معرض فني في أروقة كتاب


الفنان أنس الشيخ

منذ المعرض الشخصي الأول "ذاكرة الذكرى 2001" الذي نفذه الفنان المبدع أنس الشيخ على ما يبدو في كراج أحد العمارات في القضيبية - والذي كان عبارة عن فن مركب، إلى المعرض الأخير الشهير "السَجَنْجَل 2010" (معرض جماعي لممارسات فنية معاصرة) الذي امتدحه أحد النقاد: " هذا العمل الرائع يستحق دراسة تليق به"، منذ ذلك الوقت ما زال الفنان الشيخ يواصل تمرده على النمط التقليدي، الصادم بفرادته وأدواته الخاصة، باشتغالاته التجاورية، والتقاطعية بين الحقول الفنيّة والمعرفيّة المختلفة .. إننا الآن أمام كتاب أبيض الوجهين.. أمام معرض فني بين دفتي كتاب، محزّم بشريط رمادي، ممهور بعنوان الكتاب واسم صاحبه، وما أن تقطع الشريط وتطوي الغلاف حتى تبدأ المفاجآت؛ أولا العنوان الساخر أو الملتبس "بطة يا بطة .. شيلي الشنطة" ثم في أسفل الصفحة يقترح على القاريء أن يضع تصميما خاصا ومميزا للغلاف بوجهيه الأمامي والخلفي .. ولك أن تتخيل الخواطر اللذيذة التي تركض في البال؛ كما حدث معي، يسألني الخيال: ماذا لو كانت قصيدة ما بخط خطاط، أو عمل كولاجي من ورق الصحف، أو صورة صادمة، أو أي شيء.



يستفزك ويسحبك بوعي أو بدون وعي كي تقارع جنونه، ها قد بدأ العصف الفكري لديّ لإخراج توليفة خاصة تناسب محتوى الكتاب بكل الحرية، ولم أهدأ إلا بعد أن وضعت تصوراتي على غلافي الكتاب. كم هي فكرة عظيمة وخلاّقة أن يجعل القاريء شريكا في الكتاب، إنه حتما يصيبك بالعدوى لمحاولة عمل تصميم يحاكي جرأة المضمون. ليس هذا فقط، بل يقترح عليك كتابة الفهرس أيضا، يقول "موتوا بغيظكم لا فهرس هنا" لكن إن أردت مجاراته تعبتَ، إذ كيف تنشأ فهرسا لكتاب بدون ترقيم؟ ..

الفنان الشيخ يشارك المتفرج على وضع شيء من إبداعه، لمساته، ورؤاه فيصبح الكتاب كتبا مختلفة، ويصبح المعرض معارض أخرى، وربما هذا يحفّز القراء على التنافس بعرض الأجمل مما تطرحه القريحة على الأغلفة.

بكل تؤده تدخل المعرض، معرضا أو كتابا.. أو الاثنين معا.. كتاب من القطع الكبير، مصقول الصفحات، فضاء أبيض كبير ينحاز إلى لونين فقط؛ الأسود والرمادي. تغلق الكتاب لترى بياضا في بياض، فقط العنوان واسم الكاتب مطبوعان على كعب الكتاب الذي يرتفع بقياس واحد ونصف بوصة، ولدفتيه طويتان إلى الداخل، وما أن تفتح الكتاب تسقط في يدك ورقة (دليل مساعد للتجوال في المعرض) كما هو أدناه:


ثم ورقة أخرى مطوية، تفتحها، فتعينك على العرض، فالفنان معك، يهيء لك عدّته وأدواته كي يدلك على عروضه، أو كي يهدّيء من روعك ودهشتك، ها هو يشرح لك ما سوف تراه في ثنايا المعرض.. فيقول:

"كتاب"

بطة يا بطة .. شيلي الشنطة

أنس الشيخ

عبر ..

  • اقتباس مقطع من أنشودة أطفال مشهورة في العالم العربي لاستخدامه كعنوان ملتبس

  • المزج بين الجد / الهزل / التساؤل/ السخرية / التأمل / التهكم / الحيرة

  • السير "جنب / بين / على" سطوح وفراغات وحواف وأطراف ما هو هامشي / عابر / زائل / نسبي

  • تجاوز قيود وشروط وأوهام الصنعة / المهارات / الجماليات..

