مجالاتنا الثقافية تعيش الأمية ..الذوادي : البحرين أهملت بعثات دراسة السينما و الموسيقى و المسرح

بسام الذواديمخرج سينمائي – منتج – كاتب سيناريو

في البدء لم تكن الكاميرا في البال، كانت المجلات المصورة مثل باتمان وسوبرمان وطرزان التي كان يجلبها لي أبي منذ أن كان عمري أربع سنوات، وهنا تعلقت بالصورة وبالقصة رغم أني لم أكن أفهم بعد، كنت أراقب أبي حين يصورنا ويصور أمي، وقتها رغبت في الحصول على الكاميرا التي لديه، ثم كان يعيرني إياها لوقتٍ محدود، بعد ذلك في عام 1969 اشتريت لي أول كاميرا فلمية وكان سعرها آنذاك 500 فلس وبدأت أصور الفوتوغراف، إلى أن جلب لي والدي "الفانوس السحري"، عملت في شركة إعلانات حين كنت طالبًا سنة 1975 وهنا بدأت علاقتي بالسينما، كانت هذه الشركة تأخذ أفلام وترسلها لشركةة البحرين للسينما ليتم بثها في دور السينما فتعلقت بالفيلم، ولم أكن أعلم كيف يُصنع، بعدها عملت أيضًا في العلاقات العامة في وزارة الداخلية ووقتها كان يوجد عرض وهو أن تشتري سيارة مازدا وتحصل على كاميرا سينمائية وبروجكتر وشاشة، فأحد الموظفين اشترى السيارة ولم يكن يعرف ماذا يعمل بالكاميرا فاشتريتها منه بمبلغِ 60 دينار وكان راتبي 30 دينار! وهنا صورت أول فيلم قصير، الفيلم يجب علي إرساله لألمانيا لتحميضه وهذا يستغرق أسبوعين، وحين عاد الفيلم علي تركيب الصور مع بعضها، لم أكن أعلم كيف يتم ذلك فاستعملت لأول مرة جهاز السبلايزر لعمل المونتاج دون إدراك مني لهذه العملية، من هنا أتتني الفكرة لدراسة السينما، الفضول لمعرفة تفاصيل تلك العملية، ووقتها كان وزارة الإعلام تعلن عن منح دراسية ومن ضمنها دراسة السينما في مصر، وحصلت على البعثة بشرط أن أدرس في البداية في مصر على حسابي الخاص وحين أحصل على القبول من المعهد ستوفر لي المنحة، فعملت في برادات لأجمع تكلفة تذكر مصر وسافرت وانقبلت وبدأت الدراسة، هنا بدأت أفهم.


دراستك للإخراج في معهد السينما بمصر وانفتاحك على عالمٍ مليء بالشِّعرتحديدًا، كيف ترى تأثير هذا على صناعتك السينيمائية؟


عند دراستنا كنا نقرأ الشعر ونذهب للمعارض التشكيلية، كنت أجرب، صممت لوحات تعبيرية، كنت أصور وكانت لي معارض فوتوغرافية في القاهرة، ألفت ديوان شعر وبدأت بالرسم ولحنت أعمال، كل هذا له ارتباطه بالسينما، لو لم أفهم تلك الفنون عن طريق تجريبها لم أكن أفهم السينما.

كيروساوا

ما تأثير فيللني وبازوليني وكيروساوا على إنتاجك السينمائي؟ هل ترى أنّ هناك تأثر حفز في داخلك السينمائي للإخراج؟


طبعًا لهم تأثيرهم، أيام الدراسة كنا ندرس ونرى أفلام تاركوفسكي وفليني وبازوليني وكيروساوا، لا يمكن أن أقول أني وصلت لأسلوبي، بالتأكيد تأثرت في اللاشعور بما أحببته منهم، هذه الدراسة جعلتني أفهم أساليبهم وطرقهم في الأفلام، لم نكن نتأثر بالمخرج حين نشاهد فيلمه، كنا نتأثر بثقافته حين يتحدث عن المواضيع والثقافة، أنا أشبه فليني لأنه أيضًا بدأ بالمجلات المصورة فنحن على ما يبدو بدأنا لا شعوريًا من المنطقة ذاتها، فليني وهذا الإرث الإيطالي الموجود وتأثيره على الثقافة الأمريكية دليل على أنّه على الطريق الصحيح، وكيروساوا عندما عمل فيلمه "7 Samurai" وتأثيره على الأمريكان الذي عملوا في الخمسينيات فيلم "Magnificent Seven" كنسخةٍ أمريكية من فيلم كيروساوا، وهذا لا يعني أنه عمل فكرة جديدة ولكن طرح الثقافة المختلفة ورسخها لديهم، هؤلاء المخرجين أنعشوا الثقافة التي هي كل شيء أحيانًا.

أندري تاركوفسكي - مخرج وممثل وكاتب روسي، منظر سينمائي ومدير أوبرا.

