نذر أم


تصوير - زكريا العمران

ذات غفلة قالت له شقيقته: لا تنس نذر أمك.

تذكّر ما تعنيه وردّ: إن شاء الله.

ما تقصده شقيقته هو تعهّد أمه بالمساهمة ببعض المال في إحياء ذكرى مولد الإمام الحسين التي تقام بالحيّ الذي يقيمون فيه وما يصاحب ذلك من احتفالات ومضائف تقدم للناس كل عام. مضى على هذا التعهد أكثر من عشرين سنة والوالدة توفي به ولا تتخلف عن أدائه كل سنة إلى أن أصبحت لا حول لها ولا قوة، فاستلم هو زمام المبادرة وصار يقوم به بكل سرور.

وأصل هذا النذر إن الابن ابتلاه الله قبل سنوات بعيدة بمرض عويص كان من أعراضه فقدان البصر وحرمانه من الدراسة، فهبّت الأم مستغيثة بسيد الشهداء، أبي عبد الله الحسين، متوسلة به وداعية الله أن يرفع عن ابنها هذا الداء العضال. وطفقت تسهر على عيادته وتخفيف آلامه كل صباح ومساء دون كلل.

وقد استجاب الله لدعائها وصدق القول أن الجنة تحت أقدام الأمهات، فمنّ الله على الابن بالشفاء وعاد شاباً موفور الصحة، مشحوناً بالطموح والأحلام، فسجدت الأم خاشعة شاكرة وتعهدت بتقديم هذا النذر طوال حياتها.

أدرك الشاب مع مرور الأيّام وتتالي السنين المفعول السحري للإيمان الديني الراسخ والاعتقاد الروحاني القوي وأثرهما في اجتراح المعجزات، فبالإيمان بالشيء والمثابرة الدؤوبة والإخلاص تتحقق الأمور المستحيلة.

أمه الآن عاجزة لا حول لها بسبب التقدم في السن. هي طريحة الفراش معظم الوقت، تكابد الهزال الشديد والوهن المدقع، لا تقوى على النهوض أو المشي حتى لمسافة قصيرة، لقد فقدت البصر والحواس وأصبحت أشبه بالميت الحي أو بالغائب الحاضر، لكنها شمعة البيت بل هي نوره ومنبع الخير والتفاؤل في كل خطوة. يتبارك أفراد العائلة ، فرداً فرداً ، بوجودها معهم، ويحمدون الله على صحتها أو ما تبقى لها من صحة وعافية. يتبارون في خدمتها وتوفير كل سبل الراحة لها وهذا أقل شيء يقدموه لها.

يحتفلون كل عام بعيد الأم أو ما أصطلح على تسميته في السنوات الأخيرة بعيد الأسرة، ويحرصون على تقديم هدية بسيطة لها، لكنها لا تعي ما يفعلون، بل أصبحت لا تعرفهم أو حتى تتذكر أسماءهم. وقد أصاب الأسرة هلع عظيم وحزن مريع حينما أصيبت الأم بالداء الذي ضرب العالم بأسره وصار يحصد الملايين من الضحايا كل يوم ولا يفرق بين صغير أو كبير. حينها ارتفعت الأكف متوسلة إلى الله أن يحفظها من شر هذا الغول القاتل وأن يبقي شمعتها متوهجة ومنيرة لقلوبهم.

أما الشاب فلا يزال يفي بنذر أمه كل عام ويؤديه بكل حب وترحاب، ويسأل الله أن يمدّ في عمرها ويبقي شمعتها مضيئة وهّاجة .


61 مشاهدة