بحثا عن طائر العقاب « النساري» فوتوغرافيون بحرينيون يوثقون الحياة الفطرية في جزر «حَوَار»



بعد النجاح الباهر لحملته «دعوها تهاجر» في شهر أبريل من العام 2016، لحماية الحياة الفطرية في المملكة، يعود المصور الفوتوغرافي «زكريا العمران» محملاً بصور نادرة لطائر العقاب «النساري»، كان قد التقطها هو وفريق من فوتوغرافيي الحياة الفطرية في جزيرة «اَلْوُكُور» وصور لطائر « غراب البحر السوقطري/اللوهة » الذي يستوطن جزيرة «رَبَض اَلشَّرْقِيَّة» ويبلغ عدد الطيور التي تستوطنها من فصيلة « غراب البحر» أكثر من 10٪ مما هو موجود في أنحاء العالم.

رحلة فوتوغرافية توثيقية كان قد نظمها الفوتوغرافي العمران في الأشهر القليلة الماضية، بالتعاون مع « المجلس الأعلى للبيئة» وباهتمام بالغ من قبل الرئيس التنفيدي للمجلس سعادة الدكتور محمد مبارك بن دينه. ولولا هذا الأهتمام يقول العمران، لما تحققت تلك النتائج التي يصفها بالمتميزة، ربما لتفردها وندرتها وربما لانعدامها إذا لم يكن هذا ضرب من المبالغة، مضيفاً بأن طائر العقاب«النساري» يعد طير جارح من فصيلة العقبان النسارية، الذي يتميز بتكيفه العالي لصيد الأسماك. مشيراً بأنه يمكن للقليل من الطيور الجارحة الأخرى أن تضاهيه مهارة في صيد الأسماك، وبأنه لأول مرة هو والفريق الفوتوغرافي الذي رافقه وطوال مسيرته في عالم رصد الطيور يتمكن من التقاط صور لهذا الطائر، الذي يقطن في جزيرتين متباعدتين عن الجزيرة الكبرى «جَزِيرَة حَوَار» هما جزيرة «أمحزوزة» و جزيرة «رَبَض اَلشَّرْقِيَّة».

في تمام العاشرة من صباح الخميس الموافق 19 يناير 2017 م، ومن نقطة تجمع الفريق بــ «نادي درة مارينا لليخوت» انطلقنا نحو وجهتنا الأولى «جَزِيرَة حَوَار» كنا تسعة فوتوغرفيين بكامل جهوزيتنا تتقدمنا الرغبة وحالة الشغف لاكتشاف الحياة الفطرية في تلك الجزر، متسلحين بعزيمة البحث عن شيء جديد يضاف لسجل الرصد و التوثيق الذي يعكف كثير منا على تدوينه … يقول العمران زكريا.

جزر لا نعرف عن الحياة الفطرية فيها الكثير - الحديث هنا أيضاً للعمران - ما نعرفة فقط بأنه في 16 من سبتمبـــــــــر 1996 م، كان قد صدر عن صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، قراراً بشأن اعتبار جزر حوار والبحر الإقليمي المحيط بها منطقة محمية، ومن ذلك الوقت وتلك الجزر تحظى باهتمام بالغ من قبل المجلس الأعلى للبيئة.


وصلنا للجزيرة عند الحادية عشرة صباحاً يقول العمران، في إشارة إلى «جَزِيرَة حَوَار» وضعنا معداتنا وكان القرار بأن نستثمر الوقت في القيام بجولة سريعة للجزيرة وبعدها نعود لبحث وتداول إعداد برنامج ومسار التصوير خلال اليومين القادمين، أنطلقنا في سيارتين، ضمت السيارة الأولى الفوتوغرافي شفيق الشارقي و حسين الطريف ودليل جزيرة حوارعلي الرميحي وأنا، في أشارة إلى نفسه، فيما كانت السيارة الأخرى قد ضمت الفوتوغرافي محمد هلال و محمد الساري و حسين محسن و أحمد الفردان و حسن الشايب و علي القميش و حذيفة عادل الحمد ممثل إدارة العلاقات الدولية والإعلام بالمجلس الأعلى للبيئة.


