هدى شعراوي وألعاب التنميط والتأطير .. قراءة في بعض النصوص الحافة*


هدى شعراوي

إن النص paratext، كما يشرحه جينيت، يشير إلى تلك العناصر التي تقع على عتبة النص والتي تساعد في توجيه كيفية استقبال القراء للنص والسيطرة عليه. وتتألف هذه العتبة من نصوص داخلية a peritext، تتألف بدورها من عناصر مثل العناوين، وعناوين الفصول، والتمهيدات والملاحظات والتعليقات والحواشي، كما تشمل أيضًا نصوصًا خارجية an epitext تتألف من عناصر مثل المقابلات، إعلانات الدعاية، مراجعات وخطابات النقاد للنقاد، الخطابات الخاصة والمناقشات الأخرى للمؤلفين والمحررين ــــ أي ما يمثل نصوصًا ’خارجية‘ بالنسبة للنص المتناول، وإن كانت مرتبطة به. وعمومًا فإن النصوص الحافة تشمل النصوص الداخلية والخارجية معًا. كما أن النص الحاف لا يشير فقط إلى عتبة النص بل إنه يشغلها كذلك ـــ إنه الفضاء الداخلي والخارجي معًا (أو ’الحاف 'para') على نحو ما تشير هذه الصفة التي يمكن القول إن لها وضعية بينية أو عتبية تمكنها من الإطلال على الداخل والخارج في آن واحد. وهكذا فإن النص الحاف بشكل مفارق يؤطر وفي الوقت ذاته يشكل النص بالنسبة لقرائه (see Graham, 2000: 103).


د.طارق النعمان

ووفق هذا الطرح، وبهذا المعنى، فإن نص سنية شعراوي الماثل بين يدي القارئ الآن يمثل نصًا حافًا بالنسبة لمذكرات جدتها هدى شعراوي، مثلما تمثل مذكرات الجدة أيضًا نصًا حافًا لنص الحفيدة. بل إننا نستطيع القول إننا مع هذا النص لسنية شعراوي، إزاء حالة من حالات التناص المبدع والخلاق، حالة خاصة وشبه نادرة، حالة تستكمل فيها حفيدة سردية جدتها التي أملتها منذ ما يقارب ثلاثة أرباع قرن، وتتناص معها بأكثر من كيفية وبأكثر من معنى وبأكثر من طريقة، أو بالأحرى تعيد قراءة سردية الجدة عبر إعادة كتابتها. وإن كان هدفي هنا، بالطبع، لا ينصرف إلى رصد مواضع التناص بالاتفاق والاختلاف ما بين النصين، إذ لا يتسع الحيز المكاني هنا لمثل هذا الرصد، ولعل موضعه مكان آخر أكثر اتساعًا من هذا، نوفيه فيه حقه. وإنما سأكتفي فقط هنا بالتوقف عند بعض النصوص الأخرى الحافة بكلا النصين، مقتصرًا في هذا السياق على تحفيز القارئ إلى أن يتوجه إلى مذكرات هدى شعراوي مباشرة بعد أن يفرغ من هذا النص، وأن يمد قنواته وجسوره الخاصة ما بين النصين، ليسأل نفسه أو تسأل نفسها، لماذا كتبت الحفيدة هذه الترجمة الذاتية للجدة وقد كتبت أو أملت الجدة بنفسها مذكراتها، وقد نُشِرت وظهرت للعلن منذ فترة طويلة سابقة على كتاب الحفيدة لترجمتها تلك؟ وهنا أتصور أنه سيكون لدى القارئ الكثير الذي يمكن أن يكتشفه ويحاوره. وربما اتسع المقام بنا لاحقًا، كما أشرت من قبل، لعقد مثل هذه المقارنة بين النصين. وهي مقارنة شيقة وواعدة وتنطوي بالتأكيد على الكثير سواء على مستوى النوع الأدبي الخاص بكل نص منهما، أو على مستوى اختلاف المواقع ما بين كلتا الكاتبتين، وعلاقة كل واحدة منهما بالزمن، وعلاقات الحضور والغياب ما بين النصين.


