مرور قارئ في (شارع المعارض)



العتبة الأولى: العنوان والوظيفة

يلعب العنوان في أي رواية دورا أساسيا في تقديمها، فهو عتبة مهمة من عتبات الدخول إليها، بوصفه معادلا موضوعيا للنص، كما يقوم بعدد من الوظائف كالدور الاختزالي والإيحائي، وله قدرته على شحذ الذهن مع تناول الكتاب لأول مرة بالعديد من الأسئلة، وهذا ما يجعله يلقى عناية الأدباء وينال اهتمامهم بقدر الاهتمام الذي يتطلعون أن يناله عملهم المطبوع بين الدفتين، وهم في ذلك مذاهب ومشارب ولكل عنوان قصته.

مسمى (شارع المعارض) الذي اختاره الكاتب البحريني د. جعفر الهدي لروايته، هو مسمى لافت من وجهة نظري لعدة اعتبارات لعل أحدها كون هذا الشارع شهيرا، فهو معروف على النحوين التجاري والاجتماعي، وله سمعة خاصة محليا اكتسبها من موقعه ومن نشاطه وحركته، رغم ذلك فإني لم أستطع - وأنا أقتني هذا العمل - أن أتخلص من سؤال: "لماذا شارع المعارض في عمل روائي؟؟، وكنت قد كونت في الذهن – كما يفعل أي قارئ – مجموعة توقعات لموضوع الرواية وأحداثها وشخصياتها ...، ولأن العنوان قد جاء في صيغة الجملة الاسمية فقد قلبته في ذهني دون تعسف وتكلف على عدة أنحاء: (هذا شارع المعارض)، أو (هو شارع المعارض) وغيرها ....، ووضعت تحت العنوان تصوراتي الخاصة كأن يكون العمل يحمل مدلولا رمزيا يتجاوز هذا المكان أصلا، أو العكس من ذلك أن يكون واقعيا يستعرض ما يجري في هذه المساحة أو ما يحدث فيه عادة، كونه يضم سلسلة من المحال التجارية ويقطنه عدد من الجاليات العربية والأجنبية، كما أنه جزء من العاصمة (المنامة) بما تضمه من خليط وما تحويه من سلسلة فنادق تعكس مجريات الحركة السياحية، وغيرها من التوقعات ...، وكذلك كان الشارع في هذه الرواية فهو نقطة انطلاق قصة حب حاول الكاتب كثيرا التخفيف من دوران عجلة أحداثها بخلاف ما هي عليه حركة الشارع نفسه المتسم بالصخب والحركة الدؤوبة، كانت قصة حب ذات مغزى بين عربيين من قطرين متجاورين، وارتبط عنوان الرواية ببعض الأبعاد الرمزية التي ظهرت في مقاطع شحيحة في العمل، لكنها كانت واضحة الدلالة على كونه جزءا من عاصمة فسيفسائية تمتزج فيها الأعراق والمذاهب والمستويات والمشارب.

"المنامة مدينة الطقوس، كل طقوس الدنيا سترينها هنا، ليس طقوس عبادة فقط، طقوس الطعام، طقوس السهر، الطقوس المجتمعية، هنا في المنامة تختصر الدنيا بكل ما فيها، حتى نحن الذين نعيش في المنامة أو تخومها نشعر بلذة العيش فيها" ص 125 هكذا وصف (أمين) عاشق (هدى) العاصمة التي يشكل عنوان الروية أحد تخومها.

"تذهب بنظرها هناك للبعيد، ترى أنواع (أنواعا) من البشر قد بدأت تتسلل في الطريق المحاذي للشقة، لا تعرف أين يذهبون، لكنهم يتقاطعون هنا ويختلفون في نهاية الطريق، السحنة البحرينية على بعض الوجوه والآسيوية على آخرين لا يلتفت أحد لأحد، تشعر أن السلام قد حط هنا فتحول الكل إلى هادئ ومسالم، حتى هي تشعر بالراحة والطمأنينة، تتذكر حديث أمين البارحة، تشعر أنه مسكون بالهواجس، مأخوذ بالكثير من تأثير التباينات الاجتماعية، تقول بنفسها: نحن في زمن لم يعد لهذه الاختلافات الكثير من الأثر، العالم اليوم أصبح قرية صغيرة، المطارات أصبحت دولا والشركات أصبحت عابرة للقارات، المدن المغلقة لم تعد موجودة، والمجتعات المغلقة انتهت" ص 174 كذلك وصف الراوي نظرة (هدى) لهذه العالم ليؤكد روح المدينة المنفتحة على كل شيء، وليؤكد أن العالم اليوم لم يعد مغلقا على نفسه، إنها البيئة التي تربى فيها (أمين) وجاء منها.

