عودة إلى "يوليوس قيصر"

 

ثمة تشابه واضح وملموس في موضوع كل من مأساة "هاملت" و "يوليوس قيصر" ، على أساس أن كلا العملين يعبران عن فكرة سياسية واضحة ، وبالتالي يمكن للدارس أن يصنفهما ضمن المآسي السياسية. يبدو ذلك واضحاً من خلال الاستيلاء على السلطة عن طريق قتل الملك هاملت في المأساة الأولى و الاغتيال السياسي للقيصر في المأساة الرومانية الثانية و إقامة نظام جمهوري جماعي بدلاً من نظام قيصري فردي. وبإمكاننا أن نعزي هذا الشبه بين موضوع المسرحيتين كمأساتين سياسيتين إلى أن فكرة الاغتيال  السياسي كانت تستحوذ على فكر شكسبير. وربما ظلت هذه الفكرة تمثل هاجساً بالنسبة له خصوصاً و أن العملين قد تم إنجازهما في فترة متقاربة بين العامين 1599 و 1601 بعد أن تم عرضهما وبالتالي فإن كتابتهما ربما قد تمت كتابتهما  قبل ذلك بوقت قصير.

 

إن دارسة "مأساة يوليوس قيصر" قد تضع الدارس للوهلة الأولى في حيرة بشأن ما قصده شكسبير عندما كتب هذه المسرحية المستمدة من أحداث واقعية من التاريخ الروماني كما فعل سابقاٌ مع غيرها من المسرحيات الرومانية التاريخية. فموضوعها الرئيسي هو " قيصر والقيصرية" على حد تعبير الأستاذ الراحل جون دوفر ولسون. و ربما يقع الدارس في نفس الوهم الذي وقع فيه أيضاً كبير الأمناء في بلاط الملكة إليزابث ، أو حامل أختام الملكة كما كان يحلو للبعض أن يطلق عليه ، الذي كان من بين مهامه الاطلاع على نصوص الأعمال المسرحية قبل تقديمها للجمهور على خشبة المسرح . بعبارة أخرى ، كان  "اللورد تشامبرلين" هو رئيس الرقابة على الأعمال المسرحية إذ كان هناك من يعمل تحت إمرته و يساعده في تقييم النصوص. كانت  حيرة هذا الرقيب نابعة من التساؤل عما إذا كان شكسبير  معادياً  للملكية ، بدليل أنه قد صور مقتل بطله وهو بمثابة ملك على مرأى من الناس بدلا من الاكتفاء برواية المشهد . غير أن المتعمق في دراسة هذه المأساة لن يخفى عليه أن شكسبير لم يكن من المعادين للملكية ، بدليل أنه كان متعاطفاً مع شخصية قيصر وقد صوره كبطل مجني عليه كما صور خصومه  كقتلة وأسماهم بالمتآمرين في بيان شخصيات المسرحية ، يتزعمهم في ذلك برتوس و كاسيوس وهما من بين مناصري المبدأ الجمهوري الذين كانوا يخشون أن يتحول قيصر إلى حاكم مستبد ، وكانوا يجاهرون بأن قيصر كان " طموحا " ، وكان هذا مجرد تورية تخفي وراءها نظرية الاستبداد والحكم الفردي . ولعله من المفارقات أنه لم يدر بخلد أي من  المتآمرين  أنه بعد مقتل يوليوس قيصر  لن تتحول روما إلى جمهورية ديمقراطية و إنما سيتم تثبيت النظام الإمبراطوري من خلال  قيادة ثلاثية وأن مصيرهم سيكون الهلاك بسبب غلبة الطرف الآخر الذي نظر إليهم كقتلة ومتآمرين. 

 

 

تعتبر مسرحية "يوليوس قيصر" أكثر المآسي تعبيراً عن الموضوعات السياسية. فهي بحق مأساة سياسية بالدرجة الأولى ربما لأنها تعالج السياسة بشكل مباشر لا لبس فيه أكثر من غيرها من المآسي الكبرى : هاملت ، مكبث و الملك لير. و من المفارقات الغريبة أن هذه المأساة بالرغم من تناولها لموضوعات على قدر كبير من التعقيد ، فهي  في ذات الوقت يمكن أن تعتبر من أكثر المآسي التي يمكن دراستها وفهمها لوضوح رؤيتها و سهولة بنائها الدرامي ، ناهيك عن بساطة لغتها .  وربما لهذا السبب  ، كانت المسرحية تقرر على طلاب المدارس الثانوية في بعض البلاد الناطقة بالإنجليزية.