ترجمة العنوان وما تنطوي عليه من تأطير:


وفق ما تخبرنا به مارجو بدران نقلاً عن حواء إدريس ابنة خال هدى، فإن هدى شعراوي قد أملت مذكراتها على سكرتيرها الخاص السيد عبد الحميد فهمي قرب نهاية حياتها .(Sharawi 1998:1) وحيث إنها قد توفيت بتاريخ 12 ديسمبر عام 1947، فقد ظلت هذه المذكرات حبيسة الأدراج، لا ترى النور ولا يراها النور، لما يقارب أربعة عقود، إلى أن نشرتها دار الهلال بتقديم حوارية من حواريات هدى شعراوي العديدات، وهي الكاتبة الصحفية الشهيرة المرحومة أمينة السعيد، في سبتمبر عام 1981. وإن كان من الغريب أن أمينة السعيد وتتبعها في ذلك مارجو بدران تحدد تاريخ وفاة هدى بأنه في 12 أغسطس 1947 وليس 12 ديسمبر 1947، في حين أن تسلسل الأحداث في سردية الحفيدة التي بين أيدينا هنا توحي بأن الوفاة كانت يوم 8 ديسمبر 1947 ( انظر مقدمة أمينة السعيد لمذكرات هدى شعراوي، صص 8-9، وانظر المرجع الانجليزي السابق، وانظر نهاية كتاب سنية شعراوي وكشفت وجهها).


الكاتبة الصحفية الشهيرة المرحومة أمينة السعيد

ثم بعد كل هذه السنين وبعد أن ترجمت مارجو بدران أجزاء من هذه المذكرات ونشرتها بعنوان ’’سنوات الحريم‘‘ عام 1986 في نيويورك، ثم نشرتها الجامعة الأمريكية في القاهرة نشرة أخرى عام 1998، إذ بنا نجد حفيدتها سنية شعراوي تقرِّر أن تستأنف وتستكمل سردية الجدة وتنشر علينا هذا النص السردي الرفيع عام 2012، باللغة الإنجليزية بعنوان ’’إسقاط النقاب: حياة هدى شعراوي، نسوية مصر الأولى‘‘. وهو العنوان الذي أصرَّت المترجمة، الأستاذة نشوة الأزهري، على تحويره قليلاً وتحويله إلى ’’وكشفت وجهها‘‘. وهو ما كان مثار حوار بيني وبينها كمراجع للترجمة. ولا شك أن لكل منا مبرراته في الاختيار، وقد ذكرت المترجمة أن المؤلفة (سنية شعراوي) قد أخبرتها أن الكتاب قد تُرجِم إلى الإيطالية بهذا العنوان، وأن المترجمة ذاتها قد قامت بهذاالتحوير من تلقاء نفسها، ودون أن تكون على علم أو دراية بأن هذا العنوان هو ما تُرجِم إليه الكتاب في الإيطالية.

