من موروث النهضة ثورة 1919 وتوالد الهُويات الحديثة .. قراءة في أول مظاهرة نسائية


لعله يمكن القول إن ثورة 1919 تمثل سردية كبرى تحوي في ثناياها سرديات فرعية عديدة ومتنوعة، مثل سردية الحركة الطلابية التي أشعلت شرارة الثورة وفجَّرتها، وسردية الطبقة العاملة والحركة العمالية التي لم تعٍ نفسها بوصفها طبقة ويتبلور وعيها الطبقي بذاتها إلا في أتون ما اجترحته من أفعال وممارسات ثورية مصاحبة للثورة، وسردية الحركة النسوية والنوع الاجتماعي، فضلاً عن مولد الهُوية الوطنية الحديثة وتشكل هُوية المواطنة بمعناها الحديث المجاوز لانغلاق الهُويات الدينية والعرقية والإثنية والنوعية.

ولا شك أن كل سردية من هذه السرديات جديرة بالدراسة والقراءة التحليلية المُفصَّلة لسياق تشكلها التاريخي ومساراتها النوعية في إطار علاقتها

د.طارق النعمان

بثورة 1919، ودور وتأثير الثورة في صياغتها لهويتها الخاصة. ولمَّا كان مشروع مثل هذا يتجاوز، بالتأكيد، نطاق الفضاء الورقي المتاح؛ فإن هذه الورقة ستقتصر، مع بعض الإشارات العابرة إلى السرديات الأخرى، على قراءة علاقة الحركة النسوية وسرديتها بالثورة، وسرديتها الكبرى، وتولد وعي النوع الاجتماعي للمرأة بذاته في سياق الممارسات الثورية للنساء وما يمكن أن نصفه بشعائر تشكيل هُوية النوع التي تولدت مع تلك الثورة من خلال قراءة أول مظاهرة نسائية في التاريخ الحديث وانعكاساتها على الأدب، خصوصًا الشعر، وعلى الكتابة التاريخية في سياق تفاعلها مع التمثل الأدبي لتلك المظاهرة أو ما يمكن أن نصفه بتناص التاريخي مع الأدبي، مع التركيز تحديدًا على الشعري، أي على قصيدة حافظ ابراهيم ’’خرج الغواني‘‘.

ونظرًا لانطلاق القراءة والتحليل من كل من مفهوم الهُوية السردية لدى بول ريكور، وأدبيات السرد التاريخي لدى هَيْدن وايت ومدرسته، فإن الورقة ستبدأ بتناول علاقة التاريخ بالسرد، ثم تشكل الهُويات المصرية الحديثة، ثم الوعي النسوي في طور التكوين، ثم نمط السرد المهيمن على الكتابة التاريخية لثورة 1919 وما يثيره من أسئلة، ثم مظاهرة النساء وتحليل قصيدة حافظ، ثم رصد بعض صور التفاعل والاستجابة تجاه القصيدة أو ما يمكن أن نطلق عليه تناص التاريخي مع الأدبي، وأخيرًا خاتمة تتناول صورة المرأة قبل الخروج وبعد الخروج.


  1. التاريخ والسرد

يؤكد العديد من الفلاسفة والمفكرين، من أمثال لويس مِنك،و هَيْدن وايت وبول ريكور وسواهم، على الطابع السردي للكتابة التاريخية، وقبلهم جميعًا نجد كروتشه يُقرِّر أنه ’’حيث لا يوجد سرد لا يوجد تاريخ‘‘ (White 1987: 5, 28)، كما نجد كانط أيضًا يقطع بأن ’’السرديات التاريخية بدون تحليل فارغة، والتحليلات التاريخية بدون سرد عمياء‘‘ (ibid: 5)، وهو ما يجعلنا نتساءل كما يقول هَيْدن وايت عمَّا هو نوع البصيرة التي يمنحها لنا السرد في طبيعة الأحداث الواقعية، وما هو نوع العمى الذي تصرفه السردية عن الواقع؟ (see ibid).

