الناس ليسوا معادن قابلة للتذويب، الناس جماعات من البشر

أثر المحاصصة السياسية

على أتباع الحضارات المتنوعة


الورقة من منشورات كتاب صدر عن مؤتمر حوار الحضارات والثقافات «الحضارات في خدمة الإنسانية»(5 مايو/ أيار 2014) بمشاركة 500 شخصية من مفكرين وباحثين ورجال دين وعلماء، 150 منهم من خارج مملكة البحرين.

-------------------


أقامت العولمة جسوراً من التواصل والاتصال بين الأمم والشعوب المختلفة لم تكن موجودة من قبل . ساعد ذلك على فتح آفاق للتعارف وللمعرفة لم يكن الوصول إليها بمثل السهولة التي هي عليها الآن . ومن خلال ذلك تولّد شعور عام بأن الشعوب والأمم تعرف الآن عن ثقافات وأدبيات بعضها كما لم تكن تعرف من قبل .


والقاعدة العامة تقول أن المعرفة الصحيحة تؤدي إلى التعارف الصحيح. فالتعارف - أي تبادل المعرفة بين الناس- ينطلق أساساً من الاعتراف بالاختلاف والتباين بين الناس، كما ينطلق من التعامل مع هذه الحقائق التكوينية في الذات الإنسانية على أنها ظاهرة طبيعية وعلى أنها تعبير عن إرادة إلهية في أن يكون الناس مختلفين. فاختلاف الألسن والألوان - أي الاختلاف في اللغات والأجناس- آية من آيات الله البينات. ثم أن التعارف الذي يؤسس للاحترام المتبادل على قاعدة هذه الاختلافات والتباينات ، وليس على قاعدة الغائها أو حتى تجاوزها وتجاهلها ، هو أيضاً استجابة للدعوة الإلهية .

إن التنوع الحضاري على مستوى الإنسانية ، والتعدد الثقافي على مستوى المجتمعات الوطنية ، يحتمان تبادل الاحترام ، وهذا لا يكون الا بتبادل المعرفة، ذلك أن الجهل بالآخر يزرع الشك وعدم الثقة ويؤسس بالتالي للبغضاء والكراهية.


في الأساس لا تكون الوحدة الا مع الآخر . والآخر لا يكون إلا مختلفاً . وإلا فإنه لا يكون آخر . هذا يعني أن المحافظة على الوحدة تتطلب المحافظة على الآخر . وأن استمرارها هو استمرار له . وهذا يعني بدوره أن الوحدة يجب أن لا تؤدي بل يجب أن لا تعني أساسا محاولة إلغاء الآخر أو تذويبه ، وإلا تصبح وحدة مع الذات . فما من وحدة قامت واستمرت وازدهرت إلا وفيها تماه للآخر . وما من وحدة تهاوت وتفتت إلا نتيجة امتهان حق الآخر المكوّن لها في أن يكون نفسه ، أي في أن يكون آخر . يتحدث فرويد عن نرجسية الاختلاف . ويقول أنه "مهما كان الاختلاف محدوداً فإنه يحتل موقع القلب في هوية كل منا" .


أرسى الاسلام ثلاث قواعد أساسية تقوم عليها الوحدة في التنوع ؛

القاعدة الأولى هي الوحدة الإنسانية . بمعنى أن الناس جميعاً يشكلون أمة واحدة خلقها الله من نفس واحدة . ولقد قال القرآن الكريم " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى". [1]

القاعدة الثانية هي التنوع الانساني حيث تتابع الآية الكريمة "وجعلناكم شعوباً وقبائل" [2] . أي أن هذا التنوع جُعل بإرادة إلهية ، وأن وجوده هو تجسيد لهذه الإرادة الإلهية وتعبير عنها .


