مدنٌ متشحة بالسواد..حوار مع المخرج الإيراني محسن مخملباف

محسن مخملباف، أحد أهم الأسماء في السينما الإيرانية المعاصرة وأكثرهم شعبية في إيران.(1) ولد في أحد الأحياء الفقيرة بطهران في العام 1951، ترك المدرسة وهو بعد في الخامسة عشر من العمر ليشكل خلية من النشطاء الدينيين الأصوليين المعارضين لحكم الشاه. في هذه الفترة كان لا يطيق الاستماع إلى الموسيقى، وكان يسد أذنيه حينما يسمع الموسيقى تنطلق من أحد الحوانيت في الشارع ، وخاصم أمه حينما علم انها شاهدت فيلماً في السينما.

بعد عامين قام مخملباف بطعن شرطي في الشارع، لكنه أصيب بطلق ناري وقبض عليه، وأمضى شهوراً في المستشفى نتيجة تعرضه للتعذيب الشديد، ونجا من عقوبة الإعدام لصغر سنه، وأمضى أربع سنوات ونصف في السجن.


تجربة السجن جعلته يعيد النظر في رؤيته للحركات السياسية والعنف المسلح، وهناك بدأ يكتب ويخرج بعض المسرحيات التي كتبها سجناء آخرون. خرج مخملباف من السجن بعد انتصار الثورة الاسلامية الإيرانية، ولكنه لم يعد ذلك الأصولي المتعصب، بل بدأ يرتاد دور السينما ويدرس السينما العالمية، ويكتب، ويخرج، وينتج أفلامه. ليس هذا فحسب بل بحث عن الشرطي الذي اعتدى عليه واعتذر له علناً.


يقول مخملباف عن هذا التحول في معتقداته الفكرية : " كنت أعتقد بأن حمل السلاح هو الذي سيحقق لنا العدالة والحرية، الآن أنا مؤمن بأن هذه الأهداف يمكن الوصول إليها عن طريق العمل الثقافي".

في هذه الفترة كتب 28 قصة قصيرة، ثلاث روايات، عشر مسرحيات، وأصدر كتابين يتضمنان مقالاته التي نشرها. كتب 28 سيناريو قبل أن يمارس الإخراج السينمائي في عام 1982 وهو في الواحد والثلاثين من عمره. أخرج حتى الآن 14 فيلماً منها "الفرار من الشيطان إلى الله" 1984 ، و" المقاطعة " 1985 ، " راكب الدراجة " 1987 ، "البائع المتجول " 1987 وحازت أفلامه على 15 جائزة دولية.

منذ التسعينيات ومخملباف يواجه مصاعب كثيرة مع الرقابة في إيران (ذات السلطة المطلقة والمعايير الصارمة جداً في إقرار أي من الأفلام يمكن أو لا يمكن إنتاجها) ونتيجة لذلك فقد مُنع عرض العديد من أفلامه المهمة مثل " الزواج المبارك " 1989 ، الذي تضمن هجوماً غير متوقع ضد الفساد واللامبالاة التي واجهت المقاتلين العائدين من جبهة القتال الدموية بين إيران والعراق. أما فيلمه " وقت للحب " و " ليالي نهر زاينده " ، اللذان أخرجهما في أوائل التسعينيات، فقد انتقدا بعنف لكونهما يشكلان تراجعاً في معتقدات المخرج الدينية (!).


وفي العام الماضي منع فيلمه " لحظة البراءة ط ، وفيلمه الأخير " كبه " Gabbeh الذي أعتبر فيلماً " تدميرياً " فقد خلا تماماً من رجال الدين بلحاهم وأرديتهم السوداء، والنساء المشاركات في الفيلم كن لا يغطين رؤوسهن بالشادور، ويرتدين أزياء ملونة تعكس جمال وجاذبية الطبيعة، بينما تردد شخصيات الفيلم عبارات مثل " الحيــاة هي الألوان " ، و " الحب هو الألوان " ، و " الحب هو الألم " . هذه المواقف المعارضة دفعت بعناصر من " حزب الله " إلى محاولة اغتيال مخملباف وحرق منزله وطعن زوجته، إضافة إلى مضايقة السلطات المستمرة له ومنعه من السفر إلى الخارج . (2)