كان نتاج تلك الجولة القصيرة تصوير الغروب ويسمى هذا النوع من التصوير Landscape photography وهنا كان للفوتوغرافي حسن الشايب دوره في تزويد المجموعة بكل ما لديه من خبرة في هذا المجال، لهذا كانت النتائج متميزة متفردة تقنياً و جمالياً، وكانت الشمس قد سكنت بكامل دورانها وغربت. عدنا بعدها لمقر اقامتنا، تباحثنا في جدولة برنامج اليوم التالي، فكان الإجماع على أن يبدأ البرنامج في تمام الساعة الخامسة فجراً بقصد تصوير شروق الشمس وبعدها مباشرة تصوير «الوعل الجبلي» وبعدها تكون وجهتنا جزيرة «رَبَض اَلشَّرْقِيَّة».

في تمام الساعة الخامسة، كان الفريق بالإنتظار بكامل جهوزيته الفنية متفحصين الكاميرات و كافة المعدات الخاصة بالتصوير، انطلقنا نحو وجهتنا الأولى وكانت تصوير شروق الشمس، بعدها توجهنا قاصدين «الوعل الجبلي» الاسم العلمي له Capra، وهو جنس من الثدييات يعيش على جزيرة «حَوَار» وبحسب الموسوعة العلمية فإنه يتألف من تسعة أنواع بما في ذلك الماعز البري، والمارخور، والعديد من الأنواع المعروفة بالوعول، و يعيش في البيئات الجبلية، فهي قوية ورشيقة جدًا، وتتميز بقدرتها على تسلق الصخور الصلدة والعيش على النباتات المتناثرة، لكنا الوضع هنا مختلف فتلك الحيوانات تحظى برعاية المجلس الأعلى للبيئة.

في طريق العودة صادفنا «المها العربي» يتنقل هنا وهناك على تلك الجزيرة، جزيرة «حَوَار» (الاسم العلمي: Oryx leucoryx) و هي إحدى أنواع الظباء، المنتمية لفصيلة البقريات، ذات سنام مميز على كتفيها وقرون طويلة مستقيمة وذيل ينتهي بخصلة شعر. وتعتبر «المها العربي» وبحسب تقارير خاصة بحماية هذا النوع من الحيوانات فإنها من الحيوانات المهددة بالانقراض، إذ أنها تُصنّف على أنها من الأنواع الموضوعة ضمن الدرجة الأولى من الحيوانات الداخلة في نطاق حماية الاتفاقية الدولية لحظر الإتجار بالأنواع المهددة (CITES)، وكانت قد انقرضت فعليا في البريّة خلال أوائل عقد السبعينات من القرن العشرين عندما قتل أخر واحد منها في صحراء الربع الخالي على الحدود السعوديّة العمانيّة. وقد أعيد إدخال المها العربيّة إلى بعض موائلها الطبيعيّة منذ ثمانينات القرن ذاته، بعد أن تم إكثارها في حدائق الحيوانات والمحميات الخاصة.

وصلنا بعدها إلى مرفأ بحري صغير، كان القارب بإنتظارنا للإنتقال إلى جزيرة «رَبَض اَلشَّرْقِيَّة» ركبنا جميعاً وانطلقنا نحوها وفي غضون النصف ساعة كنا قد وصلنا، لم يستطع القارب الأقتراب إلى ساحل الجزيرة، لوجود بعض الصخور التي كانت حائلا دون أقترابة، فهذه الجزيرة تتكون من تراكمات رملية وشيء من الحصى وما يشبه السبخة المغطاة بالملح في مناطق ومناطق كانت أشبه بشرك طيني، يخطف الأحذية.

بلغنا اليابسة، كانت عين الفريق الفوتوغرافي بعدساته تتفحص الجزيرة و تترصد كل شيء حي يتحرك، ليس لدينا الكثير من الوقت في هذه الرحلة، علينا آستثمار اللحظة بشكل كامل، كما علينا تفادي خيبة الأمل.


من بعيد لمحنا عش كبير، هرعنا نحوه لم نكن على يقين لأي طائر هذا العش، لكن الغالبية كانت تردد بأنه عش «العقاب النساري» ويسمونه أيضاً بطائر و في الانجليزية «The osprey او Pandion haliaetus» ويعرف نسر الأسماك، كونه من الطيور الآكلة للأسماك.

أقتربنا من العش، كان به ثلاثة فراخ لطائر «العقاب النساري» التقطنا لها صور عدة، وكانت أنثى العقاب تحوم فوقنا، تمركز الفريق الفوتوغرافي في زوايا مختلفة وكانت الغلبة من حيث نوع وطبيعة الصور للجهوزية الكاملة لبعض أفراد الفريق من حيث معدات التصوير.