القاعدة الثالثة هي أن الهدف من هذا التنوع هو التعارف بين الناس تحقيقاً لوحدة تحفظ التنوع وتحترمه وتصونه . حيث تكتمل الآية القرآنية بتحديد الحكمة من التنوع بقولها "لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". [3]

فالتعارف هو الجسر الذي يربط بين الجماعات المتنوعة والمختلفة . ولكن لا تعارف من دون معرفة . ذلك ان التعارف يقوم اساساً على المعرفة . ويفترض بالآخر ان يكون مختلفاً حتى نتعرف اليه . ويفترض أن نكون نحن مختلفين عنه حتى يتعرف الينا . ومن دون هذا الاختلاف ما كانت هناك حاجة للمعرفة ، وما كان للتعارف اساساً أن يكون .


من هنا فإن الدعوة القرآنية للناس ليتعارفوا هي في حد ذاتها دعوة لهم للتعرف على ما بينهم من اختلافات وللاعتراف بهذه الاختلافات ، ولإدراك حتمية استمرارها ، ولبناء مجتمع انساني واحد ومتناغم على قاعدة معرفة المختلفين وتعارفهم .

كثيرة هي الاشارات الى الاختلاف والتنوع التي وردت في القرآن الكريم ، أذكر منها :

" وما كان الناس الا أمة واحدة فاختلفوا " . [4]

" ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ". [5]

" ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن ليدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ". [6]


لقد شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الناس رغم وحدة الخالق ، ووحدة الخلق ، أمما وشعوباً مختلفة . فالوحدة الانسانية تقوم على الاختلاف والتنوع وليس على التماثل والتطابق . ذلك ان الاختلاف آية من آيات عظمة الله ومظهر من مظاهر روعة ابداعه في الخلق . يقول القرآن الكريم :" ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين ". [7]

وبالتالي فان الاختلاف العرقي لا يشكل قاعدة لأفضلية ولا لدونية . فهو اختلاف في اطار الأسرة الانسانية الواحدة ، يحتم احترام الآخر كما هو وعلى الصورة التي خلقه الله عليها.


إذا كان احترام الآخر كما هو لوناً ولساناً ( اي اثنياً وثقافيا) يشكل قاعدة ثابتة من قواعد السلوك الديني في الاسلام ، فان احترامه كما هو عقيدة وايماناً هو اقرار بمبدأ تعدد الشرائع السماوية واحترام لمبدأ حرية الاختيار والتزام بقواعد عدم الاكراه في الدين .

فالقرآن الكريم يقول " لكل وجهة هو موليها " [8] . وفي اشارة واضحة الى تعدد التوجهات ، يقول أيضاً " وما بعضهم بتابع قبلة بعض ". [9]

" كُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ " . [10]

" كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " .[11]

معنى ذلك ، أنه مع اختلاف الألسن والألوان ، كان من طبيعة رحمة الله اختلاف الشرائع والمناهج ، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " . [12]

فالاختلاف الثقافي والعرقي والديني والمذهبي باق حتى قيام الساعة ، والحكم فيه يومئذ لله . والتعامل مع بقائه لا يكون بالغائه ولا بتجاهله ، بل بالتعرف اليه وتقبّله واحترامه كسنّة دائمة من سنن الكون .


لا يتناقض الاختلاف مع الوحدة الانسانية ، فالعلاقة التكاملية بين الوحدة والاختلاف تبرز من خلال المبادئ الثلاثة التالية التي قال بها القرآن الكريم :

المبدأ الأول هو التداول "وتلك الأيام نداولها بين الناس" .[13] إذ لو كان الناس كلهم شعباً واحداً أو اثنية واحدة او على عقيدة واحدة وفكر واحد، لما كانت هناك حاجة للتداول . ولأنهم مختلفون ، ولأن الارادة الإلهية شاءت أن يكونوا مختلفين ، كان لا بد من التداول . والتداول يعني تواصل الانسانية واستمرارها بما هو مناقض لمقولة نهاية التاريخ . فالتداول حياة ، والنهاية موات .



