لأي جنس أدبي تميل؟ لِمَ تكتب هذا الجنس الأدبي؟



الحياة ليست مجرد قوانين فيزيائية وأنماط اجتماعية وسلوكيات أخلاقية، بل هي عوالم مختلفة ومتعددة، فيها الأسباب والعلل، وفيها البحث عن شغفنا الذي نحلم به، هكذا هي الحياة التي كان يراها ماركيز حين قال: " الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه "، بهذا جاءت لنا العديد من النصوص الأدبية والاجتماعية والتاريخية وغيرها، ولكن لزننا معنيون بالنص الأدبي الذي يتمتع بنظام معين في تركيبه وكتابته وسبك لغته، أعطى كاتبه فسحة من التفكير والتأمل فيما يكتبه، ولماذا، وبأية كيفية، من هنا طرحنا سؤالنا لأعضاء مختبر سرديات البحرين، المتمثل في الجنس الأدبي الذي يكتبه المبدع، ولما هذا الجنس الكتابي دون غيره، وقد جاءت المداخلات والإجابات متنوعة وبعضها متقارب، والآخر في شكل تساؤلات، وبخاصة أننا على يقين تجاه النص الأدبي الذي ينتج العديد من الأنماط الكتابية والتعبيرية.


د.فهد حسين

وقد بدأ الحديث الروائي جعفر سلمان بشكل مقتضب قائلاً: أكتب الرواية لاستمتاعي بها أكثر من القصة وأيضًا لأني ارى في القصة فكرة رائعة تضيع دون اعطائها حقها، فالرواية آفاقها أوسع من القصة تعطي كاتبها حيزًا كافيا لقول ما يريد او لطباعة خياله فيها. أما عباس عبدالله، فقال: أكتب القصة حبا فيها وصداقتي معها طويلة فهي تستقبل خلجاتي وتكتم أسراري وإن اطلع عليها الأخرين فهي التي أحرص على تدوينها وفق لغة ارقى مما اتحدث به مع من اتعامل معهم في حياتي اي إني اتكلف فيها لكنها تمتعني جدا كوجبة لذيذة لا أنفك اتناولها دون سأم منها. وقد كتبت الرواية لكنها استهلكني جدا لدرجة الإعياء خاصة في المراجعة اثناء كتابتها وبعد الانتهاء منها فعدت للقصة لأني وجدتها اسهل ليس من حيث التقنيات بل الجهد، وأشارت زهرة المبارك إلى أنها تكتب القصة باعتبارها لوحة ابداعية تترجم الحدث بلغة الوجدان، وترسل اشعاعات نور وتحمل ذاكرة زمن مضى، لذا فهي روح الكاتب الشغوف.

ويعلق فيصل هيات بالقول: ها نحن عدنا نبحث في السؤال ذاته، لماذا نكتب؟ بحثاً عن المتعة؟ أم لنعيد تدوين كل أفكارنا ومواقفنا من كل ما يمس وجداننا؟ في ظني إن الانغلاق على فكرة المتعة الذاتية للكاتب إمعان في تحويل الكتابة إلى حالة عبثية بلا أي معنى يتصل بدور الكاتب في الحث على تعميق إدراكه وتوسيع دائرة حسه المعرفي تجاه كل أسرار الوجود والتي لا يمكن سبرها من دون حنكة ومهارة وفكر كتاب ملهمين يملكون القدرة على إعادة إنتاج الأسئلة التي تتمحور حولها حياة الإنسان منذ بدء الخليقة وإلى يوم يبعثون .. وكل ذلك انطلاقًا من أهم الكتب المقدّسة وهو القرآن الكريم والذي تقوم مساحته العظمى على القص .. وكأن ذلك تكريساً لدور القصة في ترسيخ القيم الإنسانية، كما في قصة آدم وحواء في الجنة أو في قصة ابنيهما هابيل وقابيل.. القصة لا تُبعث لتصنع إمتاعا بل لتقول شيئاً يتعذر على العامة التقاطه من دون توليفة جاذبة.. ووفقاً لذلك، فإن الكتّاب هم رُسل للفكر والوعي.. هذا إيماني بقيمة القصة أو الرواية.


