الناس ليسوا معادن قابلة للتذويب، الناس جماعات من البشر

أثر المحاصصة السياسية

على أتباع الحضارات المتنوعة


الورقة من منشورات كتاب صدر عن مؤتمر حوار الحضارات والثقافات «الحضارات في خدمة الإنسانية»(5 مايو/ أيار 2014) بمشاركة 500 شخصية من مفكرين وباحثين ورجال دين وعلماء، 150 منهم من خارج مملكة البحرين.

-------------------


الدكتوراللبناني محمد السماك

أقامت العولمة جسوراً من التواصل والاتصال بين الأمم والشعوب المختلفة لم تكن موجودة من قبل . ساعد ذلك على فتح آفاق للتعارف وللمعرفة لم يكن الوصول إليها بمثل السهولة التي هي عليها الآن . ومن خلال ذلك تولّد شعور عام بأن الشعوب والأمم تعرف الآن عن ثقافات وأدبيات بعضها كما لم تكن تعرف من قبل .


والقاعدة العامة تقول أن المعرفة الصحيحة تؤدي إلى التعارف الصحيح. فالتعارف - أي تبادل المعرفة بين الناس- ينطلق أساساً من الاعتراف بالاختلاف والتباين بين الناس، كما ينطلق من التعامل مع هذه الحقائق التكوينية في الذات الإنسانية على أنها ظاهرة طبيعية وعلى أنها تعبير عن إرادة إلهية في أن يكون الناس مختلفين. فاختلاف الألسن والألوان - أي الاختلاف في اللغات والأجناس- آية من آيات الله البينات. ثم أن التعارف الذي يؤسس للاحترام المتبادل على قاعدة هذه الاختلافات والتباينات ، وليس على قاعدة الغائها أو حتى تجاوزها وتجاهلها ، هو أيضاً استجابة للدعوة الإلهية .

إن التنوع الحضاري على مستوى الإنسانية ، والتعدد الثقافي على مستوى المجتمعات الوطنية ، يحتمان تبادل الاحترام ، وهذا لا يكون الا بتبادل المعرفة، ذلك أن الجهل بالآخر يزرع الشك وعدم الثقة ويؤسس بالتالي للبغضاء والكراهية.


في الأساس لا تكون الوحدة الا مع الآخر . والآخر لا يكون إلا مختلفاً . وإلا فإنه لا يكون آخر . هذا يعني أن المحافظة على الوحدة تتطلب المحافظة على الآخر . وأن استمرارها هو استمرار له . وهذا يعني بدوره أن الوحدة يجب أن لا تؤدي بل يجب أن لا تعني أساسا محاولة إلغاء الآخر أو تذويبه ، وإلا تصبح وحدة مع الذات . فما من وحدة قامت واستمرت وازدهرت إلا وفيها تماه للآخر . وما من وحدة تهاوت وتفتت إلا نتيجة امتهان حق الآخر المكوّن لها في أن يكون نفسه ، أي في أن يكون آخر . يتحدث فرويد عن نرجسية الاختلاف . ويقول أنه "مهما كان الاختلاف محدوداً فإنه يحتل موقع القلب في هوية كل منا" .

سيغموند_فرويد

أرسى الاسلام ثلاث قواعد أساسية تقوم عليها الوحدة في التنوع ؛

القاعدة الأولى هي الوحدة الإنسانية . بمعنى أن الناس جميعاً يشكلون أمة واحدة خلقها الله من نفس واحدة . ولقد قال القرآن الكريم " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى". [1]

القاعدة الثانية هي التنوع الانساني حيث تتابع الآية الكريمة "وجعلناكم شعوباً وقبائل" [2] . أي أن هذا التنوع جُعل بإرادة إلهية ، وأن وجوده هو تجسيد لهذه الإرادة الإلهية وتعبير عنها .


القاعدة الثالثة هي أن الهدف من هذا التنوع هو التعارف بين الناس تحقيقاً لوحدة تحفظ التنوع وتحترمه وتصونه . حيث تكتمل الآية القرآنية بتحديد الحكمة من التنوع بقولها "لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". [3]

فالتعارف هو الجسر الذي يربط بين الجماعات المتنوعة والمختلفة . ولكن لا تعارف من دون معرفة . ذلك ان التعارف يقوم اساساً على المعرفة . ويفترض بالآخر ان يكون مختلفاً حتى نتعرف اليه . ويفترض أن نكون نحن مختلفين عنه حتى يتعرف الينا . ومن دون هذا الاختلاف ما كانت هناك حاجة للمعرفة ، وما كان للتعارف اساساً أن يكون .


من هنا فإن الدعوة القرآنية للناس ليتعارفوا هي في حد ذاتها دعوة لهم للتعرف على ما بينهم من اختلافات وللاعتراف بهذه الاختلافات ، ولإدراك حتمية استمرارها ، ولبناء مجتمع انساني واحد ومتناغم على قاعدة معرفة المختلفين وتعارفهم .

كثيرة هي الاشارات الى الاختلاف والتنوع التي وردت في القرآن الكريم ، أذكر منها :

" وما كان الناس الا أمة واحدة فاختلفوا " . [4]

" ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ". [5]

" ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن ليدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ". [6]


لقد شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الناس رغم وحدة الخالق ، ووحدة الخلق ، أمما وشعوباً مختلفة . فالوحدة الانسانية تقوم على الاختلاف والتنوع وليس على التماثل والتطابق . ذلك ان الاختلاف آية من آيات عظمة الله ومظهر من مظاهر روعة ابداعه في الخلق . يقول القرآن الكريم :" ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين ". [7]

وبالتالي فان الاختلاف العرقي لا يشكل قاعدة لأفضلية ولا لدونية . فهو اختلاف في اطار الأسرة الانسانية الواحدة ، يحتم احترام الآخر كما هو وعلى الصورة التي خلقه الله عليها.