وبعيدًا عن هذا المبرر، فإن اختيار المترجمة ترجمة العنوان بـ ’’وكشفت وجهها‘‘ يبدو، دون شك، أكثر جاذبية وشعرية وانسيابية، من العنوان الأصلي للكتاب ’’إسقاط النقاب‘‘، وبالطبع فإن لكل عنوان من العنوانين تداعياته ودلالاته الحافة المغايرة؛ إذ يبدو اختيار المترجمة لعنوان ’’وكشفت وجهها‘‘ كعتبة نصية، أكثر نعومة بما ينطوي عليه من تحول من الخفاء إلى التجلي خصوصًا في اقترانه بما أدعوه واو المفاجأة السابقة على الفعل ’’كشفت‘‘ وبتاء التأنيث التي تجعل القارئ يتطلع لرؤية هذا الوجه الأنثوي المنكشف على غير ما توقع، وبالطبع فإن المسافة ما بين هذه النعومة المُضمَّنة في هذا العنوان ’’وكشفت وجهها‘‘، والعنف الضمني الملازم للعنوان الإنجليزي ’’إسقاط النقاب‘‘ ــــ بما يحيل عليه الإسقاط من قوة وعنف وإزالة لشيء ظل قائمًا لزمن طويل وظل يخفي حقيقة ما خلفه، على نحو ما تحيلنا عبارات مثل إسقاط حائط برلين، أو إسقاط الأقنعة، الخ ما تنطوي عليه هذه العبارات الفاضحة لأوضاع مفتعلة وزائفة وغير حقيقية ـــ هي جد كبيرة. وبالطبع فإن عنوان ’’وكشفت وجهها‘‘ لا ينطوي على مثل هذه التداعيات والاقترانات التي يحيل عليها الإسقاط، من أن وضعية النقاب هي وضعية زائفة ومفتعلة؛ ومن ثم تستأهل الإسقاط والإزالة، ذلك أن الكشف الذي هو مضاد التغطية لا يحيل ضرورة وحتمًا على ما يحيل عليه الإسقاط من أن هذه التغطية تنطوي على مثل هذا التزييف أو الافتعال؛ أو أنها كانت قسرية، بل إنه قد يوحي أن التغطية ربما كانت إرادية بقدر ما أن الكشف، في هذه الحالة ولا شك، كان إراديًا. ولذا، فإن ’’وكشفت وجهها‘‘ كعنوان، وكعتبة نصية، رغم كل ما ينطوي عليه من جاذبية وانسيابية وشعرية ونعومة، لا يجسد في تقديري مدى قوة ما ينطوي عليه الفعل الذي اجترحته هدى شعراوي من مباغتة ومفاجأة وصدمة؛ ومن ثم فإن كل خيار من الخيارين يتضمن تأطيرًا مغايرًا للحدث على مستوى التداعيات والإيحاءات.



وفضلاً عن هذا، فإن ’’إسقاط النقاب‘‘ هو العنوان الانجليزي الفعلي للنص الإنجليزي. إلا أنني، مع ذلك، لم أرد أن أصر على وجهة نظري لئلا يُفهم ذلك على أنه نوع من أنواع الهيمنة الذكورية المقيتة أو التصلب الذكوري المتشنج، أو الرغبة في فرض الرأي، واستجبتُ لرأي المترجمة، خصوصًا وأنني التمست تبريرًا وتخريجًا بلاغيًا ومجازيًا آخر لهذا الاختيار، وهو أنه من قبيل الإحالة على السبب بالنتيجة، أو إحالة النتيجة على السبب، أي أن كشف الوجه كان النتيجة الطبيعية لسببه الذي هو إسقاط النقاب، وإن كان كشف هدى شعراوي لوجهها قد أدى في حقيقة الأمر أيضًا إلى إسقاط المرأة المصرية للنقاب داخل الفضاء العام. وإن كنتُ مازلت مقتنعًا أن العنوان الثاني أكثر تمثيلا لقوة الفعل الذي ابتدرته هذه الرائدة العفية الجسورة.

لقد كان لا بد من هذا التنويه للقارئ في الحقيقة ليدرك أن تحوير العنوان على هذا النحو لم يكن وليد نوع من الغفلة أو الاستخفاف من قبل المترجمة أو المراجع، وإنما هو نتاج رؤية للمترجمة رأى المراجع أنه لا بأس من موافقة المترجمة عليها ما دام بوسعه أن يشير إلى ما بين الخيارين من اختلاف في التأطير للنص والفعل الذي اجترحته هدى على حد سواء.