وإذا كان يمكن القول إن جوابًا نهائيًا وشافيًا عن مثل هذا السؤال قد يبدو أمرًا بالغ التركيب والتعقيد والصعوبة؛ فإن فيما يقدمه هَيْدن وايت من جواب ما قد يُفسِّر لنا، ولو جزئيًا، ولع التاريخ بالسرد إلى هذا الحد؛ إذ يرى أن الأخلاقية الكامنة في السرد هي السر في إضفاء الطابع السردي على التاريخ؛ أو على حد عبارته ’’أن كل سردية تاريخية تتضمن الرغبة في إضفاء الأخلاقية على الأحداث التي تتناولها بوصفها هدفها الكامن أو الظاهر (see ibid: 14). ذلك أنه، وكما يذهب ريكور، لا توجد قصة مُحايِدة أخلاقيًا(see Ricoeur 1994: 115) وأن الحَبْكات التي تمنحها السرديات للأحداث التاريخية تفرض معنى على الأحداث التي تشكِّل مستوى قصتها من خلال كشفها في النهاية للبنية الكامنة في الأحداث على امتداد السرد.

بول ريكور

وهكذا، فإنه ولكيما يتم تكييف الحدث بوصفه حدثًا تاريخيًا، يجب أن يكون حدوثه قابلاً لأكثر من إمكانية سردية، أي لسرديتين مختلفتين على أقل تقدير. وما لم يكن هذا ممكنًا، بالنسبة لمجموعة الأحداث ذاتها، فإنه لا يوجد مبرر أن يتجشم المؤرخ عناء تقديم حكاية حقيقية لما حدث بالفعل. إن سلطة السردية التاريخية هي سلطة الواقع ذاته، وهذا هو الفارق بينها وبين السرديات الخيالية. ذلك أن الحكاية التاريخية تمنح هذا الواقع شكله وبذلك تجعله مرغوبًا من خلال فرضها على عملياته الاتساق الشكلي الذي لا تحظى به إلا القصص وحدها. وهو ما يمكن القول إنه يُضفي نوعًا من الجمالية والمنطق على تلك الأحداث، ويجعل التاريخي والواقعي، بعبارات لاكانية، مرغوبًا أو موضوعًا للرغبة. وهو ما لا يتوافر في أشكال الكتابة التاريخية الأخرى مثل الحوليات والوقائع أو الإخباريات chronicle، إذ يتمثل الفارق بين إضفاء السردية على التاريخ، أو، إن جاز التعبير، تسريد التاريخ narrativization وهذين الشكلين من أشكال الكتابة التاريخية في أن السردية التاريخية تكشف لنا عالمًا يُفترض أنه مُنتهٍ، ومُنجَز، ومُنقضٍ، ومع ذلك لم يتحلل ولم يتساقط بعد. إذ يرتدي الواقع في هذا العالم قناع المعنى، الاكتمال والامتلاء اللذين لا يمكننا قط أن نخبرهما، وإنما يمكننا فقط أن نتخيلهما. وإن كان بالطبع يمكننا أن نضيف إلى ذلك ما ينطوي عليه السرد من وظائف معرفية عديدة لا تنفصل بدورها عن تلك الوظائف الجمالية، والتي يمكن القول إنها جميعًا تساهم في تغذية ودعم ما يمكن أن نطلق عليه اقتصاديات الذاكرة (حول الوظيفة المعرفية للسردsee Mink 1987: 11 & Ricoeur 2004: 241) وما دام يمكن للقصص التاريخية أن تكتمل، أي يمكن أن تُمنَح انغلاقًا سرديًا، ويمكن أن تظهر على أنها كانت لها دومًا حبكة، فإنها، هكذا، تمنح الواقع عبير ورحيق المثال. وهذا هو السبب في لماذا تكون دومًا حبكة السردية التاريخية مصدر إحراج ويجب أن تُعرَض بوصفها ’’موجودة‘‘ في الأحداث وليست موضوعة هناك من خلال تقنيات سردية بعينها (see White 1987: 20-21). ولذا ليس غريبًا أن نجد هَيْدن وايت يستعير من نورثراب فراي (راجع فراي، تشريح النقد) حَبْكات التراجيديا والكوميديا، والرومانس، والسخرية، والهجاء. وانطلاقًا من أن السرديات التاريخية كثيرًا ما تتخذ حَبْكاتها من أشكال التحبيك السردية المتعارفة في تلك الأنواع، (see White 1975: 7-8, & 1987: 43)، فإن الكشف عن أنماط التحبيك emplotment لدى المؤرخين يكشف عن طبيعة الخيال التاريخي والبنى العميقة الحاكمة لكتاباتهم التاريخية (see Ricoeur 2004: 251, 253). ولعلني لا أجافي الحقيقة، إذا ما قلت، إنه فيما عدا سردية سردية سلامة موسى (انظر سلامة موسى، كتاب الثورات، ص ص 128-129)، وسردية شُهدي عطية الشافعي (انظر شهدي عطية، تطور الحركة الوطنية المصرية، ص ص 76-91)؛ فإن الغالبية العظمى من السرديات التاريخية لثورة 1919 تتراوح، في حدود علمي، ما بين حبكة الرومانس وحبكة الملحمة؛ وهو ما يستأهل دراسة مستقلة لا يتسع المجال هنا لها.

