مايكل هانيكه ولغز الواقع


الفنان النمساوي مايكل هانيكه

الفنان النمساوي مايكل هانيكه Michael Haneke، مهما اختلفت الآراء حول أعماله وموضوعاته وأساليبه، يظل مخرجاً سينمائياً فذّاً واستثنائياً في عالم السينما اليوم. عبر أعماله الجادة والملفتة، استطاع هانيكه أن يكرّس حضوره كواحد من أهم وأبرز المخرجين المعاصرين في السينما العالمية، وأكثرهم إثارة للخلاف والجدل.

أحرز شهرة عالمية واسعة مع فوز فيلمه The Piano Teacher بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان 2001.. إذ حتى ذلك الوقت، ظلت أعماله – رغم أهميتها وجدّتها – بعيدة عن الانتشار الذي تستحقه بجدارة.

تناول في أعماله موضوعات مقلقة واستفزازية، من خلالها وجّه نقداً حاداً لعناصر الميديا (التلفزيون، الفيديو، السينما) في علاقتها بمظاهر معينة في الواقع الأوروبي الحديث: العنف، العزلة، الاستلاب، المحن الفردية والاجتماعية.

إلى جانب إلحاحه على تناول قضايا انسانية فردية وعامة تتصل بتأثير الماضي على الحاضر، الشعور بالذنب على المستوى الشخصي والجماعي، تفشي حالات الارتياب في الآخرين في المحيط العائلي والاجتماعي، نفور الفرد أو عجزه عن تحمّل مسؤولية أفعاله.

هانيكه راصد يقظ للسلوك الإنساني في أكثر الأوضاع والحالات تأزماً وتطرفاً.


أمين صالح

ولد في ميونيخ بألمانيا، العام 1942. ابن ممثليْن محترفيْن. أمه نمساوية كاثوليكية، وأبوه ألماني بروتستانتي. كلاهما كانا ممثليْن التقيا أثناء الترفيه عن القوات أيام الحرب العالمية الثانية. وأثناء جولة لهما في ميونيخ، أنجبا مايكل.

قبل أن يبلغ الثالثة من عمره هجر أبوه عائلته، ليستقر في ألمانيا، بينما ظل هو مع أمه في النمسا. مع ذلك يصرّ هانيكه على أنه عاش طفولة مريحة.. " في الواقع كنت طفلاً مدللاً، فقد كنت الابن الوحيد".

ويضيف: "كل طفولة لها صعوباتها وعوائقها. عن نفسي، كانت طفولتي مريحة جداً، يسيرة الحال، ولم تكن لدينا مشاكل مالية. لكن هل كانت طفولتي سعيدة حقا؟ لا، لم تكن كذلك. لقد نشأت في زمن الحرب، بالتالي لم تكن الحياة ممتعة جداً."

غياب الأب لم يؤثر سلباً على نفسية هانيكه، وعندما وصل سن البلوغ، بدأت علاقته بأبيه في التحسّن:

"كانت علاقتي بأبي طيبة، خالية من التوتر، فقد كان يتمتع بحس دعابة عالية. هو يشبهني في الشكل قليلاً لكن من غير لحية. كان مظهره أشبه برجل إنجليزي أنيق".

أما أمه فقد تزوجت ثانية من يهودي نمساوي أجبر على النزوح إلى انجلترا خلال الحرب.

في طفولته لم يكن هانيكه واعياً لما يحدث في ألمانيا النازية إلا في حدود ضيقة.. "لم نكن نتحدث عن الحرب. لا أعرف إن كان لدى أبي أي إحساس بالذنب. أعرف أن أمي في شبابها كانت تخرج مع ضابط نازي شاب، لكنها لم تكن تعلم شيئاً عما يحدث، كانت معجبة بالزي النازي. عندما أخبرها عن الأفعال التي ارتكبها، شعرت بالاشمئزاز وانفصلت عنه".

