المعطف .. قصة : نيكولاي جوجول


في واحدة من دوائرنا الحكومية ....لعله من المستحسن لي أن لا أذكر هذه الدائرة بالاسم، إذفليس هناك من هو أشد حساسية من العاملين في الدوائر الحكومية أو الفصائل العسكرية والسفارات أو في الحقيقة أي صنف من المؤسسات الرسمية. ففي هذه الأيام يعتقد كل مواطن عادي أن المجتمع برمته يتعرض للإهانة عندما يتعرض هو شخصياً لأية إهانة. ويقال أنه منذ زمن ليس بالبعيد أن مفتش شرطة في أحد الأقسام الإدارية قد تقدم بشكوى ( لا أستطيع أن أتذكر إلى أية مدينة كان ينتمي ) و في هذا الصدد فقد أوضح ببساطة صارخة بأن الدولة وجميع قوانينها في طريقها إلى الانهيار و أن اسمه المقدس قد تعرض للإساءة بما لا يدع مجالا للشك. وللتدليل على صحة ادعائه فقد أرفق وثيقة إضافية تتمثل في مجلد ضخم ، يتضمن كتابات على مستوى عال من الرومانسية ، حيث يظهر مأمور للشرطة بين كل عشر صفحات ، وفي بعض الأحيان في حالة من السكر الشديد. ولذا ، فإننا من أجل تفادي المزيد من الكراهيات ، يحسن بنا أن نطلق على تلك الدائرة المعنية "دائرة ما " .


ففي دائرة ما إذن، عمل موظف مدني ما . و ليس بالإمكان بأي حال أن يقال بأن مظهره كان من ذلك النوع الذي لا يغيب عن الذاكرة ؛ فقد كان قصير القامة ، و على وجهه آثار حبات جدري ، و شعره يميل إلى الحمرة ، كما كان ضعيف البصر ، أو هكذا بدا . كان ذا صلعة في مقدمة رأسه و كان كلا خديه قد تعرضا للتجاعيد . كانت بشرته من النوع الذي تجده عند أولئك الذين يعانون من البواسير ...... و ليس هناك ما يستطيع المرء عمله حيال هذا، فطقس بطرس برج هو الملام.

الدكتور محمد الخزاعي

أما بالنسبة لرتبته في سلم وظائف الخدمة المدنية (فينبغي علينا أن نحددها قبل أن نمضي قدما) فقد كان ينتمي إلى تلك الفئة التي عرفت بالمستشارين الفخريين الدائمين ( مستشارين بالاسم)، التي ظلت لفترة طويلة ، كما نعلم جميعا ، موضع سخرية و تهكم من قبل فئة من الكتاب التي اشتهرت بشن هجومها على أولئك الذين ليسوا في موقع يسمح لهم بالرد. كان اسمه باشمتشكين الذي يبدو بكل وضوح أنه اشتق من كلمة باشمك (التي تعني بالروسية حذاء).


