مدنٌ متشحة بالسواد..حوار مع المخرج الإيراني محسن مخملباف

محسن مخملباف، أحد أهم الأسماء في السينما الإيرانية المعاصرة وأكثرهم شعبية في إيران.(1) ولد في أحد الأحياء الفقيرة بطهران في العام 1951، ترك المدرسة وهو بعد في الخامسة عشر من العمر ليشكل خلية من النشطاء الدينيين الأصوليين المعارضين لحكم الشاه. في هذه الفترة كان لا يطيق الاستماع إلى الموسيقى، وكان يسد أذنيه حينما يسمع الموسيقى تنطلق من أحد الحوانيت في الشارع ، وخاصم أمه حينما علم انها شاهدت فيلماً في السينما.

بعد عامين قام مخملباف بطعن شرطي في الشارع، لكنه أصيب بطلق ناري وقبض عليه، وأمضى شهوراً في المستشفى نتيجة تعرضه للتعذيب الشديد، ونجا من عقوبة الإعدام لصغر سنه، وأمضى أربع سنوات ونصف في السجن.


تجربة السجن جعلته يعيد النظر في رؤيته للحركات السياسية والعنف المسلح، وهناك بدأ يكتب ويخرج بعض المسرحيات التي كتبها سجناء آخرون. خرج مخملباف من السجن بعد انتصار الثورة الاسلامية الإيرانية، ولكنه لم يعد ذلك الأصولي المتعصب، بل بدأ يرتاد دور السينما ويدرس السينما العالمية، ويكتب، ويخرج، وينتج أفلامه. ليس هذا فحسب بل بحث عن الشرطي الذي اعتدى عليه واعتذر له علناً.


يقول مخملباف عن هذا التحول في معتقداته الفكرية : " كنت أعتقد بأن حمل السلاح هو الذي سيحقق لنا العدالة والحرية، الآن أنا مؤمن بأن هذه الأهداف يمكن الوصول إليها عن طريق العمل الثقافي".

في هذه الفترة كتب 28 قصة قصيرة، ثلاث روايات، عشر مسرحيات، وأصدر كتابين يتضمنان مقالاته التي نشرها. كتب 28 سيناريو قبل أن يمارس الإخراج السينمائي في عام 1982 وهو في الواحد والثلاثين من عمره. أخرج حتى الآن 14 فيلماً منها "الفرار من الشيطان إلى الله" 1984 ، و" المقاطعة " 1985 ، " راكب الدراجة " 1987 ، "البائع المتجول " 1987 وحازت أفلامه على 15 جائزة دولية.

منذ التسعينيات ومخملباف يواجه مصاعب كثيرة مع الرقابة في إيران (ذات السلطة المطلقة والمعايير الصارمة جداً في إقرار أي من الأفلام يمكن أو لا يمكن إنتاجها) ونتيجة لذلك فقد مُنع عرض العديد من أفلامه المهمة مثل " الزواج المبارك " 1989 ، الذي تضمن هجوماً غير متوقع ضد الفساد واللامبالاة التي واجهت المقاتلين العائدين من جبهة القتال الدموية بين إيران والعراق. أما فيلمه " وقت للحب " و " ليالي نهر زاينده " ، اللذان أخرجهما في أوائل التسعينيات، فقد انتقدا بعنف لكونهما يشكلان تراجعاً في معتقدات المخرج الدينية (!).


وفي العام الماضي منع فيلمه " لحظة البراءة ط ، وفيلمه الأخير " كبه " Gabbeh الذي أعتبر فيلماً " تدميرياً " فقد خلا تماماً من رجال الدين بلحاهم وأرديتهم السوداء، والنساء المشاركات في الفيلم كن لا يغطين رؤوسهن بالشادور، ويرتدين أزياء ملونة تعكس جمال وجاذبية الطبيعة، بينما تردد شخصيات الفيلم عبارات مثل " الحيــاة هي الألوان " ، و " الحب هو الألوان " ، و " الحب هو الألم " . هذه المواقف المعارضة دفعت بعناصر من " حزب الله " إلى محاولة اغتيال مخملباف وحرق منزله وطعن زوجته، إضافة إلى مضايقة السلطات المستمرة له ومنعه من السفر إلى الخارج . (2)