هدى ومذكراتها كمادة

للتنميط وللتأطير: مارجو بدران وسنوات الحريم


مارجو بدران

في إعادة نشر أخرى لمذكرات هدى شعراوي بتقديم الناقدة النسوية البارزة هدى الصدة عام 2013، وهو عام لا يخلو بالتأكيد من دلالة على مستوى خيار إعادة النشر في ذلك التوقيت بالذات، وما كانت تمر به مصر آنذاك من تهديد بمحو ومحق كل مكتسبات المرأة عبر تاريخها الحديث، نجدها تعقد مقارنة لافتة بين كل من ترجمة مارجو بدران ونص سنية شعراوي، على نحو يشير صراحة إلى أن مارجو بدران كانت تحاول أن تُصدِّر الصورة النمطية عن المرأة الشرقية، بداية من استخدام دال الحريم في عنوان ترجمتها في حين أن هذا الدال لم يرد سوى مرة واحدة في النص العربي للمذكرات، وهو الأمر الذي تذهب إليه مهجة قحف وتتبعها فيه كل من منى بيكر، (انظر بيكر، الترجمة والصراع، ص 161 وما بعدها) وهدى الصدة، (انظر مقدمة الصدة لمذكرات هدى شعراوي، ص 12). إلا أن المراجعة الدقيقة لنص مذكرات هدى شعراوي تكشف في الواقع أن دال الحريم لم يرد مرة واحدة كما تذهب قحف وتجاريها في هذا كل من منى بيكر وهدى الصدة؛ وأن دال الحريم يرد في النص أربع مرات، مرتين منها يشير فيها إلى المكان المُخصَّص للحريم في المنزل أي الحرملك، مرة في بيت أهل هدى، هكذا: ’’ولميلي الشديد للغة العربية طلبت من زوج خالتي أن يبحث لي عن شيخ أزهري طاعن في السن حتى يُسمَح له بدخول الحريم في منزلنا المحافظ‘‘ (شعراوي، مذكرات هدى شعراوي،2013 ، ص 59). ومرة في بيت الأمة بيت سعد زغلول ’’وفي حوالي الحادية عشرة كلفتُ سكرتيري أن يطلب سكرتير سعد باشا الخاص، وذهب ليطلب المقابلة، ثم عاد ليقول: لتتفضل السيدة، فذهبتُ على الفور … وعندما وصلتُ استقبلني الخادم على باب الحريم، وفتح لي‘‘ (المصدر السابق، ص 214). ومرة كجزء من عنوان كتاب لحرم حسين رشدي باشا يوجيني لوبرون بعنوان ’’حريم ومسلمات مصر‘‘ (انظر المصدر نفسه، ص 67). ومرة أخرى يشير إلى مكان خاص بالنساء في محل لبيع الملابس ’’ كنت قد حصلت على إذن من والدتي بذلك بعد جهد وإقناع، وكان عليَّ أن أصحب وصيفاتي و’’سعيد آغا‘‘؛ لأنه لا يليق بي أن أتوجه بمفردي، وكان عليَّ أن أسدل إزاري على حاجبي وأن ألتف بحيث لا يظهر من شعري أو ملابسي أي شيء. وعندما دخلنا المحل، دهش الموظفون والمشترون من هذه المظاهر غير المألوفة، وبخاصة عندما رأوا الآغا يحملق بنظراته الحادة في وجوه الناس وكأنه يحذرهم من النظر إلينا، ثم اندفع نحو أحد مديري الأقسام يسأله في لهفة وحدة: ألا يوجد عندكم محل للحريم؟‘‘ (نفسه، 62، والتشديد في كل المواضع، هنا ولاحقًا، من عندي).

إن بيكر والصدة توافقان قحف تمامًا في قراءتها لآفاق التلقي التي حكمت اختيارات بدران من نص مذكرات هدى شعراوي، وعمليات الحذف، والإقصاء، ومواضع التأكيد والتشديد والنبر والإبراز من أجل إنتاج نص يتوافق وآفاق التلقي الغربية.