 

 

و يعتقد أن وليم شكسبير كتب هذه المسرحية عام 1599 ، كما بينا ،  أو قبله حيث يمكن أن يستدل على ذلك من تاريخ أول عرض لها في خريف ذلك العام على مسرح الــ"جلوب" بلندن. و كعادته فقد استمد شكسبير مادته التاريخية من كتاب "السير" للكاتب الإغريقي  بلوتارك بترجمة إلى اللغة الإنجليزية عن نسخة فرنسية قام بها السير توماس نورث الذي يعتبر واحداً من المصادر الرئيسية للمسرحيات الرومانية التي قام شكسبير بتأليفها. و يعتقد بعض الباحثين كالأستاذ تي إس دورش ، أحد محققي نص المسرحية ،  أن شكسبير في تناوله لمادة مسرحيته لم ينقلها عن بلوتارك كما وردت بأكملها ، و إنما كان عليه أن يختار من الأحداث حسبما تقتضي الضرورة الدرامية لحبكته من خلال إجراء التغييرات اللازمة على الأحداث و طبيعة شخوصها حتى أنه قد تناول بعض التفصيلات المتعلقة بتكوين شخصية يوليوس قيصر كمعاناته من صمم في إذنه اليسرى  و جعله يقع ضحية للمرض في لحظة حرجة . وكان دافع شكسبير من ذلك هو التأكيد على الطبيعة الإنسانية لشخصية يوليوس قيصر الذي لم يكن فوق مصاف البشر  . 

 

بالرغم من بساطة فكرتها و وضوح موضوعها كمادة سياسية ، إلا أن "يوليوس قيصر" أثارت  إشكالية عند عرضها ، تتعلق بموضوع الاغتيال السياسي لرأس الدولة ، وبشكل خاص عندما تتم عملية الاغتيال هذه بوحشية على خشبة المسرح  على مرأى من جمهور المتفرجين مما أثار  بعض المصاعب مع الرقابة في ذلك الوقت .

 

تبدأ المسرحية التي تقع في خمسة فصول باثنين من القضاة المدافعين عن حقوق الشعب يقومان بتوبيخ المواطنين الرومان لقيامهم بعبادة  قيصر دون تبصر. وتكشف لنا محادثتهم المخاوف الدفينة من تزايد سلطة قيصر،  وغطرسته ، وأنه لا بد من وضع حد لهذا السلوك. فيقوم القاضيان بإزالة النياشين عن  صدر تمثال قيصر بالرغم من خطورة هذا العمل.

 

وفي المشهد الثاني نرى موكب قيصر يجتاز شوارع روما عندما يقوم أحد العرافين بتحذيره من منتصف مارس حيث سيلقى حتفه ، إلا أن قيصر يتجاهل هذا التحذير لعدم إيمانه بهذه النبؤات. وفي هذه الأثناء يبدأ الإعداد لمؤامرة التخلص من قيصر من قبل المتآمرين عندما يقوم كاسيوس بمفاتحة بروتس ، صديق قيصر المقرب ، للانضمام إليهم بحجة أن قيصر أصبح شديد السطوة . ولا يستجيب بروتس في الحال لهذه الدعوة الخبيثة بسبب شكوكه في دوافع كاسيوس ويطلب منه مهلة للتفكير في أمره. ويقوم كاسكا ، أحد عصبة المتآمرين ،  بالكشف عن معلومات توحي لبروتس أن قيصر يزداد طموحاً. كان هدف المتآمرين من انضمام بروتس إليهم هو إضافة مصداقية لأهدافهم.

نرى في الفصل الثاني بروتس شديد القلق ، مما يسبب له أرقاً نتيجة لمخاوفه من تعاظم سلطة قيصر. ويجتمع المتآمرون في منزل بروتس بعد أن  قر قراره على الانضمام إلى عصبتهم ليتداولوا في أمر اغتيال قيصر بعد أن قام سنا بدس رسائل مزورة بأمر من كاسيوس ليجدها بروتس مقنعة وتعجل بانضمامه إليهم ، إلا أنه يرفض اغتيال مارك أنتوني الساعد الأيمن لقيصر . 