إذا كان احترام الآخر كما هو لوناً ولساناً ( اي اثنياً وثقافيا) يشكل قاعدة ثابتة من قواعد السلوك الديني في الاسلام ، فان احترامه كما هو عقيدة وايماناً هو اقرار بمبدأ تعدد الشرائع السماوية واحترام لمبدأ حرية الاختيار والتزام بقواعد عدم الاكراه في الدين .

فالقرآن الكريم يقول " لكل وجهة هو موليها " [8] . وفي اشارة واضحة الى تعدد التوجهات ، يقول أيضاً " وما بعضهم بتابع قبلة بعض ". [9]

" كُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ " . [10]

" كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " .[11]

معنى ذلك ، أنه مع اختلاف الألسن والألوان ، كان من طبيعة رحمة الله اختلاف الشرائع والمناهج ، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " . [12]

فالاختلاف الثقافي والعرقي والديني والمذهبي باق حتى قيام الساعة ، والحكم فيه يومئذ لله . والتعامل مع بقائه لا يكون بالغائه ولا بتجاهله ، بل بالتعرف اليه وتقبّله واحترامه كسنّة دائمة من سنن الكون .


لا يتناقض الاختلاف مع الوحدة الانسانية ، فالعلاقة التكاملية بين الوحدة والاختلاف تبرز من خلال المبادئ الثلاثة التالية التي قال بها القرآن الكريم :

المبدأ الأول هو التداول "وتلك الأيام نداولها بين الناس" .[13] إذ لو كان الناس كلهم شعباً واحداً أو اثنية واحدة او على عقيدة واحدة وفكر واحد، لما كانت هناك حاجة للتداول . ولأنهم مختلفون ، ولأن الارادة الإلهية شاءت أن يكونوا مختلفين ، كان لا بد من التداول . والتداول يعني تواصل الانسانية واستمرارها بما هو مناقض لمقولة نهاية التاريخ . فالتداول حياة ، والنهاية موات .



المبدأ الثاني هو التدافع " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" [14]. فالتدافع –وليس التحارب ولا التصادم- هو تنافس ارتقائي وتطويري للمجتمعات الانسانية المختلفة . ذلك ان المجتمعات هي كالمياه ، اذا ركدت اسنت ، واذا تحركت وتدافعت امواجها ، تعانقت مع حركة الضوء والريح مما يوفر لها عناصر الحياة والانتعاش والنمو والتقدم . فمن دون الاحتكاك الفكري والتلاقح الثقافي والتدافع الحضاري بين الناس المختلفين والمتنوعي الثقافات ، يفقد الذهن عطشه الى المعرفة التي هو عود الثقاب الذي يلهبه . ان الاختلاف بين الناس وما يشكل الاختلاف من تدافع هو احد أهم مستلزمات عدم فساد الأرض .

المبدأ الثالث هو التغاير " وما من دابة في الأرض ولا طائر بجناحيه الا أمم " [15]. " ولكل أمة رسول" [16] . " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم " . [17]

فالتغاير والاختلاف هو القاعدة ، وهي قاعدة عصية على التجاوز ، تشكل الثابت الدائم في المجتمعات الانسانية منذ بدء الخلق وحتى نهاية الزمن .

ولذلك ارسى الله قاعدة التعارف المكملة لقاعدة الاختلاف والتغاير . والقاعدتان معاً ، تشكلان الاساس الذي تقوم عليه الأخوّة الانسانية التي لا سلام ولا استقرار من دونها .

لقد قال الاسلام بالتعارف بين الجماعات البشرية ولم يقل بالتسامح . كان نيتشه على حق عندما اعتبر "التسامح اهانة للآخر" لما يتضمنه من فوقية المتسامِح تجاه المتسامَح معه.


إن علاقة الإسلام بالرسالات السماوية التوحيدية ليست علاقة تسامحية ولكنها علاقة إيمانية . ذلك أن إيمان المسلم لا يكتمل إلا بالإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله . ففي القرآن الكريم نص واضح بذلك " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .. " . [18]


وشتان بين العلاقة القائمة على الإيمان ، وتلك القائمة على التسامح . فالعلاقة الأولى ندية تقوم على الاعتراف بالحق واحترام الاختلاف ، بينما الثانية فوقية ، تقوم على انكار الحق والاستعلاء على المختلَف معه .

إن من شأن التعصب للدين أو للمذهب أو للجماعة أن يقيم جزراً من التنوع المتباعدة والجاهلة للآخر ، وبالتالي المتشككة فيه والمستنفرة دائماً لمواجهته . وهذا تنوع خارج اطار الوحدة . بل رافض لها . أما التعارف فانه على العكس من ذلك يقيم وحدة في اطار التنوع ، تعرف الآخر تعترف به ، وتبادله الاحترام والثقة والمحبة ، وهذه وحدة في اطار التنوع .

سلبيتان لا تصنعان ايجابية " وحدة تعسفية تطمس التنوع / وتعددية مطلقة ومتفلتة تأبى الوحدة " .

إن التعارف من حيث أنه يقوم على المعرفة ، هو إحدى أسمى هبات الله للانسان ، والأساس الذي تقوم عليه إخوة إنسانية تغتني بالاختلاف وتحترمه وتجعل منه قاعدة للائتلاف والتوافق وليس للخلاف والتنابذ .

تميزت اطلالة القرن الواحد والعشرين بثلاث ظواهر :

ال