إذ تنطلق قحف من عمل هانز روبرت ياوس حول أفق التوقعات، وترى في هذا الصدد أن جماهير الولايات المتحدة من القراء، على الرغم من المقاومات الواعدة التي تتناثر هنا وهناك، يستقون معارفهم عن النساء في العالم العربي بصورة أساسية عن طريق استخدام الأعراف المنبثقة من تاريخ طويل للصور النمطية الغربية عن الشعوب العربية والدين الإسلامي. وأن هذه الأعراف تتخذ شكلها اليوم في ثلاث صور نمطية عن المرأة العربية: الصورة الأولى هي صورة أنها ضحية لظلم النوع؛ بينما تصوِّرها الثانية بوصفها فارة أو هاربة من ثقافتها الظالمة بالفطرة؛ وأما الصورة الثالثة فتمثلها بوصفها رهينة أو مجرد بيدق في يد القوة الذكورية العربية the pawn of Arab male power.


سعد زغلول

(see Kahaf 1999: 30) وفي ظل هذا تبرِّر قحف حذف بدران لحكايات شعراوي عن جدها وحذف عبارات تعبيرها عن عشقها لأبيها بأنه من أجل خدمة صورة الضحية التي تحولت إلى فارة. وذلك لأن صورة رب أسرة عربي لطيف لا لا تناسب ولا تتوافق وتوقعات القراءة في الولايات المتحدة. إذ إن قصة عن فرار امرأة من ظلم النوع للحريم تتطلب بدلاً من ذلك صورة أقل إشراقًا للرجال العرب الذين كانوا يحيون في سنوات الحريم. ولو كانت بدران قد ترجمت حرارة نبرة شعراوي نحو أبيها وجدها، فإن جهاز الاستقبال كان سينحرف نحو وسم شعراوي بأنها رهينة الرجال العرب. ولذا؛ فإن الصورة النمطية للرهينة شيء تنحو بدران، بوصفها مدافعة عن شعراوي إزاء توقعات القراءة في الولايات المتحدة، إلى أن تتجنبه. (see ibid: 34-5) كما ترصد قحف فعل بدران لشيء قريب من هذا فيما يتعلق بعلاقة هدى بأخيها عمر، إذ تركز على بعد غيرة هدى بوصفه البعد الحاكم لعلاقة هدى بأخيها أكثر مما تركز على شدة تعلقها به وحبها له ووثاقة علاقتيهما (see ibid: 35). هذا فضلاً عن النصوص الحافة الخارجية مثل كلمات كل من حنا بابنيك على الغلاف التي تصف هدى شعراوي بأنها ’’تغير غيرة مريرة من الأخ المفضل عليها‘‘ وكيف أن بدران تلاعبت بتشديد هدى على عمق علاقتها بأخيها واختزلت العلاقة في بعد الغيرة. وهو ما ترتب عليه تأطير بابنيك على غلاف النسخة الورقية. كما تنتقد قحف أيضًا هذا التشديد على الدور الأوربي في تكوين هدى، وهو ما تختار بدران أن تبرزه أكثر من إبرازها لتأثيرات أخرى في تكوين هدى مثل تأثير ملك حفني ناصف مثلا، وهو ما يحدو أيضًا ألبرت حوراني لتأكيد الدلالة ذاتها في كلمته كذلك؛ حيث يقول في دعايته على ظهر غلاف الكتاب الإنجليزي ’’إن سنوات الحريم يكشف كيف أن امرأة موهوبة وحسَّاسة، تربَّت في عزلة لكن لديها معرفة بالفرنسية فتحت لها نافذة على الثقافة الأوربية، أصبحت بالتدريج واعية بمأزقها ومأزق جنسها ومجتمعها.‘‘ وهذا التشديد على الدور الأوربي الذي يصل إلى حد المبالغة تتيحه عملية الاختيار ذاتها وعمليات الحذف المصاحب للاختيار؛ إذ كما ترى قحف؛ فإن ’’الكثير من الشخصيات العربية، والتركية والأفريقية التي تقطن السرد (ibid : 36) محذوفة أو مقلصة ومختزلة في النسخة الإنجليزية. على سبيل المثال، إن شعراوي تصف ما كانت تفعله أمها في ليلة النصف من شعبان: ’’وكذلك كانت تفعل والدتي في ليلة النصف من شعبان وبعد انتهائنا من إطعام الفقراء كنا نجتمع في غرفة واسعة، وتأتي ’’الشيخة جُلسن‘‘ لتجلس في وسط الغرفة وتقرأ علينا دعاء نصف شعبان، ونحن نردِّد بصوت عال، وكان لهذا الدعاء في نفوسنا رهبة وروعة.‘‘ (شعراوي، 2013: 41) كما تترك النسخة الإنجليزية أيضًا قصة فطنات تلك المرأة النكدة المنتمية إلى طبقة أدنى والهاجرة لزوجها والتي تجد لها ملاذًا لدى أم هدى هانم. أما مكائد الدلالات من النساء المنتميات إلى الطبقة الدنيا فإنها لا تمنحها إلا بضعة أسطر في الوقت الذي قدَّمتها فيه شعراوي في عدة صفحات. وفي حين تخصِّص شعراوي في المذكرات صفحة كاملة لابنة عم أمها الشركسية حورية تصفها فيها