الروائية شيماء الوطني

وتشترك شيماء الوطني معلقة: أهم أمر في كتابة أي جنس أدبي - سواء رواية أم قصة، أم مقال - أن يكون لديك ما تقوله، ولذلك كثير من القصص أو الروايات تحار وأنت تقرأها، لماذا كُتبت من الأصل؟ هل هي الكتابة لأجل الكتابة؟ .. أعتقد أن الكاتب متى ما حمل لقب " كاتب " يكون قد تجاوز هذه المرحلة، وعليه أن يبدأ في تطوير فعل الكتابة، واعطائه بُعدًا أعمق.

ويشير الدكتور جعفر الهدي إلى أن الكتابة حياة وزمن آخر، وأظن أن فعل الكتابة هو نوع من إعادة صياغة الحياة، فنحن نعيش الحياة بطريقة معينة ولكننا نتطلع لأفق أبعد، نتمنى لو كنّا على هيئة أخرى أو أننا حققنا أهدافاً مختلفة، الإنسان بطبيعته كائن طموح، وهذا الطموح ينعكس على رؤيته لطريقة عيشه وحياته، إذ نجد في الكتابة لذة لأننا نعيش تلك اللحظات التي لم نعشها، وربما تتيح لنا الكتابة العيش بتأنٍ أكثر للحظات التي مرّت بشكل عابر أو أننا لم نتمكن من تأملها جيداً، لذلك أجد في الكتابة حياة أخرى أو حيوات موازية فهي تمنحك زمناً آخر يتكون من ألوان غير التي تراها هنا في حياتك العادية.

ولأن بعض ما طرحه تتفق الإجابات العامة، أشرت إليه بالقول: وكما اعلم علم اليقين أنك تكتب القصة والرواية والشعر والمقال الصحفي وتكتب التقارير وغيرها إلا أن سؤالي حول القصة أو الرواية أو الاثنين معًا، بمعنى السؤال حول الاتجاه، لذلك جاء تعقيبه: أعتقد أن كتابة الرواية والقصة هي أقرب أجناس الكتابة التي تتصل بهدف إعادة ترتيب الزمن أو ما يمكن أن نسميه " اللذة بالعيش في زمن وحياة أخرى " حيث تتيح كتابة الرواية للكاتب لأن يعايش شخصيات وأحداث تشكل حياة مختلفة عن حياته الحقيقية وهو ما يعبر عنه كتاب الرواية والقصة بلذة الكتابة، لكن كتابة الرواية لا تعني بالضرورة تقمص ما تتفقده في حياتك بقدر ما تعني بأنها تمنحك فضاء آخر لتعيش حياة أخرى بمشاعر جديدة وفكر جديد يجعلك تحلق في أفق الوجود بشكل لم تستطع أن تفعله.

وقد اتفق رسول درويش مع جعفر الهدي، بل عندما تكتب رواية تاريخية، فإن تعيش تلك الحقبة (عقدا او قرنا) وتضيف خبرات لحيوات لم نعشها أبدا. وحين نكتب عن المستقبل، فإننا نأمل أن نعتبر من حاضرنا لكي نصله بأوفق أوسع، ويبقى أن أجمل الأوقات هي تلك التي لم نعشها بعد، ومن هنا أرى متعة الكتابة أكبر من متعة النشر والتوزيع والشهرة وحتى المال، أخي جعفر، ريشة حرفك عزفت على الوتر الحساس.

كما شاركت زكية شبر في الحوار، وقد قالت: القصة هي الذاكرة الخالدة للشعوب، وهنا نجد تعدد واختلاف القصص من بلد لآخر ،حيث تسيطر الثقافات والمعتقدات على السرد القصصي، ويمكننا القول: أن القصة هي حديث الذات، ومتعة المستمع والقاص، تحمل تراثاً و فكراً و رسالة . وطالما سألتنا المعلمة في نهاية اي قصة: ماذا تعلمت؟ وماذا استفدت من القصة؟ وهذا هو السؤال الذي نطرحه هنا.. لماذا نكتب القصص؟ ماذا نريد أن نقول؟ لقد اتخذ القرآن الكريم الأسلوب القصصي للوعظ و للعبرة فهو السبيل الأفضل والأقرب كون الانسان مخلوق يتفاعل مع الأحداث ما يسمع و يرى ثم يتخيل .. وكلما خاطب الكاتب الحواس الخمس للمتلقي كلما كان أكثر تأثيرا و قرباً . بالنسبة لي عندما أكتب قصة ما فهناك هدف أريد ايصاله، وحالة شعورية أريد أن يشاركني اياها القارئ، كما استمتع كثيرا بتطور احداث القصة، وهنا يمكن القول أن الكاتب هو صاحب السلطة وهو الشخص المتحكم بالأحداث والشخوص، وقد يمارس البعض سلطته من خلال ما يكتب . وأفضل كتابة القصة القصيرة و القصيرة جدا على الرواية، ربما لسرعة ايصال ما أريد بوقت قصير، وإن شاء الله نجرب كتابة الرواية والمسرح قريبا، ولكنها ابتعدت عن جوهر السؤال، حيث أشرت إليها بأنني لم اقصد هذا الذي ذكرت وإنما سؤالي لم هذا التوجه نحو القصة؟