فيلم محسن مخملباف الأخير " كبّه " يبدأ بزوجين، تظهر عليهما علامات الكبر، يتقدمان نحو غديرٍ وهما يحملان سجادة ، أو " كبّه " ، كما يطلق عليها في جنوب شرقي إيران ، ويتناقشان بهزل حول من منهما سيقوم بتنظيفها من غبار السنين الطويلة، والآثار التي تركها عليها الزمان. تتأمل الزوجة العجوز صورة منسوجة على السجادة تمثل شاباً وشابة يمتطيان حصاناً، وتتساءل عمن يكونان. في هذه الأثناء تظهر روح السجادة التي يحملانها في شكل حسناء ترتدي جلباباً قبلياً واسمها أيضاً " كبّه " (تؤدى دورها في الفيلم شقايق جودت) ، وتبدأ الحسناء في سرد قصتها بناء على طلب الزوجين.

الفتاة " كبه " تنتمي لقبيلة " كاشقاي " ، وهي إحدى قبائل الرحل ، التي يعمل أفرادها في نسج السجاد بأشكال وألوان فنية تعكس مواقفهم الحياتية ورؤيتهم لجمال الطبيعة . " كبه " تحب شاباً يمتطي حصاناً ويلاحق القبيلة، لكننا لا نرى وجهه أبداً، وتأتي رسائله إلى فتاة أحلامه في شكل عواء ذئب وحيد في الجبال. ولكن والدها يمنعها من الاقتران به إلا إذا تحققت مجموعة من الشروط : أولها أن يعود عمها، المدرس بالمدينة، ويبحث له عن زوجة. يوافق العم على العودة للزواج خاصة وانه كان ممسوساً بحلم رأي فيه امرأة شابة تنتظر عودته وتلقى قصائدها عند النهر. ثاني الشروط ، انه يتعين على " كبه " أن تنتظر حتى تلد أمها ثانية. وعندما يحدث هذا، كان عليها أن تنتظر أيضاً لأن أختها الصغيرة ضاعت أثناء بحثها عن ماعز تائه في الجبال. لكن الأخت تموت، وينفد صبر " كبّه " فتقرر العمل بنصيحة عمها الذي يحرضها على تحدى تعسف والدها والفرار مع حبيبها، الذي كان يتبعها عبر جبال الثلج إلى المدينة الواقعة تحت هيمنة نيران آبار النفط.

على مستوى آخر، نرى أن الرجل المسن الذي تروى له " كبّه " قصتها أصبح متيماً بها ويتوسل إليها أن تفر معه. ولكنها تواصل قصتها التي تنتهي نهاية غامضة: والد " كبّه " يطارد الحبيبين ويطلق عليهما النار، ثم يعلن للقبيلة بأن العاشقين قد قُتلا، ولكن صوت " كبّه " يخبرنا بأن ذلك كان تمويهاً كي يضمن الأب بأن أخواتها الصغيرات لن يسلكن مسلكها. فجأة تختفي "كبه" وتبقى السجادة التي نُسجت عليها قصتها.

الجدير بالذكر ان كل شخصيات الفيلم، باستثناء دور المعلم الشاعر (الذي يقوم بدوره عباس سياهي) ، تم اختيارهم من أسرتين من قبائل الرحل، وهؤلاء لم يشاركوا في أي عمل سينمائي من قبل ، بل ولم يرتادوا دور السينما خلال حياتهم.

المقابلة التالية مع محسن مخملباف أجرته معه هداني ديتمارس ونشرت في مجلة Sight & Sound عدد ديسمبر 1996:


- رسمياً، بدأ فيلم " كبّه " كفيلم وثائقي، كيف تحوّل الفيلم إلى حكاية تقليدية، وفي الواقع إلى قصة حب؟


في الواقع لم يكن الفيلم وثائقياً .. السبب الذي جعلنا نقول انه وثائقي هو انه في إيران لا تحتاج إلى تصاريح رسمية لإنتاج فيلم وثائقي. لقد اضطررت أن أقول ذلك حتى لا أتورط مع السلطات، لكنني لم أنوي أن يكون فيلماً وثائقياً. وكما في فيلمي " سلاماً أيتها السينما " أردت أن يتضمن الفيلم جوانب وثائقية. في البداية كان أمامي سيناريوهين مختلفين، وبرنامجين مختلفين للتصوير، وأربعة مونتاجات مختلفة. في الحقيقة حاولت أن يكون هذا الفيلم مزجاً بين الوثائقي والروائي، بين الواقع والخيال.