(انظر شعراوي، 2013: 32)؛ فإن هذه المرأة لا تذكر في سنوات الحريم إلا عرضًا كجزء من جملة (Sharawi 1998: 25). إن هذه المحذوفات تقلص عدد النساء الأهليات اللائي لا يناسبن قالب الضحية واللائي لا توفرن للقارئ نماذج غير أوربية يمكنها أن تستثير خيال القارئ لهدى هانم الشابة. هذا في الوقت الذي يُحتفظ فيه في النسخة الإنجليزية بكل ذِكر مفرد تقريبًا لمدام ريشار أو مدام رشدي، وهما صديقتان أوربيتان للأسرة،. كما يحدث الشيء ذاته تقريبًا مع بعض الشخصيات الأوربية المستشهد بها. إذ يستخدم نص سنوات الحريم باستمرار اسم زوجة رشدي باشا يوجيني لو برون، وهو ما يعكس أوربيتها أكثر مما يعكس كونها كانت زوجة رئيس وزارء مصر، لأربع مرات، حسين رشدي باشا، في حين أن هدى لا تدعوها في المذكرات إلا ’’حرم رشدي باشا‘‘ (see Kahf 1999: 36-7).

وفي حين أن هدى في مذكراتها، مثلما تورد نماذج على قهر وظلم المرأة العربية تورد أيضًا نماذج على ظلم وقهر المرأة الغربية، بما لا يعطي على الإطلاق مجالاً للانطباع الساذج بأن النساء الأوربيات كلهن متحررات في مقابل أن جميع النساء العربيات مظلومات؛ إذ مثلما تحكي في النسخة العربية من المذكرات قصص نساء شرقيات تعانين من ظروف ظالمة، مثل عطية هانم، فإنها تحكي أيضًا حالة امرأة فرنسية يدينها الرأي العام الفرنسي ولا يتعاطف معها أحد على الإطلاق لأنها قتلت رجلاً شهَّر بشرفها الجنسي في الجرائد، (انظر شعراوي، 2013، ص 92)، ومع أن هدى تبدو مصدومة في النسخة العربية من المذكرات لأنه ما من أحد في باريس قد بدا متعاطفًا مع هذه المرأة التي كانت، وفق رؤيتها، ضحية استغلال ذكوري؛ نظرًا لحساسية النساء حين يتعلق الأمر بالعفاف الجنسي؛ إلا أن بدران تغفل تمامًا هذه القصة الخاصة بالمرأة الفرنسية من النص الإنجليزي، في الوقت الذي تورد فيه قصة عطية هانم عن ظلم النساء الشرقيات وتترجمها ترجمة كاملة بوصفها ’صورة من الحياة الصعبة للمرأة‘ (see Kahf: 37) هو ما يترتب عليه بالتأكيد الإضرار بتمثيل المشهد النسوي على نحو ما تمثله وتجسده النسخة العربية من مذكرات هدى شعراوي.

ولعل أول ما يمكن ملاحظته على قراءة كل من بيكر والصدة، هو اعتمادهما على زعم قحف بأن كلمة الحريم لم ترد في نص المذكرات العربية سوى مرة واحدة، دون التحقق من النص العربي ذاته. وهو زعم غير صحيح، وهو ما دعانا إلى إيراد النصوص الواردة فيها الكلمة والإحالة على مواضعها وسياقاتها من النص.

