لا يستوحشنك طريق الحق لقلة سالكيه


محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بـ محيي الدين بن عربي


من السهل على كل قاريء لسيرة الشيخ الأكبر ابن عربي كما وردت في الرواية العظيمة "موت صغير" لـ محمد حسن علوان، أن يستشف سهولة طبعه اللين الفطري، والعاطفي وتواضعه الجم، في تقبّل الكثير من المعوقات التي صادفته في طريق البحث والكشف الروحي، يقابل بساطة العيش تلك عزم شديد أرعن للسفر والبحث عن الحقيقة وفي أي أرض تكون، وقلم سيّال دشن أعظم أدب صوفي على الإطلاق حتى لقب ابن عربي بشيخ العارفين، وعلى الرغم مما ألقت تلك المعوقات على مزاجه العاطفي من سوداوية وأرق وقلق لازماه في أوقات مختلفة من حياته، إلا أنه كان يقابل تلك المنغصات بروح العابد الراضي بقضاء الله ممتثلا لامتحانه، بل ويرى فيها فيض من الرحمن لجلي روحه وصقل نفسه التواقة للكشف الروحي أو (كما يروق لأساتذة الأتما يوغا أن يصفوها (بأن المعوقات في جوهرها على غير ما تبدو فهي ليست منغصات، بقدر ما هي وسائل لجلي النفس وتطهير الروح). يتقاطع ذلك الإحساس عند ابن عربي مع ولع متعاظم للسفر والترحال هروبا من أفق ضيق في مجريات الحياة الاجتماعية والدينية الرتيبة التي تكفر النهج الصوفي والبحث عن كل درب جديد يرشده إليه قلبه وإلهامه للوصول إلى الغاية المنشودة، وهي محبة الله والكشف الروحي، وهكذا منذ أن شبّ في مسقط رأسه مرسية راح يتسقط الأخبار عن كل جديد من أخبار المتصوفة في المدن المجاورة في أشبيلية، وقرطبة، وبلاد المغرب وغيرها..


عدنان الموسوي

لقد قرأت الرواية في أكثر من جانب، تسلسلها التاريخي الرائع الذي استحوذ على عقلي، ونمطها الأدبي الشيّق الذي لامس مشاعري وشغاف قلبي في توصيف المعاناة النفسية، والمعوقات الاجتماعية لشخصية شيخ صوفي يجوب الأرض باحثا عن الحقيقة في أرجاء العالم الإسلامي. حال أشبه بمن يلملم فصول هذا العلم وأسفاره من كل قُطرٍ قطرة حتى أضحى أن لا سبيل لبلوغ الغاية العظمى أو كما يسميها اليوغيون السمادى أو النرفانا إلا بالوصول إلى أوتاده الأربعة الموزعين بين الأندلس، وأفريقيا، ومكة المكرمة وآخرهم بمالطية في تركيا .. ولدهشتى بت بين الحين والآخر أقارن تلك السيرة العظيمة والمشوبة بكثير من الأخطار في كل بلد أو مدينة يحل بها ابن عربي بما نشهده اليوم من سير الأوروبيين والأمريكان في عصرنا الحاضر وبحثهم الدؤوب عن المعرفة الروحية في كل بقاع الهند والشرق الآسيوي، في الوقت الذي للأسف الشديد تراجع فيه الإخوة العرب عن عالم الروح وصار التكالب على الدنيا وزخرفها هاجسهم الأول كما لو أن الدين الإسلامي الحنيف لم يغيّر من عاداتهم الأولى إلا ما رحم ربي، وهكذا انتقلت بيوت الخانقاة الصوفية من مراكش، وبغداد، والقاهرة، ودمشق وحلب، والأناضول إلى بيوت الحكمة في الهند حتى غزت مدارس اليوغا بأنواعها المختلفة كل أقطار العالم الأوروبي، وكل ولايات القارة الأمريكية على اختلافها، ولا زال يحضرني ذلك هذا اللقاء الذي جمعني برجل أمريكي في مطار تريفاندرام الدولي في منتصف التسعينيات، سألته :

أين وجهتك؟ ..

من بدايتها أم من حيث هنا؟

بل من بدايتها إن شئت.

من عمق الجنوب الهندي أربع ساعات بالقطار حتى أصل تريفاندرام، ومنه أربع ساعات أخرى إلى دبي..

أأنت مقيم في دبي؟

لا .. ثم عاجلني

ستة عشر ساعة أخرى من دبي إلى لوس انجلوس، وقس ما بينهما من سويعات الانتظار والترانزيت فأصل إلى وجهتي بعد يومين!، فسألته

وماذا تفعل في كيرالا؟

أنا أتتلمذ على يد الغورو العظيم.