أندري تاركوفسكي - مخرج وممثل وكاتب روسي

ما دور الأستاذ خليل الذوادي ودور التلفزيون في صناعتك السينيمائية؟


خليل الذوادي هذا الرجل الذي اتصل بي شخصيًا قبل 33 سنة وطرح علي فكرة العمل في التلفزيون، لأنه آمن بي حين رأى الحفلات التي كنت أعملها لنادي مدينة عيسى وإخراجي لأفلام قصيرة والصحافة التي كانت تكتب عني قليلًا، لذلك فكر في تطويري من خلال التلفزيون، فتح لي الباب للعمل وأعطاني الحرية في التجريب والإبداع، بدأت بعمل برامج لم تعمل سابقًا بهذه الرؤية، مثل سينما الفيديو وبث غير مباشر، لولا خليل لا أعتقد أنني كنت سأعمل الحاجز ولا أي شيء آخر.


فيلم "النّقيض" الذي كان مشروع التخرج لكنّه رُفِض، حدثني عن هذه التّجربة التي ربما لم تأخذ حقها كونها "رُفِضت"؟


وجودي في مصر مع كل الطوائف، وجودي مع كل الخطوط السياسية سواء في البحرين أو مصر أو فلسطين أو الكويت، حرك في سؤال أن "ما الذي يريد الإنسان الوصول له؟" هناك مسيحية وإسلام وأرثاذوكس بروتستانت كاثوليك سنة شيعة، فاعتمدت على كتابين أساسيين، الإنجيل والقرآن، غير هذين الكتابين لم أكن أفهم شيء، كنت مؤمن أنهما الأساس، كتبت فيلم "النقيض" الذي كان يرسخ تلك الفكرة وهي أن الانجيل والقرآن هما الأساس وكل ما حولهم أشياء لن تعيش، قدمت الفيلم ورفض، وكانت الإشكالية في السؤال، حين سألني عميد الكلية محمود شريف عن سبب تطرقي لمثل هذه المواضيع أجبته بأني أريد أن أفهم وأريد من المشاهد أن يسأل ويبحث ربما يصل لجواب، فأجابني أن لا أتطرق لتلك المواضيع لأنها حساسة، أظن أنه رفض لأن الفيلم كان يسأل أسئلة لا إجابة لها، ولكن السؤال ما زال يؤرقني لحد الآن، ما زالت تؤرقني الديانات كلها.


ماذا عن التجارب الأخرى، تجارب الأفلام القصيرة "القناع /ملائكة الأرض" ، هل ترى أنّها كانت خطوات أولى؟ أم بامكانك أن تعدها تجارب مستقلة بحدِ ذاتها؟


كل فيلم قصير هو تمهيد، لم أكن أعلم أني سأعمل أول فيلم روائي، كنت معجب بأني أصنع أفلام، كنت أذهب لنهاية مدينة عيسى وأشغل الفيلم على الجدار وأدع الناس تشاهد معي، لم أعتقد أن الأمور ستكبر وأنها ستصبح مسؤولية، اكتشفت بعد ذلك أن تلك الأفلام فعلًا مهدت لي.

حدثني عن تجربة فيلم "الحاجز" أول فيلم روائي بحريني، عن الإعداد والإنتاج وانطلاق الفكرة من جانب، وعن روح التجربة الأولى والمجازفة أو عن "الحلم الجميل، الجنون الصديق، والمغامرة المضيئة." كما يقول أمين صالح.


أذكر أنه جلسنا أنا وأمين صالح وقررنا إنتاج هذا الفيلم، أمين كتب السيناريو وعلي الشرقاوي كتب له الحوار، وبدعمٍ طبعًا من قاسم حداد، فبدأنا نضع اللبنات الأولى وجلسنا نقرأ السيناريو ونتناقش حول تحويله لفيلم، ولكن لم تكن لدينا ميزانية لتحقيق هذا الفيلم! وأنا تعلمت من هؤلاء الأصدقاء الإصرار فأصريت على تحقيق "الحاجز" وكنت آنذاك موظف في التلفزيون، أذكر الدكتورة هالة العمران التي وقفت بجانبي حين أخبرتها بأني أحتاج الكاميرا السينمائية الموجودة وأحتاج موظفين لفريق العمل، ففتحت لي الباب وأعطتني الحرية، كل من كان موجود في التلفزيون آمن بي وفتح لي الباب لأنطلق، كادر الفيلم بذلوا كل جهودهم بدون أي مقابل مادي، وقبل إكمال التصوير نفد الفيلم الخام الذي أخذته من الوزارة في سبتمبر 1989 ولجلب فيلم جديد قد يستغرق ذلك أسابيع، الطريق الوحيدة هي السفر للندن لشراء الأفلام والعودة في اليوم التالي.