و لكن متى على وجه التحديد و في أي وقت من النهار و كيف تكون هذا الاسم فإن هذا شيء شديد الغموض. كان كل من أبيه و جده و حتى صهره و كذا جميع آل باشمتشكين يلبسون أحذية عالية تغطي الساق كانوا يجددون نعلها ثلاث مرات في العام. كان يدعى أكاكي أكاكيفيتش . قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء للقارئ الكريم أو أنه مبالغ فيه بعض الشيء ، غير أننا نود أن نؤكد له أنه ما من أحد كلف نفسه مشقة البحث عنه ، و لماذا انتهت الأمور على هذا النحو ليدعى بأي اسم غير هذا الاسم . و هذا ما حصل : ولد أكاكي أكاكيفيتش في ليلة 22 مارس ، إن لم تخنني ذاكرتي . كانت المرحومة والدته ، زوجة لموظف في الخدمة المدنية و سيدة فاضلة ، قامت باتخاذ الترتيبات اللازمة من أجل تعميده. ففي ذلك الوقت كانت لا تزال مستلقية على ظهرها في فراشها ووجهها نحو الباب ، و عن يمينها وقف العراب ، إيفان إيفانوفيتش يروشكين ، سيد في غاية التميز كان رئيس الكتاب في مجلس الشيوخ ، والعرابة ، أرينا سميونوفنا بلروشكوفا ، زوجة مفتش شرطة الإقليم و سيدة فاضلة من نوع نادر. و عرضت على الأم ثلاثة أسماء : موكيا ، سوسيا ، أو خوزدازات ، باسم الشهيد. "أوه ، كلا " ما كان يدور في مخيلة والدته ، " ليس بمثل هذه الأسماء الفظيعة المتداولة هذه الأيام" وفي محاولة لإرضائها تصفحوا عدة صفحات في التقويم التابع للكنيسة الأرثوذكسية فوقعت أعينهم على ثلاثة أسماء غريبة : تريفيلي ، دلا و فاركاشي.” هذا محض عذاب أنزلته السماء"، تمتمت المرأة، . "يالها من أسماء . و حياتي لم أسمع بمثل هذه الأسماء. فرادات وفاروخ لن تكون أسوأ من تريفيلي و فراخاسي" وقلبوا صفحة أخرى من التقويم فوجدوا بافيكاخي وفاختيسي. "حسنا ، من الواضح تماما أن هذا هو القدر. فمن المستحسن أن نسميه باسم والده. كان يدعى أكاكي فدعونا إذن نطلق على ابنه أكاكي أيضاً" . و هكذا أصبح أكاكي أكاكيفيتش . و عمد الطفل و انفجر أثناء الحفل باكيا و انهمرت دموعه و تبدلت ملامحه وتيقن عندئذ بأن قدره أن يصبح مستشارا بالاسم فقط. و سبب هذا السرد هو لتمكين القارئ للحكم بنفسه على مجرى الحوادث بأنه كان مقدرا تماما و من المستحيل أن يكون لأكاكي أي اسم غير هذا الاسم.


على وجه التحديد متى بدأ العمل في الدائرة، و من كان المسئول عن توظيفه، فمن المؤكد أنه ليس باستطاعة أحد أن يذكر شيئا من هذا القبيل. فبغض النظر عن عدد المد راء والرؤساء الذين تعاقبوا عليه، فقد كان يرى دائما في نفس المكان بالضبط - و يقوم بتأدية نفس العمل - مجرد نسخ روتيني، و لا شيء سوى النسخ. و نتيجة لذلك ، اعتقد الجميع بأنه قد ولج إلى هذا العالم مهيئا لهذا العمل ، و مجهزا ببدلته الرسمية و بقعته الصلعاء. لم يكن له أحد من العاملين في المكتب أي احترام . فعندما يدخل لم يبق البوابون جالسين فحسب و إنما لم يعيروه أي اهتمام أو يلقوا عليه نظرة كما لو كان ذبابة منزل عادية مرقت عبر غرفة الجلوس. بعض مساعدي رئيس الكتبة كانوا يحذفون بعض الأوراق في وجهه من غير أن يتفوهوا بعبارة مثل:" أرجو أن تقوم بنسخ هذه" أو " إليك هذا العمل الصغير المثير للاهتمام" أو بعض الملاحظات الصغيرة اللطيفة التي تسمعها في المؤسسات التي تتصف بالتهذيب. وكان يتناول كل ما كان يوضع أمامه دون أن يكلف نفسه مشقة رفع رأسه ليرى من وضعه هناك أو ليسأل نفسه فيما إذا كان من الصواب أن يفعل ذلك ، فقد تسمرت عيناه على ما يجب عليه تأديته. فقد كان ببساطة يتناول الوثائق و يبدأ في نسخها. و كان صغار الكتبة يتضاحكون و يروون النكات بشأنه - على مدى ما يسمح به المكتب من امتداد - و كانوا يروون أقاصيص من اختراعهم ، حتى عندما كانوا يقفون بالقرب منه ، حول صاحبة مسكنه البالغة السبعين من العمر ، على سبيل المثال ، التي اعتادت على ضربه ، كما كانوا يقولون . فكانوا يسألون متى سيكون موعد الزفاف لينثروه بقصاصات الورق ، التي يسمونها الثلج .


