بين صناعة التطرف وصياغة جغرافيا مغايرة للمنطقة، هل انتهى الشرق الاوسط التقليدي إلى غير رجعة؟



فوضى‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط‭ ‬الجديد‭ ‬تحركه‭ ‬نزعات‭ ‬‮«‬التوحش‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬التطرف‮»‬‭ ‬وتفلت‭ ‬‮«‬الكراهيات‮» ‬‭...

البرفسور‭ ‬باقر‭ ‬النجار‭ :‬اليمن‭ ‬هي‭ ‬خاصرة‭ ‬‮«‬التعاون‮»‬‭ ‬وفقدانها‭ ‬مفزع


عن‭ ‬فكرة‭ ‬جغرافيا‭ ‬مغايرة‭ ‬تصاغ‭ ‬لرسم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وعن‭ ‬اختلال‭ ‬العالم‭ ‬وانهيار‭ ‬البعد‭ ‬الأخلاقي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬وعودة‭ ‬صراع‭ ‬السيطرة‭ ‬والتحالفات‭ ‬القديمة‭ ‬للمنطقة،‭ ‬وعن‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬التوحش‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬التطرف‮»‬‭ ‬وتفلت‭ ‬‮«‬الكراهيات»‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬القاء‭ ‬مع‭ ‬البرفسور‭ ‬باقر‭ ‬النجار،‭ ‬أحد‭ ‬ابرز‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬و‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭. ‬​




بين‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬التوحش‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬التطرف‮»‬‭ ‬وتفلت‭ ‬‮«‬الكراهيات‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يصفها‭ ‬الدكتور‭ ‬نادر‭ ‬كاظم‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬كراهيات‭ ‬منفلتة‭.. ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬الكراهيات‭ ‬العريقة‮»‬‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬قاتلة‭ ‬و‭ ‬احتراب‭ ‬و‭ ‬تصاعد‭ ‬لتلك‭ ‬البشاعة‭ ‬لأفعال‭ ‬وأعمال‭ ‬الفتك‭ ‬والتوحش،‭ ‬ولنا‭ ‬فيما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬بعض‭ ‬التنظيمات‭ ‬كــ‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬النصرة‮»‬‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬بالدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ....‬‮ ‬

هنا،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أردنا‭ ‬إعمال‭ ‬مشارط‭ ‬النقد‭ ‬والتفكيك‭ ‬لتلك‭ ‬الظاهرة‭ ‬‮«‬التوحش‮»‬‭ ‬تفلت‭ ‬‮«‬الكراهيات‮»‬‭ ‬تصاعد‭ ‬شراسة‭ ‬‮«‬التطرف‮»‬‭ ‬كما‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬أيضاً،‭ ‬المؤرخ‭ ‬البريطاني‭ ‬إريك‭ ‬هوبزباوم،‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬عصر‭ ‬التطرفات‭ ...‬القرن‭ ‬العشرون‭ ‬الوجيز‭ ‬1914‭-‬1991‮»‬‭ ‬وبوصفك‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المشتغلين‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬سيكون‭ ‬السؤال،‭ ‬كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬تلك‭ ‬الظاهرة‭ ‬؟‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جعلها‭ ‬تتسع‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬الخطر‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬؟‮ ‬

‮ ‬


دعنا‭ ‬نفكك‭ ‬السؤال،‭ ‬هناك‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ (‬انفلات‭ ‬الكراهيات‭)‬،‭ ‬وهناك‭ ‬آخر،‭ ‬يربط‭ ‬هذا‭ ‬الإنفلات،‭ ‬بالجماعات‭ ‬الإسلاموية‭ ‬المتطرفة،‭ ‬وجزء‭ ‬ثالث‭ ‬يربط‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬بقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬أو‭ ‬دولية‭..‬‮ ‬