المبدأ الثاني هو التدافع " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" [14]. فالتدافع –وليس التحارب ولا التصادم- هو تنافس ارتقائي وتطويري للمجتمعات الانسانية المختلفة . ذلك ان المجتمعات هي كالمياه ، اذا ركدت اسنت ، واذا تحركت وتدافعت امواجها ، تعانقت مع حركة الضوء والريح مما يوفر لها عناصر الحياة والانتعاش والنمو والتقدم . فمن دون الاحتكاك الفكري والتلاقح الثقافي والتدافع الحضاري بين الناس المختلفين والمتنوعي الثقافات ، يفقد الذهن عطشه الى المعرفة التي هو عود الثقاب الذي يلهبه . ان الاختلاف بين الناس وما يشكل الاختلاف من تدافع هو احد أهم مستلزمات عدم فساد الأرض .

المبدأ الثالث هو التغاير " وما من دابة في الأرض ولا طائر بجناحيه الا أمم " [15]. " ولكل أمة رسول" [16] . " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم " . [17]

فالتغاير والاختلاف هو القاعدة ، وهي قاعدة عصية على التجاوز ، تشكل الثابت الدائم في المجتمعات الانسانية منذ بدء الخلق وحتى نهاية الزمن .

ولذلك ارسى الله قاعدة التعارف المكملة لقاعدة الاختلاف والتغاير . والقاعدتان معاً ، تشكلان الاساس الذي تقوم عليه الأخوّة الانسانية التي لا سلام ولا استقرار من دونها .

لقد قال الاسلام بالتعارف بين الجماعات البشرية ولم يقل بالتسامح . كان نيتشه على حق عندما اعتبر "التسامح اهانة للآخر" لما يتضمنه من فوقية المتسامِح تجاه المتسامَح معه.


إن علاقة الإسلام بالرسالات السماوية التوحيدية ليست علاقة تسامحية ولكنها علاقة إيمانية . ذلك أن إيمان المسلم لا يكتمل إلا بالإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله . ففي القرآن الكريم نص واضح بذلك " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .. " . [18]


وشتان بين العلاقة القائمة على الإيمان ، وتلك القائمة على التسامح . فالعلاقة الأولى ندية تقوم على الاعتراف بالحق واحترام الاختلاف ، بينما الثانية فوقية ، تقوم على انكار الحق والاستعلاء على المختلَف معه .

إن من شأن التعصب للدين أو للمذهب أو للجماعة أن يقيم جزراً من التنوع المتباعدة والجاهلة للآخر ، وبالتالي المتشككة فيه والمستنفرة دائماً لمواجهته . وهذا تنوع خارج اطار الوحدة . بل رافض لها . أما التعارف فانه على العكس من ذلك يقيم وحدة في اطار التنوع ، تعرف الآخر تعترف به ، وتبادله الاحترام والثقة والمحبة ، وهذه وحدة في اطار التنوع .

سلبيتان لا تصنعان ايجابية " وحدة تعسفية تطمس التنوع / وتعددية مطلقة ومتفلتة تأبى الوحدة " .

إن التعارف من حيث أنه يقوم على المعرفة ، هو إحدى أسمى هبات الله للانسان ، والأساس الذي تقوم عليه إخوة إنسانية تغتني بالاختلاف وتحترمه وتجعل منه قاعدة للائتلاف والتوافق وليس للخلاف والتنابذ .

تميزت اطلالة القرن الواحد والعشرين بثلاث ظواهر :

الظاهرة الأولى : هي سقوط الاتحاد السوفياتي وتمزّقه إلى عدة دول . ثم تمزق الاتحاد اليوغسلافي وتشيكوسلوفاكيا . ومع قيام سلسلة الدول الجديدة أعيد طرح الاسئلة حول موضوع المواطنة ، والتي سبق أن طرحت بعد سقوط الامبراطورية النمسوية - الهنغارية . ثم الامبراطورية العثمانية ، ولكن برؤى جديدة وفي ضوء تجارب طويلة وغنية .