أمضى هانيكه فترة مراهقته في مزرعة ببلدة فاينر نيوستادت، تحت رعاية خالته وجدّته – لكنها لم تكن تنشئة ريفية - قبل أن يغادر إلى فيينا بالنمسا.

يقول: "مثل أي شخص في مخاض سن البلوغ، شرعت في كتابة القصائد. لكن في الأصل، أردت أن أترك الدراسة للتدرّب على التمثيل. أنا من عائلة من الممثلين: أمي ممثلة، وأبي كان ممثلاً ومخرجاً. بل أني ذات يوم قررت أن أتخلى عن الدراسة وانتقل إلى فيينا لتقديم اختبار في الأداء من أجل المشاركة في حلقة دراسية يشرف عليها المخرج ماكس رينهارت. الجميع هناك كانوا يعرفون أمي، وكنت أعتبر نفسي موهوباً على نحو مدهش. لذا لم أتوقع أو يخطر ببالي أنهم سوف يرفضون قبولي، لكن هذا ما حدث، وقرارهم صدمني إلى حد بعيد. لذلك عدت للدراسة لنيل دبلوم الثانوية".



عن تكوينه النفسي في مرحلة المراهقة، يقول هانيكه:

"منذ وصولي سن البلوغ وأنا احتفظ بمسافة معينة بيني وبين الآخرين،

وأحدّد نفسي باتخاذ موقف معيّن. أرى ذلك حتى في المحادثات اليومية. حالما تتخذ الغالبية شكلاً ما، أكون ضدها من حيث المبدأ. إنه شيء غريزي. كلما اتفق الناس على شيء ما، أصير عدوانياً. في المدرسة، تجنبت أخذ دروس دينية كاثوليكية. لكنني كنت أحضر الدروس البروتستانتية مرّة في الشهر. وكنت أستمتع بكوني مختلفاً عن الآخرين في الفصل. لم أكن أحب التملق والتزلف. منذ صغري كنت وحيداً، وظلت الوحدة معي، لم تغادرني. ولم أتغيّر. لست فخوراً بذلك، لكنها الحقيقة".

منذ مراهقته أظهر عشقاً للمسرح والموسيقى والأدب. وكان طموحه أن يصبح عازف بيانو..

"في مرحلة الشباب، كان حلمي أن أصبح موسيقياً. لو كان الأمر بيدي، لو كنت موهوباً في هذا المجال، لوددت أن أكون موسيقياً وليس مخرجاً. كنت أحب أن أصير مؤلفاً موسيقياً أو قائداً لفرقة موسيقية. زوج أمي كان موسيقياً وقائداً للأوركسترا، وقد لاحظ ضعف موهبتي كعازف بيانو. ملاحظته جعلتني أستبعد فكرة أن أصير موسيقياً. مع ذلك، لم أفقد عشقي للموسيقى".

منذ صغري كنت وحيداً، وظلت الوحدة معي، لم تغادرني. ولم أتغيّر. لست فخوراً بذلك، لكنها الحقيقة"

إن إدراكه المبكر لافتقاره إلى الموهبة جعلته يختار دراسة الدراما في الكلية، لكنه تخلى عن ذلك بعد نصف السنة الدراسية، ليتحول إلى دراسة الفلسفة.. "كنت أعتقد أن هيجل سوف يفسّر لي العالم، لكنني فهمت أن الأمر ليس كذلك".

في تلك المرحلة، نشر مقالات عن المسرح والسينما في الجرائد اليومية السويسرية. وكان، مثل فرانسوا تروفو، يشاهد ثلاثة أفلام في اليوم.

يقول هانيكه:

"في مرحلة الدراسة تلك، تعاملت مع الكتابة بجديّة أكثر. كذلك قدّمت أعمالاً للإذاعة، ونشرت في عدد من المجلات مقالات نقدية في الأدب والسينما، رغم إني لم أكن أمتلك ثقافة واسعة في هذين المجالين.