و لكن أكاكي أكاكيفيتش لم يبد أدنى اعتراض، كأنما لم يكن هناك أحد على الإطلاق. فعمله لم يتأثر بأي حال و لم يخطئ في نسخ حرف واحد في ظل هذه المضايقات . فقط عندما تصبح النكات لا تطاق عندما يهز أحدهم كوعه مثلا ، و يمنعه من العمل - كان يقول : "دعني وشأني ، لماذا تعذبني ؟" كان هناك شيء غريب في هذه الكلمات و الطريقة التي كان يتلفظ بها. فقد كان لصوته نغمة غريبة تجعلك تشفق عليه ، لدرجة أن أحد الكتبة حديثي التعيين في الدائرة ، والذي كان على وشك أن يسلك مسلك الآخرين و أن يبدأ في السخرية منه ، توقف فجأة في منتصف الطريق كما لو كان قد تسمر أو أصيب بشلل . و منذ تلك اللحظة رأى الأمور بمنظار آخر . فكأنما قوة خارقة أبعدته عن زملائه الذين عندما التقى بهم للمرة الأولى ظنهم رجالا على شيء من التهذيب . ولفترة طويلة فيما بعد ، حتى في أشد حالاته مرحا ، كان يرى ذلك الشكل ببقعته الصلعاء و يتمتم أمامه بصوت مثير للأسى "دعني و شأني ، لماذا تعذبني؟ " و من خلال هذه الكلمات النفاذة كان يسمع أصوات آخرين " أنا أخوك" . فكان المسكين يدفن وجهه في راحتيه و في عدة مرات فيما بعد كانت تنتابه قشعريرة عندما كانت تراوده فكرة كيف يمكن للناس أن يكونوا بهذه الوحشية و كيف تخفي التصرفات المهذبة والتربية الحسنة هذه الفظاظة الشديدة، يا إلهي ، في أكثر الناس المعروفين بنزهاتهم واستقامتهم ..

من الصعب على المرء أن يجد إنسانا في أي مكان يحيا من أجل عمله. فالقول بأنه كان يعمل بحماس و إخلاص يمكن اعتباره من قبيل التصريح المكبوح: كلا، كان يعمل بشغف. ففي ذلك النسخ كان يلمح عالمه المتنوع و اللطيف .و بإمكان المرء أن يرى المتعة على وجهه. كانت بعض الأحرف من حروفه المفضلة ، فعندما يبدأ في كتابتها كان ينتابه شعور غامر من الإثارة ، فقد كان يضحك بخفة و يغمز و يحث قلمه واضعا إياه على شفتيه ، لكي تستطيع أن تخمن أي حرف كان قلمه ينسخ بعناية بمجرد النظر إليه. فلو كانت مكافأته معادلة لحماسه ، فلربما تمت ترقيته إلى مستشار دولة، لدهشته الشديدة . و لكن حسبما يصف المتندرون في المكتب ، فإن كل ما حصل عليه مقابل جهده و كده شارة علقها في عروة سترته و تلك البواسير في مؤخرته. مع ذلك لا يمكن القول بأنه قد تم تجاهله تماما. فأحد المدراء ، سيد مهذب كله حنان ، أراد أن يكافئه لخدمته الطويلة ، أصدر أوامره بأن يعطى شيئا أكثر أهمية من مجرد النسخ العادي ألا و هو إعداد تقرير لإدارة أخرى من ملف مكتمل. فكل ما يستدعيه هذا العمل هو تغيير صفحة العنوان و تغيير صيغة بعض الأفعال من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب . و قد سبب له هذا مشكلة و إزعاجا فائقا إلى درجة أنه بدأ يتصبب عرقا ، و أخذ يمسح جبينه ، و قال في النهاية :"كلا ، من المستحسن أن تدعني استمر في النسخ العادي ." و بعد ذلك تركوه يستمر في عملية النسخ إلى الأبد . فإلى جانب هذا النسخ لا شيء بالنسبة له كان يملأ حياته. فلم يكن يعير ملابسه و هندامه أدنى اهتمام ، فبدلته الرسمية من الصعب وصفها بأنها خضراء و لكن لونها أبيض بعدة ظلال ملطخة بأصباغ حمراء.