من هذه الأسئلة : هل أن المواطنة هي حق الدم ، أو حق الأرض ، أو هي الانتماء الديني، أو الانتماء المذهبي ، أو التوافق الاجتماعي ؟.

الظاهرة الثانية التي تمثلت بها إطلالة القرن الجديد هي قيام الاتحاد الأوروبي. لقد تجاوز الاتحاد مفهوم المواطنة التقليدي الذي تبلور بعد الثورة الفرنسية في عام 1789 وأعطى مفهوماً جديداً لها يتعدى القومية (الفرنسية أو الألمانية أو الايطالية .. الخ ) فالمواطنة الأوروبية اليوم أصبحت أو هي في طريقها لأن تصبح مواطنة عابرة للقوميات . يكرس ذلك العملة الموحدة ، والعلم الموحد والسوق الواحدة ، كما يكرسه فتح الحدود ورفع الحواجز وإلغاء الضرائب الجمركية .

وكما ان الولاء ولاءات تتكامل ولا تتناقض في الجوهر ، كذلك فان المواطنة مواطنات تتمتع بذات مواصفات التكامل وعدم التناقض . هذه المواطنات هي : المواطنة في إطار الدولة الواحدة والتي تحددها الحقوق والواجبات المتساوية، والمواطنة في إطار الثقافة الواحدة والتي تحددها اللغة والموروث الحضاري المشترك ، والمواطنة في إطار العالم الواحد التي تحددها المواثيق والقوانين الدولية .



الظاهرة الثالثة هي طيّ صفحة الاستعمار المباشر وما خلّفه وراءه من حدود سياسية راعت مصالح المستعمر على حساب مقومات الهوية الوطنية . إذ أن هذه الحدود شتتت قبائل وقسمت اثنيات وباعدت بين مؤمنين بعقيدة واحدة يتكلمون لغة واحدة أو ينتمون الى ثقافة واحدة وحتى الى عنصر واحد ، من آسيا الهند وباكستان وبنغلادش الى شرق ووسط وغرب افريقيا ، مروراً بالشرق الأوسط ، وقبرص .


إن وحدة الجنس او اللون او اللغة ليست ضرورة حتمية لا يتحقق التفاهم بدونها ، ولا يكون التعايش إلا على أساسها . لذلك لا بد ، من أجل اقامة علاقات مبنية على المحبة والاحترام في المجتمعات المتعددة ، من الحوار على قاعدة قبول واحترام هذه الاختلافات التي خلقها الله ، وارادها ان تكون ، والتي يتكشّف للعلم أنها موجودة حتى في الجينات الوراثية الفردية التي تشكّل شخصية كل منّا وتمايزاتها .

في ضوء هذه المبادئ العامة ، ليس صحيحاً أن الدول لا تقوم إلا على هوية واحدة . هناك دول انهارت مثل هايتي ، أو تقسّمت مثل كوريا رغم وحدة الهوية واللغة والجنس. وهناك دول قامت وازدهرت رغم تعدد هوياتها ، كالولايات المتحدة والهند والاتحاد الروسي مثلاً . فالاسبانية كلغة وكلسان ثقافي بدأت تنافس الانكليزية في معظم الولايات الاميركية .

ولقد منحت مقاطعة كوبيك في كندا حق استخدام "وسائل قسرية رسمية" لمنع سيطرة اللغة الانكليزية في المقاطعة على حساب اللغة الفرنسية التي تعتبرها لغتها الأم .


