كان اسمها إيران وفي بطاقتها الشخصية حملت اسم فاطمة لكنها اختارت إيمان


إن نصّية السيرة الذاتية هي تشكيل معرفيّ. فهي كما يرى هيوج سلفرمان أستاذ جامعة دوكيس، توفر معرفة تدور حول كيفية اشتغال نص ما، وحول ماهية المعاني التي يدمجها النصّ، وحول الاعتبارات التي يحدّد فيها النص نفسه بوصفه تجسيداً لتأملات سيرةٍ ذاتية. وهذا النوع من النصّيّة، بوصفه تشكيلاً معرفياً، يعين أبعاد الحياة المروية، وظروفها، ومعاييرها، وتحديداتها. إن نص السيرة الذاتية يقدم سردا لحياة شخص ما، وبهذا المعنى فإن السرد هنا أو الكتابة تنتج »حياة شخص ما بوصفها نصاً«. دون شك سيكون في السرد لأي سيرة ذاتية فسحة للنبش والبحث والتأسيس لنوع خاص جداً من القراءة والتلقي، تأخذنا أسئلتهما بنحو مغامر ومراوغ في آن معاً لإيجاد تلك المعرفة، تلك التي تحدث عنها بيار بورديو كونها مصدراً لتأسيس النظرية كمعرفة تكمن في تفاصيل حياة مجتمع ما، شكله وأدوات قراءته.

كان اسمها فاطمة وكنيت بإيران واشتهرت بإيمان وفتنها اسم القبرة، تربت في كنف رجل مأخوذ بلعبة التجارة ففيها تكمن المتعة، فمسافة الربح والخسارة فيها هي المسافة بين الموت والحياة، أجادها فتفنن فيها، تنوعت فتنوعت معها الثقافات. كان ممسكاً بتجارة الماشية والسجاد، ولم يقتصر عليها فقط، فقد أخذه شغفه بهذه اللعبة إلى حيث الإغواء ومحاولة الإمساك بشيء هنا وأشياء هناك.

كان أباً مغامرا مولعاً بالبحر هكذا كانت تصفه، امتلك كثيرا من السفن لكن البحر غيبها، أحب البحر كثيراً لكن البحر أوجعه بحجم كل هذا الحب. لهذا كانت ذاكرة الطفولة بالنسبة لها سعيدة بالولائم والأفراح الجماعية، في بيت كان له ((حوش)) كبير يقصده التجار والنواخذة، يطول في ليله السمر والاستماع إلى أشعار سعدي وحافظ وهم من أعلام الشعر الفارسي القديم. كان البيت يردد صدى المواويل بالإضافة إلى أغاني ناظم الغزالي الذي كان والدها شغوفاً بالاستماع إليها، كانت تجلس هي وأخواتها لتستمع إلى هذه الأشعار وهذا الغناء، كان ذلك يشكّل متعتها إضافة إلى القراءة، كانت هي وصديقاتها الصغيرات يستعرن كتباً من مكتبة مدرسة الزهراء، ويستعرن مجلات الأطفال وكتب المغامرات مثل أرسين لوبين وشارلوك هولمز، كان ثمة هوس للقراءة مبكراً.. حين تتذكر أباها الآن، تتذكّره مرحاً خارج البيت، ومسيطراً في الداخل، فالرجل الشرقي يكون حاضرا بقوة حين تخطو يمناه عتبات البيت الأولى، كأن ثمة مسافة لخضوعنا له مفروضة بفعل قوة المال، التي تمنحه قوة التحكم في تفاصيل حياتنا، فقد هذه القوة ساعة فقد الشيء الكثير من تجارته، وساعة استقللنا اقتصادياً عنه، فقد دفة السيطرة، فهي في الغالب تكمن في القوة الاقتصادية. وحين تتذكر طفولتا فهي لا تنسى ذلك الحوض الصغير الذي كان يتوسط الحوش، كما لا يمكنها نسيان الحظيرة التي كانت فوق السطح على عكس أغلب البيوت، والتي جمعت حيوانات أصيلة كالغزلان والخيول.

عاشت في حي كان الجميع فيه يعيش بسلام، دون عقد طائفية أو عرقية، فبرغم من اعتزاز كل عرق أو مذهب أو طائفة بهوياتهم إلا أن الوضع الاجتماعي العام في ذلك الحي والبحرين عموما كان متسامحاً، ولا يعبأ بكل هذه العقد المرضية، التي نجدها الآن. في ثانويتها العامة كانت لها صديقتان مقربتان هما سعيدة وهي يهودية، والأخرى فريال وهي مسيحية، وقد كانتا بحرينيتان، وهنا تتحدث أسيري بالقول: لم نكن أبداً نلتفت إلى مسألة الديانة أو العرق، هذه العقد والأمراض الطائفية كما تشير أسيري بالقول ظهرت مع ظهور التيّارات المتشدّدة لدى المذاهب والفرق الإسلامية، أي بعد قيام الثورة الإيرانية وبزوغ الحركة الوهابية في السعودية.