فيلم محسن مخملباف الأخير " كبّه " يبدأ بزوجين، تظهر عليهما علامات الكبر، يتقدمان نحو غديرٍ وهما يحملان سجادة ، أو " كبّه " ، كما يطلق عليها في جنوب شرقي إيران ، ويتناقشان بهزل حول من منهما سيقوم بتنظيفها من غبار السنين الطويلة، والآثار التي تركها عليها الزمان. تتأمل الزوجة العجوز صورة منسوجة على السجادة تمثل شاباً وشابة يمتطيان حصاناً، وتتساءل عمن يكونان. في هذه الأثناء تظهر روح السجادة التي يحملانها في شكل حسناء ترتدي جلباباً قبلياً واسمها أيضاً " كبّه " (تؤدى دورها في الفيلم شقايق جودت) ، وتبدأ الحسناء في سرد قصتها بناء على طلب الزوجين.

الفتاة " كبه " تنتمي لقبيلة " كاشقاي " ، وهي إحدى قبائل الرحل ، التي يعمل أفرادها في نسج السجاد بأشكال وألوان فنية تعكس مواقفهم الحياتية ورؤيتهم لجمال الطبيعة . " كبه " تحب شاباً يمتطي حصاناً ويلاحق القبيلة، لكننا لا نرى وجهه أبداً، وتأتي رسائله إلى فتاة أحلامه في شكل عواء ذئب وحيد في الجبال. ولكن والدها يمنعها من الاقتران به إلا إذا تحققت مجموعة من الشروط : أولها أن يعود عمها، المدرس بالمدينة، ويبحث له عن زوجة. يوافق العم على العودة للزواج خاصة وانه كان ممسوساً بحلم رأي فيه امرأة شابة تنتظر عودته وتلقى قصائدها عند النهر. ثاني الشروط ، انه يتعين على " كبه " أن تنتظر حتى تلد أمها ثانية. وعندما يحدث هذا، كان عليها أن تنتظر أيضاً لأن أختها الصغيرة ضاعت أثناء بحثها عن ماعز تائه في الجبال. لكن الأخت تموت، وينفد صبر " كبّه " فتقرر العمل بنصيحة عمها الذي يحرضها على تحدى تعسف والدها والفرار مع حبيبها، الذي كان يتبعها عبر جبال الثلج إلى المدينة الواقعة تحت هيمنة نيران آبار النفط.

على مستوى آخر، نرى أن الرجل المسن الذي تروى له " كبّه " قصتها أصبح متيماً بها ويتوسل إليها أن تفر معه. ولكنها تواصل قصتها التي تنتهي نهاية غامضة: والد " كبّه " يطارد الحبيبين ويطلق عليهما النار، ثم يعلن للقبيلة بأن العاشقين قد قُتلا، ولكن صوت " كبّه " يخبرنا بأن ذلك كان تمويهاً كي يضمن الأب بأن أخواتها الصغيرات لن يسلكن مسلكها. فجأة تختفي "كبه" وتبقى السجادة التي نُسجت عليها قصتها.

الجدير بالذكر ان كل شخصيات الفيلم، باستثناء دور المعلم الشاعر (الذي يقوم بدوره عباس سياهي) ، تم اختيارهم من أسرتين من قبائل الرحل، وهؤلاء لم يشاركوا في أي عمل سينمائي من قبل ، بل ولم يرتادوا دور السينما خلال حياتهم.

المقابلة التالية مع محسن مخملباف أجرته معه هداني ديتمارس ونشرت في مجلة Sight & Sound عدد ديسمبر 1996:


- رسمياً، بدأ فيلم " كبّه " كفيلم وثائقي، كيف تحوّل الفيلم إلى حكاية تقليدية، وفي الواقع إلى قصة حب؟


في الواقع لم يكن الفيلم وثائقياً .. السبب الذي جعلنا نقول انه وثائقي هو انه في إيران لا تحتاج إلى تصاريح رسمية لإنتاج فيلم وثائقي. لقد اضطررت أن أقول ذلك حتى لا أتورط مع السلطات، لكنني لم أنوي أن يكون فيلماً وثائقياً. وكما في فيلمي " سلاماً أيتها السينما " أردت أن يتضمن الفيلم جوانب وثائقية. في البداية كان أمامي سيناريوهين مختلفين، وبرنامجين مختلفين للتصوير، وأربعة مونتاجات مختلفة. في الحقيقة حاولت أن يكون هذا الفيلم مزجاً بين الوثائقي والروائي، بين الواقع والخيال.