البشر‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام‭ ‬اخترعوا‭ ‬الدولة،‭ ‬واكتشفوا‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬قبول‭ ‬البعض‭ ‬بها،‭ ‬شرط‭ ‬أساسي‭ ‬لاستمرار‭ ‬المجتمع،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لكون‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تضبط‭ ‬هذه‭ ‬الإنفعالات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬كراهية،‭ ‬أو‭ ‬قتل،‭ ‬و‭ ‬أشكال‭ ‬كثيرة‭. ‬والدولة‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تكيف‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الانفلاتات،‭ ‬واستطاعت‭ ‬أن‭ ‬تضبطها،‭ ‬وفي‭ ‬أشكال‭ ‬أخرى،‭ ‬عملت‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تأجيجها،‭ ‬إذ‭ ‬يعتمد‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة‭...‬‮ ‬

وأنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬بأن‭ ‬المسألة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالكراهيات،‭ ‬ذات‭ ‬علاقة‭ ‬بالدين‭ ‬بشكلٍ‭ ‬حصري،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬التفرط‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬الدموي،‭ ‬شيء‭ ‬لهُ‭ ‬علاقة‭ ‬حصرية‭ ‬بالدين،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬تجارب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انفلات‭ ‬الكراهيات،‭ ‬وتأجيج‭ ‬القتل،‭ ‬وغيره‭.. ‬قد‭ ‬عملت‭ ‬علىه‭ ‬قوى‭ ‬مختلفة،‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الصراع،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تضبط‭ ‬مسارات‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬وهن‭ ‬الدولة،‭ ‬ضغف‭ ‬الدولة،‭ ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى،‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬الدولة،‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭.‬‮ ‬

فالدولة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬هي‭ ‬الطرف‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الانفلاتات‭.. ‬هناك‭ ‬‮«‬الخمير‭ ‬الحمر‭ ‬Khmer Rouge‮»‬‭ ‬في‭ ‬كمبوديا،‭ ‬وهي‭ ‬جماعة‭ ‬لاعلاقة‭ ‬لها‭ ‬بالدين،‭ ‬بقدر‭ ‬كونها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إيديولوجيا‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬وهناك‭ ‬جماعات‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالعرق،‭ ‬أو‭ ‬القبيلة،‭ ‬كما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬‮«‬بروندي‮»‬‭ ‬بين‭ ‬القبائل‭ ‬المتصارعة،‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬نتيجتها‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭... ‬وهناك‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬يوغوسلافيا‮»‬‭ ‬في‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬أقلياتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬كدولة‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬إيديولوجيا‭ ‬معينة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬وقفت‭ ‬ضد‭ ‬الصرب،‭ ‬كجماعة‭ ‬أثنية،‭ ‬والبوسنيين‭ ‬كجماعة‭ ‬دينية،‭ ‬ووظفت‭ ‬أدوات‭ ‬الصراع‭ ‬الإثني‭ ‬والديني،‭ ‬في‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬قاد‭ ‬لأشكال‭ ‬من‭ ‬الإنفلات‭ ‬والقتل،‭ ‬والكراهيات‭ ‬غير‭ ‬المحدودة،‭ ‬التي‭ ‬تابعنا‭ ‬أحداثها‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬‮ ‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأمور،‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬بنفس‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬والمختلف‭ ‬هو‭ ‬طبيعة‭ ‬الدولة،‭ ‬والدور‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬فالسياق‭ ‬الثقافي‭ ‬العام،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬سلوك‭ ‬الناس،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لديك‭ ‬حالات‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات،‭ ‬التي‭ ‬تأخذ‭ ‬أبعاداً‭ ‬دينية،‭ ‬أو‭ ‬أثنية،‭ ‬وفق‭ ‬آليات‭ ‬معينة‭ ‬تسمح‭ ‬لهذه‭ ‬الجماعات‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬خصوصيتها‭ ‬الثقافية،‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬كجماعات‭ ‬مكونة‭ ‬وفاعلة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حقوقها‭ ‬وواجباتها‭ ‬عن‭ ‬الجماعات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وهذه‭ ‬المسألة‭ ‬مسألة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬انفلات‭ ‬الكراهيات‭.‬‮ ‬

ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ ‬تحولات‭ ‬مهمة،‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬إدماج‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬الموجودة‮ ‬‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى،‭ ‬تخلق‭ ‬لديها‭ ‬آفاقا‭ ‬وسبلا،‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الصراعات‭.‬‮ ‬

أي‭ ‬مجتمع‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬يعيش‭ ‬صراعات،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬الصراعات‭.. ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬تستطيع‭ ‬ضبطها‭ ‬وفق‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬داخل‭ ‬مجتمعك،‭ ‬ووفق‭ ‬التغيرات‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬التعاطي‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭.‬‮ ‬

كذلك‭.. ‬العالم‭ ‬كلهُ‭ ‬مر‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬بتحولات‭ ‬هائلة،‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬أحدثت‭ ‬اهتزازات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬أحدثت‭ ‬اهتزازات‭ ‬داخل‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذه‭ ‬الإهتزازات‭ ‬دفعت‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يقولهُ‭ ‬البعض،‭ ‬من‭ ‬منظري‭ ‬عملية‭ ‬العولمة،‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬أضعفت‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬المجتمع؛‭ ‬فالإفتقاد‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التهيوء‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات‭ ‬بشكلٍ‭ ‬سريع،‭ ‬وبالتالي‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ابتداع‭ ‬أساليب‭ ‬أكثر‭ ‬عقلانية‭.. ‬فالأساليب‭ ‬العقلانية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تضبط‭ ‬هذه‭ ‬الإنفلاتات،‭ ‬والأساليب‭ ‬المفلتة‭ ‬تأخذ‭ ‬معها‭ ‬هذه‭ ‬الإنفلاتات‭.‬‮ ‬


‮ ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق؛‭ ‬أنت‭ ‬وضعت‭ ‬المجتمعات‭ ‬أمام‭ ‬متقابلات،‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬والمختلف‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬كذلك‭.. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تلك‭ ‬التقابلات،‭ ‬لو‭ ‬وضعنا‭ ‬التطرف،‭ ‬التوحش،‭ ‬تفلت‭ ‬الكراهيات،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬المعرفة،‭ ‬الثقافة،‭ ‬العلم‭.. ‬كأن‭ ‬في‭ ‬حديثك‭ ‬ما‭ ‬يشي‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬ضمور‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬المكون‭ ‬الثقافي،‭ ‬للمجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬أدى‭ ‬لحدوث‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬استثمار‭ ‬الجهل‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬غلبة‭ ‬تلك‭ ‬الخطابات‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تتقصدها‭ ‬في‭ ‬حديثك؟‮ ‬


‮ ‬

المسألة‭ ‬ليست‭ ‬متعلقة‭ ‬بالثقافة‭ ‬والعلم‭ ‬والتعلىم‭.. ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الفوضى،‭ ‬كالعراق،‭ ‬وسوريا،‭ ‬وفي‭ ‬السابق‭ ‬كانت‭ ‬يوغوسلافيا،‭ ‬وإيران،‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬وباكستان،‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬قد‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬التعلىم،‭ ‬والثقافة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المردود‭ ‬المجتمعي‭ ‬لهذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالدرجة‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬انتشال‭ ‬نفسه،‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬أنا‭ ‬أعود‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬الدولة،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬تأتي‭ ‬وفق‭ ‬منظور‭ ‬الدولة،‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام،‭ ‬والمسألة‭ ‬الأخرى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬قد‭ ‬أعطت‭ ‬بعض‭ ‬الأشكال‭ ‬من‭ ‬التعبير،‭ ‬ودفعت‭ ‬نحو‭ ‬تشكل‭ ‬جماعات‭ ‬وقوى‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ...‬‮ ‬

في‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬العربية،‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬تتعاط‭ ‬معها،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تستثمرها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬ذاتها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تتعطى‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأنا‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬الخلل‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬سوريا،‭ ‬ليبيا،‭ ‬لهُ‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التطويع‭ ...‬‮ ‬

