غير كاملة بين لغتين [ مصطلحين ] idioms .

إن مسألتي اللغة والمصطلح idiom سوف تكونان - بلا شك - في قلب ما أود أن أقترحه للمناقشة هذه الليلة.

هناك عدد من التعابير الإصطلاحية في لغتكم طالما كانت ثمينة بالنسبة لي لأنه لا يوجد لها مُعادل دقيق في الفرنسية.


سوف أستشهد باثنين منهما على الأقل، حتى قبل أن أبدأ. إنهما ليسا منبتي الصلة بما أود محاولة قوله هذه الليلة.

‌أ- الأول هو " إنفاذ القانون " [ بالقوة ] enforce the law To أو "قابلية القانون أو العقد للإنفاذ " enforceabiltily of the law or contract " .حينما نترجم عبارة "إنفاذ القانون" إلى الفرنسية بعبارة " تطبيق القانون " appliquer la loi ، على سبيل المثال، فإننا نفقد تلك الإشارة الضمنية الحرفية المباشرة إلى القوة التي تأتي من الداخل، لتذكرنا بأن القانون هو دائما عنف مُفوض، عنف يُبرر ذاته، و هو مبرر في تطبيق ذاته، حتى ولو كان هذا التبرير قد حكم عليه من موضع آخر بأنه غير عادل أو غير قابل للتبرير. ليست القابلية للتطبيق، "القابلية للإنفاذ" إمكاناً خارجياً أو ثانوياً قد يضاف أو لا يضاف كتكملة للقانون. إن العنف متضمن جوهرياً في ذات مفهوم العدالة بوصفها قانونا (droit)، في العدالـة حين تغدو قانوناً droit ، في القانون بوصفه " قانوناً "، (لأنني أريد أن أصر فوراً على احتجاز إمكانية لعدالة، وبالفعل لقانون لا يتجاوز فقط أو يناقض " القانون" (droit)، بل ، ربما أيضا، لا علاقة له بالقانون، أو يبقى مثل هذه العلاقة الغريبة به حتى إنه قد يحكم كذلك القانون "droit" الذي يستبعده). تذكرنا كلمة "إنفاذ القانون" بأنه ليس هناك من قانون (droit) لا يتضمن في ذاته، وبشكل مسبق a prioi ، في البنية التحليلية لمفهومه، إمكانية "إنفاذه"، أي تطبيقه بالقوة. مما لا ريب فيه، هناك قوانين لا تنفذ، ولكن ليس هناك من قانون يفتقر لقابلية الإنفاذ، وما من قابلية لتطبيق القانون أو إنفاذه بدون عنف، سواء كان هذا العنف مباشراً أو غير مباشر، جسدياً أو رمزياً، خارجياً أو داخلياً، وحشياً، أو إستدلالاً حاذقاً وتأويلياً، إكراهياً أم ضبطياً، وما إلى ذلك.

كيف يتأتى لنا أن نميز بين هذه القوة التي ترتبط بالقانون ، "قوة القانون" هذه كما يقال في الإنجليزية، وكذلك في الفرنسية - كما أعتقد -، والعنف الذي نعتبره دائماً غير عادل ؟ من ناحية أي فرق هناك بين القوة التي يمكن أن تكون عادلة، أو في أي حال تعد شرعية ( ليس فقط أداة في خدمة القانون وإنما ممارسة وحتى تحقق جوهر القانون droit ) ومن ناحية أخرى العنف الذي نعده دائماً غير عادل؟ ما هي القوة العادلة أو القوة غير العنيفة؟ حتى نبقي مع مسألة المصطلحات، دعوني أتوجه - هنا - إلى كلمة ألمانية سوف تشغل فوراً حيزاً كبيراً من انتباهنا: Gewalt. إنها غالباً ما تترجم في الإنجليزية وكذلك الفرنسية بكلمة " العنف " .

نص بنيامين الذي سأتحدث لكم عنه حالاً عنوانه " نقد العنف "Zur kritik der Gewalt " وقد ترجم إلى الفرنسية بعنوان "Critique de la violence " وبالإنجليزية "Critique of violence ". ولكن هاتين الترجمتين رغـم أنهما ليستا غير عـادلتين injustes بكـل مـا في الكلمة من معنى ( ومن ثم ليستا عنيفتين بالإجمـال ) إلا أنهما تفسيران وضعيان للغايـة ولا يعـدلان تجـاه حقيقة أن كلمة Gewalt تدل أيضا عند الألمان ، على القوة الشرعية، والسلطة، والقوة العامة. تعني كلمة Gesetz gebende Gewalt السلطة التشريعية، وتعني كلمة Geistliche Gewalt السلطة الروحية للكنيسة، وتعني staatsgewalt السلطة أو سلطة الدولة. إن كلمة Gewalt إذن هي العنف والسلطة الشرعية معاً، أي السلطة المبررة. كيف يتأتى لنا أن نميز بين قوة قانون سلطة شرعية، والعنف الأصلي المفترض الذي لا بد وأن أسس هذه السلطة والذي لم يكن هو ذاته قد فُوض بواسطة أية شرعية سابقة، حتى إنه لم يكن في تلك اللحظة الاستهلالية، شرعياً ولا غير شرعي – أو قد يقول الآخرون سريعاً ليس عادلاً ولا غير عادل لقد ألقيت محاضرة في شيكاغو منذ بضعة أيام مضت – أدعها - هنا - عمداً رغم أن فكرتها الرئيسة لها صلة وثيقة بموضوعنا – خصصتها لبضعة نصوص كتبها هيدجر تلعب فيها الكلمتان walten و Gewalt دوراً حاسماً، واللتان لا يمكن لنا أن نترجمها ببساطة بكلمة قوة أو عنف، خاصة ليس في السياق الذي سوف يحاول فيه هيدجر أن يعرض دعواه بأنه من الناحية الأصلية، وبالنسبة لهيراقليطس على سبيل المثال فإن العدالةDike - القانون، المحاكمة، الجزاء أو العقوبة، الأخذ بالثأر، وما إلى ذلك – هي Eris ( نزاع، خلاف streit ، عدم إتفاق ، سجال polemos أو كفاح Kampf ) أي أنها ظلم adikia كذلك. يمكن لنا أن نعود إلى هذا، خلال المناقشة إذا ما رغبتم ، وإن كنت أفضل أن أبتعد عنه الآن.