- هل حدث هذا التطور بشكل تدريجي أثناء إخراجك للفيلم، أم ان العمل في صورته النهائية كان قريباً من السيناريو الأصلي ؟


كلا، كنت أغير السيناريو في كل مرة نصوّر فيها. في " كبّه " هناك حس عال بشاعرية الحياة اليومية، وفي تتبع إيقاع هذا الشعر .. أحد المشاهد بالتحديد أدهشني بجماله حيث السجادة تُنسج في الوقت الذي يولد فيه حمل، فتتمازج الأصوات معاً .. صوت الولادة والنسيج. كيف انتقلت رؤيتك القصصية من السخرية المؤلمة واختبار القوة في فيلمك " سلاماً أيتها السينما" إلى هذا النوع من الشاعرية الغنائية تقريباً ..



- هل هذا شيء انبثق أثناء تصوير " كبّه " أم هو تسجيل لتغيير حقيقي في رؤيتك للأشياء ؟


عندما بدأت أخرج الأفلام، كان تركيزي منصباً على الجوانب السياسية، لكني الآن أفهم الحياة بشكل أكبر من السياسة ذاتها، أنا أكثر اهتماماً بالجانب الإنساني وليس السياسي وحسب. عندما كنتُ شاباً ومهتماً بالسياسة كنت متشائماً وأريد تغيير الأشياء، تمزيق الأشياء، إنقاذ العالم، ولكني الآن اعتقد بأن أفضل ما يمكن عمله هو إنقاذ الإنسانية من خلال العودة إلى الجمال وشاعرية الحياة اليومية.


- يشكل السرد الحكائي في " كبّه " بؤرة رئيسية لم نجدها بنفس القوة في " سلاماً أيتها السينما " (حيث يلتقي المخرج نفسه بعدد كبير من الإيرانيين من كل الطبقات طالباً منهم أن يعبروا، أمام الكاميرا، عن حبهم للسينما). إلى أي مدى يمكن أن نعتبر فيلم " كبّه " امتداداً للحكاية الشعبية الإيرانية.. هل تعتقد انه من الممكن إيصال الحكاية الأصلية الشفهية من خلال السينما ؟


نعم، أردت في " كبّه " الاقتراب أكثر من تقاليد الحكاية الشعبية الإيرانية، كي ادمجها في الفيلم.


- ماذا عن تقاليد قبائل الرحل في النسج؟ أليست هي نوع من التعبير القصصي؟


هذه الأيام قبائل الرحل أقل ارتحالاً.. فهم يعيشون في القرى ويحصلون على الصوف من خرافهم، والصباغة من النباتات والزهور من حولهم. انهم ينسجون بعفوية، ودون تخطيط ، أشكالاً فنية مستلهمين الواقع الذي يحيط بهم: فإذا عبروا وادياً أخضر، نسجوا في سجاجيدهم خلفية خضراء، وإذا حبلت المرأة فقد تنسج صورة طفلها المنتظر على السجادة، وإذا حدث نقص في الغذاء فسيحلمون بالبقرات السمان والخراف ومن ثم ينسجون صورها على السجادة. لذا لن تجد سجادتين متشابهتين أبداً. كل سجادة انعكاس خاص لحياة ناسجها.


- هل ترى تماثلاً هنا مع عملية إخراج الفيلم ؟


بالتأكيد. أعتقد ان السينما الإيرانية مثل " كبّه " ، في قربها واستلهامها للواقع . نحن نصوّر في الأرياف خارج أربع مدن مختلفة: طهران، شيراز، الأهواز وبوي أحمد. بالطبع كنت أحمل أفكاراً حول الفيلم الذي سأخرجه قبل أن أبدأ، ولكنني استوحيت الكثير من الأفكار من روعة الطبيعة والبيئة التي كنت أصوّر فيها.


