الآنَ كلُّ قصيدةٍ خرساءُ



في رثاء معلمي، وملهمي الأول، ومن لقنني طفلاً ألفباء القوافي، وأبجدية العشق الحسيني، شاعر البحرين الحزينة (غازي الحداد) … بعد أن شيعته القلوب إلى ضريح الخلود!

الآنَ كلُّ قصيدةٍ خرساءُ

الآنَ كلُّ بلاغةٍ بكماءُ


الآنَ لم يَعُدِ المكانُ مكانَهُ

والشمسُ تنهشُ ضلعَها الظلماءُ


الآنَ أجفلتِ الكواكبُ رهبةً

غُضُّوا العيونَ .. ستعبرُ الزهراءُ


الحزنُ وقّع صوتَهُ في ظلِّها

لترنَّ في أضلاعِها أصداءُ


لا تحفروا قبراً لشمسِ مجرةٍ

غربتْ ولفَّ قميصَها الإعياء ُ


لا تدفنوا بدرَ التمامِ فتنطفي

عينُ الوجودِ وتطفحَ الأقذاءُ


لا تدفنوا قلبَ الحبيبِ فإنه

خطَبَ السماءَ وشِعرُهُ الحنّاءُ



تصوير : زكريا العمران


أبصرتُها تحنُو عليهِ بكفِّها

وتذوبُ من أحشائِها الأحشاءُ


رشّتْ على القبرِ الظميِّ مدامعاً

تخْضَلُّ منها غيمةٌ حمراءُ


ورأيتُها تمشي وراءَ جنازةٍ

كسفينِ نوحٍ حينَ غيضَ الماءُ


حملوهُ فوقَ أكفِّهِمْ لكنّما

لا الأرضُ تحملُهُ ولا البطحاءُ


هو من يشيِّعُهُمْ إلى أجداثِهِمْ

ثكلى فهُم والميّتونَ سواءُ



تصوير : زكريا العمران

وارتجَّ تحتَ النعشِ نورُ زجاجةٍ

دريةٍ شعّتْ بها أسماءُ:


طه يشيعُهُ وحيدرُ عندَهُ

جذلٌ تسابقُ ظلَّهُ الورقاءُ


وحسينُ خضَّبَهُ بسدرِ ضريحِهِ

وعليهِ سالتْ إصبعٌ بتراءُ


ساروا على مهلٍ فلمّا هلّلوا

وقفتْ تهيلُ ترابَهُ الزهراءُ


وتبسّمُ العباسُ في تلقينِهِ

شوقاً وحيّتْ وجهَهُ الحوراءُ


(القينُ) أنتَ ومن حروفِكَ أزبدَتْ

خمرَ الولاءِ سلافةٌ صهباءُ


بالأمسِ كنا في رياضِكَ جنةً

واليومَ تبلعُ روحَنا الصحراءُ




غازي إذا نطقَتْ قصيدةُ قبرِهِ

نبتتْ عليهِ حروفُهُ الخضراءُ


واعشوشبَ التربُ امتلاءً .. فارتوى

صدرُ المحبِّ وفاضتِ الأضواءُ


القبرُ نافذةُ الخلودِ لشاعرٍ

تبكي عليهِ قصيدةٌ عصماءُ


في كلِّ حرفٍ للرويِّ حكايةٌ

يروي بلاغةَ نزفِها الشعراءُ





37 عرض