وما علمه؟

معرفة الذات الإنسانية .. ابتسمتُ وقلتُ له

أحيّ فيكم أنتم الأوروبيون والأمريكان هذه الروح الوثّابة.


يمثل "ترجمان الأشواق" نموذجاً لشاعرية ابن عربي، تلك الشاعرية ذات الوجدانية الصادقة الصافية التي شرحها بنفسه وسماها "ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق". لقد كان ترجمان الأشواق هو ترجمان ما في حنايا ابن عربي، إذ كان المرقاة التي حلق بها ابن عربي فوق أنواء الحب الآدمي العاصفة باحثاً عن الطمأنينة الروحية في سكينة الحب الالهي. يعد ديوان ترجمان الأشواق واحدا من أهم المؤلفات الشعرية للشاعر الأندلسي والصوفي الفيلسوف محيى الدين بين عربي إذ يمثل نموذجا رائعا وترجمانا صادقا للحب الصوفي وأحاسيسه الرقيقة.

ثم بدأت أحكي له قصة شيخ صوفي جليل اسمه الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، وما كابد في حياته من محن شديدة في ظروف لا قبل لأحد بها في عصرنا الحالي، وهي الخروج من الأندلس إلى مراكش، والتنقل في شمال إفريقيا وصولا إلى مصر، ثم الذهاب إلى مكة. كل ذلك على ظهر الإبل والبغال والسفن في ظروف أقل ما يقال عنها مضنية وشاقة فقال: "وما ضالته؟" قلت: "البحث عن الكشف الروحي والتتلمذ على يد شيوخ زمانه من المتصوفة ذائعي الصيت، والتنقل من أفريقيا إلى ربوع العالم الإسلامي شرقا، مرورا بمصر، ومكة المكرمة، والعراق، وسوريا وتركيا". قطّب جبينه واتسعت عيناه ثم جلس على الكرسي وبعد صمت قال: رغم ندرة الصوفيين في العالم العربي والاسلامي الا إن "هناك قول مأثور للإمام علي ابن عم الرسول وزوج ابنته. استفسرت: "وما هو؟" قال: "لا يستوحشنك طريق الحق لقلة سالكيه*"..


أبو الحسن الأمام علي بن أبي طالب الهاشمي القُرشي

لا يستوحشنك طريق الحق لقلة سالكيه

أعاد ترتيب أفكاره ثم قال: "أعرف أنها طريقة شاقة وطويلة بشقيها الزمني يزيدها بُعد المسافات شقا آخر، كما أنا عليه الآن". ثم أردف: "في أحد الأيام سأل بعض الأتباع أستاذي الغورو: "نجد الطريق صعبا وشاقا ونحن نسير معك بخطى حثيثة بطيئة؟". فتساءل الغورو: "وكيف ترون الغورو الآخرين؟ وكيف ترون منهجهم؟" فرد أحدهم : "لا نخفي عليك يا استاذنا في البدايات ونحن نتحسس مواضع أقدامنا قصدنا غورو آخر فلما علم بأمرنا معك أعني أنت سيدنا رد علينا قائلا: "أنا أعطيكم بعض العصي، وبعض الماء، وقليل من الرز، وبعض النار وأنتم تعدون طعامكم وتأكلونه، فرد الغورو على تعقيب التلميذ قائلا:"إن منهجي على النقيض، أعطيكم الرز مطبوخا جاهزا ثم أضعه في أفواهكم ثم أدفعه حتى يصل المعدة فما عليكم فعله هو فقط أن تهضموه قلت مندهشا: "يا الهي أحقا هذا منهجه ؟! لم أسمع بمنهج على هذا النحو من السهولة وقرب المراد" ثم أردفت: "أين نحن في الألفية مع كل هذه التسهيلات من الشيخ ابن عربي في القرن العاشر الميلادي، تعذر السفر وأسباب الراحة والمواصلات، وشظف العيش، وفوق هذا الكدح الروحي بكل منغصاته؟" فقال: "ثق أنه ليس في مقدور أي شخص أن يكون ابن عربي، هؤلاء نادرون جدا، ومميزون ولا يتكررون على نفس النحو فقلت:

بالنسبة لكم أنتم الأمريكان كيف ترون التصوف بشكل عام.. وبأي لغة تقرؤونه؟

باللغة الإنجليزية المترجمة عن اللغة الميليالية.

يخال لي أنها صعبة جدا بمفرداتها، وهذا حال الأدب الصوفي بشكل عام فكيف بالنصوص والمفردات المترجمة؟

لا.. على العكس إنها مكتوبة بلغة سهلة الفهم.