- ما هي الصعوبات التي واجهتك أثناء التصوير؟


المشاهد التي صورناها على الجبال كانت صعبة، فقد كان الجو بارداً جداً إلى حد ان الخراف والماعز كانت تموت وتهوى في الثلج، ولكنني أردت أن أصوّر في الثلج بسبب شدة التباين بين بياض الثلج وألوان الملابس الساطعة التي يرتديها قبائل الرحل. على سبيل المثال هناك مشهد تترك فيه " كبّه " وشاحها الملوّن الساطع على الثلج كي يستدل حبيبها على مكان وجودها.


- ما هي أوضاع قبائل الرحل الآن؟


لقد قُيدت حرية الحركة عندهم بسبب المصاعب الاقتصادية التي يواجهونها والوضع السياسي القائم .. هم الآن مقيدون جداً.


- هل ترى تماثلاً بين حالة قبائل الرحل والمخرجين السينمائيين في إيران ؟


هذا صحيح فكلا الطرفين يواجهان صعوبات كثيرة. ان إخراجي لهذا الفيلم كان احتفاءً بجمال حياة قبائل الرحل بشكل أساسي، لذلك فليس هناك من رمز سياسي. ولكن، المفارقة هنا ان السلطة في إيران منعت الفيلم لأنها اعتقدت بأن هناك مغزى سياسياً متوارياً. لقد أخرجت أربعة أفلام روائية مُنعت جميعها في إيران: " وقت للحب " ، " كبّه" ، " لحظة البراءة " و " ليالي نهر زاينده " .


- إذن ليست هناك رمزية في حالة " كبّه " ؟


كلا، انه فيلم بسيط وواضح عن الحب والجمال. على سبيل المثال عندما يدّعي الأب قتل ابنته " كبّه " وحبيبها، فهو يفعل ذلك لسبب واحد هو عدم تشجيع بقية أخواتها على الهروب. هكذا ببساطة .. ليست هناك أية رمزية في هذا.

- أفلامك كانت دائماً مثيرة للجدل في إيران. هل ترى نفسك مثل (الأخت الهاربة) في السينما الإيرانية والوضع الراهن ؟


كلا، في الواقع أنا أقرب إلى الشاب الذي يطلق عواء الذئب في أعلى الجٍبل (حبيب "كبّه "). ولكن الرقابة الإيرانية تضيّع وقتها في محاولة استشفاف المضامين السياسية في الفيلم. ليس هناك شيء من هذا القبيل. انه فيلم واضح. ولأن العديد من أفلامي مُنع عرضها فقد أصبحت حريصاً على مسائل المضمون، حتى لا أضيّع عاماً من حياتي في إخراج فيلم قد لا يُصرح بعرضه.


- إذن " كبّه " مُنع عرضه، رغم وجود ترخيص للتصوير بناءً على السيناريو الأصلي، كيف حصلت على هذا الترخيص؟


انه ليس بالأمر السهل. هناك خمس مستويات من الرقابة في إيران. الأول هو الرقابة على السيناريو أو النص، ومن ثم عليك الحصول على إذن للتصوير، ومن ثم للعرض في المهرجان الحكومي (الفجر) في طهران، ثم ترخيص لعرض الفيلم في إيران، وترخيص آخر لعرض الفيلم في المهرجانات الدولية. أحياناً تستطيع أن تحصل فقط على المستوى الثالث ولكنك لن تتجاوز الرابع والخامس. على سبيل المثال، فيلمي " كبّه " و " لحظة البراءة " حصلا على موافقة للعرض في المهرجان الحكومي، ولكن بعد ذلك مُنعا. هناك خمس لجان مختلفة تباشر عمليات الرقابة، وهناك العديد من المشاكل مع الرقابة. أفكر في إخراج فيلمي القادم في الهند، لأنني لا أعتقد ان بإمكاني إخراجه في إيران. هناك الكثير من المضايقات.


- ولكن كيف يمكن أن تحصل على ترخيص للسيناريو ومن ثم يُمنع الفيلم ؟


أحياناً نحن نغير في السيناريو أثناء التصوير وهم (السلطات) يعرفونني، ويعرفون ماذا افعل. نحن دائماً في حرب مع القائمين على جهاز الرقابة. ولهذا فهناك خمس مستويات مختلفة من الرقابة، لأنهم يعرفون بأن السيناريو يمكن أن يتغير، لهذا يحاولون أن يحكموا رقابتهم في مستويات أخرى. الرقابة تمنعنا من تصوير لقطات قريبة للنساء في الفيلم. حتى وان كانت المرأة ترتدي حجاباً. في فيلم " كبّه " الشخصية الرئيسية هي امرأة .. كيف يمكن أن تصنع فيلماً دون أن تأخذ لقطات قريبة للشخصية الرئيسية ؟. هذا سخف. أليس هذا سخفاً ؟.