حسين خليل

وأبدى علي أحمد إسماعيل رأيه قائلاً: كتابة الرواية بالنسبة لي هي حالة استفراغ مكنون ما بداخل الكاتب اذا صح التعبير، قد تكون محببة للقلب وقد تكون على العكس من ذلك، فللبغض والكره حظ كبير في التأثير على الكاتب وإنتاجه، وهذا يتبع الحالة الانية التي يعيشها او يعانيها الكاتب أثناء الكتابة، فأنا مثلا لا أكتب الرواية حبا في الرواية ولكن حبا فيما سينتج عن تلك الرواية من تناقضات ومخالفات وكسر للقواعد وتعدي على الخصوصيات التي أرى بأنها مضرة بي وبالمجتمع من وجهة نظري. كما انني لا استطيع ان اقبل بأن اكتب من اجل الترفيه عن بعض المرفهين بتناول قضايا المعدمين، فهذا ينافي مبادئي في الكتابة وفي الحياة ايضا، فأنا مثلا لم اكتب عن التعنت الديني في رواية محرقة نجران لأرفه عن متعنت ديني يعيش في زمني، بل بالعكس من ذلك، إنما أردت جلد المتعنت دينيا في زمني عن طريق جلد المتعنت دينا في الزمن السابق. صحيح باني اؤمن بأن ما اكتبه يجب أن يكون أكبر مني، واطول عمرا مني، واصدق وقعا من واقعي، كوني اميل للرومنسية في كتاباتي، ولكن هذا لا يعني بانني انظر للكتابة على أنها منتهى الغاية بل اني أراها وسيلة تحمل اسفارًا، قد تكون تلك الاسفار عبئًا وقد تكون عونًا، قد تكون حقًا وقد تكون باطلًا، ولكنني لابد وان اكتبها ليحكم عليها من يأتي بعدي. كما عقب جعفر الهدي مشيرًا أن مضمون عميق لفهمك وشعورك تجاه كتابة الرواية.

وساهم معنا الدكتور علي خميس الفردان مجيبًا بالقول: الكتابة في حد ذاتها حالة من التأمل والتفكر والتعمق. هي خروج من حيز الذاتوية المنغلقة، إلى فضاء الكون اللامرئي المتمدد في الفكر والشعور.


علي خميس الفردان

الموازي بتضعيف وكثرة لمكوناته المادية الملموسة، وكاتب القصة والرواية يخلق عوالم لم تخلق في الوجود الخارجي. هي تمثلات فكره وشعوره المتسع للموجودات والأحداث. بل أنه يتماهى بالزمن ويتمدد برؤيته فيه، وكأن الزمن مادة واحدة يمزج فيها الحاضر بالماضي في حركة استرجاعية أو متقدمة في الزمن بحركة استباقية. فيجعل هذا حاضرا وهو قد مضى أو أنه يحضر المستقبل في زمن السرد، وهو لا يزال محتمل الحدوث، لذا فالقاص والروائي.. وتحديداً الروائي.. يضيف لعمره وعمر قرائه عمراً إضافياً افتراضياً. ونحن على يقين أن العمر المحسوس قد يكون أقصر أو أطول من العمر الملموس. وشاهده صاحب التجارب الطويلة والعميقة تجد عمره المحسوس أطول من الشخص قليل التجارب. ولأن السرد القصصي والروائي لون من الأحداث المجربة حقيقة أو المجربة تخيلاً، فهم يحققون تصرفاً في الزمن.

