كريم بوعركي يستعيد ماضي "القفول"




في روايته (الغريب)

كريم بوعركي يستعيد ماضي "القفول"

وسنوات البراءة وشظف العيش



صدرت مؤخراً رواية (الغريب) للأديب البحريني كريم حسن خليفة بوعركي والتي جاءت بعد خمسة كتب أصدرها خلال السنوات السابقة وهي (الوجه الآخر – حوارات إنسانية) و (حوار الأسئلة) و (لو تعلمون) و (جواد حبيب – التحديات والمستقبل) ثم الطبعة الإنجليزية من الكتاب الأخير.

وتبادر إلى ذهني أول ما سمعت باسم هذه الرواية، رواية الأديب الفرنسي الكبير ألبيركامو التي تحمل نفس الاسم لكنها بالطبع تختلف في المضمون والمكان والزمان عنها. فهذه الرواية هي سيرة ذاتية أو جزء من سيرة ذاتية للمؤلف أو بطل الرواية الذي يسرد تفاصيل طفولته وصباه في حيّ أو فريق القفول بالمنامة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث الأكواخ أو العشش المبنية من سعف النخيل، وحيث الفقر الشديد والأرض الترابية والبرد القارس وعدم وجود الكهرباء وبساطة الناس في تلك الأيام:

" كوخنا هذا يضم ثلاث "برستجات" و"عريش"، جميعها مكونة من سعف النخيل، ومرحاض يقع في زاوية الكوخ، يستره من جهة الغرب جدار طيني مهترئ، بينما واجهته عبارة عن ستار، من ألواح الخشب، كثير الثقوب والفجوات التي تكشف عمن في داخله عند قضاء الحاجة، والساتر الوحيد في هذا المرحاض هو ظلمة الليل، حيث تضيع مواقع القدمين على أرضية مكتظة بالخراء وأنت تبحث عبثاً عن موطئ نظيف لقدميك، فتبقى غير متوازن طوال وقت قضاء الحاجة. أما المطبخ، سأحدثكم عنه لاحقاً، أوه، يا إلهي! كدت أنسى عروس البيت، وهي "صندقة" من خشب تطل مباشرة على الطريق، وبها نافذة خشبية صغيرة تسمح برؤية ما يحدث على هذا الطريق والتحدث مع من نشاء. وتعد هذه "الصندقة" المخصصة لي ولشقيقي عبدالله مكوّناً سكنياً متحضّراً إلى حد ما، وقد تكونت من الخشب المرصوص بعناية احترافية ومغلفة من الداخل بصفائح كرتونية لتجعلها في مصاف غرفة اسمنتية، وتضم سريرين وطاولة خشبية".

ومع مرور السنين والزحف العمراني تنقسم هذه المنطقة، بسبب قربها من العاصمة، إلى قسمين أو حيين: حيّ أرستوقراطي يسكنه الأغنياء والعائلات الثرية وتسود فيه المنازل الحديثة الفخمة والمباني الرائعة والبساتين الجميلة ومنها (الحديقة المائية)، وهي أحد المعالم السياحية البارزة آنذاك، والحي الآخر، حيّ الفقراء والعشش المتهالكة والأرض الترابية. وشيئاً فشيئاً تزحف المنازل والمباني الأرستقراطية على باقي المنطقة ويضطر أصحاب العشش إلى إخلاء مساكنهم والهجرة إلى مناطق أخرى. وهنا ينتقل البطل (سعيد) للسكن مع أبيه وأمه في إحدى القرى ذات البيوت الاسمنتية والمزودة بالكهرباء، فيشعر بالغربة ويحن إلى مرابع طفولته وأصدقاء الزمن الجميل.

"دخلتها كالغريب، بيوتها الشعبية الإسمنتية كفيلة بأن تجسد مدلولاً معيناً كجوهر يتمظهر في بعض ملامح حضورها. الأرض الترابية تفرش تضاريسها في ممرات البيوت. الجدران شاحبة، عارية تماماً من أية ألوان أو أية صبغة توحي بالفرح والسعادة أو أيما ومضة من ومضات الانشراح في هويتها الإنسانية. باغتني هذا الإحساس الفج وأنا استشعر وحشة موجعة كقدر مكتوب. لقد طغى الإسمنت في كآبته ليجعل من تلك البيوت تنذر في كل لحظة بولادة شبح يطوف بين الأزقة الضيقة في جنح الظلمات. لا مفر من المعاناة وأنت تقصد الخروج من بيتك لحاجة ما، ولكني لا أعرف حقاً أهلها ولا طباعهم ولا ميولهم أو ثقافتهم، ما جعل حالة الألفة التي طلبتها بتمنٍ جارف، عصيّة على إدراكها ولم أستطع نيلها بيسر".