 

تقوم كالبورنيا ، زوجة قيصر ، بإيقاظه من نومه مذعورة بعد أن حلمت بكابوس يتنبأ بنهايته وتنجح مؤقتاً في إقناعه بالعدول عن الذهاب إلى مجلس الشيوخ في اليوم التالي الذي يصادف منتصف مارس. ويقف العراف الذي سبق له أن حذر قيصر من الخطر المحدق به ، إلا أن قيصر يصرف  العراف  في الفصل الثالث قائلاً له "إن هذا هو منتصف مارس ولم يحدث له إي أذى ، إلا أن العراف ينبئه أن اليوم لم ينته بعد . وفي مجلس الشيوخ يقوم المتآمرون بتنفيذ مخططهم ، ويفر مارك أنتوني موهماً القتلة بأنه صديق لهم ، ويطلب منهم فيما بعد السماح له بإلقاء خطبة في جنازة قيصر. وبعد قيامه بإلقاء خطبته المثيرة التي يؤلب فيها أهل روما على المتآمرين يقوم هؤلاء ون بالهجوم على المتآمرين  ويجبرونهم على الفرار فزعين بمن فيهم بروتس وكاسيوس . وفي سورة غضب يقوم الرعاع بقتل شاعر يدعى سنا ظناً منهم أنه  ، أحد المتآمرين .  (يكشف لنا هذا نظرة شكسبير الثاقبة عن عقلية الرعاع الذين تحكمهم العواطف وكيف يفتقرون إلى التعقل والمنطق).

 

في الفصل الرابع يشكل  الثلاثي المكون من أوكتافيوس ومارك أنتوني وليبيدس  الذين يشكلون قيادة جماعية بالرغم من أن السلطة الفعلية  تبقى بيد أوكتافيوس وأنتوني . ويقرر الرجلان من سيبقى من المتآمرين ، ويشنان حرباً على قوات كاسيوس وبروتس اللذين يدب الخلاف بينهما، مما أدى إلى هزيمتهما . وفي حربه على المتآمرين وهزيمتهم يطالب أنتوني بإلقاء القبض على بروتس حياً أو ميتاً ، وعندما يعلن عن انتحاره يقول في رثائه بأن "هذا الروماني كان الأكثر نبلاً من بينهم جميعاً " .

 

يتبين لنا من خلال هذا العرض لحبكة المسرحية تركز أحداثها حول موضوع  واحد هو اغتيال قيصر ، وعلى العكس من الكثير من أعمال شكسبير لا توجد حبكات جانبية أو ثانوية . أما الشخوص الرئيسة فجميعها متساوية  في الأهمية كقيصر  وأنتوني و بروتس وكاسيوس حيث يمثل كل منهم قيماً مختلفة ويمتاز بشخصية منفردة تميزه عن الآخرين. إلا أن هناك من النقاد المحللين من يعتقد أن بروتس هو البطل الفعلي لهذا العمل نظراً لقبوله المشاركة في الجريمة بعد تردد وصراع طويل حول أمور شخصية بسبب صداقته لقيصر من جهة و مبادئه السياسية المؤمنة بالنظام الجمهوري مقابل الاستبداد الفردي من جهة أخرى حسبما يرى محقق العمل تي إس  دورش.  

 

تمتاز هذه المسرحية بوضع فريد من بين جميع مسرحيات وليم شكسبير لكون بطل المسرحية المفترض يولويس قيصر الذي تسمت المسرحية باسمه يختفي من على مسرح الأحداث قبل نهاية الفصل الثالث. فبعد الحادث البشع لاغتياله في مجلس الشيوخ في روما يظل اسمه يتردد حتى النهاية ،  و تبقى روحه مهيمنة على الأحداث ، مما يعني أنه الحاضر الغائب كما يحلو للبعض ـأن يقول . فبمجرد الخلاص من قيصر ونجاح المتآمرين في تحقيق مآربهم تدور الدوائر عليهم ويبدأ الخلاف ينشب بينهم ، كأنما القدر لم يمهلهم طويلا قبل أن يتم الانتقام لمقتل قيصر. 

 

وتظل مسألة اغتيال قيصر أو جريمة اغتياله هي الشغل الشاغل طوال المسرحية و تحتل بؤرة الأحداث ، بحيث   أصبحت هي المحور الرئيسي فقد استطاع شكسبير ببراعة تامة أن يجعل من فكرة الاغتيال الموضوع الرئيسي الذي تبوأ مركز الأحداث كأنما أراد لها شكسبير أن تكون  الفكرة  المحورية المحسوسة وإن كانت غير مجسدة في ظل غياب يولويس قيصر نفسه.

 

كان موضوع التنبؤ بالغيب وقراءة الطالع أو العرافة على ما يبدو مهنة رائجة منذ القدم. فحتى في عصرنا الحديث ، نجد من بين الساسة والقادة من يؤمن بقراءة البخت وكشف الغيب إلى درجة أن البعض منهم لا يقدم على عمل دون استشارة عراف أو عمل استخارة. لذا فإننا نجد أن العراف في هذا العمل يلعب دوراً مهماً في الكشف عن سير الحدث المتمثل في التمهيد لاغتيال القيصر كأنما أراد شكسبير من هذا الأمر بالإضافة إلى الحلم الذي رأته كالبورنيا  أن يساعد المشاهد على الكشف عن جانب من شخصية قيصر المتمثلة في عدم إيمانه بالخرافات والغيب. فقد تحدى مصيره بإصراره على الذهاب إلى مجلس الشيوخ يوم الخامس عشر من مارس ليلقى مصيره على أيدي القتلة المتآمرين. وعندما تحذره كالبورنيا يرد عليها :

 

قيصر : كيف يمكن للمرء أن يتفادى

نهاية كتبتها الآلهة العظيمة ؟

مع ذلك سيمضي قيصر : فهذه التنبؤات

 هي للعالم بشكل عام كما هي لقيصر.