أما لماذا أكتب القصة دون الرواية؟ فأنا في الأساس أكتب الشعر، ووجدتني ميالاً لاصطياد الشوارد، التفت لتلميحاتها وأهتمّ بتكثيفها، لذا بدأت بالقصة. إنما تجارب روائية تعتمل في فكري ووجداني منذ فترة، أجلت الولوج فيها، ريثما أفرغ ما في حشاشتي من ولع بالقصة، ولا أخفي على القارئ قناعة بداخلي، مفادها أن كتابة القصة عتبة جيدة قد تأخذك يوما لكتابة الرواية، وقد شاهدنا ونشاهد الكثير من كتاب الرواية بدأوا بالسرد القصصي، ثم تحولوا لتجربة السرد الروائي وحققوا نجاحًا، وممن معنا من الروائيين عرفت الدكتور جعفر الهدي، وشيماء الوطني، وأيمن جعفر، وأحمد المؤذن، وغيرهم. إنما أنا على يقين أن تقنيات كتابة القصة وفضاءها وعناصرها وأسلوبها يختلف كثيرًا عن كتابة الرواية، وإن وجدت بعض كتاب الرواية أحيانًا يحولون فصلاً من رواية لهم لقصة قصيرة؛ لأن بعض الروايات تكتب على شاكلة مجموعة قصص، وهذا ما قرأته عن ماركيز في كتاب سيرته.


جعفر الديري

ويبدي جعفر الديري رأيه حول لماذا أكتب؟ فهذا سؤال يهم السائل أكثر من المسؤول، ذلك أن الكاتب عندما يمسك بالقلم إنما يعبر عن حاجة ضرورية يود إشباعها، ولا يجد سبيلا سوى أن يسطر على الورق ما يضج به فكره ويعتلج به قلبه. تنتابني في كثير من الأحيان مشاعر مفزعة وأسمع صوتا منكرا يصيح بي، ما جدوى ما تكتب؟ صوت يؤثر بي كثيرا فأسأل نفسي.. حقا.. لماذا أكتب؟ ما قيمة ما يكتب كاتب وسط ضجيج لا ينقطع من الحياة الرتيبة؟ ما قيمة كل هذا والغول الذي يسمى الموت بانتظارك في نهاية المطاف؟! أشعر بالانهيار تماما وانقطع عن الكتابة! لكن.. ليس سوى ساعة، ساعتين.. ثلاث وأعود للكتابة، إن شيئا في نفسي يجبرني على الكتابة أكبر من قارئ يقرأ أو يعلق على ما أكتب، أكبر من سؤال مزعج.. ما قيمة ما تكتب؟ ما هو؟ لا أعلم؟! ربما هو قدر مكتوب لا حيلة لنا في دفعه.

أما اختياري القصة دون الرواية، فيعود لعدة أسبابها.. أولها شغي بهذا اللون من الإبداع العظيم، والشغف لا يعلل، فإن الحب أكبر من أن تصفه الكلمات، السبب الثاني صغر حجمها مقارنة بالرواية وأعني أن القصة القصيرة تمنحك ما شئت من البهجة وتترك لك وقتا طويلا لمناغاة فنون أخرى كتابة أو قراءة، كالموسيقى والمسرح، ثالث الأسباب يعود لإيماني الشخصي بان القصة هي أجمل الفنون، موجزة ومعجزة. وسبق وقرات لاحد النقاد ان مهارة الكاتب تتجلى في القصة اكثر من الرواية. والمدهش حقا انك تقرا لكتاب كبار رواياتهم الشهيرة ثم تكتشف ان قصصهم القصيرة اجمل من رواياتهم.

وقدمت فتحية ناصر رأيها في صورة تعقيب بعد مشاركة جعفر الديري: إجابة مؤثرة بالفعل، وأظن أننا جميعا نشترك فيها من حيث وجود هذا الدافع الغريب، المجهول واللامنطقي الذي يدفعنا للكتابة بغض النظر عما إذا كان هناك من سيقرأ أم لا..وبالنسبة لي، اخترت كتابة الرواية تحديدا لأن القصص التي نعرفها في الحياة كثيرا ما تدفعنا لطرح الأسئلة. وكثير من هذه الأسئلة والمواضيع تستفز الناس ولا يتقبلون طرحها والتساؤل فيها بشكل مباشر، لكن إذا حكيت لهم قصة شخص وأتحت لهم الوقت الكافي ليعرفوه فيحبوه؛ أو على الأقل ليدركوا تفاصيل ما مر به ويتعاطفوا معه ويروا الأمور بمنظاره وووو ... عندها فقد يتوصلون بأنفسهم لطرح تلك الأسئلة الشائكة على أنفسهم .

