مناورة الملكة... ملوك المناورة



يكثر الكلام الفني هذه الأيام عن مسلسل نتفليكس المسمى "مناورة الملكة" أو The Queen's Gambit  عن قصة خيالية عن فتاة تعيش في ميتم وتعشق لعبة الشطرنج وتتفوق فيها إلى حد أن صارت بطلة العالم وأطاحت برؤوس أساتذة الشطرنج الواحد تلو الآخر، وصولاً إلى العالمية، والتفوق على أبطال الاتحاد السوفيتي في عقر دارهم، وربما كان المسلسل عبارة عن "أمنية" أن تهزم فتاة "أميركية" أساطير اللعبة السوفييت، وهذا ما يكذبه الواقع الذي يشير إلى أن الأميركيين لم يكونوا منافسين أبداً في اللعبة على مستوى العالم، منذ بدايات اللعبة وحتى يومنا الحالي، إذ لا تضم قوائم أبطال اللعبة إلا أقل القليل منهم، بينما الأوروبيون، والأوروبيون الشرقيون بالتحديد أكثر حضوراً.


غسان الشهابي

ولكن في الجانب الفني المتعلق بالمسلسل نفسه، لفتتني عدة أمور عندما أقارنها بما يجري في أعمالنا العربية التي تتناول أناساً حقيقيين أو خياليين، ولا أتحدث عن جميع الأعمال ولكن أغلبها وأكثرها شهرة. فنجد أن الشخصية الرئيسية في مسلسل "المناورة" فتاة طبيعية، اعتيادية، تجوز عليها الأخطاء، ليست منزهة عن الانزلاقات والأخطاء، فتاة تدمن المهدئات حتى تعتقد أنها السبيل الأفضل للفوز في المسابقات الشطرنجية، ما أن تشب قليلاً حتى تبدأ تعبّ من الخمر حتى باتت نقطة ضعفها التي يتناقلها خصومها عنها.

شيء مكرر القول إن الكتابة تقترب من النفس إذا ما رأينا "الإنسان" متجسداً بقوته وضعفه، بعقله وجنونه، برزانته وانزياحه، لا يكون فيها "البطل" بطلاً في كل المواقف، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حكيماً رحيماً رؤوفاً رحيماً أبد الدهر، لا يضعف ولا تهزه الصروف، هذا النوع من الشخصيات كـ "أبلة حكمت" وغيرها ما عاد مقنعاً إلا لمن يهوون الهروب من الواقع لعلهم يجدون ملجأً أسطورياً متمثلاً في شخصية ملائكية كتلك التي تظهر لهم على الشاشة. قبل سنوات كنا في نقاش مع مجموعة مختلطة من الصحافيين وانساق الحديث إلى مسلسل "باب الحارة" في جزئه الثاني أو الثالث آنذاك، فعلقت بأن المسلسل يبالغ في طهرانية الحارة الشامية القديمة، ويسرف في عرض المروءات بشكل استعراضي، فردّ أحد المتحاورين: "مش أحسن من قلة الأدب والسفالة؟"، بالطبع أحسن ولكنها بعيدة عن العمل الدرامي الذي يجسد النفس التي يصفها القرآن بـ "اللوامة" مرّة، و"المطمئنة" مرة، و"الأمّارة" و"الراضية"، فهذه الحالات التي يمر بها الإنسان ربما في اليوم الواحد، وهذا ما لا يريد الكثير من كتاب السِّيَر الدرامية العمل به، أو لا يريده المنتجون، لا أدري، ولكن ما أن يظهر جمال عبدالناصر مثلاً، إلا ومن حوله أقزاماً لا رأي لهم. وإذا كتبوا عن السادات، رأينا أن لولا السادات لهلك جمال، وعند الكتابة عن عبدالحكيم عامر، يظهر عبدالناصر مهزوزاً والحق كل الحق مع عبدالحكيم، وهكذا الشأن مع أم كلثوم مثلاً والعقاد مثلاً، وأعمال أخرى لا أذكرها تماماً لبعدها الزمني، ولكن لا يعلق في الذهن أنها كانت تقدّم الشخصية الرئيسية كونها "إنساناً" له ما له وعليه ما عليه... وبعدها يمكن ترجيح الجانب الترويجي/التعظيمي إلى الحد المعقول.



