مو حالة كورونا




No need to kiss, it's only a plug and socket

تزوجت منذ شهر فقط. منذ ليلة زواجي كنت في محنة كبيرة. زوجتي من أهلي. جميلة جدا. أبي وامي نصحاني بالزواج منها. خذ ابنة عمك. جميلة وجامعية ولها مستقبل. مسماة لك منذ الطفولة. لكني لا أحبها. أعزها. لا أحبها. الحب ليس المعزة. الحب، أعني ذلك الذي يشغلك. يستولي على كل اوقاتك. قلت. ضحك أبي ساخرا. صحيح كلامك. في مسرحية ضيعة تشرين يقول المختار أنه تزوج أربع نساء عن بغض. ههه. قال أبي. دع عنك قصص الأفلام. انت تشاهد كثيرا الأفلام وتقرأ الشعر. لا بأس بذلك يا بني. أنا أيضا كنت. بل لا زلت أشاهد الأفلام. أقرأ الروايات أيضا. لكن يا بني عش حياتك بواقعية. أنت بدأت العمل للتو منذ سنة. عمرك في التاسعة والعشرين. تحتاج زوجة قريبة ومتفهمة لظروفك. تقدر الحياة الزوجية وتتغاضى عن المشاكل بسبب القرابة العائلية. لكن يا ابي مشكلتي أني لفرط علاقتي بها أشعر أنها أخت لي. طوال هذه الفترة من حياتنا كنت أوصلها المدرسة ثم الجامعة. تحدثنا في كل شؤون الدنيا إلا الحب. ربما تحدثنا حتى عن الأفلام والروايات التي موضوعها الحب. لكن ليس حبنا نحن معا. صدر قرار العائلتين فجأة بعد انفلات عقال جائحة كورونا. قال أبي وعمي، الواحد ما يدري إذا نام الليل يستيقظ سليما أم مصابا. وتاليها نموت ولا نشوف عرس اولادنا. غردت امي وزوجة عمي بصوت يسمونه الجباب. يصدر من داخل الحلق مع تحريك اللسان بطريقة صعبة لا يتقنها احد من أبناء وبنات جيلنا. الغريب أن هذه النغمة تستخدم أيضا عند نعي الموتى. حاولت أكثر من مرة أن أجد فرقا بين النغمتين. يقال هناك فرق يدركه الخبراء فقط. سرح عقلي تلك اللحظة في بيت المعري. دهمني فجأة صوت أبي. أين سرحت؟. قلت في قول المعري "وشبيه صوت النعي إذا قيس بصوت البشير حين ينادي". انزعج أبي قليلا وقال هل هذا وقت نعي!. هداك الله. قايل لك دع الشعر وابدأ الحياة. كانت فترة الخطوبة قصيرة. واصلت توصيلها إلى الجامعة. استمررنا بنفس الأحاديث. أنا الذي قرأت الأشعار والروايات وشاهدت الأفلام. كيف لا أتقن قول جملة حب لخطيبتي الجميلة جدا؟. نظرت مرة إلى بشرتها البرونزية لكن البيضاء. هذا اللون الغريب. ورثته من أب أقرب إلى السمرة وأم بيضاء. خطرت في بالي فكرة لقول جملة حب. حين نزلت من السيارة ذاهبة إلى قاعة المحاضرات في الجامعة قلت لها باي يا كابتشينو. ضحكت وردت ماذا قلت؟ لكني ذهبت. حين عدت بها ظهرا في طريق العودة قلت لها ما رأيك في تغزلي بك صباح اليوم. قالت قصدك كابتشينو؟ ضحكت. قالت أنت لا تستطيع أن ترى العالم بدون واسطة. افسدتك القراءة. لمست يدي فجفلت. قالت عمرك ٢٩ سنة و نحن زوجان. ما رأيك نستأجر غرفة بفندق. كان قلبي يريد وعقلي يرفض. قلت خلينا نوفر لما بعد الدخول. ضحكت. قالت إذا أنا كاباتشينو انت أميركانو مثلا؟ لوني ليس شديد السمرة لكنه مقارنة بها أقل بياضا منها. مضت فترة الخطوبة على هذا ونحوه. لكن محنتي بدأت فعلا منذ ليلة الدخلة. فشلت كل محاولاتي في المقاربة. حالما اقترب منها أصاب ببرود عجيب. كأني سأفتض شخصا يثق بي غصبا. ما أغرب هذا الشعور. لدي صديق واحد مخلص فقط إلى درجة يمكنني استشارته في أمر استراتيجي كهذا. كلمة استراتيجي هي شفرة الكلام بيننا. منذ بدأنا معا دراسة البنزنس حتى تخرجنا ونحن نستخدم الكلمة لوصف الموضوع المهم. فيه نوع من التهكم المبطن على كلمة استراتيجية الرائجة كثيرا في علم الإدارة. حالما اقول له لدي موضوع يسألني، استراتيجي؟. أقول نعم. عدا ذلك لا نعطيه أهمية. كلمته. قال فورا: استراتيجي؟ نعم، وستين استراتيجي. بعد مكاشفته بمحنتي، صرخ إي والله استراتيجي وعلى مستوى عال من الاستراتيجية!! قال لي صارح أباك. هو الذي أكرهك على الزواج من فتاة مهما بلغ جمالها كنت تعاملها معاملة الأخت لسنوات. هذه الفتاة لم تخلق لك. نظرت إليه باستغراب. أحسست بغيرة مفاجئة. كمن يخشى أن يسرق منه صديقه شيئا لديه. لم أتبين للحظة هل هو شعور غيرة الزوج على زوجته أم الأخ على أخته. هل أنا أحبها؟. هل هو احساس الرجل عادة عندما يشعر أن رجلا آخر يريد الفوز بامرأته؟. هو غير متزوج. ولعل الزواج ليس مشروعه أصلا. كان أوسم مني. بنات الجامعة يتمنين نظرة منه. لكن لديه تلك الكبرياء التي هي عادة من صفات الفتيان الوسيمين. ذلك التظاهر بأنه غير معني بنظرة أحد. سخرت من نصيحته. شعرت أنه فقط يعيد ما قلته أنا له. أنا الذي ربما أبلغته مرة أنها في مقام أختي. هل هو يبيع علي كلامي؟. هذا الوسيم الغبي. مع ذلك سعدت قليلا. شعرت بان غيرتي دليل على أني استرجلت أخيرا. كان يوم عطلة. عدت إلى البيت. كانت تعمل مع أمي في المطبخ. كم أنا محظوظ بهذه الجميلة والعاقلة في آن. قلما يجتمع الجمال الكبير مع العقل. الجمال مكتف بذاته. حتى أنه لا يقبل شريكا. الجميلات مجنونات غالبا. لاح في خاطري محمود درويش وهو ينشد بصوته العذب. "الجميلات هن الجميلات". هل فعلا ما قال؟ أن النساء كلهن جميلات. السمينات النحيفات الطويلات القصيرات الشابات الكبيرات ؟. كنت دائما أسميها (قصيدة ما نزعلش حد). درويش يتقن ذلك جيدا. حتى في جنزير الدبابة يرى جرارا زراعيا!!. ربما هو محق. لكن زوجتي جميلة الجميلات. دخلت هي غرفتي. غمزتني في خلسة من أمي. نظرت إلى أمي كمن يطلب أذنا. تظاهرت أمي بالانشغال بالطبخ. ذلك الذكاء النسائي الفطري. المرأة تعلم ما تريد المرأة، وما يريد الرجل. الرجل ليس فقط لا يعلم ما تريد امرأة، أو رجل غيره. الأسوأ أنه لا يعلم ما يريد هو نفسه. دخلت غرفتي وراء زوجتي. كانت ساهمة امام نافذة الغرفة. الثانية عشر بعد الظهر. انعكاس الشمس من زجاج النافذة على محياها مع ظل الستارة الداكنة يجعل الكاباتشينو اغمق. قلت لها كيفك يا هوت تشوكليت. ضحكت. وارتمت في حضني. يا لكل هذا الجمال. يا لكل هذا العجز. سألتني بغتة ألم تعاشر امرأة في حياتك؟. أفهم كامرأة في مجتمعنا المحافظ أن أبقى عذراء. لكن أن تكون أنت رجلا بكرا، لا أفهم. مع كل هذه القراءات والنشاطات الثقافية. حيث تحيط بك النساء. أخجلني ذلك الكلام. لأول مرة في حياتي أشعر أن "العفة ذنب". قلت لنفسي الله، تصلح عنوان ديوان. باغتتني بسؤال ثان. طيب. هب أنك بكر. في حياتك كلها. ألم تقرأ أو تشاهد مقطعا مثيرا؟ كانت تستفز رجولتي بهذه الأسئلة الحقيقية. تذكرت جملة أحد أصدقائي الأدباء. "الأسئلة قوة الكائن الوحيدة". بت أكره حقا هذه العادة في ذهني السوفسطائي. فأنا أحول كل عبارة إلى منتج ثقافي. كل شيء أسمعه يتحول عندي إلى مثاقفة. كل جملة تحيلني إلى مقطع من رواية أو قصيدة أو فيلم أو معلومة . "هل أنا أقرأ لأعيش أم أعيش لأقرأ؟". اعجبتني هذه الجملة من اختراعي. كان يجب أن أصدر كتابا. رواية ربما. لا. ديوان شعر. لا. كتاب مقالات. هل أنا طبيعي؟ هل أهرب منها بهذه المجازات؟ هي الحقيقية بكل بساطة. تساءلت كيف تكيفت هي بهذه السرعة مع حقيقة أننا زوجان. قبل شهر فقط كنا مجرد أبناء عم. صديقين لا أكثر. فجأة تقمصت ببساطة دور الزوجة. تورد خداها بحمرة لم تكن لها سابقا. "صارت الفتاة امرأة". مرة أخرى أعجبتني هذه الجملة من اختراعي. اتفقنا على أن نستشير طبيبا مختصا. ذهبنا على الموعد في اليوم المحدد. عند دخولنا تم إجراء فحص الحرارة الوقائي ضد الكورونا. كانت درجة حرارتي أقل من ٣٦ درجة. وزوجتي فوق ٣٦ درجة. سألني موظف أمن أجنبي يقف عند مكتب الاستقبال. كان مكلفا بعزل من لديهم أعراض حمى جانبا. "كورونا؟". بدهشة، قلت لا. وجهني باتجاه المصاعد حيث تقع عيادة طبيبنا المنشود في الطابق الثاني. جلسنا بقاعة الانتظار. كان مستشفى خاصا. لكن رعب الفيروس يتنفس فيه. في حديث الناس الجالسين بالقاعة. في تصفحهم هواتفهم الذكية. في الفحص الحراري الذي أجريناه للتو. حاولت أن أخمن من يا ترى من هؤلاء الجالسين جاء لطبيب امراض جنسية غيرنا؟. يبدو أننا الوحيدان. دخلنا غرفة الطبيب بعد انتظار قصير. بدأ بالقول إن قلق الفيروس يجتاح العالم. كان شابا أنيقا. في هيئة متواضعة لا تخلو من تعجرف. استعراضيا ومليئا بالمعرفة. ظل لعشر دقائق يشرح عن سلالة فيروس كورونا. الأمراض التي تسببها. سارس. ميرس أو انفلونزا الشرق الأوسط. إتش وان إن وان. انواع أخرى من الإنفلونزا. الفيروس ليس كائنا حيا. سخر من تصوراتنا. قال تتصورون أن الفيروس نملة مثلا او بعوضة. هههه. هو ليس بكتيريا حتى. هو جزيئات محاطة بغلاف بروتيني وغلاف دهني. ولأنه ليس كائنا حيا

فهو يحتاج لكي يعيش أن يحتل خلايا حية. استمر لخمس دقائق أخرى خلتها سنة وهو يشرح. قلت لنفسي هل جئنا للطبيب الخطأ؟. كنا نريد طبيب أمراض جنسية لا فيروسية. المستشفى تحت ضغط كبير. قال. إنه ضغط الذعر. قال عبارة كأني قرأتها في رواية. "الذعر يقتل". اعادها بالإنجليزية Panic Kills. أعجبتني. حكمة في كلمتين. أوشكت أن

أسأله إن كان يقرأ الأدب. أحسست بعتاب صامت من زوجتي لو سألت. تريدني أن أخرج من رؤية العالم بواسطة. والدخول في حقيقة أننا نعيش. أننا هنا لمعالجة مشكلة جنسية تؤرقنا معا. أننا جئنا من البيت التزاما بموعد مضروب مع العيادة مسبقا لغرض محدد. تندر الطبيب على حال عيادته للأمراض الجنسية في هذه الأيام. قال استغربت حضوركما، الناس مو فارغين لهذا النوع من العيادات. ضحك. أحسست أن الأرض تدور بي. احتقرت نفسي. بينما الناس ستموت من الذعر، انا ابحث عن رجولة ضائعة. هل أنا المثقف الذي قرأ وشاهد عن اللحظات الإنسانية و بكى من أجلها؟ لكن أليس إشباع الرجل رغبات زوجته هو أيضا لحظة إنسانية؟. تمنيت لو كنت تلك اللحظة مشتبها بالإصابة بفيروس كورونا. لو كنت عند طبيب آخر. يصدمني بأني مشتبه. أني حالة إيجابية. ضحكت سرا لكلمة إيجابية. ماذا فعلت أيها الوباء بهذه الكلمة. صار مرعبا أن تقول لشخص خلك إيجابي. دهمني صوت الطبيب. تفضل. شرحت حالتي. نحن قريبان متزوجان منذ شهر. آها. سأل: هل ثمة مشكلة وراثية مثلا؟. هل لا زال الأقارب يتزاوجون؟ اعتقدت هذه العادة انتهت من زمان. ابتلعت تهكمه على زواجنا على مضض. هذا الطبيب بدأ يصبح هو مشكلة بالنسبة لي. شرحت بالتفصيل ما يحدث لي. النفور المفاجيء حين أكون على وشك ولوجها. بالرغم من التقبيل والمعانقة دون أية مشكلة. استمع لي بكل اهتمام. بدا لي إنسانا محبا. صديقا. سأل عن تفاصيل أكثر. هل النفور له علاقة بوضعية المقاربة. مثلا ماذا لو كنت لا ترى وجهها؟. "في النهاية الإنسان وجه". قال. عبارة أخرى يذهلني بها هذا الطبيب المتفذلك. قال: عليك أن تجرب كل الوضعيات. واصل: فيروس كوفيد ١٩ برغم المآسي التي خلفها يعلمنا في النهاية، أن الإنسان بلا وجه أي بدون رؤية وجهه، هو مجرد جسد لا يختلف عن غيره. مجهول. جرب مثلا أن تحضنها دون أن ترى عينيها. لا تنظرا لوجه احدكما الآخر. بدون أن ترى وجهها، لن تكون أختك التي تحتشم عن مقاربتها، بل مجرد جسد. واضح أنك لا تعاني من مشكلة جنسية بل نفسية. ارتباط شرطي يحول دون الاستمتاع بجسد غريب. لا بد من اغتراب الجسد لتتحقق المتعة. تغييب وجه الشريك بتحويله إلى جهة أخرى أثناء المقاربة قد ينفع. أدهشني هذا الطبيب الفيلسوف. تخيلته في ندوة ثقافية لا في عيادة مهجورة. أينكم يا مرضى القلق الجنسي. هلموا. هذا الطبيب المسلح بدرس الفايروس. يداوي عجزكم بخبرة الكورونا. قال: هناك وضعيات عديدة لذلك، سوف أعطيك مطوية ورقية حولها. وبعد أن تعتادا على اتصال الجسدين سوف تتجاوز هذه المشكلة. عد لي بعد أسبوعين. عموما هذا الحل سوف يغنيك أيضا عن التقبيل بكثرة. ضحك. تعرف الكورونا وبلاويها. انظر إلى أين وصلنا. "أن تكون ممارسة الحب الحقيقية بدون قبلة". سألته بصوت غير مسموع. شكلك تقرأ كثيرا؟ لم يسمع. قال مستفهما: ماذا؟ قلت لا شيء. سنعود بعد اسبوعين. خرجنا. كان الجميع تقريبا يلبس قناع الكورونا الواقي إلا نحن. الموجودون كلهم من متوسطي الأعمار والكبار إلا نحن. تخيلت نفسي في كوكب يحتله قائد جيش يسمى كوفيد التاسع عشر. الاحتلال يعاقب كل من حرارته طبيعية أو منخفضة. كل من يمارس حياته أو يمارس الحب بشكل طبيعي. نظرت إلى جدران المستشفى ثم إلى جدران كل المباني في الخارج. رأيت صور كوفيد التاسع عشر وتاجه الدهني على كل المباني. هناك عبارات تدعو لممارسة الحب دون أن يرى الشريكان وجه أحدهما الآخر. في إحدى البوسترات كتبت عبارة "ممارسة الحب هي فقط إيلاج واستقبال. لاءات ثلاث. لا عناق. لا مصافحة. لا تقبيل". في بوستر آخر كتب "إنه مجرد ثقب". في بوستر آخر بالانجليزية كتب "No need to kiss, it's only a plug and socket"

لمست زوجتي يدي الثانية غير المشغولة بسكان السيارة. انتفضت. قالت ما رأيك؟. ضحكت كثيرا. فرحت بضحكتي الهائلة. قالت ما يضحكك. قلت لها علي أن أرى العالم بلا واسطة. تماما كما تقولين. أن أمارس الحب أيضا بلا واسطة. وصلنا البيت. دخلت. صمت مطبق. لا يوجد غيرنا. أين ذهب أبي وأمي ونحن في فترة "خلك في البيت"؟ دخلنا إلى غرفتي في الطابق العلوي وأغلقنا الباب.

60 مشاهدة