وبالطبع فإن كل ذلك متاح في الرواية، فالمساحة كافية لتوضيح ظروف " البطل " للقارئ وجعله يتفاعل معه، وأيضا فهذه المساحة تخلق وهما نفسيا لدى القارئ الذي يشعر وكأنه يعرف هذا الشخص / البطل منذ زمن طويل (خصوصا إذا مر هذا البطل - أثناء الرواية - بتحولات عدة). أو فإنها على الأقل (أي تلك المساحة المتاحة) ستجعل القارئ يرتبط لا شعوريا بهذا البطل لدرجة أن يُخلَق بينهما تفاهم، أو تفهم، وحينها فالقارئ بالتأكيد لن يتسرع في الحكم على من كانت له قصة مشابهة في الحياة الواقعية، وسيتأنى في تقدير الأمور .


جميلة العلوي

واختصر وهب رضي الإجابة بقوله: عني أنا اخترت ق. ق. ج لأنها سهله وسريعة التحضير، أما جعفر الديري فعقب على ما طرحته فتحية ناصر، المساحة الكافية - كما تفضلت - هي التي تغري بكتابة الرواية.. لكن كما ارى انا شخصيا ان منظر ثوب واسع على جسم صغير.. هو منظر غير جميل.. ذلك افضل كتابة القصة القصيرة فالمساحة هنا مقاسة بدقة على الجسم، ولكن فتحية ناصر أعادت لتقول: ولكن أحيانا الموضوع يفرض نفسه، وما يريد الكاتب قوله - أو عدم قوله - له دور أيضا في بعض الأحيان، فعالم الأدب جميل بتنوعه ورحابته. لذا فلا يمكننا أن نقول مثلا أن الرواية هي الأفضل أو العكس، القصة القصيرة أفضل! بل لكل مقام مقا . وأحيانا قد ترى أن ترى قصة قصيرة عالجت موضوعا ما بشكل أفضل مما عولج به في رواية مثلا. كما يوجد العكس أيضًا

وفي هذا الحوار تدخلت شيماء الوطني بتعقيب على الحوار قائلة: أحيانًا كثيرة يكون طرح فكرة معينة من خلال القصة كافيًا، وأحيانًا تكون لهذه الفكرة تشعبات كثيرة تحتاج إلى طرحها من خلال رواية، وهنا يكون للكاتب الاختيار، ولذلك بعض الروايات التي نقرأها نشعر كقراء أنها ممتلئة بـ " الحشو " كما نصطلح عليه؛ لأن الكاتب كان بإمكانه طرح ما يريد قوله من خلال قصة وكفى، إضافة إلى ذلك فإن القصة القصيرة تعتمد في مجملها على " المشهدية " في الطرح، بمعنى أن تناول مشهد في قصة أفضل من رواية بحكم الاتساع الزمني، بالرغم من أن هناك روايات كثيرة كُتبت وكان الزمن فيها لا يتعدى يومًا وليلة!

وكذلك الدكتور جعفر الهدي، واصل مشاركته: لا أظن أن الموضوع أو الفكرة هو ما يحدد خيار الكاتب بين الرواية والقصة! فكم من فكرة بسيطة تحولت لرواية ممتعة ومشوقة ومنها قصة الشيخ والبحر التي يمكن تلخيصها في صفحة واحدة. أعتقد إن قدرة الكاتب ومهارته في الإبحار والإبهار هو ما يجعلنا نستمتع حينما نقرأ رواية ما بصرف النظر عن الفكرة أو الموضوع مع أهميتهما وجوهريتهما. ما يجعل الرواية ممتلئة بالحشو هو مهارة وقدرة الكاتب على جذب عقل القارئ والإمساك به وكأنه يطوف به من صفحة لأخرى، وهذا ينطبق على كل الأجناس الأدبية، أما شيماء الوطني ما أكثر الكتاب الذين يحيلون (الحبة إلى قبة) !والحشو حشو سواء كتبه كاتب ماهر أو مبتدئ. فلكل جنس أدبي ميزاته، وكل قصة قصيرة بذرة لقصة أو رواية وعلى الكاتب أن يختار والخيار هنا خيار قدرة وامكانيات.