يحاول أنس الشيخ استكشاف واختبار الدلالات / المتخيلات / التمويهات / المضمرات / الهيمنات / المسبّقات / الانحيازات، اللغوية والمرئية والسمعية، العالقة والمترسبة في ثنايا ما هو شخصي / سياسي / اجتماعي / تاريخي / اقتصادي/ ثقافي / فكري / فني / فلسفي/ نفسي / علمي / بيئي / أركسولوجي / إعلامي / دعائي / وثائقي / سردي

ومن خلال توظيف تقنيات "الكولاج / الديكولاج" القائمة على لعبة التجاور / التقاطع / التركيب / التوليف / التكرار / التعارض / التنافر / الانزلاق / التشظي / الاختلاق / المفارقة / التسلسل / القطع / المحو / الاقتباس / التناص. يعمل الشيخ على "اصطناع" علاقات متوترة، مليئة بالمد والجزر بين القارئـ/ـة ومحتوى الكتاب الذي يحتاج للاطلاع على مضامين العديد من صفحاته إلى تفعيل أليكتروني، وذلك عبر استخدام التطبيقين الرقميين "الواقع المعزز AR (Zappar) ورمز الاستجابة السريعة QR" المتوفرين في الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية على نظامي Android – iOS

وبالرغم من هذه العلاقة غير المستقرة، يسعى الشيخ إلى جعل من القارئـ/ـة شريكا في صناعة الكتاب عبر مساهمتهـ/ــا في ..

  • تصميم غلاف الكتاب

  • فك شفرات بعض النصوص المعكوسة / المقلوبة / المرقمة / المتداخلة / المحرّفة

  • الاستجابة الصوتية / الأدائية / الحسية

  • الكتابة / التأليف

وبهذه الإستراتيجية التفاعلية التشاركية تصبح كل نسخة مقتناة من قبل كل فرد، مختلفة ومميزة عن النسخ الأخرى من الكتاب.



لكن هل إسعافاته تلك تكفي؟ لا.. إنها تزيد التشويش والاستغراب والدهشة، وتشحذ الفكر أكثر فأكثر.

بلاغة التأويل

ما زال المعرض في أوله لكن الفضول يجعلك تقفز إلى أي مكان. هنا أوراق شفافة، وجملة ساخرة توزعت مقاطعها على أربع ورقات، تقول: "الشفافية / هنا / كذبة / فلا تقلق" ... إنه يستمتع بشحذ ذهنك بلعبة التقطيع، يسقيك المعلومة قطرة قطرة ثم يصدمك في الأخير. ينتخب أسلوب الصدام والمفاجئة بابتكاراته الخلاّقة. أحيانا أفشل في فك شفرات النصوص المتداخلة المتمازجة، ربما تعمد عجزنا وفشلنا، أو أرادنا أن نصل إلى فكرة ما، فنصلها بشكل مغاير عما يراه. لقد مزج الفنان الشيخ بين نصوصه الخاصة به وبين بعض الاقتباسات، لكنه ما فتيء يهوى اللعب بتأليف الأحجيات، هناك بعض النصوص تقرأ من انعكاسها في المرآة، ثمة ألغاز في النصوص المعكوسة أو المقلوبة، تحتاج بعض التأمل، لا بل التركيز الكثيف لفك الشفرات، وكشف الأسرار.


إن اقتنيت الكتاب انزل التطبيقات اللازمة في تلفونك كي تعينك على اكتشاف الجمال .. كما حاولتُ هنا. فتحتُ كاميرة تلفوني على تطبيق ماQR Scanner.. وأول ما ظهر هذا اليوتيوب:

How Jesus became widely accepted as Being White https://youtu.be/dfJCyDmTwyg

تواصل التصفح وتتواصل الأسئلة في الكتاب. هنا صفحة بيضاء معدة للقارئـ/ــة ولهـ/ـا كل الخيار والخيال في ملئها بأي نص يختار/ تختار، وبين الصفحات تتناثر مربعات التطبيقات؛ QR Scanner App وZappar App. – ولك كامل الحرية في التنزه بينها، ها قد انفتح التطبيق على صوت مظاهرة في الشارع بصفير عالٍ، يتبعه عرس فلسطيني بالأغنية الشعبية الشهيرة (آااويييهاااا) بمد الحروف، ما يلبث أن ينتهي حتى يتبعه مشهد جثث لشهداء متفحمين، ثم في موقع آخر يدعم الفكرة بتعاطفه مع القضية الفلسطينية، فيقول: "ما بعد قصيدة }لا تصالح{ لـ أمل دنقل" مدعومة بتطبيق Zapper App.، واسمع ما يأتيك! وفي الصفحة المقابلة ينشر القصيدة كاملة قائلا هذه المرة "ما بعد بعد قصيدة }لا تصالح{ لـ أمل دنقل"، مواصلا بسط فرشته، تاركا لك بلاغة التأويل.