وإذا كنا لا نختلف مع قحف، وبيكر والصدة، في أن نص بدران وما حكمها في اختياراتها وتشديداتها هو تلبية آفاق التوقع والتلقي الخاصة بالقارئ الغربي المنطلق من الصور النمطية الاستشراقية القارة عبر عصور الهيمنة الاستعمارية والإمبريالية، فإن ما لا بد من طرحه ومراجعته هو أن هذه الصور النمطية لم تنشأ قط من فراغ أو من العدم.



يمكن القول، بالطبع، إن الدوافع التي حدت بمارجو بدران إلى تضخيم دال الحريم في نصها، إلى هذا الحد الذي يجعلها تورده في المقدمة وحدها خمسًا وعشرين مرة لا ينفصل بحال عما ينطوي عليه دال الحريم نفسه من إيحاءات وتداعيات، وأنه دال حافلٌ ومشحونٌ ومشبعٌ بالكثيرمن الاستيهامات والتخييلات المُستمَدة والمُستوحاة من ألف ليلة وليلة ومن عوالمها الحافلة بالكثير من الصور والتمثيلات التي تجمع الكثير من النقائض، والمُشبعة في الوقت ذاته بالإثارة، وكذلك مما صوَّره المستشرقون من لوحات وصور للنساء الشرقيات، وما يُحكى من حكايات عن القصور العثمانية وأجساد النساء، وعوالم الحريم فيها (see Lewis 2004: 142-8).

لكنه يمكن القول، أيضًا، إنه على الرغم من أن بدران كانت تحاول إعادة إنتاج الصور النمطية السائدة عن المرأة العربية والشرقية في المخيلة الغربية، بداية من العنوان الذي أقل ما يقال عنه إنه يوافق تخييلات الصورة النمطية المقترنة بالمرأة الشرقية؛ ومن ثم فإنه عنوان يمتلك قوته التسويقية الذاتية والخاصة به في السوق الغربية، وأنها كانت انتقائية واجتزائية إلى حد بعيد في اختياراتها ومواضع حذفها وتهميشها وتأكيدها وتشديدها لما قامت بترجمته ونشره من مذكرات شعراوي تحت عنوان ’’سنوات الحريم: مذكرات نسوية مصرية‘‘؛ فإن المشكل في تقديري ليس هو ما تحاول مارجو بدران فعله، بغض النظر عن نواياها ودوافعها، وإنما هو أن مجتمعاتنا ما زالت تحيا فيها فصائل وقطاعات من النساء والرجال في عصور الحريم، وأن هذه الصورة النمطية ذاتها لم تنشأ من فراغ وأن أية محاولة لإعادة إنتاجها تجد في واقعنا ما يتيح لها هذه الإمكانية بكل يسر وبساطة.

ومرة أخرى، وبعيدًا عما استهدفته بدران بتشديدها على دال الحريم، أو من خلال ما حذفته أو قلصته أو أبرزته؛ فإن هذا لا ينفي بحال واقع الحريم كظاهرة معمارية واجتماعية في تلك الحقبة، ولا أدل على هذا من هذا النص الجلي في دلالته لعفاف لطفي السيد الذي تؤكد فيه دلالة عزل النساء الفضائي والمعماري لدى الطبقات العليا في المجتمع المصري:

’’بدأت حركة تحرير المرأة بالطبقات الراقية لأنهن كن الوحيدات المُحجَّبات والمعزولات في الحريم، بينما لم تلبس الفلاحة الحجاب قط ولم تكن في عزلة أبدًا، بل قضت حياتها تعمل جنبًا إلى جنب مع زوجها، أما المرأة الحضرية من الطبقة غير العاملة والتي كانت تقلد شقيقاتها الأكثر ثراء، فقد كن محجبات ويعشن في عزلة وعندما خرجت الرائدات الاجتماعيات من عزلتهن حذت حذوهن بقية نساء المجتمع بعد زمن من التقاعس ميز الطبقة المتوسطة التي تمسكت بالاحترام والوقار حتى أصبح التغيير أمرًا جديرًا بالاحترام. وجدير بالذكر أنه كان على المرأة أن تواجه اضطهاد بنات جنسها فضلاً عن مواجهتها اضطهاد الرجل، ولذلك ربما استلزم تحريرها فترة من التمهيد أطول لو لم تكشف ثورة 1919 عن الحاجة إلى قدراتها‘‘ (السيد، تجربة مصر الليبرالية 1922-1936، ص 295).



وإذا كانت مهجة قحف تنتقد آفاق التلقي التي دفعت بمارجو بدران إلى تضخيم مصطلح الحريم في ترجمتها الانجليزية لبعض أجزاء من المذكرات، إلى الحد الذي ترى فيه قحف أن هدى لم تكن تعاني في منزلها، وفق ما يرد في النسخة العربية من المذكرات، من العزل الذي عادة ما يقترن بالحريم، فإنه يجدر القول إن هذا غير صحيح على الإطلاق؛ بدليل هذا النص الذي سبق الاستشهاد به والذي يرد فيه دال الحريم ليؤكد هذه الدلالة الخاصة بالعزل على أجلى وأوضح ما يكون: ’’ولميلي الشديد للغة العربية طلبت من زوج خالتي أن يبحث لي عن شيخ أزهري طاعن في السن حتى يُسمَح له بدخول الحريم في منزلنا المحافظ‘‘ (شعراوي، مذكرات هدى شعراوي، 2013، ص 59)، فما الذي يمكن أن نجده أوضح من هذا لتأكيد أن هذا العزل كان حاضرًا داخل بيت هدى، إذ كان لن يسمح لرجل بدخول الحريم إلا إذا كان طاعنًا في السن، مع ما لكل كلمة طاعن من دلالة تكاد تجعله على شفا الموت.

بل لعله يمكننا القول إنه لولا هذا العزل وما ترتب عليه من حرمان هدى من مواصلة تعليمها على النحو الذي كانت تطمح إليه، لما كان وعيها النقدي تجاه الممارسات والسياسات الذكورية الجائرة ضد النوع واستراتيجياته قد تشكل على النحو الذي تشكل به، ولما أصبحت تلك الرائدة النسوية التي عرفها العالم.

هذا فضلاً عن أن الحريم ليس مجرد حيز مكاني داخل الفضاء المعماري للمنازل والبيوت والقصور، لكنه يتجاوز فضاء المنازل والبيوت والقصور إلى الفضاء العام، وإلى فضاءات أخرى عديدة؛ منها الفضاء الذهني والثقافي والنفسي، بل إنه فضلاً عن كل هذا يمكن القول إن الحريم قد اِسْتُدخِل واستقر وأدْمِج واسْتُدمِج في الفضاء الجسدي والسيكولوجي والعقلي للنساء أنفسهن، وقبل ذلك ومعه في الفضاء النفسي والعقلي والثقافي للرجال كذلك؛ ومن ثم فإن الأمر يتجاوز نطاق امرأة بعينها هي هدى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

ولهذا؛ فإنه يمكن القول إن خلع الحجاب بهذا المعنى كان بمثابة تدشين لبداية ثورة حقيقية، هي ثورة النوع على السياسات والاستراتيجيات السائدة تجاه النوع في كل المجالات والفضاءات الاجتماعية، وهي بهذا المعنى ثورة لا تقل في قيمتها عن ثورة 1919 ذاتها، إن لم تفقها، ضد الاحتلال الذكوري للفضاءات الأنثوية على الأصعدة المكانية والثقافية والجسدية والنفسية والروحية، ولعل هذا الإدراك الضمني للاحتلال الذكوري للفضاءات الأنثوية هو ما حدا بقاسم أمين قبل هذه الثورة بأكثر من عقدين إلى أن يُعن