"عزيزتي، عندما كنت صغيرا كنت أتسلل لشارع المعارض لأسترق النظر لسيقان الآسيويات العارية، وعندما كبرت قليلا صرت أنظر للأبراج العالية وأتمنى أن أسكن فيها، واليوم أنا أحلم بأن أسرق فتاة من الرياض كانت تسكن حي الناصرية، قادها الطموح لنلتقي في شارع المعارض، أصوات الحسينيات التي تصدح في أذني وأزقة الحورة ورائحة البهارات الهندية كلها تجعل من ذلك حلما" ص 190 هنا يشير حديث البطل إلى الاختلاف المذهبي، ووجود الجاليات الأجنبية، كما يعرض ذلك التفاوت الطبقي بين من يسكن الأبراج ومن هو دونها.


د.جعفر الهدي

رغم ذلك فإني لا أجد أن الكاتب قد منح العناية الفائقة للمكان على مستوى الوصف، سواء في خصوص الشارع أو في ما يتصل بالمدينة (المنامة)، فتلك المقاطع كانت تتحدث في رمزية المكان، ولكن أين هو المكان الذي يحتضن كل ذلك؟ حضر الوصف بشكل خجول في عدد بسيط من الفقرات كالتي تم استعراضها، أو كالتي بدأ بها عمله ص 5، وهذا الحضور الباهت لم يشكل لونا أساسيا للوحة التي سيقدمها في الرواية، بحيث تضفي الإقناع على قدرة مختلفين في بناء علاقة حب متينة، كنت أتوقع أن نسير في الشارع برمزيته تلك كثيرا مع أحداث الرواية وشخصياتها ليمتزج بزمانها، وشخصياتها، وأحداثها، وهي المهمة الشاقة التي لم يؤدها الكاتب بقدر كبير من المثابرة، كنا في رواية تأخذ المكان عنوانا لها، لكننا لم نجد ذلك المكان حاضرا !!

هذا بالنسبة للدور الإيحائي الذي لعبه العنوان أما عن الوظيفة التحفيزية والإشهارية في شد انتباه من يتناول العمل، فربما كانت متحققة للقارئ المحلي والخليجي لكنها قد لا تكون كذلك مع القارئ العربي، فقد جاء بناء العنوان رتيبا وغير ابتكاري، أردت القول أن عنصر التشويق قد يحمله المعنى حين يكون سبق إلى أذهان المتلقين بخبراتهم السابقة وما يرسله من إشارات، وقد يأتي من المبنى الفريد ذو الصياغة الإبداعية وهو ما لم ينجزه عنوان (شارع المعارض).

القصة: الحب خارج الحدود

الرواية كما أسلفت جمعت البطلين (أيمن البحريني) و(هدى السعودية) اللذين التقيا في موقف عابر، حصل للفتاة السعودية أثناء قدومها للبحرين من أجل إحياء أمسية أدبية في أسرة الأدباء والكتاب، وتأكيدا لواقعية الحدث وإحاطته بالمؤسسة نفسها استعرض الراوي عددا من شخصياتها رغم أنه مزج ألقاب الأدباء جميعا، وبعضهم لم يكن لقبا معروفا لأحد بعينه، القصة تبدأ مع أول موقف تواجهه الفتاة مع ذلك الشاب البحريني الذي كان يمتهن غسل السيارات كعدد من أنداده، لكن هذا الموقف العابر تحول لقصة عشق جارف، احضتناه معا، وخشيا عليه من الضياع تحت عوامل سلبية للدين، والمستوى المعيشي، والطبقة الاجتماعية، واختلاف العادات، ومستوى التعليم، وغيرها، لكنهما تمكنا من تكليله بالزواج متجاوزين بذلك فارق الانتساب المذهبي، وفارق المستوى الطبقي وإن اضطرهما ذلك الحب للرحيل لأرض تسمح لهما بالعيش دون تلك الفوارق.