لقد توحّدت ايطاليا في عام 1861 وتوحّدت المانيا في عام 1871 على أساس وحدة الثقافة والدم. وانهارت الامبراطورية النمساوية - الهنغارية في عام 1918 على أساس عدم استيعاب تعدد الثقافات والاثنيات في صيغة تجمع بين مكوناتها المتعددة في ظل شرعة دستورية واحدة في وطن واحد . وهو ما حلّ بالامبراطورية العثمانية كذلك رغم كل المحاولات التي قامت بها لتجنّب هذا المصير .


لم تقم الدول التي انبثقت عن انهيار الامبراطوريتين التاريخيتين على أساس هوياتها العرقية أو الدينية المحددة ، بقدر ما قامت على أساس تقاسم النفوذ بين ورثة الامبراطوريتين سواء كان ذلك في البلقان ، أو في الشرق الاوسط . أو في افريقيا حيث رسمت حدود الدول وحددت هوياتها الوطنية من دون أي حساب لانتماءات سكانها أو خياراتهم . وربما تعود الانفجارات السياسية التي تشهدها القارة السمراء بين وقت وآخر، والتي تصاحبها مجازر جماعية ، إلى هذا الامر . وتشهد على ذلك أحداث الكونغو ، ورواندة التي تسببت في مقتل أكثر من مليون انسان في أشهر معدودات !!.

وفي العالم الاسلامي ، وقبل انتهاء نظام الخلافة الاسلامية في عام 1924 ، أصدر السلطان عبد الحميد في عام 1856 ما يعرف بالخط الهمايوني . وقبل ذلك كان صدر خط شريف كولخانة في عام 1839 والخطان يقرران مبدأ المواطنة لجميع رعايا الامبراطورية العثمانية على اختلاف مللهم . ثم أن الخديوي محمد سعيد أصدر في مصر أمراً بإلغاء الجزية عن أهل الذمة في عام 1855 . وحسم الأمر نهائياً الدستور العثماني الصادر في عام 1876 إذ أسقط عبارة أهل الذمة وقال بالمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين .


- كان هناك نظام تعددي في بريطانيا الانكليكانية يتعلق بالإيرلنديين الكاثوليك (1850-1921)

- وكان هناك نظام تعددي في كل من النرويج والسويد يتعلق بالأقليات الاثنية (1850-1940)

- وكان هناك نظام تعددي في فنلندة تحت الاحتلال الروسي (1850-1917).

- ولا يزال النظام التعددي – اللغوي مستمراً منذ عام 1940 حتى اليوم في بلجيكا .

- وعرفت بروسيا نظاماً تعددياً عنصرياً يتعلق بالأقليات (1860-1914).

- وعرفت بولندة أنظمة مماثلة في ظل كل من الاحتلالات النمساوية والروسية والألمانية (1850-1918) .

ثم وضعت نظاماً خاصاً بالأقليات فيها (1918-1939).

- وتمتعت المدارس الألمانية في تشيكوسلوفاكيا بنظام خاص (1918-1938)

- واعتمدت إيطاليا نظاماً طائفياً للأقليات فيها (1860-1940) .

- كما اعتمدت اسبانيا نظاماً مماثلاً (1850-1940).

- وكذلك البوسنة (1850-1918) . وهي تعيش اليوم أيضاً نظاماً طائفياً يتوزع الرئاسات والصلاحيات بين المسلمين البوسنيين والأرثوذكس الصرب ، والكاثوليك الكروات (اتفاق دايتون) [19] .

إن الجامع المشترك بين كل هذه التجارب هو أنها لم تعتمد المحاصصة في ادارة الدولة . ولو أنها فعلت ذلك لما كانت هذه الدول والمجتمعات على الصورة التي هي عليها الآن والتي فتحت أمامها آفاق الاتحاد الأوروبي .

من هنا يفرض السؤال التالي :

هل الوحدة الوطنية تحقق السلم الأهلي أم ان السلم الأهلي هو الذي يحقق الوحدة الوطنية؟.