مي السادة

ويعلق هنا الدكتور علي خميس: باعتقادي أن الأمر يدور مدار الرغبة والمهارة. كاتب يرغب أن يحول كرم حاتم لقصة يكثف الحدث والمشاعر حول نقطة واحدة كغزة الإبرة في الوجدان الإنساني. وكاتب يتناول حاتمًا كشخصية روائية فيكشف لنا خفايا من حياته، وتحولاته والدوافع الكامنة وراء هذا الكرم.. فيبني معه وحوله عددا من الشخصيات والأحداث والفضاءات والمسارات في تفاعل درامي ممتع يجعلنا نعرف قصصا كثيرة خلف قصته. وقد يستغرق فيها مئات الصفحات دون ضعف وبتشويق، فالأمر الواحد كقطعة القماش. هذا يخيطها ثوبا. وآخر يخيطها قميصا.. وفيق دوافع الرغبة وفي ظل رؤية وبتوظيف ومهارات السرد الخاصة بالجنس.

كما قدم جابر خمدن مداخلته، فقال: بالنسبة للقصة القصيرة جدًا، فكثير منه كتبني ولم أكتبه. وكذلك القصة. وكان نتاج سهر وقلق وقلة نوم. أما الرواية، فهي فانا اكتبها بإصرار، بعد تخمر فكرة ما لمدة كافية. وقد اكتب قصة قصيرة ثم اجدها تتعرش مثل جهنمية متوحشة ولكنها تضج بالحياة، فتتحول الى رواية. هكذا تحولت مثلا رأسا على عقب من قصة إلى رواية، ثم وجدت القصة العجائبية ، فيها فضاء واسع للخيال وقول اشياء كثيرة، ثم انها تكفي لان تفتح الباب مشرعا على افق التأويل. فعشقت هذا النوع. وفي القصة القصيرة جدًا، كلما اتسع افق التأويلات كانت قصة جميلة ومدهشة وكلما ضاقت، فقدت الكثير من جمالياتها، نعم: وانا في بعض القصص، أصور اكثر من مشهد واحد. وبعضها يختزل في مشهد واحد مكثف، لذلك سوف تجدين هناك من يرى ان القصة المركزة والمكثفة في مشهد واحد هي ابداع حقيقي. وهؤلاء هم من اصحاب المدرسة التقليدية التي لا تنظر إلى الأفكار وبنية السرد ولا الخيال بقدر ما تركز على التكثيف وضبط اللغة، وهناك الرواية المشكل، حيث الفكرة البسيطة ولكن بنية السرد مختلفة عن البنى الأخرى، وتبدأ كجمل طويلة مملة لا تنتهي. دون فصول. دون عناوين. وهناك يبدا النقاد في استعراض عضلاتهم! فالبعض يرفض والبعض يرفعها للأعلى ويكلل صاحبها وسام الفرادة. طبعا هذا لا يحدث عند العرب. لان مل بدعة ضلالة!

ويتدخل أيمن جعفر، قائلاً: حين كنتُ طفلاً سحرتني عوالم ألف ليلة وليلة التي كنتُ أقرأها مجزّأةً وبلغةٍ تُناسبُ الأطفال وبرسوماتها الدالّة. قرأتُ الكثير من الشعر وحفظته. لكن ظلّتْ كل القصص التي سمعتها بداخلي، وبتُّ أكثر ولعًا بمحاولة فهم الناس. حين كتبتُ القصّة بعد سنوات أدركتُ لماذا أكتبُ هذا النوع الأدبي أو لماذا وجدتُني ميّالاً إليه على حساب الشعر الذي بدأت أولى المحاولات الكتابية فيه. لقد شدّني دائمًا السؤال بعد كل حدث عمّا قبله وعمّا بعده، وماذا يحدثُ لصاحب الحدث ومَنْ معه؟ ما الذي يعتملُ بداخله حينها؟ وكيف يمكن لي فهمُ كل ذلك؟ أحسبُ أنَّ السردَ بابُ متابعة الممكنات البشرية، أو عرض الحياة المتخيّلة لأبطالٍ متخيّلين تعبيرًا وتوصيفًا لواقعنا في صيغته المعالجة. أنتَ يمكنك أنْ تتبَّعَ دون شائبةٍ ما يحدث لطفلٍ في دهشته الأولى وهو يسعدُ بهدية، وما قد يعتملُ بقلب أمٍّ بعد الولادة، وما يقاسيه رجلٌ وهو يمضي إلى عمله مثقلاً بشتى أنواع الهواجس.