- من الواضح انك لا تذعن للضغوط (هناك الكثير من اللقطات القريبة الجميلة لوجه " كبّه") .. من هم هؤلاء الناس في اللجان؟ فنانون، بيروقراطيون، ملالي ؟


هم خليط من كل هؤلاء.


- أنتج " كبّه " بمساعدة من وزارة الثقافة الفرنسية. وفي الواقع هو التعاون الإيراني / الفرنسي الأول من نوعه بعد الثورة على ما أعتقد، أليس من المفارقة أن تخرج فيلماً عن قبائل الرحل التقليدين بينما لا يُعرض الفيلم إلا في الغرب؟


عندما بدأت لم أكن أعرف ان الفيلم سيُمنع. انني حين أبدأ في إخراج فيلم ما أفكر في شعبي، ثقافتي، ولا أقول لنفسي: " أوه، هذا الفيلم يناسب الجمهور في الغرب". اني لا أفكر هكذا، هناك الكثير من المشاكل التي تواجه المخرجين في إيران، ولكنني أحب شعبي، ثقافتي، أحب المتفرج الإيراني. هم يفهمون أفلامي رغم وجود الكثير من المشاكل. في العام الماضي ( 1995 ) مليون متفرج شاهد فيلم " سلاماً أيتها السينما " وخلال أحد العروض خرج بعض الناس وتظاهروا وقذفوا الحجارة على الشاشة. كان من المفترض أن يعرض الفيلم في عدد كبير من دور العرض المختلفة ولكن بعد تلك الحادثة لم يعرض إلا في دور عرض محدودة .

- ماذا عن الفيديو؟ هل النسخ غير القانونية لأفلامك الممنوعة تجد طريقها إلى إيران؟


نعم هذا يحدث بالتأكيد.


- ولكن هل تعرف ما هو رد فعل المتفرجين الإيرانيين تجاه فيلم " كبّه " ؟


حتى الآن لا أعرف.


- إذن أنت في مشكلة مع النظام؟


مهمة المخرج هي تحقيق الأفلام، وعندما يعجز عن ذلك يقع في مأزق .


- في الغرب، قبائل الرحل والغجر عادة ما يكونون رومانتيكيين، هل الحالة نفسها موجودة في إيران؟


ان حريتهم، وحبهم للحياة، وقيمهم الروحية، هي التي تثير الإعجاب في إيران .


- هل ترى نفسك واحداً من هؤلاء الرحل ؟


لقد أصبحت أعيش مثلهم. ولكن اعتقد ان الاختلاف بيني وبينهم هو انهم يمكثون أكثر وأكثر في مكان واحد بينما أنا مسافر دائماً.


- كيف حدث وأن أجريت تغييراً جذرياً في أجواء المكان، فمن المدينة في " سلاماً أيتها السينما " حيث الناس متأثرين بالثقافة الغربية - كل تلك الإشارات إلى نجوم هوليوود (بيرت لانكستر، مارلين مونرو وآخرين) إلى قبائل الرحل في جنوب شرقي إيران حيث القصص الأكثر نقاءً والأقل اتصالاً بالتأثيرات الخارجية؟.


أردت إظهار جمال حياة الريف - الأنهر، الجبال، الحياة خارج المدينة، التي حُرم منها أهل المدن. في فيلم " سلاماً أيتها السينما " أردت أن أقدم ملاحظات نقدية على سوء استخدام السلطة، وأبين كيف يقود الجشع للسلطة إلى الفاشية. ولكن هدفي في " كبّه " كان الاحتفاء بجمال الحياة. الأول كان عملاً نقدياً والآخر كان احتفالياً.

ولكن لا يزال هناك عنصر قوي من عناصر السلطة في " كبّه " وتحديداً شخصية الأب البطريركي الذي يحاول التحكم في حياة ابنته، ولكن لكونهما لم يُقتلا في نهاية الفيلم فافترض ان المسألة اقل تشاؤمية .