مسألة أخرى تختص بمدى الحرية التي يمكن أن تنالها صناعة الدراما في مجتمعاتنا، لأننا ربما نطلب عزيزاً إن تحدثنا عن السلبيات والإيجابيات في الشخصية، لأن هذا لا يجوز في مجتمعاتنا، فأذكر أن فيلم "ناصر 56" لكثر ما منح عبدالناصر من الصفات العليا في الشخصية، فإن بعضاً من أهله احتجوا على ظهور من يقوم بدوره (أحمد زكي) وهو يحلق ذقنه في الحمام، بينما لم يعلق الأمير فيليب – دوق أدنبره وزوج أقدم ملكات الدنيا (إليزابيث) لظهور من يمثل دوره في مسلسل "التاج" The Crown عندما ظهرت مؤخرته، ولم تعلق الملكة أو القصر على كل ما جاء في المسلسل الذي سيعرض خلال أيام جزأه الجديد، على ما فيه من صراعات داخلية، وأمور تصل إلى غرفة النوم.



إلى ذلك، تأتي الدقة المتفاوتة في الأعمال ما بين الثقافتين، وهذا الأمر لا يتعلق بالحرية بل بالرغبة في الكمال، وهذا واحد من كواشف السلوكيات اليومية في الحياة العامة، وفي الأعمال الفنية، أو العهد بين صانع الأعمال ومتلقيها، فلا الأول يمكنه تمرير "أي كلام" على المتلقي، ولا المتلقي سيرحم أو يقبل بأنصاف الحلول أو أعشارها، وهذا لا يعني ألا توجد في الغرب الأطنان من الأعمال السيئة والمهلهلة، ولكن في المجمل العام فإن ما يظهر للجمهور الأعرض يكون قد مرّ بالمصافي اللائقة التي لا تترك العمل لمقولة "مشّي حالك". ورجوعاً إلى مسلسل The Queen's Gambit ، فلأن الأمر قائم على لعبة الشطرنج، ولأن العمل يُحترم وليس "لعبة"، فلم يذهب القائمون على العمل إلى أي لاعب شطرنج، ولا إلى معلم في نادي شطرنج محلي، بل تمت استشارة بطل العالم لعشرين سنة متتالية في الشطرنج (1985 – 2005)، غاري كاسباروف ليدقق في الخطط والتعبيرات والنقلات وكل ما يخص اللعبة، فبالتأكيد أن الكاتب مطلع وشغوف باللعبة، ولكن ما كان ذلك ليقنع المنتج ولا ليكتفي به على اعتبار أن أكثر المشاهدين سينشغلون بالحالة النجومية للشخصية الرئيسية وينسون التفاصيل الأساسية التي يقوم عليها العمل.


كوكب الشرق أم كلثوم

العناية بالتفاصيل تحيلني إلى مسلسل "أم كلثوم" مجدداً، فبعد النجاح الكبير الذي حظي به بعد عرضه (1999)، قام عدد من أفراده بالمرور بكذا دولة عربية، وحطّ في البحرين ضمن المحطات التي حطّ فيها، وتم الاتصال على عجل بعدد من الإعلاميين والمهتمين ليلتقوا بالطاقم المختصر للعمل، ويستمعوا إليهم وينصتوا، وكنتُ حاضراً فتذكرت مشهداً كان مزعجاً في المسلسل أنه عند بروفات أغنية "أنت عمري"، وهم في غرفة التمرين.. يُسمع – لأقل من ثانية – صوت تصفيق الجمهور... تساءلت حينها: أعجز المنتج أن يدبر "آلاتيه" – وما أكثرهم في مصر – ليعزفوا مقدمة الأغنية على حيّة في المكان نفسه؟ أعجز "المونتير" عن قطع التصفيق؟ ألم ينتبه أحد أم أنها في سياق "مشّي حالك"؟

ولكن الموسيقي والباحث محمد جمال قال للطاقم شيئاً أهم من ملاحظتي الهامشية، وهو قول لا يزال عالق في ذاكرتي، قال: "في كارتون توم وجيري، عندما تعزف الشخصية الكارتونية على البيانو، فإن الصوت الذي يصلنا هو لنفس الصوت الذي يصدر من الإصبع نفسه في الحقيقة عندما يعزف العازف على البيانو، بينما في المسلسل فإن الصوت في وادٍ غير وادي الأداء غير المقنع للموسيقيين في مسلسل قائم على قصة حياة مغنية...". حينها أنكر عليه طاقم المسلسل هذه الملاحظة وقالوا إنهم أتوا بمدرس موسيقي ليعلم الممثلين الإمساك بالآلات وتمثّل العزف. من شأن هذا الإنكار إعادة الأخطاء نفسها مرات ومرات.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email