أيهما سابق للآخر .. وأيهما قائم على الآخر أو مسبب له ؟

من الطبيعي أن أي وحدة وطنية لا يمكن أن تصمد اذا تصدع السلم الأهلي . ولكن ما هي العوامل التي تؤدي الى تصدّع السلم الأهلي ؟ أليس تجاوز الأسس التي تقوم عليها الوحدة الوطنية وتوجيه الطعنات الى قيمها ومبادئها وأسسها على النحو الذي نراه اليوم؟

ان الوحدة الوطنية والسلم الأهلي وجهان لعملة واحدة ، لا يكون أحدهما من دون الآخر.

ونحن لا نستطيع أن نمزق وجها ونحافظ على الوجه الآخر .

بمعنى ان أي عمل أو موقف أو قول يسيء الى الوحدة الوطنية يعرض السلم الأهلي للخطر ، وبالعكس . فالسلم الأهلي لا يهتز ولا يتداعى إلا إذا فشلت الوحدة الوطنية في حمايته وفي تثبيت أركانه .

ولكن عندما نتحدث عن الوحدة الوطنية في وطن متعدد الأديان أو المذاهب أو القوميات، فماذا نعني ؟

أولاً : لا نعني الانصهار . فالناس ليسوا معادن قابلة للتذويب . الناس جماعات من البشر. ولكل جماعة خصائصها الذاتية ثقافياً وتربوياً ودينياً ومذهبياً . بل ان لها نرجسياتها التي مهما كانت صغيرة أو قليلة فانها تجعل منها أساساً في هويتها وفي شخصيتها . هذا يعني ان الوحدة الوطنية لا تعني ازالة الاختلافات ولا حتى تجاوزها ، ولكنها تعني الاعتراف بالاختلافات واحترامها . والاعتراف لا يعني ان لها حصة في الدولة والا فان مؤسسات الدولة تصبح موزعة الى حصص تتناتشها الجماعات المتعددة المكونة لها . ولا شك في أن أسوأ أو أخطر ما في نظام الحصحصة هو اعطاء الأولوية في مواقع الدولة ومؤسساتها للمنتمين الى هذه الطائفة أو الجماعة أو تلك ، على حساب الكفاءة . ولبنان الذي اعتمد منذ عهد الانتداب الفرنسي في عام 1920 هذا النظام ، لم يستطع التخلص منه رغم الأثمان المرتفعة التي دفعها ولا يزال . ولقد نص الدستور اللبناني على أن هذا النظام مؤقت ، الا أن المصالح التي تحققها القوى السياسية التي تستثمر نظام المحاصصة أبقت عليه رغم ضرره وسيئاته ورغم معرفتها بضرره وسيئاته ورغم اعترافها بذلك أيضاً . ومع ذلك فقد حالت دون التخلص منه ، لأنها آثرت مصلحتها في المحاصصة على المصلحة الجماعية المشتركة .


وفي المجتمع المتعدد فان الرضى الذي ينعكس سلماً أهلياً يقوم على إدراك الحقيقة الجامعة التالية . وهي أن أي مكون من مكونات الوحدة الوطنية لا يستطيع أن يفرض مصالحه وتصوراته على المكونات الأخرى بالقوة . كذلك لا يستطيع أي من هذه المكونات التفرد بالانسحاب من العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الوحدة الوطنية ووحدة الدولة .


ولنا من تجارب الآخرين الكثير من الدروس والعبر . بل ان لنا من تجاربنا العربية الذاتية ما يغنينا حتى عن تجارب الآخرين . فنحن لا نفتقر الى التجارب . ولكننا نفتقر الى استخلاص الدروس والعبر منها . ولأننا لا نفعل ذلك ، نرتكب الخطأ ذاته مثنى وثلاث ورباع .. وفي كل مرة بذريعة مختلفة . إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا لدى الشعوب المتخلفة التي لا تتعلم من التاريخ ، بل لا تتعلم الا في التاريخ .