أحاول وصف الواقع، وليس الفردوس. فالشوفينية والسيطرة هي جزء من حياة قبائل الرحل ولا أحد ينكر هذا ، إنما في فيلم " سلاماً أيتها السينما " كنت أتعامل بشكل أكبر مع مفهوم الفاشية المحضة ، في حين تضمن فيلم " كبّه " بعض الأمل.

- هل تقاليد السرد القصصي لا تزال موجودة في إيران؟


الحكايات الشعبية لا تزال تمثل جزءاً هاماً من الحياة. ان أكبر اختلاف بين السينما الإيرانية والغربية هو ان تطور السينما في الغرب بدأ مع الفن التشكيلي ومن ثم التصوير وصولاً إلى السينما - كان تطوراً عبر " الصورة ". في الغرب، هناك أكثر من تقليد للفنون المرئية، ولكن في الشرق، فان تقاليد المنمنمات الفارسية لم تترك أثراً يذكر على السينما. في بداية العصر الإسلامي لم تحط الفنون التشكيلية بالتشجيع الكافي، لذا فان تقاليد " الصورة " عندنا ليست قديمة مثل تقاليد الشعر. هناك قصة متداولة عن الرسام الإيراني الكلاسيكي الشهير (كمال الملك) الذي ذهب إلى فرنسا إبان ازدهار التعبيرية ولكنه لم يستطع ان يتفهم النمط الجديد فقد كان مختلفاً جداً عن التقاليد الكلاسيكية. لن تجد في إيران تقاليد مهمة في الفن التشكيلي. وربما لو كان عندنا هذا التقليد لكانت السينما أكثر تقدماً. ولكان عندنا تاريخ أطول في الفنون البصرية. ولكن على الجانب الآخر، اعتقد ان هذه الحداثة .. هذه الطراوة في العمل - البساطة والمباشرة والصور القوية - هي التي منحت السينما الإيرانية جاذبيتها. لقد انتقلنا مباشرة من الحكاية إلى السينما، وقصصنا الشعبية شاعرية جداً، وهذا ما أردت إبرازه في فيلم " كبّه ". فالتعبير الإنساني يأخذ أشكالاً متعددة، والرّحل يعبرون عن الأشياء من خلال النسج وسرد الحكاية. ان تقاليدنا القصصية الشاعرية مرتبطة بفلسفتنا، ويمكن أن تجد هذا عند الشعراء البارزين أمثال سعدي وحافظ الشيرازي.

قصة العاشقين في فيلم " كبّه " تجعلني أستحضر الكثير من القصص المشابهة مثل "ليلى والمجنون " حيث يتوجب على العاشقين أن يواجها الكثير من الصعاب من اجل أن يكونا معاً. لقد لاحظت ان في الشرق الأوسط تقليد سرد هذا النوع من القصص بنهايات جديدة ومختلفة حتى يمكن أن تعاد القصة مرة أخرى.

*نعم هذا صحيح، ولكن نهاية فيلم " كبّه " ليست بالضبط نهاية تقليدية سعيدة، فالأب، رغم انه لم يقتل العاشقين، إلا انه اغتال آمال بقية الأخوات اللواتي قد يفكرن في الهرب، وبذلك وضعهن في سجن من نوع آخر.


- إذن هي ليست بنهاية رومانتيكية ؟


كلا، انها في مكان ما بين الرومانسية والواقعية. وهذا ما أردت إبرازه. ولكنه عندما يضرب السجادة، فكأنما يضرب المرأة.

*نعم " كبّه " هو اسم المرأة والسجادة.


- إذن هل ترى بأن الانتقال من أسلوب الحكاية الشعبية، كما في " ليلى والمجنون" في فيلم " كبّه " ، هو في التركيز على المرأة بشكل أكبر من الرجل؟


نعم، هذه هي النقطة، الذهنية الشوفينية مترسخة جداً في إيران، حتى في أدبنا تجد ان الرجل في قصص العشاق هو المحور الحقيقي للحكاية في أغلب الأوقات، وان القصة بأكملها تدور حول شخصيته. عندما عرض فيلم " سلاماً أيتها السينما " في إيران كانت نسبة المشاهدين من النساء حوالي 20%، ونسبة الرجال 80%. في " كبّه " حيث حاولت أن أقدم امرأة لا تمثل دور المحبوبة أو " الغاية " فقط، بل امرأة تحب وتشارك أيضاً في خلق الحكاية، اعتقد ان النسبة السابقة يمكن أن تنقلب عكسياً (إذا رفع الحظر عن الفيلم) .