إن هذا المنظور السردي في الكتابة التاريخية يجد تجليه حتى في بعض عناوين كتب التاريخ العربية، على نحو ما نجد مثلاً في قصة ثورة 23 يوليه لأحمد حمروش، وكل من قصة الثورة كاملة، لأنور السادات، وقصة الوحدة العربية للسادات أيضًا، وحكاية ثورة 1919 لعماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق وأحد ناشطي الحركة الطلابية في السبعينيات، وفي حكاية مشعلي الثورات لأحمد بهاء الدين شعبان، أحد قيادات الحركة الطلابية البارزين في السبعينيات. وحكايات من دفتر الوطن لصلاح عيسى، فضلاً عن المذكرات، والسير الذاتية، كأحد أشكال الكتابة السردية التاريخية التي كثيرًا ما يثير المؤرخون العديد من التساؤلات حول مدى وحدود صدقها وموثوقيتها.

وهكذا، فإن المتابع لدور السرد في كتابة التاريخ يدرك أن دور السرد لا يقتصر فقط على كتابة التاريخ وإنما يُساهِم أيضًا في تشكيل الواقع وبنائه، ومن ثم في صناعة التاريخ، وصناعة وتشكيل الهُويات الصانعة والمحركة للتاريخ، وليس فقط مجرد كتابته.

وبهذا المعنى يمكن القول إن السرديات لا تشكل وتصوغ الأفراد فقط؛ بل إنها أيضًا تشكل وتصوغ الجماعات والشعوب والأمم، وتمنحها هُوياتها التي ليست شيئًا آخر سوى كونها هُويات سردية؛ و’’ممَّا يدل على خصوبة مفهوم الهُوية السردية أيضًا أنه يمكن أن ينطبق على الجماعة كما ينطبق على الفرد. إذ يمكننا أن نتحدث عن ثبات ذات جماعة معينة، مثلما يمكننا أن نتحدث عنها مُطبَّقة على ذات فردية. إذ تتشكل هُوية الفرد وكذلك هُوية الجماعة من خلال الاستغراق في سرديات معينة تصبح بالنسبة إليهما تاريخهما الفعلي‘‘.(see Ricoeur 1990: 247)

ذلك أن الهويات، وعلى نحو ما يرى ستيوارت هول، تدور فعليًا حول استخدام موارد التاريخ، واللغة، والثقافة في عملية الصيرورة، وليس في عملية الثبات: ليس ’من نكون‘ أو ’من أين أتينا‘، وإنما ما يمكن أن نصير إليه، وكيف يتم تمثيلنا، وكيف يؤثر ذلك عل الكيفية التي يمكننا أن نمثل بها أنفسنا. ولذا، فإن الهويات تتشكل داخل التمثيل، وليس خارج التمثيل. بل إنها ترتبط باختراع التراث بقدر ما ترتبط بالتراث نفسه الذي يلزموننا أن نقرأه، ليس بوصفه تكرارًا وإنما بوصفه ’المطابق المتغير‘ 'the changing same' الذي لا ينشأ إلا مما يُطلق عليه تسريد الذات the narrativization of the self أو بعبارة أخرى تحويل الذات إلى سردية، سواء كانت هذه الذات ذاتًا فردية أو جماعية(see Hall 1996: 4).