فنحن لم نتعلم من اخفاقاتنا وهي كثيرة ، ولا حتى من نجاحاتنا وهي قليلة . نرتكب الخطأ بعيون مفتوحة ، وأحياناً عن سابق تصور وتصميم . وإذا نجحنا ، فبالصدفة . وغالباً من دون استعداد. ولذلك لا نحسن التعامل مع النجاح ولا نحسن توظيفه واستثماره لأننا لا نوليه حق قدره . فيتآكل مع الوقت ويتلاشى ، وكأنه لم يكن .


عندما نرهن وحدتنا الوطنية بلعبة الأمم أو بلعبة الصراعات الاقليمية وانتماءات ما وراء الحدود ، فاننا نضع سلمنا الأهلي بأيدي اللاعبين الأممين والخارجيين ، وفي لعبة الأمم لا توجد حسابات للدماء والدموع . فالضحايا هي مجرد أرقام . والدمار يكون مجرد مشاهد مروعة على الشاشات وفي الصحف ، لا تجد طريقها الى الضمائر أو الى غرف اتخاذ القرارات . إن هذه الغرف جاهزة فقط ودائماً لإعادة رسم خريطة هذه الدولة أو تلك . فلا وحدة وطنية تشكل عائقاً أمامها ، ولا سلم أهلي تحسب لمخاطر تداعيات سقوطه . لم ينقرض مارك سايكس ولا جورج بيكو . قد تتغير الأسماء وتستمر المهمة . ولذلك وحدهم أصحاب الوحدة الوطنية هم الذين يستطيعون حفظها . ووحدهم أهل السلم الأهلي هم الذين يستطيعون صيانته والمحافظة عليه .


إن كل مجتمع متعدد مفتوح دائماً على احتمالات الخلاف ، ولذلك فهو يحتاج الى آلية وطنية مشتركة تعتمد أساساً لحل أي خلاف ولمعالجة أي سوء تفاهم ، وذلك في اطار الدستور والقوانين والأعراف الوطنية . ويشكل الحوار أساس هذه الآلية والمرجع الصالح لقطع الطريق أمام أي لجوء الى العنف او الى الاستقواء به في التعامل مع اي خلاف .

والقاعدة التحكيمية التي يحسن اعتمادها في ادارة مجتمع متعدد هي القاعدة الشافعية (الإمام الشافعي) التي تقول : "رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" . ان أي مكون من مكونات هذا المجتمع لا يملك حق احتكار الصواب في موقفه أو في رأيه ، ولا يملك حق اختصار المصلحة العامة في مصلحته الخاصة .


من هنا أهمية ثقافة الانفتاح على الرأي المختلف واحترامه ، وعلى تكامل المصالح واحترامها . ومن هنا أيضاً فان المدخل السليم الى ذلك هو الحوار من حيث هو البحث عن الحقيقة المشتركة وعن المصلحة المشتركة مع الآخر ومن خلاله .


لا يتخلى عن الحوار الا من يعتقد انه وحده على حق وان الآخرين في ضلال .. ولذلك فانه يذهب في دفاعه عما يعتقد انه صواب الى حد اللجوء الى العنف لإثبات صحة ما ذهب اليه ليس بقوة المنطق ، بل بمنطق القوة والعنف .

وبالنتيجة ، فان الحوار الذي يقوم على أساس الاعتراف بالآخر وبحقه ، يسقط أمام العنف الذي يقوم على أساس انكار الآخر وانتهاك حقه .


ليست المشكلة في وجود اختلافات وتباينات في المجتمع المتعدد ، ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود ثقافة احترام الاختلاف والتعدد . وبسبب ذلك قد يلجأ طرف ما الى شيطنة طرف آخر مختلف معه ، وذلك لتبرير مقاطعته ورفضه ولمحاولة إلغائه .