الوجع .. وحدة الموضوع


أنا أرى أن كل مرارات قلب الفنان طفحت هنا .. ليس هناك موضوعا واحدا موحدا .. إنما يوحده الوجع والسخريات اللاذعة بحس نقدي فني عالي التكثيف .. ولو حاولت أن تقبض على فكرة واحدة لن تستطيع، أنه متاهة كبيرة، (شرباكة) يصعب التملّص من خيوطها الضاربة والملتفة على كل حركة ونأمة هنا.

أما المرئيات والسمعيات (الأوديو) فهي موضوع آخر لوحده ومرتبطة بالنصوص والصور والجرافيكس وبأفكار الكتاب بشكل عام .. لقد استثمر كل التكنولوجيا الفنية المعاصرة كي يواكب آخر ثورات الاتصال حتى هذه اللحظة. إذن أنت تتحرك بين عدة أدوات؛ كالمذكورة آنفا مع أعمال فنية تركيبية، جرافيكس وغيرها.

يأخذك من موضوع إلى آخر مختلف تماما عن سابقه، لا تعرف أين البداية ولا النهاية، يعرّج على أحداث العام 2011 في البحرين ولا تختلف رؤاه السياسية هنا عن تلك التي كان يرددها في ذلك الوقت: "أنا لست مع المعارضة، ولا مع الموالاة، ولا مع الشيعة، ولا مع السنة، ولا مع التقدميين ولا الرجعيين .. أنا مع الحرية، والعدالة، والديمقراطية الحقيقية" .. فعلا هنا نراه بنفس الحس والموقف الشجاع، وتكاد كل صفحة أن تكون (مسج) في "تويتر". هنا الشكل الفني المستفز على الدوام، بضاعته التي يعرضها غنيّة وكثيرة وكثيفة، لا تعرف من أين تبدأ؟ إذا أردت ألا يفوتك شيئا من هذا الإبداع عليك أن تختلي بهذا المعروض لأيام لتعرف انه كتاب حر، بلا ترقيم، بلا قيود رقيب، بلا حتى اسم دار النشر!! .. ربما هو موجود في مكان ما لكنه تعمّد إخفائه كي يحفّز الفضول كعادته.


فنتازيا الهزل

في منتصف الكتاب تقريبا هناك صفحة مخصصة للكتابة أو عمل أشياء أخرى تحبها، يساعدك أنس بقوله: (اختر/اختاري بعضا من الكلمات الموجودة في الصفحات الثلاث السابقة لكتابة نصك الخاص هنا؛ شعر / قصة / عبارات / خاطرة / أمثال / هذايانات / أشياء أخرى)، يوفر لك معجما بمفردات محددة. كل عمل هو من صنع يده، لم يسرق من عمنا الجوجل موادا أو نصوصا جاهزة لأنه يطعمها برؤاه، حتى الموديل في بعض المرئيات يكون هو أنس الشيخ نفسه بصدره العاري مغطى الرأس، وحينا تراه يطلّ من مرآة وهو يقضم تفاحة خضراء، ويشرب من زجاجة سفن أب خضراء، ليرسم ملامح أرض دلمون المقدسة كما يحلو له تسميتها، أو تصورها. تعجز لتعرف ماذا يريد من كل ذلك الطرح المذهل حقا، خصوصا لما تجد محاكاة للفكرة بصورة مقلوبة للتفاحة المقضومة والزجاجة وعبارة تُقرأ من انعكاس المرآة: "الخطيئة الأولى من فوق السماوات السبع".

لا تلبث أن تلتقط أنفاسك حتى تأتيك صورة لرأس منارة مسجد ترتفع أمامها قمة دوار اللؤلؤة، وكأنني بابتسامة الشيخ الماكرة ماثلة تطالعك، وهي أبلغ من كلام.

عرض فوق الدهشة


لا يهجع بالك ولا يستكين، إن خرجت من متاهة رماك في متاهة أخرى حتى لو وفر لك الدليل، يقول لك: هيا انطلق. عليك الاجتهاد ما استطعت إلى ذلك سبيلا في الخروج من التيه .. الخروج بفكرة، بتأويل، بتحريض، بعبرة، بنغزة، بتنبيه، بتأمل، بشيء ما، بفهم، بلا فهم.

ها أنا قد وصلت إلى صفحتين متقابلتين خاليتين (فائض الجسد) مذيلتين بطلب من الفنان : فائض – تقول: رش/رشي عطرك المفضل هنا (وما كان مني إلا وأن ألصقت مغلف عطري؛ كوكو مدموزيل شانيل، ورششتُه بخّتين) – تقابلها صفحة الجسد وتقول : امسح / امسحي بعرق جسدك هنا.