في تلك الفترة، بدأت في كتابة القصص القصيرة. عندما وُلد ابني، قرّر والداي الاستقلال عني، وهذا أجبرني على البحث عن مصدر للرزق. بحثت عن عمل في دار للنشر، وأرسلت لهم بعض محاولاتي القصصية، وبدلاً من تعييني محرراً في الدار، كما كان مبتغاي، طلبوا مني المزيد من القصص. كنت منزعجاً جداً، لكنني واصلت الكتابة.


ديفيد هربرت لورانس

سمّيت ابني ديفيد تيّمناً باسم الكاتب الذي كنت أبجّله واعظّمه في ذلك الحين: ديفيد هربرت لورنس.. رغم أن تداول اسم ديفيد غير اعتيادي تماماً في البلدان الناطقة باللغة الألمانية. لورنس بالنسبة لي كاتب عبقري حقيقي، وقد التهمت كل ما كتبه.

وقتذاك شرعت في كتابة رواية لم أنشرها، ومؤخراً عثرت على المخطوطة في حقيبة قديمة، في الموضع الواقع تحت سطح منزلي الريفي. لم أتذّكر موضوعها إلا حين قرأتها من جديد، وفي الواقع لم أصدّق أنني كتبتها، إذ لم تكن سيئة، وتأثير لورنس كان جلياً، وقد سنحت لي الفرصة لأن أقرأ أجزاء منها في مسرح صغير في فيينا. كانت تلك الأمسية مهمة جداً بالنسبة لي، وحضرها والداي".

بعد أن رفضت دار النشر توظيفه..


"في تلك الفترة أتيحت لي الفرصة لأن أتمرّن في محطة تلفزيون في مدينة بادن – بادن. كانوا يبحثون منذ سنوات عن دراماتورغ جديد وانتهى بهم الأمر إلى توظيفي لأصبح أصغر دراماتورج تلفزيوني في ألمانيا، وبدأت في صقل اهتمام أكثر احترافية بالسينما. في غضون ثلاث سنوات، تعلمت كل ما احتاج إلى معرفته عن كتابة السيناريو".

في البداية، عمل في قراءة وتقييم النصوص، وهو يضفي أهمية على هذا العمل..

"بدايتي كانت فحص ودراسة أكوام من النصوص الفقيرة جداً. الذي علمني كتابة السيناريو، قبل أي شيء آخر، هو قراءتي لتلك السيناريوهات الرديئة. على مدار سنتين، من تلك السنوات الثلاث، كنت أذهب كل صباح إلى العمل لأجد على مكتبي كومة من المخطوطات، من النصوص السيئة التي يتعيّن عليّ قراءتها وتقييمها. كانت بداية جيدة لأن بقراءة الكتب السيئة تكتشف ما هو جيد. إنك تلاحظ خللاً ما في النص يجعله غير مقبول، وتتساءل ما الذي يجعل النص مقبولاً، فتبحث عن الجوانب التي يمكن أن تجعل النص جيداً، وبذلك تتجنب الأخطاء. ورغم أن قراءة تلك النصوص السيئة لم تكن ممتعة على الإطلاق، إلا أنها ساعدتني كثيراً. أما النصوص الجيدة فإنها تثير إعجابك إلى حد أنك تنسى أن تكتشف ما الذي يجعلها جيدة".

المجال الفني الآخر الذي كان موضع ولع هانيكه هو المسرح.. يقول هانيكه:

"الشيء الآخر الذي تعلمته أثناء وجودي في بادن – بادن هو الإخراج. تجاربي الأولى كانت في المسرح المحلي. كنت على علاقة عاطفية مع ممثلة منتسبة إلى المسرح. المدينة في تلك الفترة كانت في حالة ركود ثقافي. الممثلون كانوا عاديين في أفضل الأحوال، واحتجت إلى فت