ومع مرور السنين يزداد إحساس البطل بالغربة، غربة الإنسان في هذا الكون وفي هذه الأرض، فتشكل هاجساً قوياً يلازمه في حياته.

"هذه أصل الحكاية وأصل التغرّب. الغربة الكامنة في الداخل الإنساني ابتداءً، ثم ابتعاده عن الفطرة، نكرانه لها وجهله في وحدة التكوين، ثم غروره ونرجسيته الزائدة في حب الذات ونبذ الآخر. إلغاء الآخر ثم جعله طرفاً زائداً عدواً يجب إزالته ومحوه كرقم لا قيمة له في المعادلة. وهذا الذي مدّ لي يداً باردة كالثلج ربما اعتبرني لحظتها رقماً هامشياً زائداً، وجد سهواً بين أرقام. صورة من صور التغرب، وشكل من أشكال العسف. الأقنعة لا تجدي ولا تنفع. هاهنا وجهاً لوجه وقبل أن أنطق بحرف واحد، يسقط قناعه تحت قدميّ، هل حقاً أنا غريب؟!"

وتتطور أحداث الرواية وتمضي السنين ويصبح البطل يافعاً مسكوناً بالقلق والأفكار والهواجس التي تؤرقه كمثقف وشاب طموح، ثم يقرر فجأة السفر مع اثنين من أصدقائه للالتحاق بالعمل الفدائي لنصرة القضية الفلسطينية حيث ينضم الثلاثة إلى فصائل المقاومة التي تقاتل لتحرير فلسطين المغتصبة، لكن الأوضاع السياسية والأمنية تتفاقم وتتصادم قوات الدولة التي فيها مخيمات للفصائل الفلسطينية مع الفدائيين وتقع الحرب الفظيعة بين الطرفين والتي راح ضحيتها الآلاف من المقاتلين والمدنيبن وتزداد الأمور سوءاً، ولم يكن هناك من منقذ سوى العودة إلى الوطن، فيسافر والد البطل وأخوه الأكبر إلى المنطقة المحفوفة بالمخاطر التي يسكنون فيها وينجحان بصعوبة في إعادة الشبان الثلاثة، إلى البحرين، حيث يعود البطل إلى أحضان أمه التي أصيبت بالهستيريا وشبه الجنون لفقدانه والحزن عليه حيث يصور لنا المؤلف مشهد العودة بشكل مؤثر جداً.

"الجميع كان ينتظر عودتي. أمي، والدي، شقيقي عبدالله، وبعض أخوتي من أمي، ولفيف من أهلي، جميعهم هنا، في بيت شقيقتي. دخلت البيت، ضج المكان بزغاريد النسوة. سمعت نحيب أمي، بكائها، حزنها، دموعها، صبرها، جلدها. يا إلهي، كل هذا وهي لم تشكو ولم تهن. هي ذاتها "الأم" التي كتب عنها (مكسيم غوركي) في رائعته الروائية كأنه عاش مناقب أمي، عرفها عن قرب. ثمة أمهات أينما كان وكيفما كان جنسها وعرقها ودينها ومذهبها كأمي، في تفاصيل تكوينها الجيني والمكتسب. إنها في كل مكان حاضرة، تنشر المحبة وتنشر السلام. بعمق الفطرة النقية في داخلها، بطهر الأمومة التي لم تلوثها الحضارة في العصر الرقمي الذي مسخ الإنسان في صيرورته وجعله رقماً من أرقام لا تحصى! لكنها أمي ههنا، رغم عذاباتها المتراكمة، المتواترة، المركّبة، تبدو منشرحة الصدر، مبتهجة، سعادتها الآن في هذه الساعة، في هذه اللحظة، لا يعادلها سعادة ولا بهجة ولا فرح. الزمن يتوقف هنا إجلالاً لمشاعر أمي لهذا الظرف المستجد الذي توسلت من أجله، وصلّت بكل خشوعها راكعة ساجدة ذليلة في توسلها وفي ركوعها وفي سجودها عند طلب حاجتها. وهي تفيض في رجاءها بالدعاء إلى خالقها في حفظ ولدها "نفاضة العش" وترجوه أن يعيده إليها".

ثم تأتي النهاية السعيدة للرواية أو الجزء الأول من السيرة الذاتية حيث يتعرف البطل على فتاة أحلامه ويعرب كل منهما عن حبه وهيامه بالآخر وموافقته على أن يكون شريكاً ورفيقاً في درب الحياة، ويبدآن المسيرة المشتركة في هذا الدرب.

92 مشاهدة