"كافكا" بين حروف دفاتر الوراق



"النصوص كالخمائر بعضها ينضج وبعضها يفسد بالزمن" ...

حين تقرأ نصاً فتتراقص أمامك نصوصٌ أو أجزاء من نصوص أخرى، تشعر إنك قرأت هذه العبارة أو تلك، ذات الفكرة أو مثيلتها، لكنك حين تتأمل جيداً تكتشف إنك واهمٌ، فليس ذلك سوى تناصُ الروح السردية الكامنة في الحروف والجمل والعبارات للنص الجديد.

الطريق إلى "الكهف" هو الطريق إلى "الكشك"، حتى تلك "السيارة" التي أقلت "كافكا" نحو عزلته تشبه تلك التي أخذت "إبراهيم" للطبيب النفسي، الحوار أيضاً لم يفلت من أنفاس "كافكا"، حينما فاجأ الشرطي: "أريد أن أبلغ عن جريمة قتل"، إبراهيم قالها بصيغة أخرى للطبيب النفسي: "أريدك أن تساعدني في ارتكاب جريمة قتل".

إذا كانت النصوص ليست فرديةً بحسب النظرية البنيوية، فهي تمثل انعكاس "رؤية العالم" بكل تفاصيله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في زمن معين أو لجماعة معينة، فإن نص رواية "دفاتر الوراق" للكاتب - جلال برجس - الذي حصد جائزة البوكر للرواية العربية للعام 2021، قد مثل نموذجاً لذلك، إنه تمكن من الخروج من دائرة "الفردانية" ليكون مثالاً على أحد أهم مبادئ النظرية البنيوية ألا وهي الاهتمام بالنسق وطريقة نظمه على حساب المعنى المباشر.

ليس أخذاً لفكرة ما، بل ليس تناصاً حتى أن تجد العناصر نفسها حين تفكك نص رواية "دفاتر الوراق"، وراوية "كافكا على الشاطئ"، المكتبة والكتب، الكهف، موت الأب أو انتحاره، الميول الجنسية الشاذة، وغير ذلك.

الفتى "كافكا تامورافي" في رائعة الأديب الياباني "هاروكي موراكامي" "كافكا على الشاطئ" يهجر منزله ليستقر في مدينة لا يعرف فيها أحد، وهناك يجد ضالته في مكتبة صغيرة ليصبح صديقاً لأمين المكتبة "أوشيما" الذي يقرر أن يساعده فيأخذه إلى كهف يملكه مع أخيه في غابة بعيدة، في مقابل ذلك نجد إبراهيم الساهي في "دفاتر الوراق" يملك كشك كتب معزول هو عالمه، يعاني من مرض نفسي بسبب ما يعتقده إنه رأي أباه وهو ينتحر، تماماً كما يتوهم "كافكا" أنه قتل أباه.

تكريس المشاهد الجنسية المتتالية حاضر في النصين، وكمثال نأخذ مسار تحرك ليلى في الفصل الثاني وهي خارجة من الملجأ فتتأمل السيارة وهي تترك الملجأ خلفها وتتذكر لحظة اغتصاب المشرفة الاجتماعية للفتاة الصغيرة، ثم تستفيق من تأملاتها على صوت سائق التاكسي وهو يتحرش بها، وحينما تصل للشقة التي عليها أن تسكن فيها تكتشف أن فتاتين من نزيلات الملجأ قد سقطتا في عالم الدعارة المخزي.

حقاً إنك لتشعر إن روح الفتى "كافكا" تتراقص بين حروف "الوراق"، لكن تراقص الإبداع المشترك بين النصين مما يجعل نص الرواية الجديدة "دفاتر الوراق" نصاً يستحق التأمل والبحث، هنا على عجالة أقف بعض الاقتباسات والصور التي مثلت جماليات رائعة في النص، مثل وصفه للحيّ وعلاقته بتبدد الحلم:

"حيٌّ دخن فيه الحشيش بمعية رفاق محبطين إلى أن فقد القدرة على الحلم".

وما أروع تصويره لمشهد انتحار أبيه:

"رأيت أن المسافة القريبة من باب المطبخ والكرسي تعادل مسافة عمري منذ الولادة إلى تلك اللحظة، تجمدت كلُّ الكلمات في حلقي، واستحال كلّ شيء إلى عتمة مرعبة، اكتملت بسقوطه وبمنظر جسده المعلق في الهواء".

" أجفلني الصوت فوقفت، تجولت في البيت مرعوباً وحين هدأت عدت إلى مكاني وتساءلت: كيف تركني أبي على هذا النحو"، وهذا يعيدنا إلى كافكا الذي هجرته أمه وأخته وأصبح يعيش مع أبيه وحيداً.

42 عرض