إذا كما تفعل كل قصص الرمانسية فإنها تضع القصة في مواجهة كل التحديات لتنتصر – بكل تأكيد - قيمة الحب، تأكيدا لسمو هذا الكائن، وترسيخا لقيم رفيعة تجتاحها حقيقة متغيرات هذا العصر، ولهاث ناسه السريع خلف تفاصيل الحياة المملة، وتمحورهم حول ذاتهم، واستسلامهم للحواجز والأسوار التي تحجب رؤية الآخر بما هو عليه بعيدا عن ما يعتنقه ويؤمن به، وما هو مستواه، وماذا يملك، وهذا ما تفعله كل قصص الحب، لكن الدكتور جعفر الهدي اجتهد في وضع هذه القصة في سياق جغرافي أكبر، فبدل أن تكون هذه العلاقة بين طرفين في ذات البلد، فقد جعلها بين بلدين (السعودية والبحرين)، وهذه الانتقالة كان يفترض أن تشكل إضافة في القصة إذ أن كل تلك المعوقات التي واجهت البطلين كان يمكن جدا أن تكون داخل أي من البلدين، فالنسيج الديني متقارب، والتفاوت بين الأسر متشابه !!! كأن الكاتب قد جذر بذلك اليأس والقنوط من بلوغ تلك النهايات المبهجة داخل أي من القطرين، بل في سفر الحبيبين في نهاية الرواية لخارج البلدين تكريس لواقع مر بفشل تجارب المعايشة داخل هذا الإقليم برمته، وضمور قيم الحب والتسامح بين أبنائه.

السرد: من المتخيل السردي إلى السرد السينمائي

تلجأ الرواية في سردها لمقاربة العمل السينمائي وليس الروائي، فالعمل الروائي عماده الأساس المتخيل، بينما عماد السينما تصوير اللقطات بصوتها، وبصورتها، وحركتها، ويتضح ذلك من خلال عدة ملامح سأعددها لكن سأركز الحديث في الملمح الأبرز من بينهما، لنأخذ مثلا حركة الزمن السريعة وانتقال الأحداث بوتيرة المشهد واللقطات المتتابعة، وكما اتضح سابقا فإن الوصف تراجع كثيرا من أجل التركيز على الحوار الذي كان واضحا في الأغلب، وبسيطا وغير معقد، كذلك كانت اللغة تصويرية ... وكما يأخذ الحوار دوره المهم في السينما فإنه في (شارع المعارض) أيضا كان العنصر الأساس الذي اعتمد عليه الكاتب لاستيعاب هذه القصة، ورغم أن الشخصيات كان لديها الكثير مما تقوله عن نفسها، وعن الآخر، وعن الواقع وعن البيئة إلا أنها اكتفت بقول القليل جدا رغم طول الحوارات، وهنا مفارقة يجدر التوقف عندها، فليست هناك مشكلة في كون الرواية اعتمدت على الحوار بدرجة أكبر لكن من الضروري أن تكون هذه الحوارات ثرية وعميقة، تكشف دواخل الشخصيات وتحكي عنها بشكل يجعلها نماذج إنسانية تعيش معنا طويلا، أليس من الغريب أن نسمع كل هذا الحوار ثم لا نذكر القائل مثلا؟! إذا كنت أقرأ في الحوار ما يمكن أن أقرأه في المحيط، وما كنت أرصده في العديد من المشاهد المتلفزة، فإن ذلك لن يخلق شخصيات روائية متميزة، وهذا ما يكشف عن خلل في بنية الحوار نفسه، وفي الدور الذي لعبه فعلا في العمل، عموما هذه من المشكلات المصنفة على أنها من عيوب الروايات الأولى.

الحوار: ظواهر في بنية الحوار

هنا مجموعة من الاستشهادات التي رصدتها أثناء عبوري (شارع المعارض)، والتي توضح ما يشوب بنية الحوار من ظواهر:

(**) حوار (هدى) مع حارس بوابة من الجالية الهندية هل كان هناك داع لكتابة حديثه بالشكل الذي قاله: "مام في نفر يجي يسأل عن مام"، "في اثنين نفر ،،، واحد سامي ثاني حسين" ص 12، فالعامل هندي، والكاتب لا يلعب دور الممثل الذي يتقمص شخصية العامل، كما أن وصف (قال ذلك بلهجة غير صحيحة) مثلا يكفي، رغم أن كل ذلك لا داعي له لأنه لا يشكل إضافة في طبيعة الموقف.

