عودة إلى "يوليوس قيصر"


ثمة تشابه واضح وملموس في موضوع كل من مأساة "هاملت" و "يوليوس قيصر" ، على أساس أن كلا العملين يعبران عن فكرة سياسية واضحة ، وبالتالي يمكن للدارس أن يصنفهما ضمن المآسي السياسية. يبدو ذلك واضحاً من خلال الاستيلاء على السلطة عن طريق قتل الملك هاملت في المأساة الأولى و الاغتيال السياسي للقيصر في المأساة الرومانية الثانية و إقامة نظام جمهوري جماعي بدلاً من نظام قيصري فردي. وبإمكاننا أن نعزي هذا الشبه بين موضوع المسرحيتين كمأساتين سياسيتين إلى أن فكرة الاغتيال السياسي كانت تستحوذ على فكر شكسبير. وربما ظلت هذه الفكرة تمثل هاجساً بالنسبة له خصوصاً و أن العملين قد تم إنجازهما في فترة متقاربة بين العامين 1599 و 1601 بعد أن تم عرضهما وبالتالي فإن كتابتهما ربما قد تمت كتابتهما قبل ذلك بوقت قصير.


إن دارسة "مأساة يوليوس قيصر" قد تضع الدارس للوهلة الأولى في حيرة بشأن ما قصده شكسبير عندما كتب هذه المسرحية المستمدة من أحداث واقعية من التاريخ الروماني كما فعل سابقاٌ مع غيرها من المسرحيات الرومانية التاريخية. فموضوعها الرئيسي هو " قيصر والقيصرية" على حد تعبير الأستاذ الراحل جون دوفر ولسون. و ربما يقع الدارس في نفس الوهم الذي وقع فيه أيضاً كبير الأمناء في بلاط الملكة إليزابث ، أو حامل أختام الملكة كما كان يحلو للبعض أن يطلق عليه ، الذي كان من بين مهامه الاطلاع على نصوص الأعمال المسرحية قبل تقديمها للجمهور على خشبة المسرح . بعبارة أخرى ، كان "اللورد تشامبرلين" هو رئيس الرقابة على الأعمال المسرحية إذ كان هناك من يعمل تحت إمرته و يساعده في تقييم النصوص. كانت حيرة هذا الرقيب نابعة من التساؤل عما إذا كان شكسبير معادياً للملكية ، بدليل أنه قد صور مقتل بطله وهو بمثابة ملك على مرأى من الناس بدلا من الاكتفاء برواية المشهد . غير أن المتعمق في دراسة هذه المأساة لن يخفى عليه أن شكسبير لم يكن من المعادين للملكية ، بدليل أنه كان متعاطفاً مع شخصية قيصر وقد صوره كبطل مجني عليه كما صور خصومه كقتلة وأسماهم بالمتآمرين في بيان شخصيات المسرحية ، يتزعمهم في ذلك برتوس و كاسيوس وهما من بين مناصري المبدأ الجمهوري الذين كانوا يخشون أن يتحول قيصر إلى حاكم مستبد ، وكانوا يجاهرون بأن قيصر كان " طموحا " ، وكان هذا مجرد تورية تخفي وراءها نظرية الاستبداد والحكم الفردي . ولعله من المفارقات أنه لم يدر بخلد أي من المتآمرين أنه بعد مقتل يوليوس قيصر لن تتحول روما إلى جمهورية ديمقراطية و إنما سيتم تثبيت النظام الإمبراطوري من خلال قيادة ثلاثية وأن مصيرهم سيكون الهلاك بسبب غلبة الطرف الآخر الذي نظر إليهم كقتلة ومتآمرين.



تعتبر مسرحية "يوليوس قيصر" أكثر المآسي تعبيراً عن الموضوعات السياسية. فهي بحق مأساة سياسية بالدرجة الأولى ربما لأنها تعالج السياسة بشكل مباشر لا لبس فيه أكثر من غيرها من المآسي الكبرى : هاملت ، مكبث و الملك لير. و من المفارقات الغريبة أن هذه المأساة بالرغم من تناولها لموضوعات على قدر كبير من التعقيد ، فهي في ذات الوقت يمكن أن تعتبر من أكثر المآسي التي يمكن دراستها وفهمها لوضوح رؤيتها و سهولة بنائها الدرامي ، ناهيك عن بساطة لغتها . وربما لهذا السبب ، كانت المسرحية تقرر على طلاب المدارس الثانوية في بعض البلاد الناطقة بالإنجليزية.


و يعتقد أن وليم شكسبير كتب هذه المسرحية عام 1599 ، كما بينا ، أو قبله حيث يمكن أن يستدل على ذلك من تاريخ أول عرض لها في خريف ذلك العام على مسرح الــ"جلوب" بلندن. و كعادته فقد استمد شكسبير مادته التاريخية من كتاب "السير" للكاتب الإغريقي بلوتارك بترجمة إلى اللغة الإنجليزية عن نسخة فرنسية قام بها السير توماس نورث الذي يعتبر واحداً من المصادر الرئيسية للمسرحيات الرومانية التي قام شكسبير بتأليفها. و يعتقد بعض الباحثين كالأستاذ تي إس دورش ، أحد محققي نص المسرحية ، أن شكسبير في تناوله لمادة مسرحيته لم ينقلها عن بلوتارك كما وردت بأكملها ، و إنما كان عليه أن يختار من الأحداث حسبما تقتضي الضرورة الدرامية لحبكته من خلال إجراء التغييرات اللازمة على الأحداث و طبيعة شخوصها حتى أنه قد تناول بعض التفصيلات المتعلقة بتكوين شخصية يوليوس قيصر كمعاناته من صمم في إذنه اليسرى و جعله يقع ضحية للمرض في لحظة حرجة . وكان دافع شكسبير من ذلك هو التأكيد على الطبيعة الإنسانية لشخصية يوليوس قيصر الذي لم يكن فوق مصاف البشر .


بالرغم من بساطة فكرتها و وضوح موضوعها كمادة سياسية ، إلا أن "يوليوس قيصر" أثارت إشكالية عند عرضها ، تتعلق بموضوع الاغتيال السياسي لرأس الدولة ، وبشكل خاص عندما تتم عملية الاغتيال هذه بوحشية على خشبة المسرح على مرأى من جمهور المتفرجين مما أثار بعض المصاعب مع الرقابة في ذلك الوقت .


تبدأ المسرحية التي تقع في خمسة فصول باثنين من القضاة المدافعين عن حقوق الشعب يقومان بتوبيخ المواطنين الرومان لقيامهم بعبادة قيصر دون تبصر. وتكشف لنا محادثتهم المخاوف الدفينة من تزايد سلطة قيصر، وغطرسته ، وأنه لا بد من وضع حد لهذا السلوك. فيقوم القاضيان بإزالة النياشين عن صدر تمثال قيصر بالرغم من خطورة هذا العمل.


وفي المشهد الثاني نرى موكب قيصر يجتاز شوارع روما عندما يقوم أحد العرافين بتحذيره من منتصف مارس حيث سيلقى حتفه ، إلا أن قيصر يتجاهل هذا التحذير لعدم إيمانه بهذه النبؤات. وفي هذه الأثناء يبدأ الإعداد لمؤامرة التخلص من قيصر من قبل المتآمرين عندما يقوم كاسيوس بمفاتحة بروتس ، صديق قيصر المقرب ، للانضمام إليهم بحجة أن قيصر أصبح شديد السطوة . ولا يستجيب بروتس في الحال لهذه الدعوة الخبيثة بسبب شكوكه في دوافع كاسيوس ويطلب منه مهلة للتفكير في أمره. ويقوم كاسكا ، أحد عصبة المتآمرين ، بالكشف عن معلومات توحي لبروتس أن قيصر يزداد طموحاً. كان هدف المتآمرين من انضمام بروتس إليهم هو إضافة مصداقية لأهدافهم.

نرى في الفصل الثاني بروتس شديد القلق ، مما يسبب له أرقاً نتيجة لمخاوفه من تعاظم سلطة قيصر. ويجتمع المتآمرون في منزل بروتس بعد أن قر قراره على الانضمام إلى عصبتهم ليتداولوا في أمر اغتيال قيصر بعد أن قام سنا بدس رسائل مزورة بأمر من كاسيوس ليجدها بروتس مقنعة وتعجل بانضمامه إليهم ، إلا أنه يرفض اغتيال مارك أنتوني الساعد الأيمن لقيصر .


تقوم كالبورنيا ، زوجة قيصر ، بإيقاظه من نومه مذعورة بعد أن حلمت بكابوس يتنبأ بنهايته وتنجح مؤقتاً في إقناعه بالعدول عن الذهاب إلى مجلس الشيوخ في اليوم التالي الذي يصادف منتصف مارس. ويقف العراف الذي سبق له أن حذر قيصر من الخطر المحدق به ، إلا أن قيصر يصرف العراف في الفصل الثالث قائلاً له "إن هذا هو منتصف مارس ولم يحدث له إي أذى ، إلا أن العراف ينبئه أن اليوم لم ينته بعد . وفي مجلس الشيوخ يقوم المتآمرون بتنفيذ مخططهم ، ويفر مارك أنتوني موهماً القتلة بأنه صديق لهم ، ويطلب منهم فيما بعد السماح له بإلقاء خطبة في جنازة قيصر. وبعد قيامه بإلقاء خطبته المثيرة التي يؤلب فيها أهل روما على المتآمرين يقوم هؤلاء ون بالهجوم على المتآمرين ويجبرونهم على الفرار فزعين بمن فيهم بروتس وكاسيوس . وفي سورة غضب يقوم الرعاع بقتل شاعر يدعى سنا ظناً منهم أنه ، أحد المتآمرين . (يكشف لنا هذا نظرة شكسبير الثاقبة عن عقلية الرعاع الذين تحكمهم العواطف وكيف يفتقرون إلى التعقل والمنطق).


في الفصل الرابع يشكل الثلاثي المكون من أوكتافيوس ومارك أنتوني وليبيدس الذين يشكلون قيادة جماعية بالرغم من أن السلطة الفعلية تبقى بيد أوكتافيوس وأنتوني . ويقرر الرجلان من سيبقى من المتآمرين ، ويشنان حرباً على قوات كاسيوس وبروتس اللذين يدب الخلاف بينهما، مما أدى إلى هزيمتهما . وفي حربه على المتآمرين وهزيمتهم يطالب أنتوني بإلقاء القبض على بروتس حياً أو ميتاً ، وعندما يعلن عن انتحاره يقول في رثائه بأن "هذا الروماني كان الأكثر نبلاً من بينهم جميعاً " .


يتبين لنا من خلال هذا العرض لحبكة المسرحية تركز أحداثها حول موضوع واحد هو اغتيال قيصر ، وعلى العكس من الكثير من أعمال شكسبير لا توجد حبكات جانبية أو ثانوية . أما الشخوص الرئيسة فجميعها متساوية في الأهمية كقيصر وأنتوني و بروتس وكاسيوس حيث يمثل كل منهم قيماً مختلفة ويمتاز بشخصية منفردة تميزه عن الآخرين. إلا أن هناك من النقاد المحللين من يعتقد أن بروتس هو البطل الفعلي لهذا العمل نظراً لقبوله المشاركة في الجريمة بعد تردد وصراع طويل حول أمور شخصية بسبب صداقته لقيصر من جهة و مبادئه السياسية المؤمنة بالنظام الجمهوري مقابل الاستبداد الفردي من جهة أخرى حسبما يرى محقق العمل تي إس دورش.

تمتاز هذه المسرحية بوضع فريد من بين جميع مسرحيات وليم شكسبير لكون بطل المسرحية المفترض يولويس قيصر الذي تسمت المسرحية باسمه يختفي من على مسرح الأحداث قبل نهاية الفصل الثالث. فبعد الحادث البشع لاغتياله في مجلس الشيوخ في روما يظل اسمه يتردد حتى النهاية ، و تبقى روحه مهيمنة على الأحداث ، مما يعني أنه الحاضر الغائب كما يحلو للبعض ـأن يقول . فبمجرد الخلاص من قيصر ونجاح المتآمرين في تحقيق مآربهم تدور الدوائر عليهم ويبدأ الخلاف ينشب بينهم ، كأنما القدر لم يمهلهم طويلا قبل أن يتم الانتقام لمقتل قيصر.


وتظل مسألة اغتيال قيصر أو جريمة اغتياله هي الشغل الشاغل طوال المسرحية و تحتل بؤرة الأحداث ، بحيث أصبحت هي المحور الرئيسي فقد استطاع شكسبير ببراعة تامة أن يجعل من فكرة الاغتيال الموضوع الرئيسي الذي تبوأ مركز الأحداث كأنما أراد لها شكسبير أن تكون الفكرة المحورية المحسوسة وإن كانت غير مجسدة في ظل غياب يولويس قيصر نفسه.


كان موضوع التنبؤ بالغيب وقراءة الطالع أو العرافة على ما يبدو مهنة رائجة منذ القدم. فحتى في عصرنا الحديث ، نجد من بين الساسة والقادة من يؤمن بقراءة البخت وكشف الغيب إلى درجة أن البعض منهم لا يقدم على عمل دون استشارة عراف أو عمل استخارة. لذا فإننا نجد أن العراف في هذا العمل يلعب دوراً مهماً في الكشف عن سير الحدث المتمثل في التمهيد لاغتيال القيصر كأنما أراد شكسبير من هذا الأمر بالإضافة إلى الحلم الذي رأته كالبورنيا أن يساعد المشاهد على الكشف عن جانب من شخصية قيصر المتمثلة في عدم إيمانه بالخرافات والغيب. فقد تحدى مصيره بإصراره على الذهاب إلى مجلس الشيوخ يوم الخامس عشر من مارس ليلقى مصيره على أيدي القتلة المتآمرين. وعندما تحذره كالبورنيا يرد عليها :


قيصر : كيف يمكن للمرء أن يتفادى

نهاية كتبتها الآلهة العظيمة ؟

مع ذلك سيمضي قيصر : فهذه التنبؤات

هي للعالم بشكل عام كما هي لقيصر.

كالبورنيا : عندما يموت الفقراء ؛ لا يمكننا أن نرى نجوما مذنبة

إلا أن السموات تشتعل عندما يموت الأمراء

قيصر : يموت الجبناء مرات قبل أن يلاقوا حتفهم

أما الشجاع فلا يذوق طعم الممات سوى مرة واحدة

من بين جميع العجائب التي سمعت عنها ، يبدو

لي أن أكثرها إثارة للعجب أن يهاب الرجال ،

فعندما نرى الموت ، نهاية حتمية،

فلا بد أن يأتي ، عندما يأتي.

(الفصل 2 ، المشهد 2 )

أبدى "كبير الأمناء" ، "اللورد تشامبرلين" ، في بلاط الملكة إليزابث اعتراضاً و تحفظاً على مشهد اغتيال قيصر ، مما أدى إلى التقليل من عرضها في العصر الإليزابيثي. وربما كان مرد ذلك فهمه أنها تبيح عملية اغتيال الملك و هو من المحرمات في النظام الملكي ، على أساس أن للملك قدسية لا يمكن المساس بها فما بالك بعملية اغتياله التي تعتبر جريمة لا تغتفر. إلا أنه باستتباب النظام الملكي في بريطانيا بعد انتهاء حقبة كرومويل الجمهورية ، كثر عرض هذه المأساة خصوصاً في القرن التاسع عشر . أما في القرن العشرين فلا يكاد يمر عام دون أن يكون هناك عرض لها لأنها كانت تمثل إغراء لا يقاوم بالنسبة للممثلين و المخرجين ، لتجسيد شخصيات قيصر وأنطوني و بروتس . كذلك فقد حظيت بعدة إنتاجات سينمائية و تليفزيونية شارك فيها نجوم المسرح و السينما من أمثال مارلون براندو و شارلتون هوستون و سير جون جيلجود وغيرهم.

ولا بد للمشاهد ودارس هذه المسرحية أن يتبين أن الطريقة الوحشية التي تم من خلالها الإجهاز على قيصر قد ألبت الناس على المتآمرين بدلاً من التعاطف معهم وفهم قضيتهم. ورغم المبررات التي حاول المتآمرون التستر وراءها - ربما بحسن نية فيما يتعلق ببروتس فقط - فإن وحشية الانقضاض على قيصر وهو الأعزل الذي لم يتمكن من الدفاع عن نفسه تثيرنا وتجعلنا نحس بالاشمئزاز للطريقة الوحشية التي تمت فيها عملية الاغتيال ، والتي تعبر عن الغدر و الجبن في ذات الوقت. فعمليات الاغتيال السياسية مهما كانت مبرراتها لا يمكن قبولها في أغلب الأحيان. وهذا دليل على أن شكسبير لم يكن متعاطفاً مع القتلة كما أنه لم يكن من المعادين للنظام الملكي.

ويخيل إلينا أن الرقيب في عهد شكسبير أساء فهم ما كان يرمى إليه شاعرنا الدرامي من عملية القتل وتجسيدها على المسرح. فعملية الاغتيال