كهوف الظنون



كلما حاولت أن أمشي على الصراط، تتعثر قدماي. لمحت أحد الأصدقاء وهو يعدو مسرعا، أردت أن أمسك بيده ولكنه كان قد تجاوزني بعيدا. نهضت وأنا متحمس لطي الطريق، خطوة واحدة وانزلقت ، تدليت ممسكا الصراط بكلتا يدي، الخوف بدأ يؤرجحني، نظرات يائسة وقانطة، تقيس المسافة المهولة بيني وبين قاع تلك الفوهة العملاقة.

توسلت بكل الأحبة، استنجدت بأفكاري، أعيتني الحيلة، خطر في بالي، أصحاب الرؤى والفلسفات، لعنتهم في أعماقي. هاهم تركوني متخبطا فوق صراط الحقيقة. يبدو لي أن طيف ذلك الصديق لم يكن إلا وهما، فهو مثلي، لا يمكنه العدو وهو مثقل بأعباء فكره.

غدت الثواني القليلة دهرا، ينضح جسمي شكوكا، وتعاين الروح حقيقة الموقف. الدموع تهطل وتتلاشى في فضاء بحجم الكون. شعر رأسي كأنه أشواك قنفذ مرعوب. صرخت بقوة هائلة حتى كاد أن يتمزق حلقي. ذابت الصرخة مثل ندفة ثلج وحيدة في قيظ لاهب.

بعدها هويت من شاهق سبع سموات، فابتلعني قاع مظلم. شعرت بكل عضلة في جسمي وهي ترتطم وتصطك، ألم فظيع يزلزلني ولكن لادماء. همهمات غريبة ، غير مفهومة تحيط بي من الجهات الأربع. ثم انبثق ضوء مثل ذبالات شموع. تراقصت أضواء، رأيت حينها هياكل بشرية تجوس في المكان، استعارت ملامح أهل الكهوف. وجوه ضامرة، غادرها الألق والزهو، أعين تعودت الظلمة، فهي تتحسس خطوها.

كانوا يتحدثون بلغات غير مفهومة، لا أسمع إلا همهمات. غرقت في صمتي ويأسي. ما اسم هذا المكان؟ ولماذا أنا هنا مع هؤلاء؟ جرجرت نفسي حتى أقتربت من أحدهم، وجدته مشغولا بنفسه: -مرحبا يارفيق. لم ينظر إلي ، وظل يحدق في الأعلى. ابتعدت عنه، كانت هناك ثلة مجتمعة، فقصدتها: -السلام عليكم. دارت الرؤوس نحوي كروبوتات آلية، فرأيت عيونهم المنطفئة من الحياة، لا بريق يجول فيها. يد واحدة استطالت حتى أخذت تل ّوح في

وجهي، ثم ابتعدت، لم أدر كيف أتواصل معهم، صرخت فيهم: -ياقوم.. ألا تسمعون، أسألكم عن هذا المكان، عنكم، من أنتم؟ أين نحن؟

ّ لم يجب أحد وأخذوا يهمهمون. بقيت أراقبهم ، ُخيل لي أنهم نسوا الكلام منذ قرون، ربما ُخلدوا هنا منذ زمن بعيد، وربما نسي كل لسان

لغته فجمعتهم الهمهمة! هل مكثوا عاما أم بعض عام؟ أم تراهم نسوا الزمن بعد أن شعروا بعدم أهميته في هذا المكان!

مادامت شموسهم مكسوفة، وأقمارهم مخسوفة، فقد غادرهم الزمن، هنا صنو الأبدية، سرمدية الذهول المنهمر. انكمشت في تجويف صخرة شيطانية، سنحة بازلتية، تنبت فيها القرون. لو رآها أحد من أهل الدنيا لعدها من عجائب الدنيا السبع. ثويت فيها. تزدهر الأفكار هاهنا، هل هذه بقعة الفلاسفة أم ص ّوان المعرفة!

صرت أفكر في ذلك العالم الذي أنتمي إليه، بدا الآن بعيدا جدا، ربما تفصلني عنه دهور. لم أعرف المساءات الموحشة إلا بانبثاق تلك الأضواء الخافتة.

تحوم الأفكار وتطوف بذهني خيالات من هناك. كل يوم يمر اتجذر في تراب هذه الأرض، أرض كاللغز، لا يمكنك قياسها ولا معرفتها، أكبر من أعظم كهوف الدنيا، وأصغر من السماء. مكتومة الهواء، لا تسرح فيها الرياح، لا تبزغ فيها الأقمار ولاتنيرها الشموس.

هي حقول الظنون الشاسعة، المختبئة بين سلاسل كهوف. لكنها حقول كئيبة مظلمة، مغطاة بسقوف من حجر.

رأيت من تماثيل الدنيا المعبودة أحجاما هائلة، كل رهط يحتضنون معبودهم، لكنه حجر رملي صلد وكأنه عجن بطين الأرض و ُضمخ بصمغ الغابات الاستوائية.

قلائد الزهور ذبلت منذ عهود ضاربة في القدم وبقيت معلقة في رقاب الآلهة.

-وأنا لا أنتمي لهذه الطوائف، ليس لي صنم، إذا أنا لست منهم! هكذا حدثت نفسي في اللحظة التي رأيت فيها السامري، كان يرمح بفرسه في المكان، ركضت خلفه حتى قبضت ذيل الفرس ، قوة هائلة

شعرت بها تتدفق من كفي. توقف وترجل الفارس: -يالك من شقي كيف تعترضني! أرخصت حياتك. لكن عزيمتي غدت تتفجر قوة، انحدرت الكلمات من فمي شامخة: -أين عجل قوم موسى؟ لم أر أحدا يعكف عليه، ولكن كل يأوي إلى صنمه. أطل بوجهه المخيف ، فارتعدت وأصابتني الرجفة: -ألا تقرأ التاريخ! لقد ُحرق عجلي لحظة عودة موسى. -أعلم، قرأت القرآن، وبحثت في التأريخ، ولكن هل كان عجلا واحدا؟ تطاير الشرر من عينيه ورمقني بنظرة غريبة تجعل المرء مذهولا: -عجل واحد، ثم تعدد في ثنايا الأزمنة، كما تعددت الآلهة. قال هذا واختفى في لمحة بصر. تقرفصت في موضع فرسه، قبضت بعض التراب، أخذته معي وهناك في موضعي صنعت فرسا دون خوار فصار لي كما لهم أصنام

وآلهة. فجأة أتت شرذمة وتحلقت حولي، بدأو ا يسجدون له، نهرتهم فلم يعبأوا بي، تقدمتهم وسجدت معهم! وفي ذهول الصمت، ونكران المعرفة، وجهالة المآل وصمت الأسئلة، سمعت ذلك الصوت، متعدد الطبقات، واثقا مثل صوت الملائكة: -هذه كهوف الظنون، أرض الحيرة والضلال، برزخ الشكوك. هب الكل واقفا، وقد غشانا الذهول العميق... ذاب الزمن في تلك الأصداء وعم ضباب كثيف، غطى الجميع.

44 مشاهدة