كالبورنيا : عندما يموت الفقراء ؛ لا يمكننا أن نرى نجوما مذنبة

إلا أن السموات تشتعل عندما يموت الأمراء

قيصر : يموت الجبناء مرات قبل أن يلاقوا حتفهم

أما الشجاع فلا يذوق طعم الممات سوى مرة واحدة

من بين جميع العجائب التي سمعت عنها ، يبدو

لي أن أكثرها إثارة للعجب أن  يهاب الرجال ، 

فعندما نرى الموت ، نهاية حتمية،

فلا بد أن يأتي ، عندما يأتي.

(الفصل 2 ، المشهد 2 ) 

 

 أبدى "كبير الأمناء" ، "اللورد تشامبرلين" ، في بلاط الملكة إليزابث اعتراضاً و تحفظاً على مشهد  اغتيال قيصر ،  مما أدى إلى التقليل من عرضها في العصر الإليزابيثي. وربما كان مرد ذلك  فهمه أنها تبيح عملية اغتيال الملك و هو من المحرمات في النظام الملكي ، على أساس أن للملك قدسية لا يمكن المساس بها فما بالك بعملية اغتياله التي تعتبر جريمة لا تغتفر.  إلا أنه باستتباب النظام الملكي في بريطانيا بعد انتهاء حقبة كرومويل الجمهورية ، كثر عرض هذه المأساة خصوصاً في القرن التاسع عشر . أما في القرن العشرين فلا يكاد يمر عام دون أن يكون هناك عرض لها لأنها كانت تمثل إغراء لا يقاوم بالنسبة للممثلين و المخرجين ، لتجسيد شخصيات قيصر وأنطوني و بروتس . كذلك فقد حظيت  بعدة إنتاجات سينمائية و تليفزيونية شارك فيها نجوم المسرح و السينما من أمثال مارلون براندو و شارلتون هوستون و سير جون جيلجود وغيرهم.

ولا بد للمشاهد ودارس هذه المسرحية أن يتبين أن الطريقة الوحشية التي تم من خلالها  الإجهاز على قيصر قد ألبت الناس على المتآمرين بدلاً من التعاطف معهم وفهم قضيتهم. ورغم المبررات التي   حاول المتآمرون التستر وراءها - ربما بحسن نية فيما يتعلق ببروتس فقط  - فإن وحشية الانقضاض على قيصر وهو الأعزل الذي لم يتمكن من الدفاع عن نفسه تثيرنا وتجعلنا نحس بالاشمئزاز للطريقة الوحشية التي تمت فيها عملية الاغتيال ، والتي تعبر عن الغدر و الجبن في ذات الوقت. فعمليات الاغتيال السياسية مهما كانت مبرراتها لا يمكن قبولها في أغلب الأحيان.  وهذا دليل على أن شكسبير لم يكن متعاطفاً مع القتلة كما أنه لم يكن من المعادين للنظام الملكي. 

ويخيل إلينا أن الرقيب في عهد شكسبير أساء فهم ما كان يرمى إليه شاعرنا الدرامي من عملية القتل  وتجسيدها على المسرح. فعملية الاغتيال السياسي لم يكن القصد منها الاغتيال لشخصية يولويوس قيصر بقدر ما أريد منها تبيان اغتصاب الحكم كموضوع رئيسي لهذه المأساة. وعملية اغتصاب الحكم أو تغيير النظام كما زعم المتآمرون ما هو إلا موضوع سياسي أثير في مجمل أعمال المجموعة المسرحية التي يمكن تصنيفها على أنها أعمال سياسية في المكان الأول ، حيث نرى شكسبير يتناول هذا الموضوع  حسب الترتيب الزمني لأعماله. فنرى موضوع اغتصاب الحكم جلياً في كل من "مكبث" التي سبقت "يوليوس قيصر"  و "هاملت" التي تبعتها. ففي جميع هذه المآسي هناك جريمة قتل . فمكبث يقتل مكدوف ويستولي على العرش و كلوديوس يقوم هو الآخر بقتل والد هاملت ويستولي على العرش. أما في "يوليوس قيصر" فإن المتآمرون بقيادة كاسيوس يشتركون في اغتيال قيصر ، غير أن محاولة اغتصاب السلطة تبوء بالفشل نظراً لعوامل عدة من بينها ظهور مارك أنتوني وأوكتيفيوس قيصر و أيميليوس لبيدوس ليشكلا الثلاثي المنتصر الذي تولى الحكم و أحبط محاولة المتآمرين استلام السلطة.