‮ ‬

هل نحن ‬كشعوب ونخب ثقافية عاجزون‭ ‬عن‭ ‬وضع تلك الأطر المؤسسة لفكرة الدولة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬النخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬بتأسيس‭ ‬حقيقي‭ ‬للدولة؟‮ ‬


‮ ‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬استطيع‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬النخب‭ ‬الحاكمة‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬دولة‭ ‬حقيقية،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬دول،‭ ‬فالدولة‭ ‬تأخذ‭ ‬أشكالاً‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬شكلٌ‭ ‬ممتد‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭.. ‬وهو‭ ‬شكل‭ ‬ممتد‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬لكن‭ ‬وبعد‭ ‬صراعات،‭ ‬استطاعت‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات،‭ ‬والنخب‭ ‬الموجودة،‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ ‬تغيرات‭..‬‮ ‬

في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬للأسف،‭ ‬هناك‭ ‬تشكل‭ ‬للدولة،‭ ‬أخذ‭ ‬أشكالاً‭ ‬معينة،‭ ‬وهذا‭ ‬الشكل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات‭ ‬الهائلة،‭ ‬التي‭ ‬نسمع‭ ‬الكتابات‭ ‬الغربية‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الإنفجارات،‭ ‬والثورات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬ثورات‭ ‬تجبر‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬معها،‭ ‬في‭ ‬حالتنا‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬التكيف،‭ ‬والتكيف‭ ‬يساعد‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬ابتداع‭ ‬اساليب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تعاطيها‭ ‬مع‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويساعدها‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الآخرى‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬التعاطي،‭ ‬في‭ ‬هامشه‭ ‬الكبير،‭ ‬عقلاني،‭ ‬وليس‭ ‬ذاتي‭ ‬أو‭ ‬انفعالي‭ ‬أو‭ ‬عصبوي‭.‬‮ ‬

‮ ‬


في‭ ‬سياق‭ ‬انفجار‭ ‬الثورات‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عنها،‭ ‬يعيش‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮ ‬‭ ‬بين‭ ‬صراع‭ ‬السيطرة،‭ ‬والفوضى‭ ‬الخلاقة‭)‬شواش‭*(‬‮ ‬‭ ‬Creative Chaos‭ ‬،‭ ‬والربيع‭ ‬العربي‭ ‬وبين‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عنه،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صراع‭ ‬القوى‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬و‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وبين‭ ‬الغرب‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وفكرة‭ ‬صناعة‭ ‬جغرافيا‭ ‬مغايرة‭ ‬للمنطقة؟‮ ‬وبما‭ ‬إن‭ ‬الكلمات‭ ‬‮«‬شهود‭ ‬تتحدث‭ ‬أحياناً‭ ‬بصوت‭ ‬أعلى‭ ‬وقعاً‭ ‬من‭ ‬الوثائق‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المؤرخ‭ ‬إريك‭ ‬هوبزباوم‭ ‬،‭ ‬سأذكر‭ ‬تصريح‭ ‬كونداليزا‭ ‬رايس‭ ‬وفي‭ ‬2005‭ ‬حول‭ ‬البدا‭ ‬بتشكيل‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭ ‬‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬نشر‭ ‬‮«‬‭ ‬الفوضى‭ ‬الخلاقة‭ ‬‮«‬‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬‮ ‬ وفي‭ ‬ذات‭ ‬السياق‭ ‬أيضاً‭ ‬أعلن‭ ‬مؤخراً‭ ‬مدير‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الفرنسية‭ (‬دي‭ ‬جي‭ ‬إس‭ ‬أي‭) ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬حول‭ ‬الاستخبارات‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الاوسط‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة‮»‬،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬دولاً‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬وسورية‭ ‬لن‭ ‬تستعيد‭ ‬أبداً‭ ‬حدودها‭ ‬السابقة‭ ‬؟

‮ ‬

‮ ‬

المنطقة‭ ‬كما‭ ‬العالم،‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬أسبق‭ ‬لأن‭ ‬خبرتهم‭ ‬بهذه‭ ‬ا