هل البساطة كانت سببا في اختيار اللغة الإنجليزية؟ فأنا قرأت بعض مؤلفات إبن عربي ولم أفهم نصوصا كثيرة، بل يمكنني القول أن نصوصه ليست عصية على معدة العامة فقط بل تتعداها إلى الخاصة، وخاصة الخاصة من أدباء وفلاسفة هذا العصر، حتى إني أشك أن إبن عربي لو كان يتقن الفارسية أو التركية لما استطاع أن يقدم أدبا صوفيا راقيا بهذا الشكل.

لِمَ؟

لأن اللغة العربية عميقة جدا، ثرية جدا بمفرداتها وما كان للغة أخرى أن تحتضن فلسفته.



الأمر مختلف بالنسبة لأستاذنا الغورو وغير الذي تعني تماما، إذ أن منهجه سهل وبسيط، أما إختيار لغة عميقة الجذور كاللغة العربية، فلا أعتقد أنها مطلبا ملحاً أو حتى أساسياً، والغورو في نهاية المطاف أعرَف مني بذلك الأمر طبعا، ولكن كما أسلفت: إن أمر السهولة يعود إلى بساطة المنهج وليس اختيار اللغة.

لم هذا التباين، إذا كان الجوهر واحدا؟

من الصعب أن أفتي في هذا الأمر، ولكن عندنا مثال آخر؛ جلال الدين الرومي منهجه لا يخلو من الرموز وبعض الغموض ولكنه سهل ومفهوم وكذلك الحلاج إلى حد ما أليس كذلك؟ إلا أنه ليس عندي تفسير لهذا التباين، ولكن يقابل بساطة المنهج تلك ضرورات أخرى ،بل و ملحة جدا.

وما هي؟

يجب أن ينهل المريد هذا العلم على يد الغورو أو شيخ الطريقة بكل تواضع واحترام، وحضور قلب، وهذا أمر بالغ الأهمية ، في المقابل يقدم الكورو التوضيحات والإجابات لكل ما التبس علي المريدين ، وأمر آخر وهو أن التصوف تجربة إنسانية فريدة وليست علما كسائر العلوم الدنيوية أو الدينية الأخرى، وهذا أمر لا يختلف عليه في كل بيوت الحكمة... (وبعد أن صمت أكمل)


سمعت أستاذي الغورو ذات مرة يقول: "يأتي الغورو إلى هذه الدنيا حسب حاجة الوقت".

صعقني هذا القول فقلت :هل خالطك هويً من كلامي فالتمست له التأويل ؟ ثم سألت بشغف: "وماذا قال أيضا؟". فأعاد عليّ ذات المقولة بدون أدنى زيادة أو نقصان، وما أن أكمل جملته حتى كان النداء الأخير لمسافري الخطوط الجوية المتجهة إلى دبي ..قام على عجل تعلو وجهه ابتسامة عفوية، مودعا:

سفرة موفقة يا...؟

عدنان .. وما اسم الكريم؟

جيمس .. أنا سعيد بمعرفتك والحديث معك شيق.

وأنا كذلك .. في رعاية الله.



طوال الأسبوع الذي قضيته في قراءة الرواية كانت البهجة هاجسي ومتعة جلوسي متدثرا بلحاف دافيء يسامرني عملاق الطرب العربي محمد عبد الوهاب وهو ينشد أجمل أغانيه؛ الحبيب المجهول فالنهر الخالد، كما لو كان يسلينا وحدة الطريق حتى ينهي أمير الطرب وطره، ويتركني أكمل خلوتي بصحبة الشيخ ابن عربي في دروبه وخلواته، وعثراته، وكشوفاته، وكراماته المختلفة. على هذا الحال قضيت أجمل الليالي التي لا تخلو من النفحات الروحانية الربانية تشوبها من حين لآخر غبطة روحية لم أعهدها إلا في جلسات المانترا يوغا التأملي، والنيدرا يوغا الاسترخائي، ففيها شيئا من هذا وذاك.

حقا كانت تلك من أجمل ليالي يناير هذا العام، ففي كل ليلة أنهل من السيرة المباركة، وأنا أترقب المزيد من المفاجآت وقلبي يلهج بالشكر لله على هذه التحفة الرائعة، يا إلهي لا أصدق أنني سأنهي الرواية في قادم الأيام، كأنها حلم من أحلام ألف ليلة وليلة، وأي حلم وأنا في كنف البحث عن ذات الله بصحبة شيخ العارفين، حتى وصلنا إلى مكة ال