- إذن أنت في " كبّه " هدمت بنية الحكاية الشعبية حيث الرجل هو الموضوع والـمرأة هي " الغاية “؟


بالتأكيد. من المهم أيضاً ملاحظة ان النساء هن بالأساس اللائي ينسجن السجاجيد. إنهن بهذه الوسيلة يعبرن عن حكاياتهن، وعن رؤيتهن للعالم.


- إذن النساء يواصلن سرد الحكايات الشعبية عبر النسج عوضاً عن الكلام ؟


نعم. فهن لا يملكن حرية الكلام ويبحثن عن وسائل أخرى للتعبير. لقد حاولت أن أعبر عن قصصهن من خلال هذا الفيلم، والتحدث عنهن عبر تمازج لغتهن مع لغة السينما.


- باعتقادك ماذا سيكون رد فعل الرجال الإيرانيين إذا ما رفع الحظر عن الفيلم ؟


في الواقع ان الشوفينية ليست مشكلة مقتصرة على إيران فحسب، انها مشكلة عالمية. ولكن ما لاحظته في بعض الرجال الإيرانيين الذين شاهدوا الفيلم في إيران والخارج، هو انهم حاولوا إنكار قضية المرأة، وعلى العكس أرادوا رؤية الفيلم كقصة حب عادية. حتى الآن لاحظت بأن النساء أعجبن بالفيلم أكثر من الرجال.


- حين يضرب الرجل السجادة في نهاية الفيلم من الواضح انه لا يضرب المرأة أو ينكرها فحسب ولكنه يضرب الثقافة، التقاليد، الحكاية أيضاً. أليس هذا نوعاً من النقد للوضع الحالي في إيران. فمنذ قيام الثورة والثقافة الشعبية - الشعر والموسيقى على سبيل المثال - انتقص حقها، أو اعتبرت عملاً من أعمال الشيطان؟

صحيح. هناك عنصر من هذا في نهاية الفيلم.


- في الجانب الوثائقي، هل الحقيقة مهمة بالنسبة لك أم ان الحكاية هي أكثر أهمية كما في أسلوب القص الإيراني التقليدي؟


مفهومي للوثائقية الآن هو ما أطلق عليه " الواقعية الشعرية ". في "سلاماً أيتها السينما " على سبيل المثال بدأت بأسلوب وثائقي محض - كل شيء كان حقيقيا في الشارع - ومن ثم انتقلت إلى الأسلوب الحكائي. بينما في " كبّه " بدأت بحكاية تحوّلت إلى وثيقة . كنت أرى كل حادثة بوجهتي نظر مختلفتين. بالنسبة لي، عندما أرى فيلماً، فمن الضروري جداً أن أصدقه. وأن يكون للفيلم حكاية قابلة للتصديق. فإذا لم يكن هذا الفيلم قريباً للواقع فانني لا أستطيع تصديقه، أو الوثوق فيه، أو التأثر به. في " كبّه " دمجت على الأقل ثلاثة أساليب مختلفة لمحاولة الوصول إلى واقعية معينة. الأول: هو أن على الممثلين أن يكونوا أناساً عاديين يمثلون بأسلوب واقعي. وان كانت القصة نفسها ليست واقعية جداً - انها شاعرية تُروى بأسلوب الشفرات. وبعد ذلك تأتي أهمية الألوان، فقد أردت أن أصنع فيلماً متحرراً من الأشكال لخلق عالم نابض بالحياة. أردت التأكيد على الحياة والألوان. أعتقد بأنه لا تزال هناك اختلافات كبيرة بين الشرق والغرب في كيفية تعاملهم مع الألوان. في الغرب، الألوان عادة ما تمتزج معاً بتناغم، لتكمل بعضها البعض، أما في الشرق، فهي في تباين مع بعضها البعض - كما في الثياب التي يرتديها قبائل الرحل .. كل لون ينفرد بذاته، له نقاوته وخصوصيته، وأيضاً غروره.