 

يتضح لنا أن فكر شكسبير السياسي ، شأنه في ذلك شأن معاصريه ، منسجم مع الشرعية الملكية القائمة. فعملية تغيير نظام الحكم بالقوة والاستيلاء على السلطة عن طريق الاغتيال السياسي لا تتفق و النهج الفكري لوليم شكسبير المؤيد للنظام الملكي الشرعي. و لا أدل على ذلك من وصف المجموعة المعارضة لقيصر بقيادة كاسيوس بالمتآمرين. كما أنه لم يكن متعاطفاً معهم على الإطلاق . وبالرغم من الميول الاستبدادية لقيصر ، إلا أن كونه قد وقع ضحية للمتآمرين جعلتنا كمشاهدين نتعاطف معه وهو نفس الموقف الذي وقفه شكسبير منه. ولعل  السبب في الشعبية التي حظيت بها المسرحية في القرنين التاسع عشر و العشرين تعود إلى وضوح فكرتها السياسية كما أسلفنا.  

 

مع بداية المشهد الأول يعرض لنا شكسبير أحد المضامين السياسية لهذه المسرحية عندما يصور عامة الناس في أحد ميادين روما متجمهرين لتحية يوليوس قيصر بعد عودته المظفرة من حربه على بومبي . هؤلاء الناس، أو الرعية – أم هل هم الرعاع؟- ، هم أنفسهم الذين تجمعوا يوماً لتحية بومبي . وهذه المفارقة ما هي إلا واحدة من حقائق الحياة، وهي أن الناس دائما ما تدين بالولاء للمنتصرين ومن هم في السلطة. هنا يقوم فلوفيوس وماريلولوس بتوبيخ العامة و يأمرانهم بالعودة إلى بيوتهم. وفي هذا المشهد يعرض لنا شكسبير كيف أن فئة من المجتمع الروماني تخشى من قيصر طموحاته المتمثلة في سعيه لأن يكون الحاكم الأوحد المستبد برأيه مدى الحياة من خلال تهميشه لمجلس الشيوخ الممثل الديمقراطي لأهل روما.

 

وكعادة شكسبير ، فإنه يهيئنا لأحداث المسرحية كي لا نفاجأ عند وقوعها. فنرى أحد العرافين يحذر قيصر من منتصف شهر مارس. و عندما يطلب منه قيصر الاقتراب، فإنه يكرر تحذيره. و بالطبع فإن هذا العراف يعلم جيداً بأن هناك مؤامرة تحاك لاغتيال قيصر في محاولة لخصومه لمنعه من الاستحواذ على السلطة وتنصيب نفسه ملكاً . و يزداد قلق هذه الفئة من نبلاء روما عندما يقوم مارك أنطوني ، وهو أحد القادة الشجعان وأحد أصدقاء قيصر المقربين ، بتقديم التاج لقيصر الذي يرفضه في ثلاث مناسبات.

 

تحاك المؤامرة لاغتيال قيصر بقيادة كاسيوس الذي يحاول جاهداً إشراك بروتوس معه و بقية المتآمرين و بعد تردد ينضم بروتوس إلى جانب المتآمرين بالرغم من الصداقة التي تربطه بقيصر الذي كان بمثابة معلم له. ويتجادل المتآمرون في الطريقة التي سيتبعونها للتخلص من يوليوس قيصر :

 

ديسيوس : هل لا نمس أي شخص آخر سوى قيصر؟

كاسيوس : دعوة ديسيوس  جيدة ، أعتقد من غير المناسب،

  أن ندع مارك أنتوني ، وهو المحب كثيراً لقيصر ، 

أن يبقى بعد قيصر : سنجده

متآمراً محنكاً ، وتعرفون إمكاناته،

إن طورها ، قد تمتد بعيداً

لتضايقنا كلنا . لكي نمنع ذلك ،

لندع أنتوني وقيصر يسقطان سوياً.

بروتس :  سيبدو عملنا دموياً للغاية ، يا كيوس كاسيوس ،

أن تقطع الرأس ثم  نقوم بتقطيع أوصاله،

كالغضب عند الموت و الحسد بعد ذلك ؛ 

فأنتوني ما هو إلا طرف من أطراف قيصر.

لنكن مضحين ، وليس قتلة ، يا كايوس.