ويتساءل: هل الكتابة محاولة الفهم؟ أظنُّ أنني بعد كتابة القصة والرواية وجدتني دائمًا أحاولُ فهمَ ما يحدث. إنَّ الكاتب يضعُ موضوعه وتُلهمه الفكرة ثم عليه أنْ يبتكر شخصياته ليدعها، بَعْدُ، تحيا وتنمو وتصبحُ ما هي عليه، وعلى الكاتب أنْ يُراقبها ويتتبعها ويفهمها فهمًا عميقًا ليستجلي ذواتها، لقد منحتني الكتابة السردية هذه المحاولة، وهذه المتابعة، وهذه المعايشة مع الأحداث والشخصيات، فالمتعة لا تتحققُ للكاتب من مجرّد المتابعة، وإنما قبل كل شَيْءٍ من حالة الشغف بتفاصيل متطلبات العمل الأدبي، فأنتَ مَعنِيٌّ في الكتابة السردية بالتقنية السردية، وبالشخصيات، وباللغة، وبالزمان والمكان، وبتأثيث كل شَيْءٍ في الرواية ليبدو وكأنّه حقيقيٌّ وعادي، مثلما فعل ماركيز حين جعلَ العجائبية واقعيةً وعاديةً، ومثلما تعلّمتُ في طفولتي من شهرزاد وهي تسردُ كل ليلة بتفصيلٍ يُنسي شهريار كل شَيْءٍ إلا متابعة الحكاية. وهي إلى ذلك بتوقيتٍ مدروس، وفق المتطلّب، لتُعيدنا دائمًا إلى حقيقة أنّنا بالحكاية نُدركُ أكثر، وبأننا نعيد اكتشاف أنفسنا مع كل حكاية!هل السردُ إعادة اكتشافٍ لنا في ذواتٍ أخرى متخيّلة؟


أيمن جعفر

أما الدكتور علي فرحان، فقال: أتفق معك عزيزي أيمن في جل ما قلت لكن لا أرى أنك معني بأن يبدو كل شيء وكأنه حقيقي !بل أحيانا يبدو الأمر بالعكس فقد يكون من مهمة السارد أن يوهم بأن الواقعي والحقيقي ضرب من الخيال؛ ليغادر بك من ضيق الواقع إلى رحابة الخيال والأسطورة والغريب والعجيب. وفي هذه الحال - عادة - يكون المتلقي (ولا سيما المتلقي النموذجي) يعلم بهذه اللعبة ويستلذ بالدخول في تضاعيفها، وعليه أضاف أيمن جعفر مع شكره للدكتور على بالقول: ما أستحسنه في السرد هو الإقناع أو أنَّ ما تقرأه حقيقي. قبل فترة قرأتُ رواية "انقطاعات الموت" لجوزيه ساراماغو. في هذه الرواية يصبحُ انقطاع الموت عن أهل البلدة هو الحقيقة التي ستؤمنُ بها حتى يجيء (الغريب) وهو عودة الموت! مع أنَّ الحقيقة عكس ذلك تمامًا، لكنكَ وقت القراءة تقتنع! هذا دور الكاتب الماهر حين يُقنعكَ بصنعته وبحقيقيّة عوالمه. حين نبتعد عن الكتاب ستقول بصوت العقل أنَّ الأمر غير ذلك، وستسلذُّ الدخول في اللعبة من جديد. لكن ماذا يحدث وقتذاك؟