- هل الحياة في إيران ملوّنة جداً الآن ؟


ليس في المدن .. المدن متشحة بالسواد نتيجة للأوضاع السياسية.


- هل تعتقد بأن السينما يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة بعض اللون إلى الحياة الإيرانية ؟


أود أن أعتقد ذلك، ولكني حقاً لا أعلم. أغلب أفلامي تُعرض في الخارج، وليس في إيران.


- أليس دور الحكومة في الإنتاج أصبح اقل أهمية في الوقت الذي يزداد فيه الإنتاج الدولي المشترك؟


من الصعب قول ذلك، لأن الحكومة الإيرانية تدرك حقيقة ان السينما الإيرانية أصبحت معروفة في الخارج، ولكنها خائفة أيضاً من سطوتها. تستطيع أن تقول بأن السينما الإيرانية واقعة بين الشاعرية والرقابة. ففي جانب هناك جمال وشاعرية أفلامنا، وتقف الرقابة على الجانب المظلم الآخر.


-هل يعود الشعب الإيراني الآن إلى جذوره و تقاليده الثقافية بشكل أكبر، في ظل النزعات الثورية المضادة للثقافة؟


في الواقع هذا ما يحدث بشكل من الأشكال. على سبيل المثال، كثير من سكان المدن لا يزورون القرى على الإطلاق، ولكنهم يحبون رؤية القرى على الشاشة، بكل ألوانها.. وهم يحبون أن يستمعوا للقصص الشعبية القديمة وللقصائد.

- إلى جانب تأثير الحكاية الشعبية وتأثيراتك الخاصة كمخرج ، هل هناك أية مؤثرات واعية في فيلم " كبّه" لنوع من الأفلام أو لأسلوب سينمائي معين ؟


السينما الإيرانية متأثرة بالسينما الواقعية الجديدة الإيطالية والموجة الجديدة في فرنسا. ولكن " كبّه " فيلم إيراني بحت يمثل إبداعي الشخصي. من المحتمل ان فيلم " كبّه " سيدشن بداية حقبة جديدة تسمى " الواقعية الشعرية الإيرانية ".


- لكن على الرغم من الجمال والشاعرية في هذا الفيلم، فلا يزال هناك شعور متردد بالحزن والأسى، هل تشعر بالتفاؤل إزاء الوضع في إيران؟


من المحتمل وجود شعور بالأسى في " كبّه "، ولكن الأسى هنا جزء من الواقع وحسب. الفيلم بأكمله يستند على الجمال والأمل، والاحتفاء بالحياة. ان إيصال هذا الشعور هو حقاً أحد الأهداف الرئيسية للفيلم. عندما تخرج فيلماً انطلاقاً من وجهة نظر سياسية خالصة فالمشهد سيكون أكثر إظلاماً .. كل شيء هنا أسود وأبيض، ولكن عندما تنطلق من شعورك ببهجة جمال الحياة اليومية فسترى مكاناً أكبر لكثير من الألوان.



هوامش:

(1) من الأسماء المهمة الأخرى في السينما الإيرانية: عباس كيارستمي مخرج ثلاثية (أين منزل صديقي؟/ وتستمر الحياة/ تحت أشجار الزيتون) والذي حاز فيلمه الأخير " طعم التوت " على جائزة السعفة الذهبية مناصفة في مهرجان كان السينمائي 1997 ، وداريوش مهرجوي مخرج فيلم ( البقرة ) وفيلم (دائرة الحياة) ، ورخشان بني اعتماد مخرجة فيلم ( نرجس ) و ( خارج الحدود) ، مجيد ميروماند مخرج فيلم (العداء) ، جعفر بنائي مخرج فيلم (البالونة البيضاء) ، بوران درخشانده مخرجة فيلم ( الزمان المفقود) ، مجيد مجيدي مخرج فيلم (الأب) ومعظم أفلامهم حازت على جوائز في مهرجانات عالمية. (م)

(2) أنظر " الجمال والحرية في السينما الإيرانية " - أمير طاهري - جريدة الشرق الأوسط - العدد 6468 - 13 أغسطس 1996 .


0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email