لماذا يجب أن نحب جمال عبدالناصر ؟!



كان يوم الاثنين 28 سبتمبر 1970 يوماً ليس كباقي الأيام في تاريخ الأمة العربية، فما أن أعلن أنور السادات من الإذاعة المصرية عن وفاة (أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال) أدركت الشعوب العربية أنه بوفاة الزعيم جمال عبدالناصر سيبدأ عصر جديد من الضياع والتيه والسقوط والهزائم.

(أدفنوني معه) هذا كان طلب السيدة تحية، قرينة الرئيس عبدالناصر، لكن الذي دفن معه حقاً لم تكن السيدة تحية، بل كل الأحلام الثورية الرومانسية التي وسمت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

فمنذ ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة الضباط الاحرار في مصر، حدثت تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية متسارعة غيّرت الخارطة السياسية في المنطقة العربية بأسرها، وعاشت الشعوب العربية المقهورة مناخات التحرر الوطني من الاستعمار القديم، وتحرير الاقتصاد الوطني من التبعية للرأسمالية العالمية، وتحقيق التنمية المستقلة، وانتشرت مباديء التحرر والاشتراكية والوحدة في مواجهة التخلف والرجعية والتبعية للاستعمار.


عبدالقادر عقيل

كانت رياح التغيير في الخمسينيات والستينيات تقتلع عالم المستعمرات القديمة، رافق ذلك صعود حركات اليسار العالمي، وثورات الشباب في العالم، في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. وبدا حلم تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج قاب قوسين أو أدنى، هكذا كان جمال عبدالناصر يلهب حماسة الشعوب العربية التي كانت ترى فيه زعيماً، وقائداً محنكاً، وأباً حانياً، رافعاً لواء العروبة والكرامة العربية، وهو يقول (أرفع رأسك يا أخي فقد ولي عهد الاستعمار).

يبدأ (بوخالد) حديثه بكلمة (أيها الأخوة المواطنون) فيسود ذلك الصمت في كل بيت عربي يستمع إلى خطابه، فيتفاعل الناس معه، يغضبون لغضبه، ويبتسمون لدعاباته، ويصفقون لقراراته الحاسمة:

(إن الحرية لا تكون إلا إذا تحررت الأرزاق، وتحررت لقمة العيش، وشعر كل فرد أنه يعيش في وطن تتكافأ فيه الفرص، ويستطيع أن يقول ما يريد أن يقول، لا يعيش مهدداً في رزقه أو في أولاده أو في مستقبله).



لا يمكن وصف مشاعر الشعوب العربية الحماسية وهي تستقبل قراراته التاريخية الجريئة بتأميم قناة السويس، وقوانين الإصلاح الزراعي، وقوانين يوليو الاشتراكية، والميثاق، والاتحاد الاشتراكي العربي، وبيان 30 مارس، وجلاء القوات البريطانية، وإعلان الوحدة مع سوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة، والحياد الايجابي.

وفي تلك الليلة السوداء من يونيو 1967 حينما أعلن عبدالناصر عن تنحيه عن الرئاسة، الكل رفض فكرة التنحي وخرجت الجماهير إلى الشوارع ناسية كل مرارة الهزيمة الفادحة للجيوش العربية أمام إسرائيل، لتعلن رفضها وتطالب (الأب) بالعودة إلى (البيت). وهكذا كان بطلاً حتى في الهزيمة، كما وصفه كمال جنبلاط.

لماذا كان علينا أن نحب جمال عبدالناصر؟!

هو الزعيم الخالد، هو الحنو والحب والشموخ والشجاعة والاقدام، أنه الأب الذي لا يخاف، (أبونا مات .. أبونا مات) هكذا انطلقت حناجر الملايين في جنازته المهيبة التي وصفته جريدة التايمز البريطانية (أنه أضخم تجمع بشري في التاريخ).

عبدالناصر كان الأمل والمستقبل وحلم الفقراء البسطاء، كان رمزاً للكرامة والحرية العربية ضد الاستعمار والهيمنة وضد الاستبداد والظلم، وبموته انتهى هذا الحلم.

حكى الأديب الراحل بهاء طاهر أنه شاهد في إحدى القرى بكينيا صورة جمال عبدالناصر معلقة على الحائط داخل أحد الدكاكين الصغيرة في القرية الكينية النائية، فسأل صاحب الدكان عن صاحب تلك الصورة فرد الرجل على بهاء طاهر قائلاً: إنه أبو أفريقيا، فسأله بهاء طاهر: من هو أبو أفريقيا؟. فرد الرجل: وهل هناك غيره، إنه جمال عبدالناصر".

بموته في 28 سبتمبر 1970 انتهى كل ذلك، ولم يعد لنا غير الذكريات، وما نسميه بالزمن الجميل، والذين بكوا بحرقة على وفاته في ذلك اليوم الحزين بكوا على نهاية الأحلام الثورية الرومانسية التي لن تتكرر مرة أخرى، وبكوا على زمن سيعيشون فيه دون أب، ودون قائد، ودون زعيم في قامة جمال عبدالناصر.

كتب الكاتب والمؤرخ الفرنسي (جان لاكوتير) في كتابه (ناصر) واصفاً أحداث تشييع جنازة جمال عبدالناصر : (إن هذه الجموع الغفيرة في تدافعها الهائل نحو الجثمان إلى مثواه الأخير لم تكن تشارك في تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير، لكنها كانت في الحقيقة تسعى في تدفقها المتلاطم للاتصال بجمال عبدالناصر الذي كانت صورته هي التجسيد المطلق لكينونتها ذاتها. لقد قفلت الآن الدائرة ولكن ماذا تحوي في داخلها؟ انقلاب 23 يوليو.. باندونغ.. السويس.. السد العالي.. دمشق.. الجزائر.. قوانين 1961.. إن كل ذلك قد أصبح الان تاريخاً).

116 مشاهدة