غريزة الكلام وفصام السكوت..جدل في سيكولوجيا الحكاية من التراث إلى العرض المسرحي.. عندما صمت عبدالله



افتقدت الحركة الثقافية والفكرية في البحرين منذ سنوات حضور المسرح وفاعلية في التجاذب مع متغيرات المجتمع، وأسئلة الثقافة والمعرفة وظلت الأعمال المسرحية المقدمة تفتقد إلى عنصر جوهري وهو «بناء معرفة» قادرة على فتح المجال لبساط العقل والوعي واتاحة الفرصة المشرعة للنظر إلى حياتنا من بوابة عقل «كلي» يستطيع أن يفسر الإنقطاعات الكبرى التي يمر بها المجتمع العربي. لقد أعادت الأعمال المسرحية والكثير من الكتابات الأدبية بشكل عام إنتاج ما دأبت عليه عقود ماضية، فلم تغادر موقفها، لكن تأتي مسرحية «عندما صمت عبدالله الحكواتي» بلمحة برق خاطفة لم يتوقف أحد مع ما تطرح من جدل يطال حياتنا اليومية وما يتهددها من متغيرات وإنكسارات في ثقافتنا العربية. وهذه المقالات محاولة لفتح مجال معنى يكمن في سيكولوجيا الحكاية منذ التراث ومنذ عروض مسرحية وسير فكرية تتقاطع بشكل مباشر مع راهن الثقافة العربية.



الأستاذ الدكتور إبراهيم غلوم

هناك قضايا كثيرة تثيرها بعض الأعمال الإبداعية، لا لشيء سوى لانفتاحها على رؤية يتدرّج فيها المعنى من البساطة الشديدة إلى المعرفة العميقة، ومن غير أن يرتبط ذلك بمؤلف أو مخرج ذي خبرة واسعة وتجربة عريضة بقدر ما يرتبط بـ «وعي» يتصل بحدس اللحظة الراهنة، المقاربة لشغاف حدث تاريخي قريب العهد بالمجتمع .. وأعتقد أن مسرحية : (عندما صمت عبدالله الحكواتي) تمتلك احتضان هذه الصفة بقدر كبير من الحرارة والصدق والمسؤولية ، فمعدّ النص ومخرجها (حسين عبدالعلي) شاب حديث العهد بالكتابة والإخراج، وفضاء النص والعرض على بساطته يمنح لنا فرصة واسعة لمناقشة الكثير من الأفكار الجوهرية المتصلة بصراع الرغبات الإنسانية الكامن وراء ما ننفطر عليه، أو ربما ما نصطنعه من أشكال التواصل وخاصة التواصل عبر ماهو لغوي كلامي.. ومن جانب آخر - لا تقلّ أهميته - فإن كيفية بناء النص والعرض المسرحي .. وتوقيته في هذه اللحظة يجعل المسافة التي نتخذ منها زاوية لقراءة هذا العرض من القرب بحيث أنها لا تعمِّي علينا مدارج قدرة هذا العرض المسرحي على أن يستبطن متغيرات الحدث العربي الراهن الذي تبدو الكثير من منعطفاته وتحوّلاته خاضعة، بل وموجهة بأدوات ثورة لغوية تواصلية إلكترونية لا يمكن وصف ما يكمن وراء احتمالاتها من نزوات النفوذ، ورغبات الثأر، ودوافع الانتقام والانقسام والصراع ، حتى ليكاد يصل امتدادها إلى التاريخ البعيد.. ويصل حدسها إلى أبعد ما لم يأت به بعد من كوارث, أو ينذرنا من مخاوف ترسم تخوماً لمستقبل قد لا يكون لوجودنا العربي فيه يد على الإطلاق.. الكلام والسكوت هما معضلة الأمس، وهما معضلة اليوم، لم يتوقف الكثيرون عند مفاصل الألم فيهما، ولا عند فلسفة وجودهما في تشكيل حياة الصراع البشري اللهم إلاّ ما جرت عليه بحوث الفلاسفة، أما تقاطع حضور الصراع من جراء الكلام أو السكوت في حياتنا الاجتماعية واليومية، فنحن عنها في غفلة تكاد تكون مطلقة.. ولم تغنِ حكم الحكماء وأخلاقيات الدين شيئاً في ردع نزوات الكلام والسكوت، وفي أزمنتنا العربية الراهنة والطاحنة تنفجر نزوات «عقل الكلام» و»عقل السكوت» في سلسلة من المواقف الانقلابية التي تصل حدّ المأساة، وتشرع فلسفة الإعلام الجديد المضللة لهذا العقل مساحة لا حدود لحكوماتها وسلطاتها ورعبها المدمِّر.. ولا يبدأ ذلك من أفراد وإنما يبدأ من استراتيجيات تتسع حدِّ الامبراطوريات القديمة، فلا يبدأ الكلام إلاّ من حيث هناك ايديولوجيا، ومعتقدات أقرب إلى الخرافة منها إلى الدين، ومن حيث هي أطماع واستعمار واستحواذ واستبداد أقرب إلى التوحش منه إلى الحضارة وكشوف الألفية الثالثة ووعود الديمقراطيات الإنسانية الجديدة. هل يستطيع أحدٌ اليوم أن يغشي عينيه عن رؤية فظائع الربيع العربي.. أليست هذه كلمتان فقط دشنتهما قوة الفاعلية الثقافية للناطقين بـ «كلام» المؤسسة الإعلامية الأمريكية الضالعة في صناعة بضع كلمات .. يطلقها بقوة مدمِّرة تفوق قوة الآلة العسكرية التي دمّرت خليجنا ومحيطنا العربيين.. مجرد كلمات مثل: ارهاب، السلام، الشرق المتوسط الجديد، مفاعل نووي.. صراع حضاري.. الخ.. اختزلتنا كالدمى، وضللتنا في عمى لا دليل له.. دوّت كلمة الربيع بأحلام وآمال لا وصف لضلالها، وأصبحت أمّة بأسرها مغرّرة بوعودها، وتحوّلت كلمة الناطق بلسان المؤسسة الأمريكية إلى هدير الكتروني من الكلام.. وضجيج ثوري تتلقفه مصفوفات الكلام الذي تدربت عليه أحزاب وتنظيمات ران عليها غياب العقل في اللغة أكثر من 80 عاماً.. فنزح تجريبها في بناء الدولة والديمقراطية وسط مفاهيم ضاربة في التخلف والخرافة وغياب العقل.. تراجيديا الكلام، وفصام السكوت هما المقولة التي سوف أستنبطها على هامش العرض المسرحي (عندما سكت عبدالله الحكواتي، وسوف أتحاشى تعاريج الدخول في إسقاطات الواقع الاجتماعي والسياسي مكتفياً بدلالات الطبيعة الدرامية التي أستنبطها لا من هذا العرض فقط، وإنما من مرجعيته التراثية / العربية، وخاصة في ألف ليلة وليلة، وفي مجمل السردية العربية الكلاسيكية. يتألف عرض (عندما سكت عبدالله الحكواتي) من مجموعة من الحكايات التي يتم حكيها وتمثيلها في آن واحد وسط أجواء أحد البيوت البحرينية القديمة في المنامة.. كان فضاء البيت مفتوحاً إلى الأعلى بينما دهاليز وأبواب وظلمات البيت تحيط بمربع صغير سوف يحتضن منصة الكلام.. منصة العرض.. منصة الحكي ومنصة التمثيل.. وسيواجه المتفرجون من جهات أربع زوايا مختلفة نوعاً مّا من إشعاع هذه الأشكال الأربعة مجتمعة (العرض والكلام والحكي والتمثيل).. وقد كان المقعد الذي اتخذته لنفسي حول هذا المربع مستحوذاً على تلقي المواجهة المركزية لتلك الفاعليات الأربع.. فطوال العرض كنت في مواجهة مباشرة لوجوه الممثلين، وكأنهم يفترضون بأن الجانب الغربي من البيت هو مركز التلقي وبؤرته.. ولا غرابة في ذلك - وإن أراد المخرج غير ذلك - ذلك أن الفاعليات الأربع التي ستعمل مجتمعة دون انفصال تفترض وجود مخاطب محدَّد (متلقي) فالعرض له واجهة عيانية واضحة هامة.. والظلام مداره مخاطبٌ يقف في نقطة محددة.. ومن ثمَّ فالحكي له مستمع يرهف سمعه من جهة محدَّدة أيضاً، وأخيراً فالتمثيل يستثير الجسد نحو أقسام محددة.. قوية تارة أو ضعيفة تارة أخرى، والتخصيص في تواصل هذه الفاعليات الأربع متعين بحكم منطق التواصل السيكولوجي والفيزيائي والكيميائي للجسد بمجرد أن يبدأ الإشعاع الأول لواحدة من تلك الفاعليات. ومنذ البدء سأقرّر بأن هذا العرض لا يفترض ضرورة مسرحية وتقنية لعرضه في البيت القديم، فما تضيفه السينوغرافيا الطبيعية للمكان لا يشكل متغيِّراً أو منعطفاً أساسياً في تكوين رؤية العرض، لكنه يضيف نكهة معنوية ترادفها نقلة زمنية تحول دون أن يواجه العرض حدس اللحظة الراهنة لمعضلة الكلام والسكوت ، أو يوحي بها بشكل مباشر، ويجعل التجاذب في رؤية العرض متماهياً في الزمن المطلق، ومنفتحاً على نوع من الافتراض أو الممكن المحتمل: وفي ذلك مسوّغ لا خلاف عليه لهذه السينوغرافيا الطبيعية، خاصة وأن القبول بـ «هذا المكان» فضاء للعرض ربما جرى بتأويل العرض نحو اتخاذ مسافة تأويلية مؤثرة في التحليل النهائي كما سنرى.

إن محور قراءة عرض «عندما سكت عبدالله الحكواتي» هو سؤال يطرح إشكالية ذات دلالة بعيدة جداً نختصرها في السؤال التالي: متى ينبغي - وبالضرورة - السكوت عن الكلام أو الحكي ؟. هل هناك سكوت طبيعي لا حيف فيه.. وسكوت له ضرورة قصوى مرادفة لاقتراف الاثم أو الثأر أو الجريمة؟ وما العلاقة بين الكلام والحكاية..؟ وهل الكلام مساحة مفتوحة لإرادة يصعب ردعها.. والسكوت مساحة ضيقة لإرادة واعية، منزوعة من النزوات..؟ وماهي الطبيعة الدرامية التي نستنبطها في الكلام وفي السكوت...؟.. أسئلة تبدو متعددة ظاهرياً لكن بمجرد أن نصل عند فعل «السكوت» أعني سكوت عبدالله الحكواتي عن الحكي .. والكلام أعني المنطقة السيميولوجية المنتجة للمواقف الدرامية.. نكون حينئذ عند مفصل جوهري في مستوى المعرفة الذي تحاول هذه المسرحية أن تناقشه بعيداً عن أي ادعاء أو تنظير.. مذكراً في هذا السياق بحداثة تجربة المخرج الذي أعدّ النص من مجموعة من الحكايات متناصاً مع بعضها متصرفاً في بعضها.. وربما ناقلاً لبعضها لكنه في نهاية المطاف استطاع أن يكوّن عرضاً مسرحياً مثيراً للجدل، منفتحاً على رؤية ينبغي الحوار معها بكثير من الاحترام والجديّة، والمصارحة الفنية والعلمية. الحكاية وغريزة الكلام الحكاية وفصام السكوت تقدم مسرحية «عندما سكت عبدالله الحكواتي» اجتهاداً يسعى إلى بناء نص يكتب للعرض المسرحي فقط بتقنية الكولاج التي تركب مجموعة نصوص متعالقة في سياق مركزي واحد، يؤدي بدوره إلى الانفتاح على رؤية محددة وواضحة يمكن قراءتها بأنحاء مختلفة.. وفي تقديري أن هذا الاجتهاد ضروري للحركة المسرحية في البحرين خلال المرحلة الراهنة، ولعله الأكثر ملاءمة بعد تراجع كتابة النصوص المسرحية المواتية لخوض عروض مسرحية وخاصة عند الرغبة في التجريب على المكان والتراث والتمثيل. والظاهرة الهامة في هذا العرض تكمن في مرجعيته السردية والروائية، فهو يتكىء على نصوص روائية غالباً، وعلى عدد من حكايات ألف ليلة وليلة مثل، عبدالله الصياد، والملك الكاذب، والتفاحات الثلاث، وحكاية الدرويش. لقد دأب المخرجون والكتاب على الأخذ من نصوص مسرحية مباشرة، أو من حكايات وأساطير، وقلّما اجتذبتهم الرواية ونصوص القصة القصيرة.. بينما يكثِّف هذا العرض توظيفه للمتن السردي المنفتح على قالب الحكاية والرواية.. ولا يأتي ذلك عبثاً، أو لتحقيق الاستيفاء بمجرد النص أمام ضائقة غياب النصوص المسرحية التي يعاني منها المخرجون.. وإنما يأتي من أجل بناء رؤية مثيرة للجدل، وقابلة لبناء معرفة تستحق النظر. وفي تقديري أن قابلية أي عرض لـ «بناء معرفة» هو مقياس جوهري لإبداعه إذا ما أردنا تمييز عرض مسرحي مّا بأهمية محددة ، وخاصة . وسأبدأ بمناقشة الفكرة المحورية التي قرأتها وأعملت من خلالها تأويلي لرؤية العرض .. وتعتمد هذه الفكرة على أن التناص الذي انتهى إليه بناء المتن السردي عبر الحكايات الخمس يطرح أمامنا جدلاً درامياً قوياً بين غريزة الكلام وفصام السكوت، والذهاب - من ثمّ - لبناء صورة درامية معبّرة عن انعطافات التنازع والتوتر بين هاتين الحالتين الانسانيتين بكل مافيهما من سيكولوجيا طبيعية أو متحوّلة تحرّكها الدوافع والنزعات الفردية كلما شاءت ظروف الأفراد والعلاقات البشرية.. لقد اعتمدت المسرحية على سلسلة من الوقائع التي تترابط وفق بنية درامية قلّما وجدتها على المسرح.. ربما كان المصدر الأول لانزياحها حكايات ألف ليلة وليلة التي انبنت حبكتها منذ أوَّل الحكي المعروف على الكلام المباح (بوصف كونه حقاً فطرياً غريزياً) والسكوت الحتمي (بوصف كونه حقاً لرغبة بقاء شهرزاد حيّة إلى يوم آخر).. هذه حبكة حكايات طويلة ظلَّت تؤجل قتل شهرزاد على مدى ألف ليلة وليلة.. استطاعت في نهايتها أن تحدث تطهيراً لمخاوف شهرزاد، وأن يمتد هذا التطهير إلى نزوات الملك شهريار وأن تردّه إلى ما كان عليه من توازن وصواب.. لقد بلغ كل منهما لحظة الخروج والتحرُّر.. الأولى من نزوة الحكي والكلام والثاني من فصام سكوته أمام انثيال حكايات الخيانة والنصر والهزيمة. وفي مسرحية (عندما سكت عبدالله الحكواتي) انزياح قوي لتلك الحبكة المنحدرة من ألف ليلة وليلة. وأعرف أن المخرج استفاد من روايتين لرفيع سامي ومبارك ربيع، ومن قصص أخرى.. لكن هذه كلها نصوص لم تخرج إلاّ من معطف حكايات ألف ليلة وليلة نفسها.. إنها أي ألف ليلة وليلة بمثابة (الحكي الأول) لحبكة الصراع بين غريزة الكلام أو الحكي وفصام السكوت. ومزيّة «عندما سكت عبدالله الحكواتي» أنها اختزلت تلك الحبكة، ونقلتها من الفردية إلى الجماعية.. ومن المخيلة التاريخية إلى المخيلة الاجتماعية الراهنة ومن عزلة الحكاية وترفها إلى حرارة اللحظة المعاشة اليوم.. فالوقائع محددة التركيب تتساقط بشكل متعاكس بين رجل وامرأة أو العكس، وبين حاكم ومحكوم أو العكس لتختزل الطبيعة الدرامية المتجاذبة بين الكلام / الحكي والسكوت. كان من الطبيعي أن يكون «عبدالله الحكواتي» بطل المسرحية مركز الصورة الدرامية في هذا العرض. فهو صاحب الكلام الأول الذي سيبدأ العرض من حكيه وكلامه ، وهو ممسك زمام الحكي بسبب ذلك.. إنسان بسيط يملك موهبة الحكي.. يتفلّت الكلام عبر جسده منظماً مؤثراً.. استطاع أن يؤثر بقوة في قلوب مجموعة من أصدقاء الحي.. كما أن هؤلاء الأصدقاء تعلقوا به، وأصبحت حياتهم مرتبطة بما يحكي أو يتكلم عن أبطال يبالغ في تجسيم بطولاتهم.. لكن لاحظ عليه أصدقاء الحي بأنه لا يُكمل حكاياته حتى نهاياتها فبمجرد أن تصل الحكاية ذروتها يوقف الحكي ويكفّ عن الكلام.. تململ الأصدقاء من ذلك، وأبدوا تذمّرهم وراحوا يضغطون على الحكواتي بشكوى عدم إتمام حكاياته. عندئذ سَكَتَ عبدالله الحكواتي عن الكلام، حاول النطق فلم يستطع، ذهل الحكواتي ممَّا أصابه ، وفي غمرة تفكيره خَرجتْ له امرأة في هيئة شبح، وقد جسّدت المسرحية حالة السكوت بأسلوب الفانتازيا فقد خرج للحكواتي شبح المرأة وطلبت منه أن يسكت عن الكلام والحكي. وأوحت بأنها لم تعد تستطيع مساعدته في الحكي، لقد رافقته 15 سنة، وعليها أن ترتاح الآن. وأعطته مهلة خمسة أيام، يتكلّم فيها 21 كلمة فقط ثم تنتهي قدرته على الكلام.. لكنها قالت له بأنه يمكن أن تعود له قدرة الحكي والكلام إذا حصل على خمس هدايا.. من هي هذه المرأة، وماذا تعني ولماذا جاءته من وراء ظهره لتأمره بالسكوت.. قد لا يكون معرفة ذلك مهماً، إذ المهم أن رادعاً مّا أوقف كلام الحكواتي وحكيه.. وسوف تبحث قراءتنا للمسرحية في الأبعاد الدلالية والدرامية لهذا الرادع من ذات المنظور الذي أسسنا له وهو الصراع بين غريزة الكلام وفصام السكوت أمام أحداث توشك أن تكون كارثة إنسانية لا يستطيع أن يوقف نزيفها. (كما هي كارثة الربيع العربي الراهنة).. نقل الحكواتي ذلك إلى أصدقائه فدهشوا ولم يصدقوا، حاولوا استفزازه لكن أثار شفقتهم فراحوا يقدمون له هدايا دون فائدة.

وأخيراً اهتدوا إلى معالجة سكوت الحكواتي بالكلام والحكي (معالجة الكيّ بالكيّ) بأن يحكي كل واحد منهم حكايته للتأثير عليه وإعادته إلى فتنة الحكاية، وبذلك بدأ الأصدقاء رحلتهم مع الكلام.. حكى الأول حكاية الصديقين مع الإمام، وبطلها راشد قام بتمثيل دوره (باسل حسين) والثانية حكاية الزوج وزوجته المريضة وبطلها سليم، قام بتمثيل الدور (محمد الصفار) والثالثة حكاية الملك صادق والرجل الغريب وبطلها أبوعبدالهادي قام بتمثيل (دور الملك باسل حسين ودور الغريب المخرج حسين عبدالعلي، والشخصية الثالثة مثلها محمد عبدالله) والرابعة حكاية المزارع وبطلها وحيد، وقام بتمثيل دوره (محمد الصفار) والخامسة حكاية وحيد المنحوس وقد حذفها المخرج من العرض والسادسة حكاية المريضين وهي آخر مشاهد العرض, ومع انتهاء حكاية القصص يقف عبدالله الحكواتي الذي مثل دوره الفنان عبدالله السعداوي سعيداً يحاول التكلم وحين يتلعثم قليلاً تتوقف المسرحية عند نهايتها منقطعة بذلك عن الإفصاح عن مآل الكلام عند هذا الحكواتي. وقد لا يؤدي العرض السابق لوقائع المسرحية كفايته في توضيح الصورة الدرامية في كل من الكلام والسكوت بل ربما يستغرب البعض أصلاً من وجود صراع درامي بين هذين الفعلين.. لقد تعوّدنا مشاهدة فضاء الصمت والانتظار والفراغ في مسرحيات العبث والتجريب، وفي عروض التجريب على الجسد أو على المكان.. لكن تحويل الكلام والسكوت إلى حالتين دراميتين فاعلتين في بث عناصر الحركة ومشاعر الدراما وصورها المرعبة أو المضحكة على حدٍّ سواء هو ما قد يبدو غريباً ومثيراً للأسئلة.


الطبيعة الدرامية في غريزة الكلام عرّف الفلاسفة وأهل المنطق الإنسان بعبارة ذات دلالة هامة في سياق ما أذهب إليه حول درامية الحالة الفطرية أو الغريزية في الكلام وهي قولهم إن الإنسان حيوان ناطق.. وهم في ذلك يميّزون بشكل منطقي حاسم بين الإنسان وجميع الحيوانات الأخرى بواسطة النطق بالكلام.. الإنسان واحد من الأحياء لكنه فوق ذلك يتوسل بلغة لها نظام عقلي ولها صلة مباشرة بفطرته وسجيّته الإنسانية الأولى.. وليست الغريزة إلا السجيّة والقريحة التي جبل عليها الإنسان. والغرائز المرتبطة بسجيّة هذا الانسان متعددة منها: الجنس، الخوف، الحب، الكراهية، حب البقاء، الغضب، حب التملك، حب الحرية والشهوات، الأمومة، الطموح، حب الخير، الطعام والشراب، ونحوها من الرغبات والدوافع والميول.. وهي كما هو واضح ذات بعدين يحكمها صراع أبدي بين العقل والعاطفة.. وبين الخير والشر، وبين حب الحياة أو تدميرها، وبين إشباع اللذة أو التحكم فيها، وهي حسب ما يرى علماء النفس بدءاً من سيجموند فرويد كامنة بما يزيل التوتر، وبما يزيد منه في آن واحد ويكوّن له خبرات طويلة عبر الإفراط في استخدامها.. ومن هنا كانت الغرائز بماهي عليه من صراع باباً مفتوحاً لسجلِّ الاضطراب النفسي بكل درجاته البسيطة والمعقدة والقاتلة. وفي تقديري أن غريزة الكلام تنفرد بين كل الغرائز في أنها متداخلة في كل ما ذكرت من الغرائز والسجايا الأولى عند الإنسان، لأنه يستخدمها عادة لشحذ، أو كبت ما يعتريه من وعي عبر الشعور واللاشعور.. فالكلام أو اللغة غريزة كما أنها أداة للغرائز الأخرى، ولذا تداخلت اللغة في وسائط إشعال الحروب وصناعة العنف والدمار وصناعة الميديا الجديدة، ومعروف أن فرويد قد ردّ الحروب (الحرب العالمية مثلاً) إلى الغرائز، وردّ جميع أشكال العنف إلى الغرائز أيضاً.. وتذهب نظرية الاعلام الجديد بما هو عليه من ذروة في التكنولوجيا والعلوم وثورة في المعلومات إلى اللغة بوصفها مركز الحراك المؤثر على جميع الغرائز المتلقية لهذا الإعلام.. أو المستخدمة لهذا النوع من التواصل الاجتماعي عبر ثقافات الشعوب جميعها.. وإذا كان (سيجموند فرويد) أوَّل من ردّ اللغة إلى الغريزة عندما ربطها بالميول الفطرية المبكرة لدى الطفل فإن علماء اللغة من بعد ذلك زادوا عليه بتعزيز صلة اللغة والكلام بالغريزة، فأبرز علماء اللغة اليوم وهو نعوم تشومسكي يرى أن الدماغ الإنساني يتركَّب من أجزاء متعددة واحد منها محدد بالملكة اللغوية، واعتبر هذه حلقة قوية في النظام اللغوي مع المادة اللغوية، واللغة المحددة التي يختارها الإنسان ثم التراكيب.. وأهم وأخطر ما انتهت إليه دراسات تشومسكي هو أن اللغة مكوّنه من قائمة محددة من الكلمات لكن هذه الكلمات تكوّن عدداً لا متناهياً من التراكيب والجمل.. وهذا الكم اللامتناهي لا يمكن ضبطه عقلياً أو أخلاقياً كما لا يمكن ردعه بتعلُّم أو قوانين، إنه نظام مفتوح على احتمالات ما يخلِّفه الإنسان من دوافع ورغبات وغرائز. (انظر عن علاقة الملكة اللغوية بالدماغ في كتاب اللغة ومشكلات المعرفة لتشومسكي، ترجمة د. حمزه القبلاني، دار توبقال. ص 26). ولكي نفهم بوضوح أكثر صلة الكلام بالغريزة علينا أن نأخذ بالتمييز الذي وضعه فرديناند دي سومير بين اللغة كظاهرة إنسانية واللغة التي يتكلم بها شعب مّا.. والكلام باعتباره أصواتاً ملفوظة أو علامات مكتوبة.. إن ما يعنينا في معرفة الطبيعة الدرامية التي توظفها مسرحية “عندما سكت عبدالله الحكواتي” هو مستوى الكلام فقط، فهو المستوى الأكثر توغلاً في الاستعمال وملكة اللسان، ومن ثم فهو المستوى المرتبط بالغريزة في نهاية المطاف، وهو المستوى المرتبط باللانهائي في استخدام النطق وراء سلاسل خطاب التكلم أياً كان الغرض من هذا النطق، محض عقلي أو محض عاطفي أو محض غريزي. وقد استخدمت جميع هذه المستويات بقدر متفاوت في بناء المواقف الدرامية للحكايات التي انتظمها العرض بغرض معالجة سكوت الحكواتي، الأمر الذي يعني، أن خطورة دقيقة وصعبة تكمن وراء هذا السكوت كما سنبين. غريزة الكلام / غريزة الحكاية طالما يكتسب الكلام صفة الغريزة فهو يمتلك القدرة على الانزياح إلى جميع مستويات الاستعمال الفعلي للكلام، لأن الغرائز لها قوة مؤثرة على الوعي، ولذا قد لا نفهم الكثير من سلوكيات الكلام ومن حدود علاقته بالغرائز المفتوحة في سجيتنا البشرية.. وكثيراً ما ينتابنا الخجل مما نقول لأننا حينئذ نعيش لحظات انزياح وتداخل بين غرائز توازي غريزة الكلام.. إننا قد نطلق على نص مّا من ألف ليلة وليلة أو من الروايات المعروفة، أو من المرويات الشفوية المدونة صفة الكلام بينما هو مدونة ينضِّدها شخص مّا. وقد نصف في سياق ذلك بلبلة غريزية تكتنف أشخاصاً نتحدث عنهم، ونحن في هذه اللحظة لا ندرك بأن سلطة غريزة الكلام تنتقل منا إلى أولئك الذين نرسم صور مخاوفهم أو عدوانيتهم أو حبهم أو كرههم.. ورغم أن الكتابة كما يقول رولان بارت هي الحياد، هي هذا التأليف (دروس في السيميولوجيا، رولان بارت، توبقال..) إلاّ أن ذاتية المتكلم لا يمكن أن تغيب بشكل مطلق، والنتيجة في ذلك أن من يكتب يصف متكلماً.. ومن يتكلم يحكي عن مجموعة من المتكلمين، وبذلك فإن مملكة الكلام رغم ما فيها من احتمالات لا نهائية (من الناحية النحوية) هي مملكة لرواة يقومون بفعل الحكاية دون انقطاع في الكلام كما يقول ستيفن بنكر: “يستطيع الواحد منا باقتدار وبمجرد إصدار بعض الضوضاء من فمه أن يجعل شبكة جديدة من الأفكار الدقيقة تبدأ في التكوّن في رؤوس الآخرين ...” (الغريزة اللغوية، ستيفن بنكر، ص 21)، فالكلام ليس مجرد أصوات لا معنى لها.. إنها أصوات مفيدة تامة لها محمولها من الدلالات.. وأكثر سياقات القول والتلفّظ استقطاباً للكلام الحكي والحكايات.. ولست أبالغ إذا قلت أن الحكي فعل مرادف للكلام لأننا لا نتكلم إلا إذا أردنا أن نحكي ما حدث لنا أو ما يمكن أن يحدث لنا.. فسياق الكلام لا يجري إلا على مجرى الحكاية، ولذا تكوَّنت في اللغة سلسلة من الأفعال تقابلها سلسلة من الفاعلين (أسماء). عندما يتداخل الكلام مع الحكي تتضاعف العناصر الدرامية الفاعلة في الكلام حيث تجد الغريزة لها قالباً يستوعبها ويحثّ فاعليتها، والتحديد المعجمي للفعل “حكى” لا يغرب عن ذلك، فهو كما جاء في لسان العرب يعني حكى الحكاية وحاكيته أو حكيت، تعني فعلتُ مثل فعله، أو قلتُ قوله سواء بسواء، فالحكي استعادة دائمة وأبدية للقول الذي قيل وللفعل الذي حدث. وسنلاحظ أن بناء مسرحية “عندما سكت عبدالله الحكواتي” قائم على استعادة الكلام بالحكي.. واستعادة الحكي عبر التمثيل. والممثلون في هذا العرض بلا استثناء إنما يمثلون حكياً لكلام كان قد قيل في لحظة مّا لكنه لم يمت أبداً. ليس من الغريب أن يجرّ سيكولوجياً الكلام بما أنه غريزة إشعاعاً قوياً على الحكاية فيصبح الحكي أداة لغريزة الكلام ولسلسلة معقدة من الغرائز الأخرى المحركة للوعي. تماهيات ما قبل الكلام / الحكاية يقرِّر اللغويون والفلاسفة بأن اللغة تلعب دوراً هائلاً في تطور الوعي والمعرفة فنحن نفكر عبر اللغة أو الكلام .. ولا وجود لوعي بدون لغة، وصيرورة ذلك لا تتم إلاّ بالتراكم والخبرات الطويلة لفاعلية الناس في كيفية استخدام الكلام والحكي.. وهنا تكمن الانفعالات الذهنية بعوامل الشعور واللاشعور فتلجأ إلى الغرائز جميعها ترفد من حاجاتها وضغوطها النفسية ما يُسقط دوافع مؤثرة في تشكيل الكلام والحكاية.. ولذا فكلُّ كلام يحتمل أن يتماهى بين حقلين: الصدق والكذب، الوضوح والغموض، البراءة والمكر، الخوف والتآمر، الحب والكراهية.. الخ.. وكل حكاية تحتمل أضعاف ذلك من تماهيات الشعور والرغبات بما أنها محاكاة وتخيّل.. فالارث السيكولوجي والاجتماعي الكامن قبل التلفظ بالكلام والحكي له إشعاع لا حدّ لوصفه.. إنه يدير الرؤوس تماماً كما أدارت شهرزاد رأس شهريار.. وكما فعلت حكايات وأساطير كثيرة ذلك عبر التاريخ.. ولذا كانت هذه موضع تحليل فرويد وتلاميذه من مدرسة التحليل النفسي في نظريته حول دور الغرائز وتأثير ما قبل الكلام على سلوكيات اللغة. في هذا السياق يخرج حقل الكذب متماهياً مع حقل الصدق في سلسلة متصلة من تنازع الاحتمالات الخفية الكامنة قبل الكلام. ولا يكون الكذب فعلاً حقيقياً إلا مع صدور علامة من علامات حدث الكلام. وهنا بالذات تكتمل الصورة الدرامية للكلام. فالكلام يكون على الحقيقة، ثم يكون متخيلاً في حكاية موجهاً إلى مستمع متفاعل، ليعود كرّة أخرى متردداً في حدث كلام جديد. إن المنطقة التي تجوس فيها الصورة الدرامية في الكلام واسعة، ولا متناهية، وبشكل مضاعف ثلاث مرات وعلى النحو التالي: 1 - اللامتناهي في تركيب الجمل كما ذكر ذلك تشومسكي. 2 - اللامتناهي في تماهيات واحتمالات حقلي الصدق والكذب. 3 - اللامتناهي في احتمالات التخيّل والتأويل وخاصة حين يلتبس الكلام بالحكاية فلا يكون هناك مجال لموت المتكلم. وفي حالة كهذه لا يزكي الصورة الدرامية المفزعة للكلام إلا كونه يصدر من الغريزة وكونه نتاجاً لتنازع مضاعف على النحو التالي: 1 - تنازع الفطري والعقلي. 2 - تنازع الغرائز الأخرى في غريزة الكلام. 3 - تنازع الكلام والحكاية.. تقع درامية الكلام في نظام معقد من التنازع، إذ لا يمكن حلّه، أو ترويضه بتعلُّم أو قانون كما ذكرت، كل الغرائز تغذّي هذا النظام وتلهب حضوره، وتاريخ الخبرة الاجتماعية يغذي هذا النظام، ويمارس كل واحد منا الصراع مع ذلك بشكل يومي دون انقطاع، ودون رادع نهائي إلا بالسكوت. فأي فزع- إذن - هذا الذي نحن تحت وطأته مالم نسكت؟؟ ومن ثم فأي فزع هذا الذي أسكت “عبدالله الحكواتي”..؟؟ الصورة الدرامية في السكوت (الفصام) تعزِّز الخلفية الفكرية التي سقتها عن غريزة الكلام وعن صورتها الدرامية الاستعمال الدرامي للكلام الكاذب، وتبرِّر تحويله إلى أداة قتل مباشرة في مسرحية “عندما سكت عبدالله الحكواتي”.. ولقد أطلتُ في ذلك السياق الفكري نوعاً مّا، من أجل إثبات أن هناك ركيزة درامية في مجرد أن نتكلم.. أو أن نحكي.. والقيمة الفنية والفكرية للمسرحية التي قدمتها فرقة الصواري تكمن في وعيها بهذا النسق الدامي الكامن في الكلام والسكوت، ولنا أن نسأل: إذا كان الكلام والحكي كامنين بالفزع والصراع والقتل.. فبأي شيء يكمن لنا السكوت إذن..؟؟ وأرى أن استعمال الفعل (سكت) أكثر إشعاعاً بالدلالة الدرامية من الفعل (صمت) الذي يستخدمه العرض المسرحي. وقد وضع المخرج / المعد حسين عبدالعلي الصيغة الثانية (صمت) في عنوان المسرحية.. لكنه استخدم الأولى داخل النص... بل إنه أعمل دلالتها الفكرية والدرامية في مجمل العرض.. ولذا أعملت قراءتي للعرض من مفردة معنى السكوت لا الصمت، وعندي في استعمال المفردتين فرق كبير، فالصمت حالة عامة تنطبق على المكان ومن فيه.. أمّا السكوت فهو توقف وسكون يباغت حدث الصوت والكلام فقط.. وهذا المعنى أوغل في وصف حالة الحكواتي الذي توقفت قدرته على الكلام فجأة ولم يعرف أصدقاؤه سبب هذا التوقف. وإذا كان من الممكن تصوّر البعد الدرامي في الكلام عبر ما يكمن به من تنازعات واحتمالات مضاعفة كما بيّنتُ فإن علينا أن نتصوّر البعد الدرامي للسكوت من غياب فعل الكلام. أين سيذهب فعل الغرائز حينئذ.؟ أين ستولي الرغبات والدوافع؟ وفي أي شيء سيفكر هذا الانسان الذي توقف به الكلام...؟.. إلى أين سيقوده وعيه.. ومعرفته..؟.. أسئلة عديدة تشكل مستحيلاً لا يمكن تخيُّله طالما غريزة الكلام سجية مركزية في الإنسان.. ومع ذلك فنحن لا نفترض السكوت العدمي هذا، ولا نفترض فانتازيا مؤبدة، لأن من يسكت لن يحتمل سكوته إلاّ قهراً أو ردعاً أو مرضاً وفصاماً.. وفي حالة هذا العرض المسرحي، كما في حالة إسقاطاته الممكنة على “فاجعة الربيع العربي” أفترض الحالة الدرامية للسكوت عندما يكون تعبيراً عن فصام يقع داخل الوعي.. نتيجة لتراكم ضغوط عميقة للخوف من الاثم، أو القتل، أو من أي شكل من أشكال العقاب المترتبة على استمرار الكلام المفزع، فكأن