وقفنا كلنا ضد الروح التي يمثلها قيصر ،

وفي أرواح البشر لا توجد دماء.

أوه ، وأن نتمكن من روح قيصر،

ولا نقطع أوصال قيصر ! ولكن ، وا أسفاه ،

يجب على قيصر أن  ينزف من أجل هذا. و يا أيها الأصدقاء الأعزاء ،

دعونا نقتله بشجاعة ، ولكن ليس بغضب ؛

فلنقطعه كطبق نقدمه للآلهة،

ولا نمثل به  كذبيحة نقدمها للكلاب .

ولندع قلوبنا تتصرف كما يتصرف الأسياد الأفذاذ،

يحركون خدمهم للقيام بعمل غاضب ،

ومن ثم يقومون بتوجيه اللوم لهم. فهذا سيجعل

هدفنا ضرورياً ، وليس بدافع الحسد 

الذي يبدو في نظر العامة:

سيطلق علينا مطهرين ، وليس قتلة .

وأما بالنسبة لمارك أنتوني ، فلا تجعلوه محور تفكيركم ؛

فهو لن يستطيع أن يكون أكثر من ساعد لقيصر

عندما تقطع رأس قيصر.

كاسيوس : مع ذلك فأنا أخشاه؛

بسبب  الحب  الذي يكنه لقيصر— (م 1 ، ف 2 )

 

يعكس هذا الحوار بوضوح رؤية بروتس الذي كان يريد التخلص من الرجل بسبب ميوله الاستبدادية وليس التمثيل بجسده . كل همه أن يقوم بعمل نبيل يقدمه كطبق للآلهة وليس أن يتحول إلى قاتل وجزار يقوم بتقطيع الذبائح ليقدمها للكلاب . من ناحية أخرى ،فإن بروتس قد ارتكب خطأين فادحين مهلكين . تمثل الهدف الأول بالإبقاء على أنتوني بحجة أنه لاحول له ولا قوة في غياب قيصر فهو في نظر بروتس كالذراع في جسد مقطوع الرأس. أما الخطأ الآخر الذي لا يقل خطورة عن الأول في  فداحته  فهو السماح لأنتوني بأن يؤبن قيصر عند دفنه فقد كان ذلك بمثابة الشرارة التي أشعلت نار التأليب على المتآمرين وإدانتهم بارتكاب جريمة قتل قيصر.

 

 إن الغريب في أمر المتآمرين أنهم أخفوا الدوافع الحقيقية لمؤامرتهم للتخلص من قيصر حينما قرروا أن يكون مسرح جريمتهم هو مجلس الشيوخ الذي يجسد الديمقراطية في الدولة الرومانية، كأنما كانوا يريدون التأكيد على استبداد قيصر. غير أنهم في واقع الأمر تذرعوا بطلبهم من قيصر أن يعفو عن بوبليوس سمبر الذي صدر بحقه حكم بالنفي . وهنا نرى تجسيد هذا المشهد على النحو التالي:

بروتس : أقبل يدك ، ولكن ليس نفاقاً يا قيصر،

راغباً منك أن ينال بوبليوس سمبر

عفواً في الحال.

قيصر: ماذا ، يا بروتس؟

كاسيوس : العفو ، يا قيصر ؛ يا قيصر ، العفو :

فكاسيوس يسجد عند قدميك

راجياً العفو عن بوبليوس سمبر.

قيصر: سأتأثر كثيراً لو كنت مكانك ؛

غير أني ثابت كنجمة الشمال ، 

التي من ثباتها ومميزاتها الثابتة

لا يوجد لها مثيل في  السماء.

فالسماوات مرسومة بما لا يعد من الشرر،

وكلها نار ، وكل واحدة منها تشع،

ولكن واحدة فقط من بينها كلها هي التي  تبقى ثابتة في مكانها.

وكذلك الحال في الحياة : إنها مليئة بالرجال،

والرجال من لحم ودم ، و وعلى قدر من المنطق ؛

ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بالأرقام فأنا لا أعرف سوى واحد

فذلك الثابت يبقى في مكانه

  لا يهتز بالحركة ؛ وذلك هو أنا،

دعوني أريكم ذلك قليلاً ، حتى في هذا الوضع،

فأنا على موقفي بأن ينفى  سمبر ،

وأنا ثابت على موقفي بأن يبقى كذلك.