هذا البيت - والحديث هنا لأسيري - شهد في فترة المظاهرات في الستينات حركة سياسية، حيث كان أحياناً يحتضن بعض المتظاهرين إذا لاحقتهم الشرطة، كانوا يقفزون إلى بيتنا ليختبئوا فيه، وكانت جدتي (رحمها الله) تخبئهم تحت ثوبها أو تحت كومة من الثياب، وقتها كانت البحرين كلّها تشهد المظاهرات وكانت تتشكّل عادة من العمال والطلاب، ووقتها أيضاً بدأت بالاشتراك في هذه المظاهرات، وبدأت أعي بعض مفاهيم الحركات السياسية، وقد شكّلت قراءتي للروايات العربية والأجنبية رافداً آخر لاستيعابي لكل هذه الأمور، من كل هذه الأحداث تكوّنت شخصيتي، ذلك أنه لم يكن يشغل بالي سوى الشؤون السياسية و الكتاب والكتابة. أذكر أيضاً أن جزءاً من حياتي قضيتُه في بيت عمّتي، وقد كانوا من القوميين المثقفين، وكان لديهم مكتبة أذكر أني قرأت فيها مجلات كآخر ساعة وكتباً ليوسف السباعي وإحسان عبد القدوس.

وقد كنّا نسرق هذه الكتب والمجلات لقراءتها ثم نعيدها في مكانها، لقد كان لهذا البيت تأثير أيضاً في تكوين شخصيتي. لطبيعة نشأتي في بيتٍ إيراني فقد تأسسنا على القومية الإيرانية، غير أني بعد انتقالي للثانوية ونتيجة للحديث في المدرسة عن الشؤون السياسية والأوضاع المعيشية في البحرين، بدأت استكشف أموراً أخرى، رغم أننا لم نكن مؤسسين لمناقشة أمور أكثر عمقاً، فلم تكن مسألة العراق مثلاً تثير انتباهنا، رغم أنها كانت حاضرة أيضاً في تلك الفترة. تنبّهت عائلتي في تلك الفترة إلى أن إيمان بدأت تأخذ منحاً خطيراً من خلال انغماسها في العمل السياسي والمظاهرات، فحاولوا منعي بشتّى الطرق من الخروج إلى المظاهرات، وأذكر أنه في أحد أيام عام١٩٧٦م وعندما عدتُ للبيت بعد يوم حافل في المدرسة والمظاهرات، وعندما كنتُ آخذ قسطاً من الراحة، استيقظت على تحطّم زجاج، وإذا بعمي يقف على رأسي وعمي الآخر حاملاً سكينا ويصرخ بغضب، وكانت بعض نساء عائلتي يحاولن منعه من التقدّم للنيل مني، وكانا يصرخان.. كيفَ تخرجين للمظاهرات، هذه الحادثة أثّرت فيّ كثيراً، غير أني لم أكن أكترث أبداً. كنا في تلك المظاهرات لا نخشى شيئاً، وفي فترة المراهقة لم يكن ثمة وعي بخطورة ما كنا نفعله، فالآن لا أستطيع النظر للأمر على أنه جرأة بقدر ما أراه على أنه تهور وعدم وعي بخطورة الموقف. كان اسمي الذي أعرف به دائماً وقتها (إيران) أما اسمي في البطاقة فقد كان فاطمة، وحين تخرّجت من الثانوية العامة وأردت استخراج الشهادة وجواز السفر، طلبت من أبي أن يسجّل اسمي (إيمان) وحين سُئلت لماذا؟ أجبت لأنه قريب من (إيران) الاسم الذي أعرف به، وقد ذكرت هذا في احدى القصائد في مجموعة (للقبرة أسرار صغيرة)، حيث قلت: الاسم الذي سجلّت به فاطمة والاسم الذي كنيت به إيران والاسم الذي اشتهرت به إيمان وحلم الاسم الذي لم يفتني (القبّرة) في تلك الفترة لم ألتفت أبداً للعلاقات العاطفية، على الرغم من انشغال كثير من البنات في سنّي بذلك، وربما أجد أن السبب في ذلك أن اهتمامي كان منصبّاً بالشكل الأكبر على القراءة والسياسة، وحين كان عمري في السادسة عشر ومن خلال الصداقات والعلاقات، انخرطت في العمل السياسي بشكل سرّي، وهذا العمل السياسي خلق عندي نوعاً من الكتمان، إذ كان من الواجب عليك أن تحافظ على السرّية حتى في العواطف والتعبير عن هذه العواطف. وعلى المستوى التنظيمي لم تكن تتاح لنا فرصة الاختلاف فقد كان الإمتثال مطلوباً في مثل هذه التنظيمات السرية، وكنا لا نخرج من أطر المطالبة بأبسط الحقوق كالحرية والعدالة والحياة الكريمة لكافة الشعب البحريني.