فيلم الحاجز

ولكن لم تتوافر لدي الأموال أساسًا للسفر ولشراء الأفلام! فبدأت ببيع الأثاث واشتريت الأفلام وأكملنا التصوير، بعد ذلك طلبت من الدكتورة هالة أني أريد عمل المونتاج في مصر لعدم توافر أجهزة المونتاج في البحرين، فساعدتني في الذهاب لمصر، وافقت مع مساعد مدرس يوسف الملاخ بمنتجة الفيلم واتفقنا، وبخصوص الموسيقا التصويرية أيضًا لم تكن لدي أموال، يوسف الملاخ قام بالتصرف وتواصل مع الموسيقار المصري الكبير هاني شنودة ولم يكن لدي سوى 20 جنيه وقد قبل لها هذا الموسيقار دعمًا لي، وخليفة شاهين أيضًا فتح لي الباب وساعدني على تشطيب الفيلم في شركته مؤسسات الصقر للتصوير دون أن يأخذ مني تكلفة ذلك، الجمعيات النسائية في البحرين ساعدتني أيضًا، كل هؤلاء الناس آمنوا بي وبقدرتي وبالسينما ومنحوني الثقة للاستمرار. كنت أريد طبع نسخ لتوزيع الفيلم في البحرين، لم تكن لدي أموال تمامًا، بعت السيارة وطبعت النسخ وقدم الفيلم، كان أول عرض في جمعية نهضة فتاة البحرين بحضور 100 شخص، في عرض الحاجز بمهرجان القاهرة السينمائي 1990 حصلت على نقد إيجابي من الناقد المصري الكبير فوزي سليمان، نقد ايجابي من البقية الذين احتاروا حين شاهدوا تأثير كافكا وموسوليني وبازوليني في الفيلم، هذه التركيبة الغريبة وكتب عنه بشكل كبير. كما أنه عرض في مهرجانات كثيرة حول العالم.


"الزائر" تجربة أول فيلم رعب وتشويق، حدثني عن روح التجريب تلك، وعن تفاصيل الإعداد لهذا الفيلم.


الفكرة بدأت من عندي، حين أخبروني أن منزلي مسكون بالأرواح، وأنا مرتاح ولم أشعر بهذا الأمر، ولكن صادفني موقف، كنت عائد للمنزل وضعت الولاعة على الطاولة وذهب للتلفزيون أبحث عن الريموت كنترول، عدت للطاولة ولم أجد الولاعة! بحثت عنها بالقرب من التلفزيون لم أجدها، وعدت مرة أخرى للطاولة وكانت الولاعة مكانها! التفت وقلت: شكرًا. وجلست لمشاهدة التلفاز، من هنا أتت الفكرة وأخبرت فريد رمضان بتلك الفكرة، وقتها كانت لدينا لعبة أنا ومحمد خان والناقد محمد رضا وعاطف الطيب، كنا نجلس في معهد العالم العربي بباريس ونرى الناس يمرون ونبدأ بتأليف قصص حياة كل من يمر من طريقة مشيته، في فيلم زائر تخيلت مع فريد بان هذا الذي سحب الولاعة ثم أعادها هو روح مظلومة فخلقنا قصة أنه قتل ظلماًا ويريد تنبيهنا لنعرف من القاتل، فريد تحمس وبدأنا في العمل على السيناريو، هو يكتب مشاهد وأنا معه كذلك.


فيلم "حكاية بحرينية"، كيف أوجدت هذا الاختلاف من خلال إخراجك لهذا الفيلم مقارنةً بما سبقه؟


عندما بدأ فريد يكتب فيلم "أحلام صغيرة" الذي وضع فيه كل ما مر به تقريبًا من أحداث في حياته، الأم أمه والأخت أخته والولد الصغير هو فريد ولكن بمعالجة سينمائية، عندما قرأت "أحلام صغيرة" أحببته فاستغرقنا بعد ذلك ثلاث إلى أربع سنين في البحث عن كيفية انتاج هذا العمل، وخلال هذه السنين غيرنا الاسم إلى "حكاية بحرينية" لأن رأينا أن تلك الأحداث تنطبق على الكثير من العوائل الموجودة في البحرين فهي للمشاهد أيضًا وليست خاصة بفريد فقط، واجهنا التحدي في هذا الفيلم لأننا أردنا عمل فيلم غير تجربة الحاجز وزائر، فاستعنت بفريق عمل من الهند للتصوير، ومن نيويورك للصوت، كل من يعمل كان يشعر بأنه أمام شيء ضخم، بدأنا بتحريك تلك التجربة، وتأسست آنذاك شركة البحرين للإنتاج السينمائي ودعمت الفيلم، وحققناه في هذه الفترة، كما أنه عرض في استراليا وروسيا.



من هم أصدقاء تجربة بسّام الذوادي؟


أصدقائي أولًا في الثقافة السينمائية والذين قاموا بتوجيهي ثقافيًا وفكريًا وحتى بطريقة الإصرار وتحقيق الأشياء، كانوا فريق جميل حولي هم قاسم حداد وأمين صالح وع