ليلة يلدا


ما أن وصلت ناقشة الحنّاء إلى البيت مع أول المساء حتى علت زغرودة من خالتي، وسرعان ما دعت الفتيات للتجمع على عجل في غرفة المعيشة الكبيرة.

لم تمض دقائق حتى ارتفع صوت الموسيقى والغناء من آلة التسجيل، فتجمعت النساء في حلقة دائرية، وشبكت كل واحدة أصبع خنصرها مع أصبع الخنصر من اليد القريبة المجاورة من الجانبين، وبدأن في ضرب الأرض بالقدم اليسرى، ثم تلاها تحركهن نحو اليمين ثلاث خطوات، ثم الاستدارة نحو اليسار، مع جعل الأذرع تلامس بعضها، ثم التقدم بالقدم اليسرى خطوتين إلى الأمام، تليها القدم اليمنى بخطوة، ثم تكرار الحركة من جديد.

جاءت خالتي وهي تحمل صينية عليها طبق من الحناء حوله مجموعة من الشموع والورد المحمدي المنثور، وهذا أثار حماسة الفتيات الجالسات على الفرشة الصغيرة المطرزة والمقصبة باللون الوردي، فكل واحدة كانت تنتظر دورها في نقش يديها ورجليها.

جاءت ناقشة الحناء وبدأت في نقش الورود والنجوم والدوائر والزخارف على الأيدي والأرجل باستخدام خوصة تغمسها في الحناء، وبعد أن تنتهي من وضع الحناء تلف الأيدي والأرجل بقماش أخضر بطريقة محكمة حتى يصبح اللون غامقاً.

عبدالقادر عقيل

في الساعتين التاليتين وصل عمي وزوجته وأولاده، وجاء بعده خالي وخالتي، وأبناء عمومتي مع زوجاتهم، ووصل أخي الكبير مع زوجته وابنته الصغيرة، وبعدها بدقائق معدودة وصلت أختي وزوجها وأولادها الثلاثة.

كل أفراد العائلة حضروا وتجمعوا، مثل كل عام، تحت سقف واحد، كل واحد منهم أحضر معه طبقاً معيناً من الطعام.

منذ طفولتي وهذا التقليد السنوي قائم لا يتغير، مهما كانت الظروف، ومهما تبدلت الأحوال، لا أحد يتخلف عن حضور ليلة يلدا، الليلة الأطول في السنة، يوم ميلاد الشمس، وأول ليلة من فصل الشتاء، حيث يسهر الجميع بانتظار ولادة الشمس في اليوم التالي.

من موقعها في المطبخ أشارت عليّ أمي بيدها تطلبني، فأسرعت إليها، وأعطتني صحناً مليئاً بالقمح المشوي المخلوط بالملح والجوز، وطلبت مني أن أنثر القمح على سطح بيتنا والبيوت المجاورة حتى تعم البركة على الجميع.

في سرعة خاطفة مدت أمي بمساعدة خالتي سفرة طويلة على الأرض، ووضعت عليها أطباق العشاء المكوّن من الرز المطبوخ بالخضار وحلوى السمسم وحلوى الجوز وحلوى الجزر، وأحاط الجميع بالسفرة وبدأوا في تناول وجبة العشاء.

بعد العشاء وضعت أمي في زوايا الغرفة قليلاً من عشب الحرمل في إناء جميل، ونثرت منه على المجمرة فانتشر أريج الحرمل في البيت برائحته المميزة.

قدم أبي صحناً من الجوز إلى جدتي وطلب منها أن تختار جوزة واحدة وتفتحها، أخذت جدتي تعاين الجوز واختارت واحدة وهي تهزها بالقرب من أذنها، ولما تأكدنا من امتلاء الجوزة تفاءل الجميع خيراً.

أحضر أبي بمساعدة أخي الأكبر منضدة خشبية كبيرة، ووضع تحتها مجمر الفحم، ووضع فوق المنضدة قطعة قماش كبيرة ذات ألوان زاهية تكفي لأن يدخل كل أفراد العائلة سيقانهم تحتها لأجل التدفئة.

وأحضرت أمي كتابها القديم المحفوظ في علبة كارتونية قديمة، وسلمت الكتاب إلى عمي الذي بدأ يقرأ الأشعار والمواعظ من الكتاب، ثم روى لنا حكاية عشق القمر للشمس وسعيه الدائم لملاقاتها لكن النوم يمنعه، وطلب القمر العون من النجوم ونجح أن يلتقى بمعشوقته الشمس، فنسيا عملهما وكانت أطول ليلة مظلمة في السنة، ومنذ ذلك الوقت صار العاشقان يلتقيان مرة واحدة كل عام في ليلة هي الأطول، هي ليلة يلدا.

وضعت أختي المائدة الخشبية في وسط الغرفة وساعدتها أختي وخالتي وعمتي في وضع أطباق من البطيخ الأحمر والرمان والعنب وصحون صغيرة بها أنواع من المكسرات غير المحمصة والمشمش المجفف والكمثرى المجففة والتين المجفف، وكان هذا إيذانا بسهرة ليلة يلدا وانتظار بزوغ الشمس في يوم ميلادها.

في هذه الليلة الطويلة سيأتي (قارون) وهو يرتدي ملابس بالية كملابس الحطابين، ويدق أبواب الفقراء، ويقدم لهم الحطب، وفي الصباح يتحول الحطب إلى سبائك من الذهب.

جدتي التي تجاوزت الثالثة والثمانين من العمر بستة عشر يوماً، تتمتع بذكاء حاد، وشخصية قوية لا يجاريها أحد، وهي تتذكر كل صغيرة كبيرة في حياتها، كان عليها أن تختم السهرة قبل طلوع الشمس، فقالت بصوتها الحاني:

" انسوا الأوقات الصعبة، واضيئوا الشموع إلى الصباح، وانسوا ظلمة الليل الطويل، وبرد الشتاء، وتقلب الحوادث، عسى أن يتبدل حزننا فرحاً، وهمومنا سعادة، وضيقنا فرجاً، ويكون يومنا افضل من أمسنا".

ومرت الساعات في أحاديث لا تنتهي عن الأمل في جلاء الحزن، وذهاب الهم، والخروج من حلق الضيق إلى أوسع الطريق.

وشيئاً فشيئاً بدأت خيوط الشمس في الظهور لتعلن عن انتهاء ليلة يلدا، لكن الباب، مثل كل الأعوام السابقة، لم يطرقه أحد، ولم يأتِ الحطاب ليترك الحطب والذهب عند الباب.

هزت الجدة رأسها عدة مرات وقالت بابتسامتها الخالدة:

" ربما يأتي في السنة القادمة".


13 مشاهدة