هومي بابا

وهو ما ينعكس على نحو جلي أيضًا في هذا العنوان اللافت للكتاب الذي أشرف على تحريره المُنظِّر الهندي ما بعد الكولونيالي هومي بابا Nation and Narration الأمة والسرد، الذي يبدو فيه وكأن الأمم تُولَد من أرحام سردياتها، فهو عنوان يشي بمدى وثاقة الصلة ما بين الأمة وما بين السرد، وكأن حروف كلمة الأمة nation المُتضمَّنة والمُحتواة في حروف كلمة السرد narration هي في حد ذاتها تمثيل لتولد وتوالد الأمم من أرحام السرديات التي تشكلها وتحيا عليها وبها. وإذا إن كان جورج ليكوف ومارك جونسون قد وصفا في عنوان كتابيهما الشهير الاستعارات في عالمنا بأنها الاستعارات التي نحيا بها، فإنني أتصور أنه لا يضاهي الاستعارات في كلية وجودها وكونيتها سوى السرديات، بما يجعلنا يمكن أيضًا أن نتحدث عن تلك السرديات التي نحيا بها.

هكذا يمكننا أن نقول إن التاريخ ليس شيئًا آخر سوى مجموعة متكاثرة من السرديات الكبرى والصغرى، ولا شك أن الثورات، وخصوصًا تلك الثورات الكبرى، هي سرديات كبرى بالمعنى الذي يومئ إليه فرانسوا ليوتار في كتابه الوضع ما بعد الحداثي.

2- تشكل الهُويات المصرية الحديثة:

في ظل هذه الوضعية للسرديات، يمكن القول إن ثورة 1919 واحدة من السرديات الكبرى في التاريخ المصري والإقليمي، بل إنها تمثل محطة سردية انطلقت منها وتعود إليها سرديات فرعية عديدة، تولدت من رحمها هُويات حديثة وقديمة، تحولت بدورها لتصبح هي الأخرى في بعض الحالات سرديات كبرى وتأسيسية. إذ يمكن القول إنه من رحم هذه السردية الكبرى تشكلت سرديات وهُويات وأيديولوجيات الوعي الحداثي، مثلما تشكلت أيضًا هُويات سلفية ورجعية كرد فعل على فشلها، مثل سردية الإخوان المسلمين، وسردية مصر الفتاة.

ومما لا شك فيه، بالطبع، أن من أهم وأبرز هذه السرديات التي تشكلت وتولدت من رحم هذه الثورة سرديات النوع الاجتماعي، وهو ما سوف نتوقف عنده بنوع من التفصيل في ظل ما تسمح به هذه الورقة.

كما تشكلت أيضًا بعض الهُويات الطبقية والفئوية، على نحو ما يمكن أن نلمح في وعي الطبقة العاملة بكيانها وهويتها؛ وهو ما يمكن القول إنه لم يستوِ وينضج كوعي ذاتي لهذه الطبقة بخصوصيتها وكينونتها وقدرتها على الفعل إلا عبر ما اجترحته من أفعال وأعمال وممارسات ثورية بدأت منذ اليوم الثاني للثورة، فضلاً عن توالد وتنامي الحركات والاتحادات النقابية (انظر عبد العظيم رمضان، تطور الحركة الوطنية في مصر 1918-1936، ص 133، ورؤوف عباس، الحركة العمالية في مصر، ص ص 78- 156،و أمين عز الدين، تاريخ الطبقة العاملة المصرية 1919-1929 من الثورة الوطنية إلى الأزمة الاقتصادية، ص ص 5-23).

كما لم يتشكل وعي الطلاب، الذين أشعلوا شرارة هذه الثورة، بأنفسهم ككيان فئوي وكقوة فاعلة، وإدراكهم لقوتهم هذه ودورهم الفعال على هذا النحو الفارق إلا مع أحداث تلك الثورة التي كانوا هم أنفسهم شرارتها ووقودها الدائم. وهو الوعي ذاته الذي صاغ لنفسه بداية منذ ذلك التاريخ تاريخه الخاص به، وأخذ ينعكس في العديد من الدراسات والأعمال الأدبية الشعرية والروائية، وأصبح يطلق عليه تاريخ الحركة الطلابية التي امتد نضالها على مدار التاريخ المصري الحديث والمعاصر.

(راجع عاصم محروس عبد المطلب، دور الطلبة في ثورة 1919: 1919-1922، وراجع للمؤلف نفسه الطلبة والحركة الوطنية في مصر: 1922-1952، وأحمد بها الدين شعبان، حكاية مشعلي الثورات، وأحمد عبد الله، الطلبة والسياسة في مصر).

أمل دنقل