- هل حدث هذا التطور بشكل تدريجي أثناء إخراجك للفيلم، أم ان العمل في صورته النهائية كان قريباً من السيناريو الأصلي ؟


كلا، كنت أغير السيناريو في كل مرة نصوّر فيها. في " كبّه " هناك حس عال بشاعرية الحياة اليومية، وفي تتبع إيقاع هذا الشعر .. أحد المشاهد بالتحديد أدهشني بجماله حيث السجادة تُنسج في الوقت الذي يولد فيه حمل، فتتمازج الأصوات معاً .. صوت الولادة والنسيج. كيف انتقلت رؤيتك القصصية من السخرية المؤلمة واختبار القوة في فيلمك " سلاماً أيتها السينما" إلى هذا النوع من الشاعرية الغنائية تقريباً ..



- هل هذا شيء انبثق أثناء تصوير " كبّه " أم هو تسجيل لتغيير حقيقي في رؤيتك للأشياء ؟


عندما بدأت أخرج الأفلام، كان تركيزي منصباً على الجوانب السياسية، لكني الآن أفهم الحياة بشكل أكبر من السياسة ذاتها، أنا أكثر اهتماماً بالجانب الإنساني وليس السياسي وحسب. عندما كنتُ شاباً ومهتماً بالسياسة كنت متشائماً وأريد تغيير الأشياء، تمزيق الأشياء، إنقاذ العالم، ولكني الآن اعتقد بأن أفضل ما يمكن عمله هو إنقاذ الإنسانية من خلال العودة إلى الجمال وشاعرية الحياة اليومية.


- يشكل السرد الحكائي في " كبّه " بؤرة رئيسية لم نجدها بنفس القوة في " سلاماً أيتها السينما " (حيث يلتقي المخرج نفسه بعدد كبير من الإيرانيين من كل الطبقات طالباً منهم أن يعبروا، أمام الكاميرا، عن حبهم للسينما). إلى أي مدى يمكن أن نعتبر فيلم " كبّه " امتداداً للحكاية الشعبية الإيرانية.. هل تعتقد انه من الممكن إيصال الحكاية الأصلية الشفهية من خلال السينما ؟


نعم، أردت في " كبّه " الاقتراب أكثر من تقاليد الحكاية الشعبية الإيرانية، كي ادمجها في الفيلم.


- ماذا عن تقاليد قبائل الرحل في النسج؟ أليست هي نوع من التعبير القصصي؟


هذه الأيام قبائل الرحل أقل ارتحالاً.. فهم يعيشون في القرى ويحصلون على الصوف من خرافهم، والصباغة من النباتات والزهور من حولهم. انهم ينسجون بعفوية، ودون تخطيط ، أشكالاً فنية مستلهمين الواقع الذي يحيط بهم: فإذا عبروا وادياً أخضر، نسجوا في سجاجيدهم خلفية خضراء، وإذا حبلت المرأة فقد تنسج صورة طفلها المنتظر على السجادة، وإذا حدث نقص في الغذاء فسيحلمون بالبقرات السمان والخراف ومن ثم ينسجون صورها على السجادة. لذا لن تجد سجادتين متشابهتين أبداً. كل سجادة انعكاس خاص لحياة ناسجها.


- هل ترى تماثلاً هنا مع عملية إخراج الفيلم ؟


بالتأكيد. أعتقد ان السينما الإيرانية مثل " كبّه " ، في قربها واستلهامها للواقع . نحن نصوّر في الأرياف خارج أربع مدن مختلفة: طهران، شيراز، الأهواز وبوي أحمد. بالطبع كنت أحمل أفكاراً حول الفيلم الذي سأخرجه قبل أن أبدأ، ولكنني استوحيت الكثير من الأفكار من روعة الطبيعة والبيئة التي كنت أصوّر فيها.


- ما هي الصعوبات التي واجهتك أثناء التصوير؟


المشاهد التي صورناها على الجبال كانت صعبة، فقد كان الجو بارداً جداً إلى حد ان الخراف والماعز كانت تموت وتهوى في الثلج، ولكنني أردت أن أصوّر في الثلج بسبب شدة التباين بين بياض الثلج وألوان الملابس الساطعة التي يرتديها قبائل الرحل. على سبيل المثال هناك مشهد تترك فيه " كبّه " وشاحها الملوّن الساطع على الثلج كي يستدل حبيبها على مكان وجودها.