ولكن حتى مع هذه الشيطنة ، فان الحوار لا العنف يبقى الوسيلة الاجدى والأنفع للخروج من المأزق الى الانفراج والتفاهم . ففي ثقافتنا الاسلامية ان الله سبحانه وتعالى لم يحاور الملائكة والأنبياء فقط، ولكنه حاور الشيطان أيضاً . ورغم تمرد الشيطان واستكباره ، فان الله لم يلغه من الوجود ولم يعده الى العدم وهو القادر على كل شيء ، ولكنه استجاب الى طلبه وأخّره الى يوم البعث لحكمة إلهية هو أعلم بها . فالحوار –حتى مع الشيطان أو مع المشيطن- هو الوسيلة وهو الأساس للتعامل مع الاختلافات . وكلما كانت هذه الاختلافات شديدة وعميقة تكون الحاجة الى الحوار أكثر ضرورة وأشد أهمية .


يحتاج كل مجتمع الى قاعدة توافقية يحتكم اليها . والمجتمع المتعدد يحتاج الى مثل هذه القاعدة أكثر من غيره . واذا لم تكن القاعدة هي الحوار ، فانها لن تكون سوى العنف .


احتكمت مجتمعات عديدة الى قاعدة العنف وعملت دول عديدة بنظرية ان الحرب هي دبلوماسية بوسائل اخرى . ولكنها دفعت ثمن هذه الدبلوماسية (بالوسائل الاخرى) خراباً ودماراً ومئات الملايين من القتلى سواء في حروب أهلية أو في حروب بينية . ولقد فتحت هذه الصراعات الأبواب أمام التدخلات الخارجية على النحور الذي عرفناه في السودان وأدى الى تقسيمه ، وعلى النحو الذي عرفناه في العراق وادى الى احتلاله ، وعلى النحو الذي عرفناه في لبنان وأدى الى تدميره ، وعلى النحو الذي تتعرف عليه الآن سوريا وأدى على تخريبها .




خاتمة :


في كتابه الشهير "المحمول" أو "القاموس الفلسفي المحمول" ، يروي فولتير الحوار التالي بين شخصيتين من الشخصيات التي ابتدعها :-

يسأل الأول : ما هي أفضل دولة أو ما هي الدولة الأمثل في العالم ؟.

يردّ الثاني : انها الدولة التي لا يخضع فيها أحد إلا للقانون .

غير ان القانون ليس مجرد قصاصات من ورق . انه كائن حي ، له روح . فعندما ينتهَك أو عندما يُساء استخدامه أو تلوى ذراعه ، فانه يفقد صدقيته ويخسر قوته وتتلاشى قيمته. وأي دولة يفقد قانونها أياً من هذه القيم ، لا يمكن أن تكون دولة فاضلة . بل لا يمكن أن تكون دولة .

عرفت أوروبا مفهوم الدولة الوطنية في مؤتمر وستفاليا في القرن السابع عشر . ولم يأت هذا المفهوم الجديد من لا شيء ، ولم يهبط عليها من السماء .

لقد كان ثمرة حرب الثلاثين عاماً التي فتكت بأوروبا بين الكاثوليكية والبروتستنتية ، والتي ذهب ضحيتها عشرات الملايين من الأوروبيين .

وبعد حربين عالميتين دمرت أوروبا مرتين ، وأودت بحياة مئات الملايين من الضحايا، أدرك الأوروبيون أن الحريق في أي دولة (اجتياح ألمانيا النازية لبولندة) من شأنه أن يحرق كل القارة الأوروبية . كان هذا الإدراك المشترك الحافز وراء ولادة الاتحاد الأوروبي . وحتى بعد نشوب حرب البلقان في التسعينات من القرن الماضي ، أدركت أوروبا ان اندلاع النيران لا يقف عند حدود البلقان ، فكان تدخلها العسكري (مع الولايات المتحدة) لكبح جماح الطموحات القومية الصربية وما أسفرت عنه من جرائم ضد الانسانية ، كان المسلمون ضحيتها .

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email