سمبر: أوه قيصر __

قيصر  : امض! هل بإمكانك أن ترفع جبل الأولمب؟

ديسيوس :قيصر العظيم ___

قيصر : ألا يركع بروتس بلا طائل؟

كاسكا: فلتتحدث الأيدي باسمي  [ يطعنون قيصر ]

قيصر : حتى أنت يا بروتس؟ - إذن فليسقط قيصر! [يموت[

 

وهكذا يقوم المتآمرون جميعاً بطعن قيصر وكأنما عملهم هذا لا يمثل جريمة اغتيال. ولأن القتلة مجموعة وليس فرداً واحداً فإن دمه سيضيع بينهم. وهذه قضية قانونية متعارف عليها منذ القدم. وعندما اغتالوا قيصر ، بدأ القتلة يصرخون بهستيريا : التحرير ! الحرية ! سقط الاستبداد! وهكذا تم للمتآمرين ما أرادوا ، ولكن ماذا جنوا من اغتيال قيصر؟ لقد بقي قيصر على حد تعبيره كالنجم القطبي ثابت في مكانه ، أما المتآمرون فلم يجنوا سوى العار و الخسران .

 

لا شك أن الغائب الحاضر في مأساة يوليوس قيصر هو بطلها وصاحب المأساة التي تسمت باسمه. فالشخصية الرئيسية أو المحورية في هذا العمل تغادر مسرح الأحداث بعد  اغتيالها تنفيذاً لمؤامرة محكمة كان العقل المدبر  و المحرض الأكبر لها كاسيوس الذي جمع عدداً من الناقمين على يوليوس قيصر و على رأسهم بروتس شاركوا في عملية اغتيال جماعية تحولت إلى شبه مجزرة لبشاعة تنفيذها. وبالرغم من اختفاء قيصر عن مسرح الحياة و أحداثها إلا أن روحه  و شبحه و ذكراه  تظل ماثلة كسلاح يطارد قاتليه طوال أحداث المسرحية ، فكأنما أراد شكسبير أن يؤكد لنا أن المتآمرين في جريمة اغتيال قيصر فشلوا في إزالته عن مسرح الأحداث ، حيث ظلت روحه تطاردهم وتقض مضاجعهم حتى تم القضاء عليهم.  وكان لمارك أنتوني دور فاعل للانتقام من القتلة حيث تبوأ مكاناً بارزاً في السلطة الثلاثية التي برزت بعد اغتيال يوليوس قيصر.

 

إن بروز أنتوني مرده في المقام الأول سوء تقدير من جانب بروتس ، أو بالأحرى ارتكابه لخطأين فادحين أولهما السماح لأنتوني بالهرب و النجاة بجلده بعد اغتيال قيصر وثانيهما السماح له بتأبين قيصر عند دفنه . ففي خطبة التأبين استطاع أنتوني  بما ملكه من فصاحة وبلاغة تأليب العامة على المتآمرين القتلة وقلب الطاولة على رؤوسهم. خطبة أنتوني المليئة بالسخرية الدرامية فضحت القتلة من جانب وأعلت من شأن قيصر الذي اتهم بالتسلط و "الطموح" . كان أنتوني مباشراً في حديثه إلى أهل روما :

 

"أيها الأصدقاء ، يا أهل روما ، أيها المواطنون ، أعيروني أسماعكم ،

جئت من أجل أن أدفن  قيصر ، لا من أجل  مدحه .

فالسيئات الشريرة التي يقترفها بعض الرجال تبقى ماثلة بعد مماتهم ؛

بينما الصالح من الأعمال عادة ما يتم دفنه مع رفاتهم ؛

فليكن الأمر كذلك مع قيصر . فبروتس النبيل 

أخبركم بأن قيصر كان طموحاَ:

فإذا كان الأمر كذلك ، فقد كان ذلك خطأ فادحاً ؛

وقد أجاب عليه قيصر بثمن باهظ  .

وهنا ، بعد إذن بروتس و البقية ، --

وحيث أن بروتس رجل شريف ؛

وكذلك هم جميعاً ، جميعهم رجال شرفاء ، 

جئت للتحدث في جنازة قيصر :

لقد كان لي صديقاً ، وفيا و منصفاً  :

غير أن بروتس يقول أنه كان طموحاً ؛

وبروتس رجل شريف.

لقد أحضر الكثير من الأسرى إلى روما.

حيث ملأت فديتهم خزائن روما العامة :

هل كان هذا العمل من جانب قيصر ينم عن طموح ؟ 

فعندما بكى الفقراء انتحب قيصر من أجلهم :

الطموح ينبغي أن يكون ناتجاً عن أمر أشد قسوة :

مع ذلك فإن بروتس يقول أنه كان طموحاً؛

وبروتس رجل شريف.

لقد رأيتم كلكم  يوم عيد لوبركوس

عندما قدمت له تاجاً ملكياً ثلاث مرات ، 

وقد رفضه ثلاث مرات : هل كان ذلك طموحاً؟

مع ذلك يقول بروتس أنه كان طموحاً ؛

ومن المؤكد أنه رجل شريف.