في تلك الفترة بدأت كتابة أولى القصائد التي حاولت أن أدخل فيها إلى شكل النظم، وأول قصيدة كانت باسم (أتيتكم) أذيعت بصوت الشاعر علي عبدالله خليفة في برنامجه الإذاعي آنذاك. بعد ذلك وعام ١٩٧٠ انضممت لأسرة الأدباء والكتاب. وقد كانت الأسرة تمثّل في تلك الفترة الصراع الدائر في البلد بين جبهة التحرير والجبهة الشعبية، وهذا قد انعكس على الأسرة بأشكال عدة، وكان الصراع بين الجبهتين داخل الأسرة يهدأ أحياناً ويحتدم لحدّ التراشق بالكلمات أحياناً أخرى، أما في القضايا الكبرى فقد كانوا يعملون معاً، سواء في الندوات أو الأمسيات أو المؤتمرات، أو المهرجانات، وقد اكتسبت الأسرة في تلك الفترة هذا الصيت الحسن نتيجة هذا التفاعل السياسي مع الأدبي والثقافي، ونتيجة اشتغالها بالجانب الثقافي في إعداد الندوات والأمسيات، فقد كانت الأسرة تمثل الوجه الثقافي العلني لحركة المعارضة السياسية السرية في البحرين. وبقدر ما استفادت الأسرة من تفاعل السياسي مع الأدبي على مستوى الصيت الحسن إلا أننا كأعضاء خسرنا كثيراً نتيجة هذا الخلاف الدائر بين جبهتي التحرير والشعبية، إذ لم يكن ثمة منهج واضح تسير عليه الأسرة، ففي بعض الحقب تأتي التحرير في قيادة الأسرة وفي بعض الحقب تأتي الشعبية وفي كل فترة تنغلق الأسرة على أفكار ورؤى وأشخاص معيّنين من داخل كلتا الجبهتين. اهتمامي بالفن التشكيلي، كان رافدا آخرا في تشكيل تجربة الكتابة عندي، وانضمامي لأسرة هواة الفن عرفني بشكل حميمي إلى أفق الفن التشكيلي حينها، وإلى التعرف إلى أوليات المسرح أيضا.. مكتبة الطالب والمكتبة العامة ومكتبة النجمة (لحين من الوقت) ودار الغد ومعارض الكتاب كلها اجتمعت في تشكيل الرافد الثقافي للتجربة الإبداعية.

تسألني عن قصيدة النثر وقتها كان قاسم حداد يعمل في المكتبة العامة كنت أذهب لأستعير بعض الكتب، وكنتُ أعرض عليه بعض القصائد وقد عرف بحسّه الشعري اختلاف الشكل الشعري الذي أكتب فيه، فنصحني بأن أواصل الكتابة بهذا الأسلوب وهو قصيدة النثر، وكذلك فعلت حمدة خميس والشاعر علي خليفة الذي كان يذيع لي بعض ما أكتب، هؤلاء هم من جعلوني أستمر في كتابة القصيدة الجديدة في وسط كثير من السخرية التي أحاطت بكتابتي لقصيدة النثر، ومن بين من كان مستغرباً ومحتجاً على كتابتي صديقي الجميل: الدكتور علوي الهاشمي.

ثمة فرق بين شعاراتهم وممارساتهم ... وأنا أقرأ واقع الأمس السياسي الآن أجد ذلك الفارق الشاسع فيما بين تلك الشعارات السياسية التي تتقصد تحرير الإنسان والمرأة خصوصاً، وبين ممارسات كثير من السياسيين آنداك. إذ إن أغلب الشعارت كانت فارغة وما يفرغها من مضامينها، كانت طبيعة الممارسات الذكورية تجاه المرأة تحديداً، ففي الوقت الذي كانوا فيه داعين لتحرير المرأة من العيوب النسقية الاجتماعية انذاك كانوا يؤسسون لعيوب نسقية أكثر فداحة وخطورة وأقف عند هذا الحد من التوضيح. فقد كانت علاقات بعض الرجال الذين يشتغلون في الجانب السياسي والثقافي مع زوجاتهم كانت علاقات غير سويّة، لذلك فإن المرأة المثقفة والأديبة على وجه الخصوص كانت تعاني كثيراً سواء من المجتمع أو محيطها او من زوجها.




0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email