وقد كانت مداخلة حسين خليل، وإجابته عن السؤال بالقول: إذا كان السؤال بالنسبة لي هو: لماذا اخترت الكتابة للأطفال واليافعين سواء قصة أو رواية؟ فإن الشغف (بالتبسيط) وعرض الأفكار العميقة بطريقة سهلة وبسيطة هو أحد أهم دوافع ذلك، فعندما أقرأ لكاتب ما، وأتساءل: كيف استطاع تلخيص هذه الفكرة العميقة في أسطر قليلة؟! هذا في حدّ ذاته، يأخذك إلى المتعة، المتعة المعرفية والوجدانية. وعندما طُلب من آينشتاين أن يلخص (النظرية النسبية) وهي التي احتاجت إلى بحوث مطوّلة لشرحها، قال: " ضع يدك على صفيح ساخن لمدة دقيقة وستشعر أنها ساعة، اجلس مع محبوبتك لمدة ساعة وستشعر بأنها دقيقة، هذه هي النسبية ". وهو نفسه الذي تنسب له مقولة: "أنك إذا لم تتمكن من تفسير شيء ما بشكل بسيط فإنك لم تفهم ذلك الشيء بشكل كاف". ودائمًا أتمثل مقولة الكاتب الروسي ماكسيم غوركي الذي كان ينصح الكتاب بالاهتمام بأدب الطفل، وعندما سألوه عن طريقة الكتابة للطفل قال: " يجب أن تكتب للأطفال بنفس الطريقة التي تكتب بها للكبار ولكن بمستوى أفضل "، إذًا هي المتعة في قول (السهل الممتنع) و(العميق البسيط) في آن واحد، ومثلًا، من الأفكار التي أستمتع بتبسيطها، هي محاولة (فهم الذات وفهم الآخرين)، من خلال رسم الشخصيات المعقدة، وهو ما يؤدي إلى تفهّم أكبر للحياة الحقيقية التي يحياها الصغار والكبار.

أما عن قصص الأطفال فهي تحيط بي من كل اتجاه، في المدرسة وفي البيت وفي الشارع، وعندما تنظر لما حولك ككاتب فإنك تجد الكثير من المواقف الصالحة لتكون حبكة ممتعة، لتظل تدور وتدور فوق رأسي إلى أن أكتبها، حينها تتوقف على الورق. كما أن المتعة التي ألمسها لدى القراء وخصوصًا الأطفال، تحفزني لكتابة المزيد، لنتشارك المتعة معًا. وبالنسبة لمسألة لماذا رواية ولماذا قصة؟ فإني أجد شغفًا في كتابة النوعين، ولكل نوع جماله الخاص، أحيانًا أكتب قصة فتصلني ملاحظات بأنك لم تعط الفكرة حقّها، ولو حوّلتها لرواية لكان أفضل، من جهة أخرى فإن التكثيف والإبهار في القصة القصيرة يشدّني كثيرًا، لذلك فإن تجربتي في كتابة الرواية هي كتابة قصص قصيرة، متصلة منفصلة، لتشكل في نهاية المطاف رواية، يمكن قراءة الفصل الواحد منها لوحده وفهمه، كدائرة لها قفلة، ضمن الدائرة الكبيرة.

وتشترك منار السماك في حلقة هذا الحوار لتبدي رأيها قائلة: أحاسيسي الى الشعر قريبة جدا ولكن بعد كتابتي للقصة وجدت الحرية والسعة فيها أكبر فأصبحت القصة بالنسبة لي هي التنفيس عما في النفس، وكذلك جميلة علوي التي تؤكد أن القصة هي شغفي الأول... ما يدفعني للكتابة للطفل هو احتكاكي به ومعرفتي بتكوينه وحبي لفطرته العفوية وكأنما جزء مني يتحول لطفل لأحاكي لغته واصل لتفكيره، فبقدر ما يعطيني الطفل من روح مرحة ومتجاوبة فأنا امنحه الحب والاهتمام واسرح معه في عالم الخيال عبر القصة، فالقصة عندي تفاعلية، أما بالنسبة للمسرح فأنا عرفت المسرح المدرسي وأحببته من خلال ممارستي التدريس، فالمسرح عندي ليس فقط دراسة إنما هو الوقوف الخشبة على المسرح ومشاركة الممثلين ومناقشتهم وتوجيههم اعطاني حماس للكتابة ، فخشبة المسرح هي التي كونت مني كاتبة مسرح ومخرجة مسرحية في المدرسة... وبالواقع والخيال ... وجدت في المسرح حياة للمتخيل والواقع، وكذلك مسرح العرائس ... كان البعد التطبيقي دور مهم في صقل موهبة الكتابة عندي.

39 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email