إني أتحدث لا لأعترض على ما قاله بروتس ،

غير أني أتحدث بما أعرف.

لقد أحببتموه يوماً ما ،  ليس بلا سبب : 

ما الذي يجعلكم تمتنعون ، إذن ، عن الحزن عليه ؟ 

أيتها العدالة ، لقد هربت إلى وحوش قاسية ، 

وفقدت الناس عقولها ! احتملوني ؛

إن قلبي في التابوت هناك مع قيصر ، 

ويجب أن أتوقف حتى يعود لي ."

 

هذا جزء فقط من خطبة طويلة أبرزها شكسبير في المقام الأول للكشف عن شخصية مارك أنتوني وما كان يسعى إليه. لقد كان هدفه ليس رثاء قيصر كما ادعى وإن كانت بالفعل مرثية عظيمة . كان أنتوني يهدف من ورائها لتعرية المتآمرين وكشف حقيقتهم. لقد أثبت أنتوني أنه خطيب مفوه وبليغ لا يشق له غبار. فقد أجاد في استخدام السخرية الدرامية ليعبر من خلالها عن عكس ما ينطق به. ويتضح لنا من خلال تكرار وصفه لقيصر بالطموح حسبما يدعي القتلة أنه يريد أن يثبت عكس ذلك . أما تكرار وصف مارك أنتوني  لبروتس بأنه رجل شريف فقد أراد منه تأكيد أنه يفتقر إلى الشرف لمشاركته في هذه المؤامرة الدنيئة ، وكانت النتيجة ، بفضل فصاحته وبلاغته أنه استطاع أن يقلب الطاولة على رؤوس المتآمرين ويعريهم. وهو في هذا كان يهدف ببساطة إلى السعي إلى السلطة ، وبالتالي كان هو الآخر طموحاً بصورة مختلفة عن   ذلك الطموح الذي كان يقصده بروتس وعصبته من المتآمرين والذي كان يعني الاستبداد.

 

هل لنا أن نبين أن هذه الخطبة الطويلة يمكن أن تؤخذ خارج سياقها لتتحول إلى مقطوعة شعرية من بين تلك المقطوعات التي برع فيها شكسبير و نجدها في العديد من مسرحياته التيا يعبر من خلالها عن مواهبه الشعرية. كما أن هذه القطع الشعرية تشكل تحدياً كبيراً يواجهه الممثلون عند تأدية أدوار شكسبيرية. 

 

لا يغيب عن الدارس أو المشاهد لهذا العمل أن يلاحظ بوضوح  غياب أي دور محوري أو رئيسي للشخصيات النسائية. وباستثناء الدور القصير لكل من كالبورنيا و بورشيا فإننا يمكن أن نعتبر هذه المسرحية مسرحية رجالية . فالأولى زوجة قيصر و الثانية زوجة بروتوس ووجودهما ضروري فقط لتسليط الضوء على شخصية الرجلين ليس إلا ، حيث يقتضي دور كالبورنيا إقناع قيصر بعدم الذهاب إلى مجلس الشيوخ حفاظاً على سلامته وخوفاً عليه من القتل بعد الحلم الذي شاهدته والذي كان بمثابة نبؤة لما سيحصل . ويستخدم شكسبير الأحلام  و التنبؤات كعوامل ميتافيزيقية تمهد للأحداث.

 

من بين جميع المتآمرين كان بروتس فعلاً رجلاً شريفاً قبل أن يقبل بالانضمام إلى المتآمرين الحانقين على قيصر . لقد كان أقرب الناس إلى قيصر غير أنه وقع ضحية لعملية غسيل دماغ من قبل كاسيوس. وعندما وجد أن ساعته قد حانت فضل أن لا يسقط أسيراً في أيدي المنتصرين وآثر أن يكون مصيره بيده ، طالباً من خادمه أن يمسك بسيفه ويدير رأسه ليسقط عليه ويأخذ حياته بيديه لا بيد الأعداء.

 

وتنتهي المأساة بكلمة رثاء تمثل قطعة شعرية أخرى وإن كانت أقصر بكثير من  تلك التي ألقاها أنتوني عند مدفن قيصر:

 

أنتوني : من بينهم جميعاً ، كان هذا أنبل الرومان 

فجميع المتآمرين ما عداه 

قاموا بفعلتهم حسداً لقيصر العظيم ؛

هو فقط كان ذا هدف نبيل عام

لصالح عامة الناس ، وكان واحداً منهم.

كانت حياته هادئة ، والعناصر

اختلطت فيه ، وقد تنهض الطبيعة

وتقول للعالم "كان هذا رجلاً!"  

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد