غريزة الكلام وفصام السكوت..جدل في سيكولوجيا الحكاية من التراث إلى العرض المسرحي.. عندما صمت عبدالله



افتقدت الحركة الثقافية والفكرية في البحرين منذ سنوات حضور المسرح وفاعلية في التجاذب مع متغيرات المجتمع، وأسئلة الثقافة والمعرفة وظلت الأعمال المسرحية المقدمة تفتقد إلى عنصر جوهري وهو «بناء معرفة» قادرة على فتح المجال لبساط العقل والوعي واتاحة الفرصة المشرعة للنظر إلى حياتنا من بوابة عقل «كلي» يستطيع أن يفسر الإنقطاعات الكبرى التي يمر بها المجتمع العربي. لقد أعادت الأعمال المسرحية والكثير من الكتابات الأدبية بشكل عام إنتاج ما دأبت عليه عقود ماضية، فلم تغادر موقفها، لكن تأتي مسرحية «عندما صمت عبدالله الحكواتي» بلمحة برق خاطفة لم يتوقف أحد مع ما تطرح من جدل يطال حياتنا اليومية وما يتهددها من متغيرات وإنكسارات في ثقافتنا العربية. وهذه المقالات محاولة لفتح مجال معنى يكمن في سيكولوجيا الحكاية منذ التراث ومنذ عروض مسرحية وسير فكرية تتقاطع بشكل مباشر مع راهن الثقافة العربية.



هناك قضايا كثيرة تثيرها بعض الأعمال الإبداعية، لا لشيء سوى لانفتاحها على رؤية يتدرّج فيها المعنى من البساطة الشديدة إلى المعرفة العميقة، ومن غير أن يرتبط ذلك بمؤلف أو مخرج ذي خبرة واسعة وتجربة عريضة بقدر ما يرتبط بـ «وعي» يتصل بحدس اللحظة الراهنة، المقاربة لشغاف حدث تاريخي قريب العهد بالمجتمع .. وأعتقد أن مسرحية : (عندما صمت عبدالله الحكواتي) تمتلك احتضان هذه الصفة بقدر كبير من الحرارة والصدق والمسؤولية ، فمعدّ النص ومخرجها (حسين عبدالعلي) شاب حديث العهد بالكتابة والإخراج، وفضاء النص والعرض على بساطته يمنح لنا فرصة واسعة لمناقشة الكثير من الأفكار الجوهرية المتصلة بصراع الرغبات الإنسانية الكامن وراء ما ننفطر عليه، أو ربما ما نصطنعه من أشكال التواصل وخاصة التواصل عبر ماهو لغوي كلامي.. ومن جانب آخر - لا تقلّ أهميته - فإن كيفية بناء النص والعرض المسرحي .. وتوقيته في هذه اللحظة يجعل المسافة التي نتخذ منها زاوية لقراءة هذا العرض من القرب بحيث أنها لا تعمِّي علينا مدارج قدرة هذا العرض المسرحي على أن يستبطن متغيرات الحدث العربي الراهن الذي تبدو الكثير من منعطفاته وتحوّلاته خاضعة، بل وموجهة بأدوات ثورة لغوية تواصلية إلكترونية لا يمكن وصف ما يكمن وراء احتمالاتها من نزوات النفوذ، ورغبات الثأر، ودوافع الانتقام والانقسام والصراع ، حتى ليكاد يصل امتدادها إلى التاريخ البعيد.. ويصل حدسها إلى أبعد ما لم يأت به بعد من كوارث, أو ينذرنا من مخاوف ترسم تخوماً لمستقبل قد لا يكون لوجودنا العربي فيه يد على الإطلاق.. الكلام والسكوت هما معضلة الأمس، وهما معضلة اليوم، لم يتوقف الكثيرون عند مفاصل الألم فيهما، ولا عند فلسفة وجودهما في تشكيل حياة الصراع البشري اللهم إلاّ ما جرت عليه بحوث الفلاسفة، أما تقاطع حضور الصراع من جراء الكلام أو السكوت في حياتنا الاجتماعية واليومية، فنحن عنها في غفلة تكاد تكون مطلقة.. ولم تغنِ حكم الحكماء وأخلاقيات الدين شيئاً في ردع نزوات الكلام والسكوت، وفي أزمنتنا العربية الراهنة والطاحنة تنفجر نزوات «عقل الكلام» و»عقل السكوت» في سلسلة من المواقف الانقلابية التي تصل حدّ المأساة، وتشرع فلسفة الإعلام الجديد المضللة لهذا العقل مساحة لا حدود لحكوماتها وسلطاتها ورعبها المدمِّر.. ولا يبدأ ذلك من أفراد وإنما يبدأ من استراتيجيات تتسع حدِّ الامبراطوريات القديمة، فلا يبدأ الكلام إلاّ من حيث هناك ايديولوجيا، ومعتقدات أقرب إلى الخرافة منها إلى الدين، ومن حيث هي أطماع واستعمار واستحواذ واستبداد أقرب إلى التوحش منه إلى الحضارة وكشوف الألفية الثالثة ووعود الديمقراطيات الإنسانية الجديدة. هل يستطيع أحدٌ اليوم أن يغشي عينيه عن رؤية فظائع الربيع العربي.. أليست هذه كلمتان فقط دشنتهما قوة الفاعلية الثقافية للناطقين بـ «كلام» المؤسسة الإعلامية الأمريكية الضالعة في صناعة بضع كلمات .. يطلقها بقوة مدمِّرة تفوق قوة الآلة العسكرية التي دمّرت خليجنا ومحيطنا العربيين.. مجرد كلمات مثل: ارهاب، السلام، الشرق المتوسط الجديد، مفاعل نووي.. صراع حضاري.. الخ.. اختزلتنا كالدمى، وضللتنا في عمى لا دليل له.. دوّت كلمة الربيع بأحلام وآمال لا وصف لضلالها، وأصبحت أمّة بأسرها مغرّرة بوعودها، وتحوّلت كلمة الناطق بلسان المؤسسة الأمريكية إلى هدير الكتروني من الكلام.. وضجيج ثوري تتلقفه مصفوفات الكلام الذي تدربت عليه أحزاب وتنظيمات ران عليها غياب العقل في اللغة أكثر من 80 عاماً.. فنزح تجريبها في بناء الدولة والديمقراطية وسط مفاهيم ضاربة في التخلف والخرافة وغياب العقل.. تراجيديا الكلام، وفصام السكوت هما المقولة التي سوف أستنبطها على هامش العرض المسرحي (عندما سكت عبدالله الحكواتي، وسوف أتحاشى تعاريج الدخول في إسقاطات الواقع الاجتماعي والسياسي مكتفياً بدلالات الطبيعة الدرامية التي أستنبطها لا من هذا العرض فقط، وإنما من مرجعيته التراثية / العربية، وخاصة في ألف ليلة وليلة، وفي مجمل السردية العربية الكلاسيكية. يتألف عرض (عندما سكت عبدالله الحكواتي) من مجموعة من الحكايات التي يتم حكيها وتمثيلها في آن واحد وسط أجواء أحد البيوت البحرينية القديمة في المنامة.. كان فضاء البيت مفتوحاً إلى الأعلى بينما دهاليز وأبواب وظلمات البيت تحيط بمربع صغير سوف يحتضن منصة الكلام.. منصة العرض.. منصة الحكي ومنصة التمثيل.. وسيواجه المتفرجون من جهات أربع زوايا مختلفة نوعاً مّا من إشعاع هذه الأشكال الأربعة مجتمعة (العرض والكلام والحكي والتمثيل).. وقد كان المقعد الذي اتخذته لنفسي حول هذا المربع مستحوذاً على تلقي المواجهة المركزية لتلك الفاعليات الأربع.. فطوال العرض كنت في مواجهة مباشرة لوجوه الممثلين، وكأنهم يفترضون بأن الجانب الغربي من البيت هو مركز التلقي وبؤرته.. ولا غرابة في ذلك - وإن أراد المخرج غير ذلك - ذلك أن الفاعليات الأربع التي ستعمل مجتمعة دون انفصال تفترض وجود مخاطب محدَّد (متلقي) فالعرض له واجهة عيانية واضحة هامة.. والظلام مداره مخاطبٌ يقف في نقطة محددة.. ومن ثمَّ فالحكي له مستمع يرهف سمعه من جهة محدَّدة أيضاً، وأخيراً فالتمثيل يستثير الجسد نحو أقسام محددة.. قوية تارة أو ضعيفة تارة أخرى، والتخصيص في تواصل هذه الفاعليات الأربع متعين بحكم منطق التواصل السيكولوجي والفيزيائي والكيميائي للجسد بمجرد أن يبدأ الإشعاع الأول لواحدة من تلك الفاعليات. ومنذ البدء سأقرّر بأن هذا العرض لا يفترض ضرورة مسرحية وتقنية لعرضه في البيت القديم، فما تضيفه السينوغرافيا الطبيعية للمكان لا يشكل متغيِّراً أو منعطفاً أساسياً في تكوين رؤية العرض، لكنه يضيف نكهة معنوية ترادفها نقلة زمنية تحول دون أن يواجه العرض حدس اللحظة الراهنة لمعضلة الكلام والسكوت ، أو يوحي بها بشكل مباشر، ويجعل التجاذب في رؤية العرض متماهياً في الزمن المطلق، ومنفتحاً على نوع من الافتراض أو الممكن المحتمل: وفي ذلك مسوّغ لا خلاف عليه لهذه السينوغرافيا الطبيعية، خاصة وأن القبول بـ «هذا المكان» فضاء للعرض ربما جرى بتأويل العرض نحو اتخاذ مسافة تأويلية مؤثرة في التحليل النهائي كما سنرى.

إن محور قراءة عرض «عندما سكت عبدالله الحكواتي» هو سؤال يطرح إشكالية ذات دلالة بعيدة جداً نختصرها في السؤال التالي: متى ينبغي - وبالضرورة - السكوت عن الكلام أو الحكي ؟. هل هناك سكوت طبيعي لا حيف فيه.. وسكوت له ضرورة قصوى مرادفة لاقتراف الاثم أو الثأر أو الجريمة؟ وما العلاقة بين الكلام والحكاية..؟ وهل الكلام مساحة مفتوحة لإرادة يصعب ردعها.. والسكوت مساحة ضيقة لإرادة واعية، منزوعة من النزوات..؟ وماهي الطبيعة الدرامية التي نستنبطها في الكلام وفي السكوت...؟.. أسئلة تبدو متعددة ظاهرياً لكن بمجرد أن نصل عند فعل «السكوت» أعني سكوت عبدالله الحكواتي عن الحكي .. والكلام أعني المنطقة السيميولوجية المنتجة للمواقف الدرامية.. نكون حينئذ عند مفصل جوهري في مستوى المعرفة الذي تحاول هذه المسرحية أن تناقشه بعيداً عن أي ادعاء أو تنظير.. مذكراً في هذا السياق بحداثة تجربة المخرج الذي أعدّ النص من مجموعة من الحكايات متناصاً مع بعضها متصرفاً في بعضها.. وربما ناقلاً لبعضها لكنه في نهاية المطاف استطاع أن يكوّن عرضاً مسرحياً مثيراً للجدل، منفتحاً على رؤية ينبغي الحوار معها بكثير من الاحترام والجديّة، والمصارحة الفنية والعلمية. الحكاية وغريزة الكلام الحكاية وفصام السكوت تقدم مسرحية «عندما سكت عبدالله الحكواتي» اجتهاداً يسعى إلى بناء نص يكتب للعرض المسرحي فقط بتقنية الكولاج التي تركب مجموعة نصوص متعالقة في سياق مركزي واحد، يؤدي بدوره إلى الانفتاح على رؤية محددة وواضحة يمكن قراءتها بأنحاء مختلفة.. وفي تقديري أن هذا الاجتهاد ضروري للحركة المسرحية في البحرين خلال المرحلة الراهنة، ولعله الأكثر ملاءمة بعد تراجع كتابة النصوص المسرحية المواتية لخوض عروض مسرحية وخاصة عند الرغبة في التجريب على المكان والتراث والتمثيل. والظاهرة الهامة في هذا العرض تكمن في مرجعيته السردية والروائية، فهو يتكىء على نصوص روائية غالباً، وعلى عدد من حكايات ألف ليلة وليلة مثل، عبدالله الصياد، والملك الكاذب، والتفاحات الثلاث، وحكاية الدرويش. لقد دأب المخرجون والكتاب على الأخذ من نصوص مسرحية مباشرة، أو من حكايات وأساطير، وقلّما اجتذبتهم الرواية ونصوص القصة القصيرة.. بينما يكثِّف هذا العرض توظيفه للمتن السردي المنفتح على قالب الحكاية والرواية.. ولا يأتي ذلك عبثاً، أو لتحقيق الاستيفاء بمجرد النص أمام ضائقة غياب النصوص المسرحية التي يعاني منها المخرجون.. وإنما يأتي من أجل بناء رؤية مثيرة للجدل، وقابلة لبناء معرفة تستحق النظر. وفي تقديري أن قابلية أي عرض لـ «بناء معرفة» هو مقياس جوهري لإبداعه إذا ما أردنا تمييز عرض مسرحي مّا بأهمية محددة ، وخاصة . وسأبدأ بمناقشة الفكرة المحورية التي قرأتها وأعملت من خلالها تأويلي لرؤية العرض .. وتعتمد هذه الفكرة على أن التناص الذي انتهى إليه بناء المتن السردي عبر الحكايات الخمس يطرح أمامنا جدلاً درامياً قوياً بين غريزة الكلام وفصام السكوت، والذهاب - من ثمّ - لبناء صورة درامية معبّرة عن انعطافات التنازع والتوتر بين هاتين الحالتين الانسانيتين بكل مافيهما من سيكولوجيا طبيعية أو متحوّلة تحرّكها الدوافع والنزعات الفردية كلما شاءت ظروف الأفراد والعلاقات البشرية.. لقد اعتمدت المسرحية على سلسلة من الوقائع التي تترابط وفق بنية درامية قلّما وجدتها على المسرح.. ربما كان المصدر الأول لانزياحها حكايات ألف ليلة وليلة التي انبنت حبكتها منذ أوَّل الحكي المعروف على الكلام المباح (بوصف كونه حقاً فطرياً غريزياً) والسكوت الحتمي (بوصف كونه حقاً لرغبة بقاء شهرزاد حيّة إلى يوم آخر).. هذه حبكة حكايات طويلة ظلَّت تؤجل قتل شهرزاد على مدى ألف ليلة وليلة.. استطاعت في نهايتها أن تحدث تطهيراً لمخاوف شهرزاد، وأن يمتد هذا التطهير إلى نزوات الملك شهريار وأن تردّه إلى ما كان عليه من توازن وصواب.. لقد بلغ كل منهما لحظة الخروج والتحرُّر.. الأولى من نزوة الحكي والكلام والثاني من فصام سكوته أمام انثيال حكايات الخيانة والنصر والهزيمة. وفي مسرحية (عندما سكت عبدالله الحكواتي) انزياح قوي لتلك الحبكة المنحدرة من ألف ليلة وليلة. وأعرف أن المخرج استفاد من روايتين لرفيع سامي ومبارك ربيع، ومن قصص أخرى.. لكن هذه كلها نصوص لم تخرج إلاّ من معطف حكايات ألف ليلة وليلة نفسها.. إنها أي ألف ليلة وليلة بمثابة (الحكي الأول) لحبكة الصراع بين غريزة الكلام أو الحكي وفصام السكوت. ومزيّة «عندما سكت عبدالله الحكواتي» أنها اختزلت تلك الحبكة، ونقلتها من الفردية إلى الجماعية.. ومن المخيلة التاريخية إلى المخيلة الاجتماعية الراهنة ومن عزلة الحكاية وترفها إلى حرارة اللحظة المعاشة اليوم.. فالوقائع محددة التركيب تتساقط بشكل متعاكس بين رجل وامرأة أو العكس، وبين حاكم ومحكوم أو العكس لتختزل الطبيعة الدرامية المتجاذبة بين الكلام / الحكي والسكوت. كان من الطبيعي أن يكون «عبدالله الحكواتي» بطل المسرحية مركز الصورة الدرامية في هذا العرض. فهو صاحب الكلام الأول الذي سيبدأ العرض من حكيه وكلامه ، وهو ممسك زمام الحكي بسبب ذلك.. إنسان بسيط يملك موهبة الحكي.. يتفلّت الكلام عبر جسده منظماً مؤثراً.. استطاع أن يؤثر بقوة في قلوب مجموعة من أصدقاء الحي.. كما أن هؤلاء الأصدقاء تعلقوا به، وأصبحت حياتهم مرتبطة بما يحكي أو يتكلم عن أبطال يبالغ في تجسيم بطولاتهم.. لكن لاحظ عليه أصدقاء الحي بأنه لا يُكمل حكاياته حتى نهاياتها فبمجرد أن تصل الحكاية ذروتها يوقف الحكي ويكفّ عن الكلام.. تململ الأصدقاء من ذلك، وأبدوا تذمّرهم وراحوا يضغطون على الحكواتي بشكوى عدم إتمام حكاياته. عندئذ سَكَتَ عبدالله الحكواتي عن الكلام، حاول النطق فلم يستطع، ذهل الحكواتي ممَّا أصابه ، وفي غمرة تفكيره خَرجتْ له امرأة في هيئة شبح، وقد جسّدت المسرحية حالة السكوت بأسلوب الفانتازيا فقد خرج للحكواتي شبح المرأة وطلبت منه أن يسكت عن الكلام والحكي. وأوحت بأنها لم تعد تستطيع مساعدته في الحكي، لقد رافقته 15 سنة، وعليها أن ترتاح الآن. وأعطته مهلة خمسة أيام، يتكلّم فيها 21 كلمة فقط ثم تنتهي قدرته على الكلام.. لكنها قالت له بأنه يمكن أن تعود له قدرة الحكي والكلام إذا حصل على خمس هدايا.. من هي هذه المرأة، وماذا تعني ولماذا جاءته من وراء ظهره لتأمره بالسكوت.. قد لا يكون معرفة ذلك مهماً، إذ المهم أن رادعاً مّا أوقف كلام الحكواتي وحكيه.. وسوف تبحث قراءتنا للمسرحية في الأبعاد الدلالية والدرامية لهذا الرادع من ذات المنظور الذي أسسنا له وهو الصراع بين غريزة الكلام وفصام السكوت أمام أحداث توشك أن تكون كارثة إنسانية لا يستطيع أن يوقف نزيفها. (كما هي كارثة الربيع العربي الراهنة).. نقل الحكواتي ذلك إلى أصدقائه فدهشوا ولم يصدقوا، حاولوا استفزازه لكن أثار شفقتهم فراحوا يقدمون له هدايا دون فائدة.

وأخيراً اهتدوا إلى معالجة سكوت الحكواتي بالكلام والحكي (معالجة الكيّ بالكيّ) بأن يحكي كل واحد منهم حكايته للتأثير عليه وإعادته إلى فتنة الحكاية، وبذلك بدأ الأصدقاء رحلتهم مع الكلام.. حكى الأول حكاية الصديقين مع الإمام، وبطلها راشد قام بتمثيل دوره (باسل حسين) والثانية حكاية الزوج وزوجته المريضة وبطلها سليم، قام بتمثيل الدور (محمد الصفار) والثالثة حكاية الملك صادق والرجل الغريب وبطلها أبوعبدالهادي قام بتمثيل (دور الملك باسل حسين ودور الغريب المخرج حسين عبدالعلي، والشخصية الثالثة مثلها محمد عبدالله) والرابعة حكاية المزارع وبطلها وحيد، وقام بتمثيل دوره (محمد الصفار) والخامسة حكاية وحيد المنحوس وقد حذفها المخرج من العرض والسادسة حكاية المريضين وهي آخر مشاهد العرض, ومع انتهاء حكاية القصص يقف عبدالله الحكواتي الذي مثل دوره الفنان عبدالله السعداوي سعيداً يحاول التكلم وحين يتلعثم قليلاً تتوقف المسرحية عند نهايتها منقطعة بذلك عن الإفصاح عن مآل الكلام عند هذا الحكواتي. وقد لا يؤدي العرض السابق لوقائع المسرحية كفايته في توضيح الصورة الدرامية في كل من الكلام والسكوت بل ربما يستغرب البعض أصلاً من وجود صراع درامي بين هذين الفعلين.. لقد تعوّدنا مشاهدة فضاء الصمت والانتظار والفراغ في مسرحيات العبث والتجريب، وفي عروض التجريب على الجسد أو على المكان.. لكن تحويل الكلام والسكوت إلى حالتين دراميتين فاعلتين في بث عناصر الحركة ومشاعر الدراما وصورها المرعبة أو المضحكة على حدٍّ سواء هو ما قد يبدو غريباً ومثيراً للأسئلة.


الطبيعة الدرامية في غريزة الكلام عرّف الفلاسفة وأهل المنطق الإنسان بعبارة ذات دلالة هامة في سياق ما أذهب إليه حول درامية الحالة الفطرية أو الغريزية في الكلام وهي قولهم إن الإنسان حيوان ناطق.. وهم في ذلك يميّزون بشكل منطقي حاسم بين الإنسان وجميع الحيوانات الأخرى بواسطة النطق بالكلام.. الإنسان واحد من الأحياء لكنه فوق ذلك يتوسل بلغة لها نظام عقلي ولها صلة مباشرة بفطرته وسجيّته الإنسانية الأولى.. وليست الغريزة إلا السجيّة والقريحة التي جبل عليها الإنسان. والغرائز المرتبطة بسجيّة هذا الانسان متعددة منها: الجنس، الخوف، الحب، الكراهية، حب البقاء، الغضب، حب التملك، حب الحرية والشهوات، الأمومة، الطموح، حب الخير، الطعام والشراب، ونحوها من الرغبات والدوافع والميول.. وهي كما هو واضح ذات بعدين يحكمها صراع أبدي بين العقل والعاطفة.. وبين الخير والشر، وبين حب الحياة أو تدميرها، وبين إشباع اللذة أو التحكم فيها، وهي حسب ما يرى علماء النفس بدءاً من سيجموند فرويد كامنة بما يزيل التوتر، وبما يزيد منه في آن واحد ويكوّن له خبرات طويلة عبر الإفراط في استخدامها.. ومن هنا كانت الغرائز بماهي عليه من صراع باباً مفتوحاً لسجلِّ الاضطراب النفسي بكل درجاته البسيطة والمعقدة والقاتلة. وفي تقديري أن غريزة الكلام تنفرد بين كل الغرائز في أنها متداخلة في كل ما ذكرت من الغرائز والسجايا الأولى عند الإنسان، لأنه يستخدمها عادة لشحذ، أو كبت ما يعتريه من وعي عبر الشعور واللاشعور.. فالكلام أو اللغة غريزة كما أنها أداة للغرائز الأخرى، ولذا تداخلت اللغة في وسائط إشعال الحروب وصناعة العنف والدمار وصناعة الميديا الجديدة، ومعروف أن فرويد قد ردّ الحروب (الحرب العالمية مثلاً) إلى الغرائز، وردّ جميع أشكال العنف إلى الغرائز أيضاً.. وتذهب نظرية الاعلام الجديد بما هو عليه من ذروة في التكنولوجيا والعلوم وثورة في المعلومات إلى اللغة بوصفها مركز الحراك المؤثر على جميع الغرائز المتلقية لهذا الإعلام.. أو المستخدمة لهذا النوع من التواصل الاجتماعي عبر ثقافات الشعوب جميعها.. وإذا كان (سيجموند فرويد) أوَّل من ردّ اللغة إلى الغريزة عندما ربطها بالميول الفطرية المبكرة لدى الطفل فإن علماء اللغة من بعد ذلك زادوا عليه بتعزيز صلة اللغة والكلام بالغريزة، فأبرز علماء اللغة اليوم وهو نعوم تشومسكي يرى أن الدماغ الإنساني يتركَّب من أجزاء متعددة واحد منها محدد بالملكة اللغوية، واعتبر هذه حلقة قوية في النظام اللغوي مع المادة اللغوية، واللغة المحددة التي يختارها الإنسان ثم التراكيب.. وأهم وأخطر ما انتهت إليه دراسات تشومسكي هو أن اللغة مكوّنه من قائمة محددة من الكلمات لكن هذه الكلمات تكوّن عدداً لا متناهياً من التراكيب والجمل.. وهذا الكم اللامتناهي لا يمكن ضبطه عقلياً أو أخلاقياً كما لا يمكن ردعه بتعلُّم أو قوانين، إنه نظام مفتوح على احتمالات ما يخلِّفه الإنسان من دوافع ورغبات وغرائز. (انظر عن علاقة الملكة اللغوية بالدماغ في كتاب اللغة ومشكلات المعرفة لتشومسكي، ترجمة د. حمزه القبلاني، دار توبقال. ص 26). ولكي نفهم بوضوح أكثر صلة الكلام بالغريزة علينا أن نأخذ بالتمييز الذي وضعه فرديناند دي سومير بين اللغة كظاهرة إنسانية واللغة التي يتكلم بها شعب مّا.. والكلام باعتباره أصواتاً ملفوظة أو علامات مكتوبة.. إن ما يعنينا في معرفة الطبيعة الدرامية التي توظفها مسرحية “عندما سكت عبدالله الحكواتي” هو مستوى الكلام فقط، فهو المستوى الأكثر توغلاً في الاستعمال وملكة اللسان، ومن ثم فهو المستوى المرتبط بالغريزة في نهاية المطاف، وهو المستوى المرتبط باللانهائي في استخدام النطق وراء سلاسل خطاب التكلم أياً كان الغرض من هذا النطق، محض عقلي أو محض عاطفي أو محض غريزي. وقد استخدمت جميع هذه المستويات بقدر متفاوت في بناء المواقف الدرامية للحكايات التي انتظمها العرض بغرض معالجة سكوت الحكواتي، الأمر الذي يعني، أن خطورة دقيقة وصعبة تكمن وراء هذا السكوت كما سنبين. غريزة الكلام / غريزة الحكاية طالما يكتسب الكلام صفة الغريزة فهو يمتلك القدرة على الانزياح إلى جميع مستويات الاستعمال الفعلي للكلام، لأن الغرائز لها قوة مؤثرة على الوعي، ولذا قد لا نفهم الكثير من سلوكيات الكلام ومن حدود علاقته بالغرائز المفتوحة في سجيتنا البشرية.. وكثيراً ما ينتابنا الخجل مما نقول لأننا حينئذ نعيش لحظات انزياح وتداخل بين غرائز توازي غريزة الكلام.. إننا قد نطلق على نص مّا من ألف ليلة وليلة أو من الروايات المعروفة، أو من المرويات الشفوية المدونة صفة الكلام بينما هو مدونة ينضِّدها شخص مّا. وقد نصف في سياق ذلك بلبلة غريزية تكتنف أشخاصاً نتحدث عنهم، ونحن في هذه اللحظة لا ندرك بأن سلطة غريزة الكلام تنتقل منا إلى أولئك الذين نرسم صور مخاوفهم أو عدوانيتهم أو حبهم أو كرههم.. ورغم أن الكتابة كما يقول رولان بارت هي الحياد، هي هذا التأليف (دروس في السيميولوجيا، رولان بارت، توبقال..) إلاّ أن ذاتية المتكلم لا يمكن أن تغيب بشكل مطلق، والنتيجة في ذلك أن من يكتب يصف متكلماً.. ومن يتكلم يحكي عن مجموعة من المتكلمين، وبذلك فإن مملكة الكلام رغم ما فيها من احتمالات لا نهائية (من الناحية النحوية) هي مملكة لرواة يقومون بفعل الحكاية دون انقطاع في الكلام كما يقول ستيفن بنكر: “يستطيع الواحد منا باقتدار وبمجرد إصدار بعض الضوضاء من فمه أن يجعل شبكة جديدة من الأفكار الدقيقة تبدأ في التكوّن في رؤوس الآخرين ...” (الغريزة اللغوية، ستيفن بنكر، ص 21)، فالكلام ليس مجرد أصوات لا معنى لها.. إنها أصوات مفيدة تامة لها محمولها من الدلالات.. وأكثر سياقات القول والتلفّظ استقطاباً للكلام الحكي والحكايات.. ولست أبالغ إذا قلت أن الحكي فعل مرادف للكلام لأننا لا نتكلم إلا إذا أردنا أن نحكي ما حدث لنا أو ما يمكن أن يحدث لنا.. فسياق الكلام لا يجري إلا على مجرى الحكاية، ولذا تكوَّنت في اللغة سلسلة من الأفعال تقابلها سلسلة من الفاعلين (أسماء). عندما يتداخل الكلام مع الحكي تتضاعف العناصر الدرامية الفاعلة في الكلام حيث تجد الغريزة لها قالباً يستوعبها ويحثّ فاعليتها، والتحديد المعجمي للفعل “حكى” لا يغرب عن ذلك، فهو كما جاء في لسان العرب يعني حكى الحكاية وحاكيته أو حكيت، تعني فعلتُ مثل فعله، أو قلتُ قوله سواء بسواء، فالحكي استعادة دائمة وأبدية للقول الذي قيل وللفعل الذي حدث. وسنلاحظ أن بناء مسرحية “عندما سكت عبدالله الحكواتي” قائم على استعادة الكلام بالحكي.. واستعادة الحكي عبر التمثيل. والممثلون في هذا العرض بلا استثناء إنما يمثلون حكياً لكلام كان قد قيل في لحظة مّا لكنه لم يمت أبداً. ليس من الغريب أن يجرّ سيكولوجياً الكلام بما أنه غريزة إشعاعاً قوياً على الحكاية فيصبح الحكي أداة لغريزة الكلام ولسلسلة معقدة من الغرائز الأخرى المحركة للوعي. تماهيات ما قبل الكلام / الحكاية يقرِّر اللغويون والفلاسفة بأن اللغة تلعب دوراً هائلاً في تطور الوعي والمعرفة فنحن نفكر عبر اللغة أو الكلام .. ولا وجود لوعي بدون لغة، وصيرورة ذلك لا تتم إلاّ بالتراكم والخبرات الطويلة لفاعلية الناس في كيفية استخدام الكلام والحكي.. وهنا تكمن الانفعالات الذهنية بعوامل الشعور واللاشعور فتلجأ إلى الغرائز جميعها ترفد من حاجاتها وضغوطها النفسية ما يُسقط دوافع مؤثرة في تشكيل الكلام والحكاية.. ولذا فكلُّ كلام يحتمل أن يتماهى بين حقلين: الصدق والكذب، الوضوح والغموض، البراءة والمكر، الخوف والتآمر، الحب والكراهية.. الخ.. وكل حكاية تحتمل أضعاف ذلك من تماهيات الشعور والرغبات بما أنها محاكاة وتخيّل.. فالارث السيكولوجي والاجتماعي الكامن قبل التلفظ بالكلام والحكي له إشعاع لا حدّ لوصفه.. إنه يدير الرؤوس تماماً كما أدارت شهرزاد رأس شهريار.. وكما فعلت حكايات وأساطير كثيرة ذلك عبر التاريخ.. ولذا كانت هذه موضع تحليل فرويد وتلاميذه من مدرسة التحليل النفسي في نظريته حول دور الغرائز وتأثير ما قبل الكلام على سلوكيات اللغة. في هذا السياق يخرج حقل الكذب متماهياً مع حقل الصدق في سلسلة متصلة من تنازع الاحتمالات الخفية الكامنة قبل الكلام. ولا يكون الكذب فعلاً حقيقياً إلا مع صدور علامة من علامات حدث الكلام. وهنا بالذات تكتمل الصورة الدرامية للكلام. فالكلام يكون على الحقيقة، ثم يكون متخيلاً في حكاية موجهاً إلى مستمع متفاعل، ليعود كرّة أخرى متردداً في حدث كلام جديد. إن المنطقة التي تجوس فيها الصورة الدرامية في الكلام واسعة، ولا متناهية، وبشكل مضاعف ثلاث مرات وعلى النحو التالي: 1 - اللامتناهي في تركيب الجمل كما ذكر ذلك تشومسكي. 2 - اللامتناهي في تماهيات واحتمالات حقلي الصدق والكذب. 3 - اللامتناهي في احتمالات التخيّل والتأويل وخاصة حين يلتبس الكلام بالحكاية فلا يكون هناك مجال لموت المتكلم. وفي حالة كهذه لا يزكي الصورة الدرامية المفزعة للكلام إلا كونه يصدر من الغريزة وكونه نتاجاً لتنازع مضاعف على النحو التالي: 1 - تنازع الفطري والعقلي. 2 - تنازع الغرائز الأخرى في غريزة الكلام. 3 - تنازع الكلام والحكاية.. تقع درامية الكلام في نظام معقد من التنازع، إذ لا يمكن حلّه، أو ترويضه بتعلُّم أو قانون كما ذكرت، كل الغرائز تغذّي هذا النظام وتلهب حضوره، وتاريخ الخبرة الاجتماعية يغذي هذا النظام، ويمارس كل واحد منا الصراع مع ذلك بشكل يومي دون انقطاع، ودون رادع نهائي إلا بالسكوت. فأي فزع- إذن - هذا الذي نحن تحت وطأته مالم نسكت؟؟ ومن ثم فأي فزع هذا الذي أسكت “عبدالله الحكواتي”..؟؟ الصورة الدرامية في السكوت (الفصام) تعزِّز الخلفية الفكرية التي سقتها عن غريزة الكلام وعن صورتها الدرامية الاستعمال الدرامي للكلام الكاذب، وتبرِّر تحويله إلى أداة قتل مباشرة في مسرحية “عندما سكت عبدالله الحكواتي”.. ولقد أطلتُ في ذلك السياق الفكري نوعاً مّا، من أجل إثبات أن هناك ركيزة درامية في مجرد أن نتكلم.. أو أن نحكي.. والقيمة الفنية والفكرية للمسرحية التي قدمتها فرقة الصواري تكمن في وعيها بهذا النسق الدامي الكامن في الكلام والسكوت، ولنا أن نسأل: إذا كان الكلام والحكي كامنين بالفزع والصراع والقتل.. فبأي شيء يكمن لنا السكوت إذن..؟؟ وأرى أن استعمال الفعل (سكت) أكثر إشعاعاً بالدلالة الدرامية من الفعل (صمت) الذي يستخدمه العرض المسرحي. وقد وضع المخرج / المعد حسين عبدالعلي الصيغة الثانية (صمت) في عنوان المسرحية.. لكنه استخدم الأولى داخل النص... بل إنه أعمل دلالتها الفكرية والدرامية في مجمل العرض.. ولذا أعملت قراءتي للعرض من مفردة معنى السكوت لا الصمت، وعندي في استعمال المفردتين فرق كبير، فالصمت حالة عامة تنطبق على المكان ومن فيه.. أمّا السكوت فهو توقف وسكون يباغت حدث الصوت والكلام فقط.. وهذا المعنى أوغل في وصف حالة الحكواتي الذي توقفت قدرته على الكلام فجأة ولم يعرف أصدقاؤه سبب هذا التوقف. وإذا كان من الممكن تصوّر البعد الدرامي في الكلام عبر ما يكمن به من تنازعات واحتمالات مضاعفة كما بيّنتُ فإن علينا أن نتصوّر البعد الدرامي للسكوت من غياب فعل الكلام. أين سيذهب فعل الغرائز حينئذ.؟ أين ستولي الرغبات والدوافع؟ وفي أي شيء سيفكر هذا الانسان الذي توقف به الكلام...؟.. إلى أين سيقوده وعيه.. ومعرفته..؟.. أسئلة عديدة تشكل مستحيلاً لا يمكن تخيُّله طالما غريزة الكلام سجية مركزية في الإنسان.. ومع ذلك فنحن لا نفترض السكوت العدمي هذا، ولا نفترض فانتازيا مؤبدة، لأن من يسكت لن يحتمل سكوته إلاّ قهراً أو ردعاً أو مرضاً وفصاماً.. وفي حالة هذا العرض المسرحي، كما في حالة إسقاطاته الممكنة على “فاجعة الربيع العربي” أفترض الحالة الدرامية للسكوت عندما يكون تعبيراً عن فصام يقع داخل الوعي.. نتيجة لتراكم ضغوط عميقة للخوف من الاثم، أو القتل، أو من أي شكل من أشكال العقاب المترتبة على استمرار الكلام المفزع، فكأن السكوت هو المبرِّر الوحيد لعدم الخوض في المأساة الشاخصة أمام العيان. يتماهى هذا المعنى في درجات متفاوتة، يدور كثير منها في تراثنا العربي. فقد أفردت الرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري باباً للصمت، واعتبرته من صفة الرجال حين يأتي في وقته، أما الكلام في موضعه فهو من أشرف الخصال، وسُمع عن بعض العلماء القول الشائع (من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس) ووجد ابن القيّم الجوزيّة 691 هـ - 751 هـ في كتابه الجواب الكافي أن هذه العبارة حديث عن الرسول (ص) وهو من تلاميذ ابن تيمية، وأرجع الحديث إلى مسند الأمام أحمد بن حنبل. ولا تخلو كتب علماء المسلمين من إشارات متفرقة عن الكلام والسكوت وبنسق ما ذكرت.. أمّا في التراث السردي، وخاصة ألف ليلة وليلة فإن حبكة هذه الليالي بأسرها قائمة على فاعلية كلام شهرزاد وسكوت شهريار طوال حكاياتها. وقد حشّدت شهرزاد داخل رواياتها كلاماً عن نساء (غالباً) خرجن من مآزق وشرائك قاتلة بفضل كلامهن والعكس أيضاً.. كما روت معظم حكاياتها سكوت أبطالها إما بالسحر أو بالقهر، وروت خروج أبطال لها بواسطة ملكة الكلام كالتجار الثلاثة الذين أنقذوا حياتهم أمام العفريت بالكلام والحكي، وقصة الجارية “تودّد” التي بهرت العلماء بكلامها وسعة حديثها وعلمها، وأنقذت نفسها أمام الخليفة. لقد تحدّث علماء كثيرون عن السكوت في موقع الحق والتكلم في موقع الباطل، ولا أعتقد أن هذا هو الباب الذي خرج منه سكوت عبدالله الحكواتي، إنه سكوت يشبه سكوت شهرزاد عن الكلام المباح.. لقد ظلَّ ذلك السكوت يؤجل حكي النهايات المريرة للقتل شفقة وخوفاً من معاينة المأساة.. وحين طال به الخوف من نهايات الحكي آثر السكوت ليؤجل حكاية تفاصيل القتل.. وشهرزاد كانت بسكوتها كل ليلة تؤجل استمرار خوفها من القتل (قتل الآخرين)، أما في كلامها فكانت تجعل من الكلام خروجاً من محن القتل وشكيمة الشدة المفرطة. التنازع بين الكلام والسكوت في ألف ليلة وليلة هو مصدر بناء الفعل الدرامي في سكوت عبدالله الحكواتي.. ولذا يتمركز هذا الفعل الموقف (السكوت) في النص والعرض والأداء ويقلل من الأثر في الحركة.. فبدون السكوت في ألف ليلة وليلة لا تستمر حياة شهرزاد وبدون سكوت عبدالله عن الكلام لم يكن لتستمر له حياة مع رفاق الحيّ.. إنه أمام خيار صعب: هل يكمل فاجعة الحكايات (نهاياتها) أم يموت بالسكوت؟؟.. وكان خياره مع الثاني حلاً وفصاماً نفسياً قاسياً، لأنه حينئذ أشبه بمن اختار الانسحاب عن غرائزه الإنسانية التي يرمز لها (الكلام). سيتجلى فصام السكوت بقوة، وبصيرورة درامية حسية وتمثيلية في الحل الذي سيتوصل له أصدقاء عبدالله الحكواتي فعندما وجدوا أن منحه الهدايا والطعام لم يرجع حكايات عبدالله ولم تقلع به عن السكوت لجأوا هم أنفسهم بسرعة إلى الحكي والكلام فقدموا حكاياتهم الأربع التي امتد بها العرض. وفي هذه الحكايات يعود صوت عبدالله الحكواتي مجازاً ومحاكاة وتماهياً وفصاماً.. ذلك أن كلاً من الأصدقاء (راشد، سليم، عبدالهادي، وحيد) كان يستلهم أثر الكلام والحكاية في حياته من كلام عبدالله الحكواتي نفسه.. ولذا ظلوا يحكون، يتكلمون، يمثلون. وبعنف متصل وكأنهم يستعيدون ذات العنف وذات الكلام الذي كان من الممكن أن يمارسه عبدالله الحكواتي.. لقد سكت الحكواتي فعلاً.. لكنه تكلّم فصاماً، بمعنى أنه تجسّد في شخصيات أصدقائه. إننا ننسى سكوت عبدالله الحكواتي في لحظات حكي الأصدقاء ليس لأنه فقد معناه درامياً ولكن لأن الحكواتي نفسه خرج يجترح أمامنا حكايات القتل والاثم عبر الكلام والحكاية.. وهو ما كان قد سكت عنه وانتهى إليه إشفاقاً على فجيعة قد تحدث.. لقد بدأ متكلماً يسكت عن مرارة النهايات، وانتقل إلى السكوت الميِّت.. ثم المتكلم بعنف لا هوادة فيه عبر حكايات الأصدقاء. وأعتقد أن هذه صورة درامية نادرة في سياق حفريات الدراما عبر ألف ليلة وليلة. استطاع عرض “عندما سكت عبدالله الحكواتي” أن يستنطقها في توقيت له دلالته القوية. لم يعد السكوت من ذهب، ولا الكلام من فضة، وبتحديد أكثر لم يعد فصام السكوت في هذه المسرحية تعبيراً عن حضور شيطان أخرس يخرج متماهياً بسلطة وعي أو وهم خارقة كما يقول النص القرآني الكريم ، أو تعبيراً عن آية إلهية (آيتك ألاّ تكلم الناس ثلاث ليالٍ سويا) أو تعبيراً عن ابتلاء (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) بل إنه لم يعد منجاة من القتل، إنه صدمة احتكاك بالمأساة فحسب.. صدمة الضعف البشري أمام حضور القتل الخفي في الكلام والحكاية. وبهذا التأويل الدرامي للسكوت فإن الحكايات الأربع تقع جميعها في نسيج فصام السكوت لأنها ليست إلاّ الوعي الذي عجز عبدالله الحكواتي عن الاعتراف به ضعفاً وشفقة وخوفاً. وهكذا فمع كل فصام للسكوت ستكون هناك مساحة لظهور سيكولوجيا جديدة للكلام وللحكاية.. نستطيع القول بناء على ما سبق بأنه لو لم يكن الكلام نتاجاً لغريزة تتداخل بعنف مع الغرائز الأخرى لما كانت مواتية لسيكولوجيا العنف والتدمير والصراع والحروب، ولو لم يلتبس الحكي بغريزة الكلام إلى حد الانفلات لما كان مواتياً لفهم سيكولوجيا الوعي الجماعي الذي أراها في حالتنا العربية الراهنة، ولما كان اليوم المادة الأولى لنظرية التحليل النفسي. أما سيكولوجيا فصام السكوت فلها تجلياتها الواضحة مع الأزمات والكوارث دائماً، ولو تحرينا أزمات الأمة العربية منذ التاريخ البعيد لوجدنا أمثلة فصام السكوت كثيرة ومؤسية تروي سيرها فصام الوعي الذاتي مع الوعي بحضور الجماعة إلى حد التناسخ في حضورها الآخر. ما الذي أسكت الكندي، وأبا حيان، وأبا الفرج الاصفهاني، والحلاج، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. ما الذي أسكت عبدالله الزايد وفهد العسكر وغيرهما إن لم تكن صدمة الكارثة في زمنهما.. ؟؟


الحكايات الأربع الوعي الآخر للكلام الوعي الآخر للحكاية تقع بداية الحكايات الأربع من حيث سكت عبدالله الحكواتي.. لقد خرج له شبح امرأة كما ذكرت سابقاً وطلب منه السكوت وأعطاه مهلة خمسة أيام لينقطع صوته عن التكلم وليتركه في حيرة، وقد أجهد نفسه مطوَّلاً لهذا التكوين الفانتازي للسكوت من حيث صلته بما ذهبت له حول تحليل فصام السكوت. فالعرض المسرحي يتحسَّس الانفصام في الطبيعة الغرائبية لسكوت حكواتي يمتلك خبرة طويلة في الكلام والحكاية لكنه يفاجأ بسكوت يوقف قدرته على الكلام.. هذه الطبيعة الغرائبية تواتي حالة الانفصام. فالشبح المتدثِّر بالسواد حين يخرج له خلف ظهره هو إطار تعبيري / رمزي لدخول الحكواتي في شخصية أخرى تنتمي لذاته وجودياً لكنه لا يدرك كنهها.. الموقف إذن يفتح المخيلة للذهاب نحو انفصام أكثر بعداً من التكوين الفيزيائي للحكواتي.. وهو ما حدث بالفعل، فبعد غياب الشبح يبدأ (الآخر) الوجودي الذي يسكن أعماق الحكواتي في الظهور عبر الأصدقاء الأربعة الذين سيأخذون زمام الحكي، وسيعيدون حضور الوعي الآخر المسكوت عنه في ذات الحكواتي.. يتراوح مستوى الحكايات الأربع أداءً ودلالة، لكنها - كما سنرى - ستذهب بقوة ونفاذ نحو صياغة رؤية واحدة ودلالة مكثفة تدور حول كلام ينظِّمه حكي محكمٌ يعقبه قتلٌ أو تدمير يتَّسم بالبشاعة واللاإنسانية.. وتنفلت وراء هذا القتل غرائز الشهوة والجنس والخيانة والكذب وحب التملّك والسيطرة مثيرة بذلك أجواء القتل والإثم والانتقام. ومتخذة منها ذريعة أو حجة لتطهير السكوت من حالة الفصام، تماماً كما حدث مع شهرزاد التي أسكتت شهريار وتركت فصامه ينبعث في حكاياتها المهووسة بصور الخيانة والاثم والانتقام. الحكاية الأولى الحكاية والسكوت عن الثأر عندما سكت الحكواتي وقرَّر الأصدقاء أن يتخذوا الحكايات ذريعة لتطهير السكوت بدأت حكاية الخيانة عبر الكلام الكاذب الذي سيصدر من صديق راشد ومن زوجته في آن واحد.. وقد بدأت ألف ليلة وليلة بالخيانة أيضاً ولكن مع فارق أن الليالي ذهبت مباشرة إلى الثأر النزوي بينما يذهب هذا العرض إلى السكوت عن الثأر، مكتفياً بنزع قناع الفصام عن وجه خيانة الصديق وخيانة الزوجه بصورة بالغة الشدة.. لقد اكتشف بطل الحكاية (راشد) أن صديقه يحب فتاة جميلة وهي تحبه لكنها متزوجة من إمام القرية الشيخ إبراهيم، فيوافق على مساعدته بأن يذهب للإمام مع موعد الصلاة ليقنعه بترك زوجته التي يحبها صديقه.. ويظل ينتظر الإمام يومياً حتى يفرغ من الصلاة إلى أن تمكَّن من مصارحته بحب صديقه لزوجته فيفاجأ بأنه غير متزوج وأن صديقه كان قد كذب عليه وشغله كي يتفرغ هو للاختلاء بزوجته الخائنة، فوقع في صدمة عنيفة حاول أن يقتل زوجته انتقاماً فلم يستطع.. سكت عن الثأر متأثراً ومتعزياً بما سمعه من كلام الخيانة في ما يحكيه الحكواتي.. واختار التعايش بين رفض الواقع وقبول الوهم (الحكايات). لقد كان من الممكن أن يتوقف الكلام والحكي وتمثيل الحكاية عند منتصفه قبل أن يفضي الكلام بالكذب وتنكشف الخيانة، لكن التمثيل مضى دون سكوت فمضى معه الحكي وبقوة فاجعة نحو القتل والخيانة. ثم دفع بفعل الكذب كاملاً من الصديق والزوجة، فتمَّ فعل القتل كاملاً أيضاً وبأشكال متعددة: قتل الصداقة، والحب، والزواج، وقتل الروح التي تتمثل في صدمة الصديق بتآمر نزوي بين صديقه وزوجته. وأخيراً القتل المباشر للجسد.. والقاتل في ذلك كله ليس مجرَّد رجل (الصديق الكاذب) وليس مجرد امرأة (الزوجة الخائنة) وإنما القاتل هو حكي كاذب من كليهما.. وإذن فإن الحكي الكاذب حين يتمّ دون سكوت ينتهي دوماً بفجيعة قتل أو فقد مريع. الحكاية الثانية كلام لا يحتمل إلا الكذب تكاد تكون هذه الحكاية حكاية لثلاثة أنساق من الكلام الكاذب اجتمعت في رابط واحد، بطل الحكاية (سليم) أحب زوجته الجميلة حباً جارفاً وأنجب منها صبياً لكنها فجأة مرضت مرضاً شديداً وتمنَّت أن تأكل تفاحة فقد يشفيها التفاح، بحث الزوج عن تفاحة واحدة فلم يجد، فرحل إلى مكان بعيد به بستان السلطان وعمل فيه حتى حصل على ثلاث تفاحات.. أحضرها لزوجته بعد تعب شديد لكنها لم تأكل.. فخرج في الطريق متألماً فإذا بعبد أسود بيده تفاحة يخبره بأن زوجته أهدته إياها، وأنها ادَّعت المرض حتى يحضر لها التفاح وتعطيه له هو عشيقها.. هرب العبد، ودخل سليم في حالة غضب وتفكير مرّ، فإذا كان كلام العبد صادقاً فإنه سيجد تفاحتين وإلاّ فهو كاذب.. وعندما رأى التفاحتين فقط سألها إن كانت أكلت واحدة فأجابت بالنفي فأيقن بخيانتها وقتلها وقطَّع جسدها ورمى بها في النهر.. لكنه بعد قليل يكتشف أن ابنه الصغير هو الذي أخذ التفاحة واختطفها منه العبد الأسود.. لكنه لم يخبر أباه بذلك إلا بعد القتل.. قَدَّمتْ الحكاية الكذب الأول عبر شخصية العبد المستنسخ من شخصيات ألف ليلة وليلة، والكذب الثاني عبر الوهم الذي تخيَّله الزوج حين افترض أن غياب التفاحة إنَّما هو كذب وخيانة مدبَّرة من الزوجة الضحيَّة.. وأمَّا الكذب الثالث فيأتي من السكوت المؤقت الذي أعقبه اعتراف بالصدق، وكأن السكوت هنا بمثابة نسق آخر للكذب القاتل. إن تراكم الكذب على هذا النحو يحيلنا إلى أن كلّ أطراف الحكاية فاعلون في الكذب.. الزوجة الصادقة في حبها تمثَّلت كاذبة خائنة في مخيَّلة الزوج الغاضب، والزوج المحبّ الصادق صار كاذباً معتدياً بافتراض تصديق كلام العبد والعبد كاذب بالطبع، وأخيراً الصبي.. وبذلك تكتمل دلالة وقائع الحكاية حول تمركز الكلام الكاذب في كل خطاب وهماً أم واقعاً. الحكاية الثالثة حكاية الكلام الكاذب من المواطن إلى السلطة تنتقل دلالة غريزة الكلام الكاذب في هذه الحكاية إلى مستوى أشد خطورة، وأوسع تأثيراً، فتصبح بمثابة استراتيجية خطاب يكوِّن علاقة التواطؤ على العنف المتبادل بين المواطن والسلطة.. وقد جعل المخرج راوي الحكاية حلاّقاً يمارس قصَّ الشعر وقصَّ الكلام في آن واحد ويعلن منذ البداية قوله: “عمري ما كنت آخاف آقول شي لأن الموس في يدي مو يدْ الزبون ...” يتماهى كلام الراوي مع بطل الحكاية الذي يدخل على والده الملك وهو في فراش المرض، يوصي الملك الأب ابنه بأن يحذر من الكذابين لكن الابن يطعن الملك ويقتله ويعلن عن وفاة الملك واعتلاء الابن عرش الملك .. ومنذ ذلك تتحوَّل المدينة إلى مدينة كذب وعنف وقتل، فقد استلذ الملك الجديد بحكايات الكذب وراح يتعلَّم الكذب من السحرة والكذابين والشياطين ومن ثقافات الشعوب كلِّها. وظل ثلاثين عاماً يشيع الكذب والقتل وعندما استنفذ كذبه .. أعلن في بيان انه سيكافىء من يعلِّمه كذبة جديدة وزنه ذهبا .. وبدأ الناس يتوافدون عليه ليعلِّموه الكذب لكنهم لا يفلحون في ذلك فيقتلهم وفي أحد الأيام دخل عليه رجل غريب وراهنه على الكذب واستطاع أن يعلِّم الملك سلسلة طويلة من حيل الكذب الجديد ، بل استطاع أن يفضح غباءه الكامن خلف كذبه، فراهنه. وانتصر كذب المواطن الغريب على كذب الملك. وصار من حقه الحصول على وزنه ذهباً ثلاثة أضعاف.. ولكن مع ذلك ترك الرجل المكافأة (الذهب) وخرج متحدياً الملك في كبرياء .. وما من شك في أن نسق هذه الحكاية يستنزف انزياحاً قوياً من حكايات ألف ليلة وليلة، فالكذب والبطش والقتل واغتصاب الملك وتحويل عهد حاكم من الصدق إلى عهد حاكم من الكذب واستخدام التماهي في إرث واسع من حكايات الكذب ووضعها جميعاً في رقاب ضحايا لا يحصون .. كل ذلك ينحدر من حكايات ملوك شهرزاد في الليالي .. وقد تميَّزت الحكاية الثالثة - بالفعل - في استدعاء هذا النسق للدلالة على أن لحكاية الكلام الكاذب غرائز يتساوى فيها الملك مع المواطن البسيط والغني مع الفقير .. كلاهما يراهن على البقاء .. ولكن في الكذب على الآخر غريزياً لا يبرّره إلاّ وجود لا مبرّر له. ولهذه الحكاية قيمة مركزية في رؤية العرض المسرحي برغم أن المخرج لم يموضع سياقها بدقة تراتبية في سلسلة خطاب غريزة الكلام الفاعل للقتل. لقد طرحها في الجزء الثالث من العرض وكأنها هامش دلالي لدلالة أكبر منها، في حين أنها تبني الدلالة المركزية للعرض برمّته لأنَّها تعرِّفنا بالذات الكامنة وراء الكلام الكاذب من رأس الهرم إلى قاعدته.. لقد رأى الجميع عبر هذه الحكاية ذاتاً واحدة حين تكلموا كذبا متصلاً لا انقطاع فيه. الحكاية الرابعة الأمل الكاذب عبر الكلام الكاذب ركزت الحكايات الثلاث السابقة على صورة درامية نابعة من غريزة الكلام الكاذب في خضم الحياة الواقعية فقارنت بذلك مراتب غريبة وصلت إلى درجة العجائبية في حكاية الملك والرجل الغريب .. أما في هذه الحكاية فالكلام فيها يجري على منوال الخيال الكاذب الذي يضطرّ إليه الإنسان بمبرِّر أخلاقي عاطفي يسمى (الأمل) .. يمثِّل هذه الصورة محمود الصفار ونبيل حسين .. الأول يمثِّل دور المريض العاجز تماماً من الحركة، والثاني المريض الذي يستطيع التحرك قليلاً إلى نافذة لا تطلّ على شيء جميل أو ذي بال .. لكنه لكي يبث في نفس زميله المقعد شيئاً من الأمل يقف عند النافذة ويتخيَّل مشاهد جميلة يصفها لزميله .. بحيرة، وأطفال، وعشاق، وساحر يبهر الناس وألعاب وحركة .. وتمضي الأيام وهو على منوال هذا التخيّل ولكنه يموت ويظل المريض المقعد وحيداً .. فيجاهد حتى يصل إلى النافذة فيطلّ منها ولا يرى شيئاً مما صوَّره له زميله الذي غادر الحياة. لقد صنع المريض عبر غريزة حب البقاء المتداخلة مع غريزة الكلام صورة جميلة لا وجود لها من أجل أن يوجد أملاً لا وجود له في حياة المريض المقعد .. تماماً كما أراد راوي الحكاية أن يفعل ذلك مع الحكواتي عبدالله الذي أقعده السكوت عن الكلام فلم يعد وعيه يكشف عن وعيه ولا نفسه تفصح عن نفسه. جريرة الكلام جريرة السكوت شكَّلت الحكايات الأربع التي صاغها العرض المسرحي (عندما سكت عبدالله الحكواتي) عنصراً درامياً مشتركاً هو الكلام القاتل .. أو الكلام الذي يذلِّل الطريق إلى المأساة .. خيانة الصديق، خيانة الزوجة، انتقام العبد، بطش الملك .. احباط المريض وهو على حافة الموت .. الأمل المهدور .. كل ذلك جرى في الحكايات الأربع عبر جريرة الكلام .. ولو اقتصرت الصورة الدرامية لهذه الجريرة على حكاية واحدة، أو عبر تأويل تحكمه مسافة مقيَّدة بين القراءة والنص / العرض لكان في الأمر بعض الشك، ولكن أن تخترق هذه الصورة الدرامية كل الحكايات فهذا يعني أن العرض يتمركز عند هذه الصورة، ويقدمها بوصفها وجهاً قوياً من أوجه بناء الدراما، ووعياً من بنى الوعي المؤسسة لها. ولعلنا نجد إمعاناً أكثر في أن هذا العرض يستنبط - وبكثافة شديدة - الدراميّ من غريزة الكلام وفصام السكوت حين نلاحظ أن النص المعدّ للعرض قد ضمَّ ست حكايات نفَّذ العرض منها أربعاً فقط .. وترك حكايتين لا تنفصلان عن دلالة جريرة الكلام، ففي واحدة منها نجد مزارعاً بسيطاً يظنه مالك الأرض ساذجاً ومثاراً للضحك بالكيفية التي يتكلم بها لكنه بتكلمه يكشف عن مهارة مدهشة تمكنه من التغلب على المالك نفسه .. وفي حكاية أخرى يسلِّط الأب كلاماً يحكم به على ابنه طيل حياته، فعبارة (روح يا ولدي طيح الله حظك) التي قالها له منذ الصغر تظل متحكمة في تحوّل حياته إلى نحس دائم ونكد لا نهاية له، وكأن كلام الآخرين إرادة مسلَّطة لا رادّ لها. وأعتقد أن الدراميّ في الكلام ليس في مجرد كونه كلاماً مفتوحاً على احتمالات التركيب النحوي التي يصوِّرها اللغويون وإنما لوجود منابع غريزية تلجلج باحتمالات التراكيب وفق رغبات المتكلم ونزواته، وهو ما صورته الحكايات الأربع جميعها. فدوافع الجنس والحب تكمن في الحكاية الأولى، ودوافع الانتقام في الثانية ودوافع السلطة وبقاء المستبد في الثالثة .. ودوافع الشفقة والأمل في الرابعة.. ويمكن اختبار الدراميّ القابع في غريزة الكلام من خلال اختيار فعل السكوت بوصفه الموجه المقابل لعنف يستعصي ظهوره، أو لغموض يستعصي فهمه .. فعندما وضعت الفلسفة - قديماً - قوانين تحكم وجود الحقيقة كان الكلام أداتها الأولى في المواجهة .. ولذا كانت حكمة سقراط القائلة : “تكلم حتى أراك” لا تعني إلا المواجهة، وقديماً اقترنت الفلسفة بمحيط يقتل أصحابها أو يجعلهم في حالة نعي وشؤم دائمين .. أما حكمة القائل “الساكت شيطان أخرس” فلا يقلّ عنفها عن “تكلم حتى أراك”، ففي تلك وعي يقتل وعياً .. أما السكوت ففيه انتحار وعي بوعي .. خاصة إذا أدركنا أن الساكت الذي نعنيه لم يولد ساكتاً، وإنما أسكتته حالة معقدة من الوعي، قد لا يصيب أحد في تحليل خفيِّها وظاهرها بدقة كاملة.. لقد وضعتْ “عندما سكت عبدالله الحكواتي” الكلام في البدء، فقد شاهدنا الحكواتي ينطلق في الكلام والحكي مجتذباً أصدقاءه بخرافات وأوهام غير مقبولة ولكنها مؤثرة .. هذا يعني أن الكلام مكوِّن في الحكي والمخيلة والمعرفة .. وكل إنسان يولد مزوداً بغريزة الكلام ينمو معها حتى يهلك .. أما السكوت فقد وضعه العرض المسرحي بديلاً مستعصياً للكلام. فهو حالة تستوقف فعلاً يتسم بالحتميَّة والسجيَّة (الكلام) ومن هنا يبدأ نسيج الدراما في غريزة الكلام .. فحيث ما سكت الحكواتي تكلَّم الآخر في داخله، وضاع في رعب الفراغ. وتطرح المقابلة الدرامية بين الكلام والسكوت مفهوماً مغايراً للآخر في هذا السياق .. فالآخر ليس بالضرورة هو الذات المنفصلة المتموضعة في وجود مستقل عن الإنسان في ذاته .. وإنما هو الوعي الذي نتماهى معه عبر السكوت، أو هو الخيال الكامن فينا دون أن نفسح له حرية الدخول في منطقة الكلام .. والفصام الذي وضعته في سياق هذه الدراسة هو خير ما يعبِّر عن هذا الوعي بالآخر. وعند هذه النقطة ندرك درجة التشابك بين جريرتي الكلام والسكوت في صورة درامية واحدة لم يعبر عنها المسرح الحديث بما فيه من العمق والمعرفة .. لكن هيأت حكايات ألف ليلة وليلة المجال لإدراك الصورة الحيّة لذلك واستطاعت مسرحية عندما سكت عبدالله الحكواتي أن تستلهمها وتؤطر لها حضوراً شاخصاً. قد لا يكون للبراءة محل في فصام السكوت فنحن جميعاً حصيلة لما نكتسب من تجارب عصيّة .. لما نقبل ولما نرفض .. لما نتكلم ولما نسكت .. لقد سكت الصبيّ عن التفاحة التي سرقها منه العبد الأسود وتسبَّب في قتل أمه .. وسكت الزوج عن الخيانة القاسية ولم يقوَ على الانتقام .. وسكت الناس عن كذب الملك لكن سكوت عبدالله الحكواتي يغشينا بعلمه المسبق بما في الحكايات كلها من جرائر الكلام.. وهذا فارق جوهري في تحليل سيكولوجيا السكوت في هذه المسرحية وحدها، وإنما في صيرورة الإرادة والوعي في الوجود الإنساني. إن سكوت عبدالله الحكواتي يقارب مفهوم فصام السكوت الذي يوازي كوارث السقوط والهزائم المعقدة .. تلك التي تنتج سلسلة من الصدمات النفسية الجماعية وتجعل وعياً جماعياً بأسره يكمن وراء صمت لا يبرِّره إلاّ المنطق اللاعقلاني للكارثة .. وأقرب الصور إلى ذلك أحداث الحالة العربية الراهنة .. التي فصلت وعي عدد كبير من المثقفين عن القدرة على استيعاب أو فهم أو تحليل ما يحدث بين ظهرانيهم من فترة قصيرة من الزمن وبحوادث لا تستوعبها إلاّ عشرات من السنين. وخصوصية هذا الجانب الدرامي / المعرفي في السكوت لا تبدأ من حيث صورته المعقدة والعميقة .. ولا من حيث تعبيره عن مفهوم لآخر ضمني في الذات .. وإنما تمتد لتشمل تماهيات لا حصر لها لسلسلة من المواقف لا يمارسها المصاب بفصام السكوت نفسه وإنما تتراءى له وتتخايل في عقله دون أن تكون له قدرة على الكلام عن صورتها المتناقضة .. إنه قد يردِّد وبصمت قابع في أعماقه ما يقوله الآخرون دون أن يدخل فيه معهم عبر الكلام. وهنا يتجسّد مستوى الفصام الجماعي الذي أشرت له سابقاً. وأظن أن الحكايات الأربع صورة منقولة عن ذلك التردد (المسكوت عنه) .. إنها بمثابة الكلام الذي أراد الحكواتي أن يقوله لكنه لم يستطع قوله .. بينما خرج منه رغماً عنه بحكم كمونه العميق في وعيه ومخيلته.

هناك سؤال هام تثيره هذه المسرحية، ففي سياق الحكايات الأربع التي دلَّت وبقوّة على أن وراء كل قتل فاجع حكاية لكذب إنساني .. تشعُّ مساحة واضحة للضحك والكوميديا .. ففي الحكاية الأولى كان الشيخ إبراهيم يضيّع فرص التحدث مع الزوج (بطل الحكاية) ويهدر لهاثها بإيحاء كوميدي مضحك .. توحي بانشغاله بالصلاة والذكر وكأنه منصرف تماماً عن أي شأن آخر .. كان المشهد يعتمد بنية الضحك الخالص .. بنية تناقض الرغبة ومفارقتهما إلى حدّ يدرك المشاهد كنهه وغرضه .. ولم يكن سياق المفارقة المضحكة هذا إلاّ لاستغراق غفلة الزوج وإطالة برهة الكذب والخيانة .. كما أنه وفي نفس الوقت يمهّد لتخفيف الصدمة بأن يجعلها مأساوية إلى حدِّ الضحك .. وخاصة حين نكتشف أن هذا الشيخ غير متزوج أصلاً. فكيف تكون عنده زوجة يحبها أحد آخر..؟ .. وهنا لا يتجرّع أحد ممن يشاهد المسرحية فاجعة الصدمة .. وإنما الذي يتجرعها الزوج وحده.. لأنه وحده من وقع عليه فعل الحكي الكاذب من صديقه بدءاً. وهكذا فإن العرض المسرحي لم يكذب على أي من المتفرجين حينئذ لأنه خطاب (عرض مسرحي) داخل خطاب (هو التمثيل) داخل خطاب وهو (الحكي) .. ولو تأملنا فلسفة هذا التداخل في الخطاب لوجدنا أن فعل القتل إنما جرى في المستوى الأول من الخطاب وهو الحكي لكنه لم يجري في مستوى التمثيل أو في مستوى العرض المسرحي الضمني .. أما فعل الضحك فإنما يجري - وبوضوح - في المستوى الأخير من الخطاب فقط .. وأعتقد أن هذا التشاكل والتفارق هو أحد أهم وأدق دلالات تقنية تمثيل الحكي خاصة حين يسبغ الضحك على التلقي ، وهو ما حذقه ممثلو العرض بمهارة. أمّا في الحكاية الثانية فإن الضحك يشعّ مع ذلك الزوج الموهوم بالكلام أو بالحكي الأوَّل من زوجته التي يحبها حباً قوياً .. لكنها وهي على فراش المرض تلهث بحثاً عن تفاحة تشفيها وبأسلوب يقارب الكوميديا، وامتدت هذه المقاربة مع حثيث لهاث الزوج وسعيه ودأبه لدرجة يستغرقه فيها تماهٍ بين الصدق والكذب، فيشعّ لنا ذلك بأن وراء ماهو ظاهر خفيّ مؤسي. وقد عزَّز المخرج وبذكاء وعمق مساحة البحث عن التفاح عبر جماليات كوميدية راقية، وتعبيرية وهي حركة سير الدابة التي تهزّ بدن الممثل (محمد الصفار) بآلية السير الحثيث والمثير للضحك الخالص .. وكم أسعفت موهبة هذا الممثل الصورة المتميّزة لهذا المشهد.. إنها براعة وذكاء ممثل قبل أن تكون براعة مخرج أو مؤلف. وفي الحكاية الثالثة تزداد وتيرة الضحك الموازي للحكي والواقع في خطاب التمثيل لا مستوى خطاب الحكي .. فالحكاية إنما هي حكاية ملك اغتصب الملك من أبيه وهو يعاني المرض في أيامه الأخيرة، وكذب على الناس فأشاع بأنه وارث طبيعي للمُلك وبأنه سيعيد العدل بينهم .. ثم استمرأ الكذب وأقام سياسته على ذلك. إنَّ الضحك المشعّ في مشهد هذه الحكاية نابع من تقنية تمثيل الحكاية .. ومن براعة الممثلين الأربعة الذين أحكموا صورة المفارقة بين ما يكمن في تآمر الملك من أجل أن يقتل ويقتل بواسطة استمرار الكذب والبحث عن كذابين جدد يبتكرون له كذباً جديداً. وإلاّ بطش بهم بسيف الجلاد .. وبين رجل ذكيّ يدخل رهان الملك فيبتكر له من الكذب ما يكشف لعبة الملك بأسرها .. ولعبة الكذب من أصلها .. ليخرج منتصراً على مؤامرة قتله بكبرياء متخلياً عن مكافأة الملك (وزنه من الذهب ثلاثة أضعاف). ومرة أخرى لا تقع مساحة الضحك والكوميديا إلا في مستوى تمثيل الحكي لا الحكي نفسه، إن الممثلين الأربعة يحذقون تمثيل المحكي من الكذب عبر أداء تمثيلي يتسم بالسرعة وردود الفعل المباغتة، واستخدام أبسط وأكثر الوسائط تواضعاً وفقراً كالعصي والأقمشة وتداخل حركات الجسد .. كل ذلك في مشهد أراد له المخرج أن تضيع فيه حقيقة الكاذب والمكذوب عليه في آن واحد من أجل تجميع مجموعة غرائز في غريزة الكلام وفي الموقف بأكمله. ومناط الضحك الخالص السابق في الحكاية الثالثة يعود ثانية في مشهد الرجلين المريضين، أحدهما يوهم الآخر (كذباً) بأنه يرى من خلال نافذة. ويصف له ما يراه .. بحيرة وعشاق وطيور الخ .. لكن حين يتمكن المخدوع بالكلام من الوصول عند النافذة لا يجد وراءها شيئاً يذكر فيُهدر أمله. وهكذا فإن مساحة الضحك الخالص انفردت بإيحاءات غنية نحو اتجاه محدد وهو تمديد برهة الكذب في الكلام، وإطالة فسحته .. وهذه البرهة التي يطول مداها بشكل نسبي في الحكايات تضع المخدوع دائماً في مستوى التلقي المباشر للحكي القاتل بينما تضع المتفرج في مستوى من إشعاع الضحك الخالص .. الأمر الذي يؤجل شيئاً من الوقت حدوث الصدمة بالوهم والكذب. وهذا في الحقيقة يفسر لي أمراً بالغ الأهمية وهو أن المتفرج لهذا العرض لا يخرج منه محبط النفس متأثراً من مشاهد القتل وخديعة الكلام، وإنما يخرج منه مشبعاً بقدر كبير من البهجة والمتعة .. ومن الحق أن مصدر ذلك بناء المواقف في الحكايات وما يتصف به هذا البناء من كوميديا وفانتازيا. لكن أكثر مصادر البهجة عندي لم يأت إلا من تقنية تمثيل الحكي المسحور بإشعاع الكذب الأول وهي - أي تقنية تمثيل الحكي - بمثابة مراس الممثل على أن يضع خطاً مرهفاً بين الإيحاء بأنه يمثل والإيحاء بأنه سارد يتحكم في وجهة نظر الحكي .. وحيث أن المصدر هنا تمثيلي اسيتهامي فإن براعة الممثلين الذين جمعهم حسين عبدالعلي في هذا العرض، ودخلوا مستوى تمثيل الحكي بأدوات عقلية وعاطفية متقنة ومدروسة تجعلني أشير لهم بكثير من التميّز والإبداع. دلالات انكسار العقل العربي لقد ذهبت القراءة الثقافية والنقدية لسيكولوجيا غريزة الكلام وفصام السكوت نحو مسار يكثِّف البحث عن الضرورات الثلاث التالية: 1 - الطبيعة الدرامية في جدل سيكولوجيا الكلام والسكوت. 2 - حدود المعرفة (العقل والعواطف) في ذلك الجدل عبر الحضور الثقافي والتراثي. 3 - انعكاس ظاهريات ذلك الجدل الذي صورناه في سياق تشخيص فصام الإنسان العادي في مستوى حياته الاجتماعية .. أو فصام المثقفين في سياق مواقفهم السياسية والثقافية في مراحل الأزمات والكوارث. وربما لم أفصِّلُ كثيراً في مجال الضرورة الثالثة، لأنه قد يُسرف بنا في البعد عن رؤية بناء العرض المسرحي، ودلالات الحكي والتراث. لكن رغم ذلك، فإن جميع ما ذهبتْ إليه ملاحظاتنا تضع مفهوماً واضحاً لفصام السكوت استطاعت شخصية (الحكواتي) أن تجسّد معالم رئيسية له، فهو صدمة احتكاك عنيفة إزاء كارثة تواجه مشروع أمّة بأسرها وسط صراع غير متكافىء، وعبر تداخل وتناقض وتراجع منظومة كاملة من العقل والمنطق يجعل الوعي أمام ذلك كلّه في حالة خوف لا يمكن التعبير عنها بوعي متماسك، متوازن. الأمر الذي يجعله في حالة انفصام ، فهو مع وجوده لذاته وضده .. ومع وجوده في ذاته وضده .. ومع وجوده أمام الآخر وضده . كانت حالة “الحكواتي” تجسّد هذا التنازع العاجز ، وتفصح عن أوهامه المخيفة كما أفصحت عن ذلك الحكايات الأربع في العرض المسرحي .. وهي بهذا التجسيد نموذج ثقافي سيكولوجي حاضر يتمثّل في عجز المثقف العربي ، ودخوله في حالة عجز مطلق إزاء إمكانية تفسير ما يراه بشكل يومي من اصطفاق لمفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية والدين والعقلانية الليبرالية ، والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والمواطنة والعولمة وغير ذلك . إن الجميع الآن يجد نفسه في حالة كلام مفرط وإقصائي .. كما يجدها في حالة عزلة وسكوت .. ثم - وهنا يقع الفصام - يجد نفسه تارة مع هذا الضد وأخرى مع ذاك الضد المعاكس وأخرى مع ضد آخر وهكذا دون انتهاء . وتزداد فاعلية وضراوة هذا الوعي المتخرّم بانشقاق الذات مع انغراس الأزمة العربية الراهنة في صراع المعتقدات والمذاهب والاستراتيجيات الكبرى من جهة ، وانهماكها - وبالضرورة - في تكنولوجيا التواصل الاجتماعي واستهلالها لوسائط الاتصال الحديثة . ولا يتسع المجال لتحليل كل التجاذبات الثقافية والسيكولوجية في هذا السياق ، ولكن يكفي القول في نهاية المطاف أن غريزة الكلام منفتحة على مصراعيها بشكل يومي على جميع الغرائز الموازية ، فتنذر بصناعة الكراهية والإقصاء والأطماع وتدمير حال الأمة العربية . وتترك - في مقابل ذلك - الكثيرين يتجرعون عذاب فصام السكوت ، والعجز عن فعل شيء مّا . الهامش الأخير ومن الحق أن أقول بأن تقنية تمثيل الحكي هذه التي اعتمدت عليها “عندما سكت عبدالله الحكواتي” هي إحدى أهم ما رسَّخه كل من الفنان عبدالله السعداوي والفنان إبراهيم خلفان في أعمالهما وتدريباتهما المختبرية التي خرج منها مجموعة من الممثلين الشباب ، ومعظمهم ينتظمون العمل في العروض الأخيرة لمسرح الصواري منذ سنوات ، وقد أحسنوا ما تدربوا عليه فعلاً عندما قدموا عرضهم الجديد (عندما سكت عبدالله الحكواتي). ومن أجل ذلك فإني أدعو فناني مسرح الصواري من أمثال : إبراهيم خلفان ويوسف الحمدان وخالد الرويعي ومحمد الصفار وغيرهم أن يعيدوا التفافهم حول مسرحهم الذي ساهموا في تأسيسه وتكوين صفوفه ، وأن يواصلوا تطوير أدوات ومناهج عملهم مع زملائهم كعبدالله السعداوي وإبراهيم بحر وبقية شباب المسرح . وأن يستثمروا نجاحهم في هذا العرض من أجل بناء رؤية مسرحية مشتركة تعيد للمسرح البحريني حضوره .



1 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email