وبعد عدة "نغزات" ينحو نحو الغزو العراقي للكويت بصور وعبارة تهكم: "2 أغسطس 1990 الدرس الذي لم نتعلم منه أي درس"!!.

يلحقها فزورة .. كلام غير مقروء، وعليك إعادة كتابته بترتيب عكسي في الصفحة المقابلة لإظهار نص يعاني من التشظي.

ثم صفحة بنص مكتوب بالأرقام .. وعليك تحويل الأرقام إلى حروف وكتابتها في المساحة الفارغة في أعلى الصفحة. (يقصد بذلك الأرقام الخاصة بالحروف؛ أبجد هوز حطي كلمن .. الخ..).. يعطيك جدولا توضيحيا كي لا تبحث، لكن هل هذا يكفي؟

وفي مكان آخر تطبيق لـ Zapper App بعنوان: قصيدة الغدر ومنه تسمع: سين = سين تربيع، وتشاغبها أصوات متداخلة لمعادلات رياضية، تمعن في التشويش .. وكأنها تحاول عنوة كسر ثوابت لا يمكن كسرها.

كوفيد19 على استحياء



ما لفتني هنا أنني لم أجد فيروس كوفيد19 يشاغب الفنان، كما شاغب الناس وحبسهم وشغلهم بالقلق والخوف، علما بأن الكتاب استغرق وقتا من نوفمبر 2018م حتى 2020م، لم أجده يستفز الشيخ، كي يحاربه بطريقته الفنية على كل الجبهات كما فعل ذلك الفيروس بخلق الله في كل المعمورة. لحظة .. لحظة .. عذرا انه هنا حاضر قبل نهاية المعرض بقليل، في عرض وحيد؛ نص جرافيكي كالزوبعة، بعنوان: "تراتيل منفلتة". هنا فقط. وكأن الفنان الشيخ لم يكترث به كثيرا، وواثق من رحيله لا محالة. أو أن همومه أكبر من كوفيد19 بكثير.

ثم يعود لمشاكساته الساحرة، الساخرة بنصوص تحتاج إلى فك شفراتها، وربما أسهلها هذا التناص:

نعل يتبع نعلا

وتجري خلفهما نعال

...

...

...

إن النعال

قد تشابهت علينا

ثقيل الوزن والمعنى



احتاج الفنان الشيخ إلى أنصار وفريق عمل من الشباب تشاركوا معه في تنفيذ الأعمال المرئية والسمعية، كما ساعدوه في تصوير بعض الأعمال الأدائية، هل أعانهم أم أعانوه على طرح التساؤلات، والرسائل، والقصد من كل شيء، وعن كل شيء؟ غير ذلك هناك رسائل باللغة الإنجليزية. أنت أمام مزاج خاص جدا في انتقاء الموضوعات، وما يرمي إليه منها، إنه يكسر كل الثوابت والمسلّمات ليقول لك: لا عليك من أحد، لا تنحاز إلى أي أحد، لا تنحاز إلا إلى ما يصلك من فهم، فكّر معي وأنا سأوصلك إلى بر الأمان الأكيد والحقيقي. لكن لا .. ليس الأمر كذلك، فكلما أمعنت التفكير في تحليل هذه التشكيلات المتشابكة ومحاولة فك الشفرات، تدوخ أكثر فأكثر، لأن وفرة الأشياء تقلل التركيز على كل ما يسقط عليه بصرك، ربما تكتشف الأسرار بعد حين، وما العرض السابق إلا غيض من فيض، وأعتقد أن هذا الكتاب لن يهتم به إلا من لديه حب وهوس الاكتشاف. كتاب ثقيل الوزن والمعنى، وعرضه يحتاج لوقت كافٍ كي يضاهي ثقليه، حيث كلما ظننتُ أنني استكفيت من البضاعة المعروضة، وأنني اطلعت على أغلبها، أعود أفتح الكتاب لأكتشف جديدا لم انتبه له جيدا، فأضيف انطباعا هنا وهناك. أكاد أشعر أنني ظلمت هذا الفنان المبدع حقا، وأنا أجاهد للوصول إلى رؤاه المجنونة.

أتساءل فقط: بما أن الفنان قد رصّع الكتاب بالكثير من مربعات التطبيقات الرقمية فإلى متى ستطول صلاحية هذه التقنية، صلاحية الكتاب؟ مع تسارع الجديد من ثورة المعلومات، والاتصالات، هل فكر الفنان أنس الشيخ في ذلك؟.

٢٥٣ مشاهدة