السكوت هو المبرِّر الوحيد لعدم الخوض في المأساة الشاخصة أمام العيان. يتماهى هذا المعنى في درجات متفاوتة، يدور كثير منها في تراثنا العربي. فقد أفردت الرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري باباً للصمت، واعتبرته من صفة الرجال حين يأتي في وقته، أما الكلام في موضعه فهو من أشرف الخصال، وسُمع عن بعض العلماء القول الشائع (من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس) ووجد ابن القيّم الجوزيّة 691 هـ - 751 هـ في كتابه الجواب الكافي أن هذه العبارة حديث عن الرسول (ص) وهو من تلاميذ ابن تيمية، وأرجع الحديث إلى مسند الأمام أحمد بن حنبل. ولا تخلو كتب علماء المسلمين من إشارات متفرقة عن الكلام والسكوت وبنسق ما ذكرت.. أمّا في التراث السردي، وخاصة ألف ليلة وليلة فإن حبكة هذه الليالي بأسرها قائمة على فاعلية كلام شهرزاد وسكوت شهريار طوال حكاياتها. وقد حشّدت شهرزاد داخل رواياتها كلاماً عن نساء (غالباً) خرجن من مآزق وشرائك قاتلة بفضل كلامهن والعكس أيضاً.. كما روت معظم حكاياتها سكوت أبطالها إما بالسحر أو بالقهر، وروت خروج أبطال لها بواسطة ملكة الكلام كالتجار الثلاثة الذين أنقذوا حياتهم أمام العفريت بالكلام والحكي، وقصة الجارية “تودّد” التي بهرت العلماء بكلامها وسعة حديثها وعلمها، وأنقذت نفسها أمام الخليفة. لقد تحدّث علماء كثيرون عن السكوت في موقع الحق والتكلم في موقع الباطل، ولا أعتقد أن هذا هو الباب الذي خرج منه سكوت عبدالله الحكواتي، إنه سكوت يشبه سكوت شهرزاد عن الكلام المباح.. لقد ظلَّ ذلك السكوت يؤجل حكي النهايات المريرة للقتل شفقة وخوفاً من معاينة المأساة.. وحين طال به الخوف من نهايات الحكي آثر السكوت ليؤجل حكاية تفاصيل القتل.. وشهرزاد كانت بسكوتها كل ليلة تؤجل استمرار خوفها من القتل (قتل الآخرين)، أما في كلامها فكانت تجعل من الكلام خروجاً من محن القتل وشكيمة الشدة المفرطة. التنازع بين الكلام والسكوت في ألف ليلة وليلة هو مصدر بناء الفعل الدرامي في سكوت عبدالله الحكواتي.. ولذا يتمركز هذا الفعل الموقف (السكوت) في النص والعرض والأداء ويقلل من الأثر في الحركة.. فبدون السكوت في ألف ليلة وليلة لا تستمر حياة شهرزاد وبدون سكوت عبدالله عن الكلام لم يكن لتستمر له حياة مع رفاق الحيّ.. إنه أمام خيار صعب: هل يكمل فاجعة الحكايات (نهاياتها) أم يموت بالسكوت؟؟.. وكان خياره مع الثاني حلاً وفصاماً نفسياً قاسياً، لأنه حينئذ أشبه بمن اختار الانسحاب عن غرائزه الإنسانية التي يرمز لها (الكلام). سيتجلى فصام السكوت بقوة، وبصيرورة درامية حسية وتمثيلية في الحل الذي سيتوصل له أصدقاء عبدالله الحكواتي فعندما وجدوا أن منحه الهدايا والطعام لم يرجع حكايات عبدالله ولم تقلع به عن السكوت لجأوا هم أنفسهم بسرعة إلى الحكي والكلام فقدموا حكاياتهم الأربع التي امتد بها العرض. وفي هذه الحكايات يعود صوت عبدالله الحكواتي مجازاً ومحاكاة وتماهياً وفصاماً.. ذلك أن كلاً من الأصدقاء (راشد، سليم، عبدالهادي، وحيد) كان يستلهم أثر الكلام والحكاية في حياته من كلام عبدالله الحكواتي نفسه.. ولذا ظلوا يحكون، يتكلمون، يمثلون. وبعنف متصل وكأنهم يستعيدون ذات العنف وذات الكلام الذي كان من الممكن أن يمارسه عبدالله الحكواتي.. لقد سكت الحكواتي فعلاً.. لكنه تكلّم فصاماً، بمعنى أنه تجسّد في شخصيات أصدقائه. إننا ننسى سكوت عبدالله الحكواتي في لحظات حكي الأصدقاء ليس لأنه فقد معناه درامياً ولكن لأن الحكواتي نفسه خرج يجترح أمامنا حكايات القتل والاثم عبر الكلام والحكاية.. وهو ما كان قد سكت عنه وانتهى إليه إشفاقاً على فجيعة قد تحدث.. لقد بدأ متكلماً يسكت عن مرارة النهايات، وانتقل إلى السكوت الميِّت.. ثم المتكلم بعنف لا هوادة فيه عبر حكايات الأصدقاء. وأعتقد أن هذه صورة درامية نادرة في سياق حفريات الدراما عبر ألف ليلة وليلة. استطاع عرض “عندما سكت عبدالله ال