القليل فقط كان قد أحضر حامل الكاميرا و جهاز التحكم عن بعد للكاميرا Camera Remote Control، وهذا ما صنع الفارق لدى البعض في نتائج الصور، لكن التحدي أيضاً كان حاضراً لتأتي قوة المهارة و البراعة لدى البعض الآخر من الفريق في التقاط الصور أعتماداً على تراكم التجربة الحرة في التعامل مع الكاميرا، فكانت النتائج أكثر من رائعة.


بعدها توجه الجميع لتصوير طائر « غراب البحر السوقطري/اللوهة » الذي يستوطن هذه الجزيرة أيضاً، إذ تستقبل شواطئها أسرباً كبيرة تشكل السواد الأعظم الذي يغطيها، كانت الأعشاش عبارة عن حفر ممتلئة بفراخ « غراب البحر» وأخرى كانت تحويها عدد من «البيض» و على جوانبها كانت تكثر جثث الطيور، وذلك بسبب شح كبير في توافر الأسماك في المنطقة لأسباب كثيرة، لهذا كان البعض منها يأكل فراخ الطيور كأقرب غداء متوافر. ينتظر «غراب البحر» الفراخ حتى تكبر لتبدأ رحلة الهجرة.

عدنا ظهراً لجزيرة «حَوَار» كانت استراحة المحارب بالنسبة للفريق الفوتوغرافي، ووقت مستقطع للتخطيط للتصوير الليلي إذ تكثر حركة بعض القوارض و الحيوانات ليلاً في بعض المناطق من هذه الجزيرة، كالأرنب والفأر البري و بعض أنواع السحالي و الحشرات أيضاً.


في صباح اليوم التالي كان الفريق على موعد للإنتقال إلى جزيرة تسمى «اَلْوُكُور» نسبة لوَكْرُ طائر العوسق، وصلنا الجزيرة وكانت عين الفريق تترصد الطير هنا وهناك، كان ارتفاع الجزيرة يصل ما بين 12 إلى 15 متر، لم يكن تسلقها بالصعب بلغنا السطح، ولأن زيارتنا لهذه الجزيرة هي الأولى، لم نكن نعرف تفاصيلها، وكانت المفاجئة أن غادر الطائر وكره أمام اعيننا بسرعة خاطفة لأنه من بين أكثر الطيور حساسية وأكثرها قدرة على أن تحوم لفترات طويلة لحين زوال أي خطر يتهددها، يتغذى «العوسق» على الحشرات والقوارض كالجربوع وهو طائر مهاجر، يسمى الذكر ترمة والأنثى شرياص وهو مهدد بالانقراض.

لم يحالف الفريق الحظ في جزيرة «اَلْوُكُور» الأولى مع طائر العوسق لهذا تركنا الجزيرة سريعاً متوجهين صوب جزيرة «اَلْوُكُور» الثانية، قررنا رصدها ونحن على ظهر قاربنا الصغير، كان هناك «عش» يبلغ ارتفاعه المتر أو أكثر بقليل، الكل وجه عدسته ناحية الطير الذي يحوم حول الـ «عش»، كان طائر العقاب «النساري»، نزل الفريق على حافة الجزيرة لكن مهمة الصعود لم تكن بالسهلة هذه المرة، إذ كان الصعود للجزيرة أشبه بالمستحيل بعض الشيء، كون زاوية الصعود حادة جداً وخطرة ويصل ارتفاعها ما بين 12 إلى 16 متر، إلا إن الفريق كانت لديه العزيمة للصعود، فنجح البعض منا للصعود و لم يتمكن البعض الآخر من ذلك، كانت الجرأة و كان الخوف ولكن الصور لطائر العقاب «النساري» مع فراخه الثلاثة. كانت تستحق كل هذا العناء. اختتم زكريا العمران حديثة عن سيرة صورة هذا الطائر، منتهياً بتكرار الإشارة إلى أن نجاح الفريق لم يكن ليتحقق لولا الحرص والدعم المباشر من قبل سعادة الدكتور محمد مبارك بن دينه الرئيس التنفيذي للمجلس الأعلى للبيئة، موجهاً شكر وتقدير الفريق الفوتوغرافي لسعادته ولكافة منتسبي المجلس الأعلى للبيئة خاصاً بالذكر رئيسة قسم العلاقات العامة ريما الرويعي و مدير الرحلة حديفة عادل الحمد ممثل إدارة العلاقات الدولية والإعلام بالمجلس الأعلى للبيئة.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email