لا يسمح للياباني بشراء سيارة إلا إذا كان يملك موقفاً خاصاً لها


منذ وقت طويل واليابان على قائمة أسفاري. في هذا المقال أنا مجرّد سائحة، وقد رصدت، وشاهدت كل ما مرّ في طريقي في كل من المدن التي زرتها (طوكيو، كيوتو، وأوساكا). لقد سافرت كثيراً، لكن رحلتي إلى اليابان كانت من أجمل تجارب السفر التي عشتها على الإطلاق. منذ الوهلة الأولى التي وطأت قدماي فيها مطار طوكيو، أحسست بالاختلاف. أعجبت بالشعب الياباني لأنه نظيف، ومؤدب، وصادق ونزيه، ويراعي مشاعر الآخرين بطريقة لافتة.

طوكيو عاصمة اليابان الصاخبة، يمتزج فيها العصري والتقليدي. ناطحات السحاب بإضاءة النيون والمحلات التجارية إلى جانب أشجار الكرز ومزار ميجي ببوابته الشاهقة والغابات المحيطة والقصر الإمبراطوري الذي يتوسط المدينة بحدائقه المترامية الأطراف.

من مطار طوكيو، اخترت مع زوجي أن نستقل الباص، وليس القطار، من أجل فرصة أفضل لمشاهدة شوارع المدينة. لإدخال عفشنا في أسفل الباص، ساعدنا ثلاثة موظفين مؤدبين. تحرّك الباص حسب توقيته بالضبط. لما غادرنا الباص عند محطة القطار، انحنى لنا الموظفون الثلاثة بنوع من التقدير والاحترام على الطريقة اليابانية المتعارف عليها. بعد ذلك ركبنا سيارة أجرة لتقلنا إلى الفندق. في اليابان، سيارات الأجرة مكلفة لأن معظم الشوارع تفرض ضرائب يدفعها الراكب كتعرفة.


عديلة الموسوي

كانت سيارة الأجرة معطّرة ومريحة جدا، ومقاعدها مغطاة بقماش قطني أبيض، لون يتحدى الوساخة، وأبوابها أوتوماتيكية يفتحها السائق للرّاكب عند الركوب والنزول. لا يتحدّث كل سائقي سيارات الأجرة الإنجليزية، ولكن لم تكن تلك مشكلة، كما أن جميعهم يستخدمون العدّاد، ولا تحتاج إلى تذكيرهم بذلك.

من غرفة الفندق في الطابق الثلاثين، شاهدنا العمارات تناطح السحاب من حولنا، وكان بإمكاننا مشاهدة الناس في مكاتبهم وصفوفهم في العمارات المجاورة لنا، وذلك أمر مختلف عما رأيته في الولايات المتحدة. كما كنا نرى أربع طبقات من الجسور فالطرق السريعة المتشابكة حول المباني تتحول إلى حقل كبير ثلاثي الأبعاد من الطاقة والأنوار المتقاطعة والمتحركة في كل اتجاه. قد تنجح مدن أخرى في جنوب شرق آسيا في منافسة طوكيو في لقب "المدينة العظمى" في العالم، ولكن أياً من تلك المدن ليس في وسعها أن تحلم بأن يكون لها نفس أناقة الشكل، وكفاءة الأداء مثل مدينة طوكيو.

مترو الأنفاق هو أحد المعالم السياحية المهمة في اليابان، وليس مجرد أنفاق لعبور البشر ومرور القطارات تحت الأرض، هي مدن شيدت تحت الأرض، لا ينقصها سوى بيوت يسكنها الناس. في اليابان سيذهلك حجم هذه الأنفاق، مساحات شاسعة، وطرق واسعة، وكثيرة، أنيقة، ومرتبة وجميلة، ومحلات تسوق ومطاعم، وهذا العالم السفلي ترتكز عليه ناطحات سحاب. هل من إبداع بشري عمراني يفوق ذلك؟ وتشبه قطارات سكة الحديد الطائرات في أناقتها وشكلها، وهي بالتأكيد أكثر راحة وسعة وأماناً. عندما تستقل أحد هذه القطارات ينتابك شعور بأنك تركب نوعا خرافيا من المواصلات الأرضية. توجد ثمانية أنواع من القطارات في اليابان، أشهرها قطار "الرصاصة"، إذ أنه مصنّف كأسرع طريقة للسفر على الأرض.

لما خرجنا للمشي في Ginza Street، أحد شوارع التسوق المهمّة في طوكيو، بهرتنا الشوارع النظيفة، لا يوجد حتى ورق شجر على الأرض، وإذا كان لديك شيئا ما تريد التخلص منه، فلن تجد براميل قمامة متوفرة في كل مكان، يبدو أن الأمر بديهيا في الثقافة اليابانية، إذ على عامة الناس ألا تتخلص من القمامة في الشارع، وعليها الاحتفاظ بها حتى تصل بيوتها، أو إذا كانت محظوظة ستصادف أحد براميل القمامة النادرة والتي تصنّف القمامة إلى بلاستيك، أو ورق، أو قمامة عامة.


في اليابان، الشنتو والبوذية هما الديانتان الرئيسيتان. معتقدات الشنتو قديمة مثل كل شيء ياباني، وأصبحت دين السكان الأصليين، وهي كذلك إلى الآن (80% من اليابانيين يؤمنون بها). ربما تعلّم الشعب الياباني حبّه للعمل من مبادئ الشنتو لأنها تتمحور حول العمل وقدسيته. وتركّز هذه المبادئ على ممارسات طقسية صارمة، ويتعين على المؤمن الالتزام بها، وهذا ما أسس أصالةً في ارتباط اليابانيين في الوقت الحاضر بجذورهم القديمة.

الشنتو ليس ديناً موحداً، ويمكننا أن نسميه اليوم بأنه دين الأضرحة العامة المكرّسة لعبادة العديد من الآلهة الذين تدور حولهم مجموعة من المعتقدات المحلية، وقصص قديمة وأسطورية. ربما كانت عبادة الشنتو هي زيارة الأضرحة أو المزارات (Shrines)، وهذا ما يفسر وجود مائة ألف ضريح في اليابان. أما البوذية، فكما هو معروف، فطقوسها التعبدية تتم في المعابد (Temples).

في مشاهداتي اليومية، لاحظت أن المرأة اليابانية حريصة أن تبقى على شكلها الياباني الأصيل، فلم تتعرض لعمليات التجميل مثل؛ تنحيف الأنف، أو توسيع العينين، بل فضّلت أن تشبه نفسها. وبالرغم من حرارة الجو في بعض الأوقات، إلا أن اليابانيات كن حريصات على لبس الأكمام الطويلة للإبقاء على بياض بشرتهن، فمازال الرجل الياباني يفضل المرأة البيضاء، وهي حريصة على أن تبقى جميلة في عين الرجل الياباني. والشعب الياباني شعب نحيف البدن في الغالب رجالاً، ونساءً وأطفالاً. في رحلتي ذات العشرة أيام، والتي استكشفت فيها ثلاث مدن مختلفة، قلما رأيت أحدا من الشعب الياباني يعاني من السمنة. إن تغذية اليابانيين صحية، ونمط حياتهم رياضي، ويحتّم عليهم ممارسة الرياضة اليومية سواء بالمشي تنقلاً بين محطات القطار ومراكز العمل، أو باستخدام الدراجات الهوائية. في العموم، الناس بسيطة، وغير متكلّفة، وأنيقة في لبسها، ومعتدلة في تسريحات شعرها. في اليابان، لا ترى عين الزائر إلا المألوف في لون شعر الناس، أو في تسريحاتهم، أو طريقة تصفيفه. إنهم عمليون جداً ولكن من المهم في عرفهم أن يظهروا بشكل لائق، الرجل منهم يرتدي البدلة ويحمل حقيبة، والسيدة لا ترتدي الألوان الصارخة إنما هي كلاسيكية دائما في مظهرها.


برامج التلفاز يابانية بحتة، وهي أفضل فرصة لتعلّم اللغة اليابانية. على خلاف معظم دول أوروبا التي تدبلج الأفلام الأمريكية للغاتها الأم، وجدت في اليابان أن كل المحطات والأفلام والتمثيليات محلية الصنع.

لا ينتظر منك الياباني إكرامية (البقشيش) بعد أي خدمة يقدمها لك وتدفع قيمتها، إنما إن كنت مصراً على ذلك فلا يُعطى البقشيش بشكل مباشر إذ عليك وضعه في ظرف وتقديمه لهم، وقد تدرّب موظفو الفنادق بأن يجيبوا: "كلا، شكراً لك" في حال قدّمت لهم البقشيش على خلاف نادلي المطاعم الأمريكية الذين قد يوقفوا الزبون بعد دفع الفاتورة ليسألوه: ألم تعجبك خدمتنا؟ إن كان البقشيش المدفوع أقل من 20% من قيمة الفاتورة.

كان المطبخ الياباني أحد أهم المحفزات لزيارتي لليابان، يُعرف عن الأكل الياباني انعدام دسامته وقلة سعراته الحرارية، فالسوشي والساشيمي من الأطباق الشهيرة والتي تحوي أنواعا من المأكولات البحرية النيئة، أما الأطباق الأخرى فإنها تُطبخ بزيت الزيتون أو تشوى على النار. في الصباح، لا يفطر اليابانيون مثلنا بالخبز والجبن مع كوب حليب، بل يبدؤوا يومهم بالسلطة، والشوربة الشهيرة (مينسو)، وأنواعا من السوشي والشعيرية.

ولليابانيين إبداعات خاصة في المشروبات أيضا، وتوجد آلات بيع المشروبات، الباردة منها والحارة، في كل مكان، وبجانبها تجد برميل للقمامة. عندما تشتري شراباً، يفضل أن تشربه في الحال لكي ترمي العلبة الفارغة في القمامة، أما إذا اخترت المشي بالعلبة فقد ترافقك طوال اليوم. هناك مشروبات خاصة باليابانيين، وقد جربت بعضها والتي سنحت لي الفرصة أن أسأل عنها دليلنا السياحي لأن جميع التعليمات مكتوبة على العلب باليابانية. بعض الأحيان، أكون أكثر حظاً فأفهم الصور المرسومة على القنينة.

يتبع اليابانيون تقويمهم الخاص، أو "الهايزي" Heisei. بدأ عصر Heisei يوم 8 يناير عام 1989، في اليوم الأول بعد وفاة الإمبراطور السابق "هيروهيتو" ، وخلفه ابنه اكيهيتو على العرش طبقا للعادات اليابانية، ولتحويل الحقبة من العام الميلادي إلى Heisei، مثال: العام 2015-1988 = 27 Heisei وهي سنوات حكم الإمبراطور الحالي.

كانت مدينة كيوتو عاصمة اليابان قبل طوكيو، تكتظ مدينة كيوتو بآلاف من المعابد البوذية الكلاسيكية والأضرحة، فضلا عن الحدائق والقصور الإمبراطورية والبيوت الخشبية التقليدية والغيشا في حي جيون. ولكن ما ألهمني لزيارة هذه المدينة هي الغيشا، في فيلم "ذكريات الغيشا" الأمريكي الإنتاج كانت البطلة الصغيرة تجري في أحد الممرات "البوابات المقدسة" وهي عبارة عن طريق ملتوٍ قليلاً، وعلى جانبيه وسقفه أعواد الخيزران السميكة المطلية باللون الأحمر وقد كُتب عليها بالياباني أسماء الرهبان. لم يكن شغفي وحدي بهذه الممرات فجميع الناس مهووسة بالمكان، لم أعط الدليل السياحي حق الإنصات لما كان يقول، فبالنسبة لي كانت الممرات تروي القصص.

المُلفت والجميل في زيارة معظم المعالم السياحية في كيوتو هو أن معظم السوّاح اليابانيين وغيرهم يلبسون الزي الياباني التقليدي وهو "الكيمونو" للنساء والرجال، الترجمة الحرفية لكلمة كيمونو هي "شيئٌ يُلبس" وظل هو الزي الرسمي والمعتمد في اليابان حتى القرن التاسع عشر للنساء والرجال على حد سواء، حتى أن الأم توّرث لابنتها طريقة لبس الكيمونو وهذا الفن، وهذه التقنية تُدرس في المدارس.


حي جيون: هو الحي الأشهر في اليابان للغيشا، الغيشا هو تقليد ياباني قديم يقوم بتدريب الإناث ليقوموا بدور مضيفات وتتضمن مهاراتهن مختلف الفنون اليابانية مثل الموسيقى الكلاسيكية والرقص والألعاب الترفيهية والمحادثة وذلك من أجل تسلية الزبائن الذكور. قد يبدو بأن هذا التقليد في طريقه للانقراض إذ يوجد في اليابان حالياً 100 غيشا فقط. يستغرق تدريب الغيشا خمس سنوات، تبدأ بذلك بعد اتمام فصولها المدرسية وحتى تبلغ الخامسة عشر، الغيشا المتدرّبة ترتدي الكيمونو مع حزام البطن بربطة خلفية طويلة، وقبقابها عالي وتزين شعرها بقليل من الإكسسوارات بخلاف الغيشا المتخرجة. في حيهم الشهير "جيون" ذا الممرات الصغيرة والضيقة والبيوت الخشبية والورقية والإضاءة الخافتة والهدوء العام ستكون محظوظاً إن صادفتك غيشا. كنت متفائلة وقد صادفنا واحدة متدرّبة خرجت من بيت خلفنا لتركض بقبقابها وتحدث ضجيجاً يلفت انتباه كل من في ذاك الممر، لم أر وجهها ولكني التقطت لها صوراً من خلفها. ليست كل بيوت جيون مسموح لها باستضافة غيشا إلا إذا كانت مرخّصة بذلك، وذلك الترخيض عبارة عن لافتة سوداء مثبّتة بجانب المدخل الأمامي للبيت.

فقط في اليابان:

- جميع المرافق الصحية، الخاصة منها والعامة، هي مرافق بدرجة خمس نجوم من ناحية النظافة، وسهولة الاستخدام، والتقليل من استخدام الأيدي. لم يختلف حمام غرفة فندقنا ذي الخمس نجوم عن جميع الحمامات العمومية التي استخدمتها في محطة القطار، وفي القطار، وفي المطاعم، وفي السوق، وفي المعبد، وفي المحلات التجارية.

- في بعض سيارات الأجرة، يعطيك السائق علبة محارم ورق صغيرة كنوع من المجاملة.

- جميع المطاعم تقدم لزبائنها محارم الورق المبللة، لتنظيف اليدين قبل الأكل، بما فيها مطاعم الوجبات السريعة.

- لا يسمح للمدخنين بتلويث الهواء الطلق، وقد خصصت لهم غرف خاصة بجدران زجاجية وغير مسقوفة.

- عندما تطلب زبونة ما أن تجرّب قميصاً معروضاً في محل ما، فإنها تلبس كيس من القماش على رأسها لكي لا تتلطخ ملابس المحل بالماكياج، أو تتسخ من الفم أو الأنف حين مرورها على الوجه.

- لا تُباع تذاكر القطار للمسافات القصيرة إلا من الآلة.

- الياباني ودود بطبعه، وقد يخرج عن مسار طريقه لتقديم المساعدة.

- شوارع المدن نظيفة، دون براميل قمامة.

- للأحياء اليابانية خرائط تستعرض أرقام البيوت وأسماء أصحابها.

- ينام الزوجان اليابانيان، منذ اليوم الأول للزواج، على سريرين منفصلين.

- يحصل كل زائر على تخفيض تذاكر الحافلة التي تقلّه من المطار إلى وسط المدينة.

- السفارة اليابانية هي السفارة الوحيدة التي تستلم أوراق طلب التأشيرة مع مرفقاتها بدون الرسوم أو الجواز، وعندما تتم الموافقة على إصدار التأشيرة، عندها فقط تُؤخذ الرسوم، وتُصدر التأشيرة في الجواز.

- في اليابان، لا تسمع أبداً رنين جرس الهاتف المحمول أو صوت الضغط على أزراره أو أزرار الكمبيوتر المحمول في الأماكن العامة.