(**) الإسهاب في الحوارات بين الشخصيات، بلا داع وبالكثير مما يمكن اختزاله، من أمثلة ذلك الصفحات من ص 27 إلى ص 40 (من حوار داخلي إلى العم حسن، إلى حوار (هدى) وصديقاتها، إلى محاورة البواب في العمارة ...)، علما بأن بعض الشخصيات أعادت حواراتها أكثر من مرة كما هو حوار العم حسن سائق سيارة الأجرة مع الشخصية الرئيسة.

(**) عدم فاعلية الحوار، وأعني بعدم الفاعلية أنه لا يضيف الكثير للعمل، ولا يكشف عن أبعاد الشخصيات، وقد يدور حول أمور روتينية ويومية، خذ هذا المقطع ص 40- 41 مثالا :

  • هلا والله هدى حبيبتي، عسى ما شر؟

  • لا بس حبيت أطمئن أنك وصلت البيت بالسلامة؟

صوت بكاء طفل قريب يقطع المكالمة، يختلط مع صوت التلفاز،،

  • لحظة حبيبتي ،، ببتعد عن الأصوات علشان أسمعك

  • هلا والله

  • هلا ...

  • لا بس حبيت أسلم عليك؟

  • مشكورة عمري ،،، أنا بالبيت

  • أها ،، أوكي

  • باي تصبحين على خير"

ومن أمثلة ذلك أيضا محاورة (هدى) وأختها (عزيزة) صفحة 158 - 160

(**) أحيانا لا منطقية الحوار في المكان الذي يجري فيه، فحين تسافر (هدى) للخارج وفي المطار ص 141 -140 يجري حوار عن الغربة والدراسة في الخارج، وجدوى ذلك .. ولا أعتقد أن من يودع أحدا سيفضي له بتلك الرؤى والأفكار.

(**) عدم اتساق الحوار على نسق واحد، في مستواه مثلا، وربما في مداورته بين الفصيح والعامي، أو اختلافه من حيث النضج فأمام تلك النماذج أعلاه تأمل هذا المقطع الفصيح في الحوار ص 208

  • "هون عليك.

  • تعرفين أني أهون كثيرا، هذا بوح بألم بعيد

  • أخشى أن يكون هذا البوح استسلاما.

  • أبدا، بل أريد أن استمد القوة منك.

  • أنت أقوى بما يكفي لمواجهة هذه الإشكالية، المرارة التي تشعر بها جزء من نسيج الهوية والتغيرات التي يمر بها أي مجتمع، مقاومة الأجيال للتغيرات السلبية هو ما يصنع مستقبل المدنية، ها أنت تشغل الأبراج العالية بكفاحك من يدري ربما تملكها يوما ......."

ويستمر الحوار على هذا النسق، فهل ذلك يتسق مع الشخصيات وحديثها في موارد أخرى ؟ وهل هذا الحوار في الأساس حوار روائي يعبر عن نضج الشخصية أم هو تعبير عن نضج الكاتب نفسه ؟ أسئلة أتركها للقراء ..

(**) في صفحة 178 وبعد فوز (هدى) بجائزة يجري بينها وبين (أمين) حوار يستعيدان فيها ذكريات لقاءاتهم الأولى، فيتداولان معلومات غريبة لم تذكر في علاقتهما: الحديقة، والأرجوحة المتكسرة، وألعاب الطفولة !!! وهي أمور لم تذكر في الرواية، فهل كان الكاتب يحكي طفولة متخيلة لكليهما، رغم أن لا شيء يوحي بذلك ...؟!!

"ذلك المساء كان خاصا، اختارا أن يكونان (يكونا) في مكان مميز، له ذكرى خاصة بينهما، اختارا أن يقضياه في الحديقة التي ضمتهما لأول مرة، ليعيدا ذكرياتهما الأولى، كان أمين يريد أن يناقش مستقبل علاقتهما بشكل أكثر جدية.

أخذها إلى الأرجوحة التي أرجحها فيها أول مرة، وجد الأرجوحة مكسرة، فتش عن أخرى فوجدها قريبة، وناداها: تعالي هنا يا وردتي، دعينا نمارس ألعاب الطفولة لنشعر بالراحة، ليعيدنا ذلك لطفولتنا وبراءتنا:

- هل تذكرين أول مرة التقينا هنا؟

  • أتذكر كل التفاصيل، أتذكر الأرجوحة وعدد الطائرات التي هبطت فوق رؤوسنا.