مادامت هذه الحلقة الدراسية مخصصة للتفكيك وإمكان العدالة، فإن فكرتي الأولى، هي أنه في النصوص العديدة التي تعتبر "تفكيكية"، وبصفة خاصة في بعض من تلك التي نشرتها أنا نفسي، فإن اللجوء إلى كلمة "عنف" متواتر إلى حد بعيد، وفي المواضع الإستراتيجية سوف أقول حتى إنها قاطعة، غير أنها وردت في الوقت نفسه دائماً، أو تقريباً دائماً، مقترنة بتحفظ واضح، وحذر. لطالما دعوت إلى الاحتراس، وألزمت نفسي بتذكر مخاطر انتشار هذه الكلمة، سواءً كانت مخاطر مفهوم صوفي خفي، جوهراني، مبهم، أو مخاطر إعطاء تفويض للقوة التحكمية العنيفة غير العادلة. لن أستشهد بهذه النصوص. سوف يكون هذا تساهلاً مع الذات وسوف يستغرق الكثير من الوقت، ولكني أطلب منكم أن تثقوا بي. الاحتياط الأول ضد مخاطر النزعة الجوهرانية أو اللاعقلانية التي أثرتها تستغرق الطابع الاختلافي للعنف. بالنسبة لي، فهى دوما مسألة العنف الاختلافي، مسألة الاختلاف بوصفة اختلافا للعنف، للعنف بوصفه اختلافا مؤجلا differrance ( الاختلاف المؤجل هو عنف مؤجل-مؤجَل differee – differante )، مسألة العلاقة بين العنف والشكل ، بين العنف والدلالة، العنف الانجازي، والعنف التحقيقي أو التأثيري، بين العنف البلاغي والتوكيدي، الإثبات بواسطة التوقيع، وكذلك أيضا وعلى وجه الخصوص كل الحالات المفارقة التي يتبادل فيها العنف الأعظم والضعف الأعظم المواقع بما يكفي من الغرابة. وهذا هو كل التاريخ. وما يبقى هو أنني لم أكن مرتاحاً دائماً لكلمة عنف التي غالباً ما حكمت عليها بأنه لا غنى عنها، وإنني لأشكر لكم أنكم عنفتموني[أجبرتموني] على محاولة قول شيء أزيد قليلا عنها اليوم. وينطبق نفس الشيء على العدالة. هناك لا شك أسباب كثيرة وراء أن أغلبية النصوص التي عينت بعجلة بوصفها " تفكيكية" – على سبيل المثال، نصوصي – يبدو، أنا أقول يبدو، إن فكـرة العدالة لا تتصدرها( بوصفها فكرة رئيسة، تحديداً) أو فكرة الأخلاق أو السياسة. من الطبيعي أن يكون ذلك ظاهرياً فقط ، إذا ما اخذنا في اعتبارنا على سبيل المثال ( سوف أذكر هذه فحسب ) النصوص الكثيرة التي خصصتها لليقيناس Levinas وللعلاقات بين "العنف والميتافيزيقا " أو لفلسفة الحق عند هيجل بكل آثارها في كتابي أجراس Glas ، حيث تمثل فيه الفكرة الرئيسة،أو النصوص التي خصصتها لباعث السلطة و لمفارقات السلطة في تأمل – حول فـرويد Speculer – Sur Freud , أو للقانون، في أمـام القانون ( حول ما كتبه كافكا في أمـام القانـون Vor dem Gesetz ) أو في إعلان الاستقلال Declaration d’independence، أو في إعجاب نيلسون مانديلا أو قوانين التأمل. Admiration de Nelson Mandela ou les Lois de la reflexion, وفي عديد من النصوص الأخرى. من البديهي أن خطابي حول التوكيد المزدوج، والهبة التي تتجاوز التبادل والتوزيع، غير القابل للتقرير، غير القابل للقياس،أو غير القابل للحساب، أو حول الفرادة، والاختلاف والمغايرة هي أيضا وبكل ما في الكلمة من معنى خطابات عن العدالة، بش