كانت ياقته قصيرة جدا و ضيقة ، لكي تسمح لرقبته ، التي لا يمكن أن يطلق عليها بدقة أنها طويلة ، أن تبرز لعدة أميال مثل القطط المصنوعة من الجبس ذات الرؤوس المتحركة التي يحملها الباعة المتجولون من بين الأجانب بالعشرات. هناك دائما شيء ما من المؤكد أن يلتصق ببدلته حفنة من القش أو قطعة من خيط . إضافة إلى هذا ، كانت لديه نزوة غريبة فقد اعتاد المرور أسفل النوافذ في اللحظة التي كانت ترمى فيها الزبالة و هذا ما يفسر كونه دائما يحمل شرائح من قشر البطيخ و ما شابهه من الزبالة على قبعته. و لم يلاحظ مرة في حياته ما كان يجري في الشارع الذي يمر به كل يوم ، على العكس من زملائه في الخدمة الذين اشتهروا بعيون مثل عيون الصقور التي بلغت من حدة إبصارها أنه باستطاعتها رؤية حتى سيور السراويل المفتوحة على الجانب الآخر من الطوار ، و هو شيء من الصعب أن لا يترك ابتسامة خفيفة على وجوههم . و لكن حتى لو حدث أن لاحظ أكاكي أكاكيفيتش شيئا ما ، فإن كل ما يراه كان سطورا من حروفه الأنيقة في خطه الجميل .


عندما تظهر فقط كمامة حصان من مكان مجهول و تلامس كتفه و تنفخ خده بهبة من مناخيره - عندئذ فقط يتيقن بأنه ليس في منتصف جملة و لكنه وسط الشارع . و حالما يصل منزله يجلس إلى الطاولة و يرتشف شوربة الملفوف بسرعة و يبتلع بعض اللحم و البصل ، من غير أن يتذوق أي شيء على الإطلاق و يسمر كل شيء بداخله ، مع كل ما يهبه المولى جل وعلا في ذلك الوقت ، بما في ذلك الذباب . و عندما يشعر بأن معدته بدأت تنتفخ يقوم من الطاولة، و يحضر محبرته و يبدأ في نسخ الوثائق التي أحضرها معه . فإذا لم يكن لديه عمل من المكتب ، يقوم بنسخ شيء آخر ، لمتعته الشخصية - خصوصا إذا كانت الوثيقة المعنية لا تمتاز بجمال أسلوبها و إنما لكونها معنونة إلى شخص حديث التعيين أو شخص ذي أهمية .


حتى في ذلك الوقت من النهار عندما يخبو الضوء تماما من سماء سان بطرسبرج الرمادية وعندما يفرغ جميع الكتبة من تناول طعامهم حتى الشبع ، كل حسب مرتبه و ذوقه : و عندما يخلد الجميع إلى الراحة من عناء النسخ و العمل المضني ، عندما يتم نسيان جهده المضني وجهد غيره الذي لا يستغنى عنه - و كذلك جميع الأشياء الأخرى التي يندر الإنسان القلق نفسه على القيام بها من تلقاء نفسه و بمحض إرادته - و أحيانا حتى أكثر مما هو حقا ضروري ، فعندما يخرج موظف الحكومة المدني مسرعا ليستمتع بساعات الحرية المتبقية بقدر ما يستطيع ( فالمرء يظهر قدرا أكبر من روح الشجاعة بتوجهه إلى المسرح ؛ و آخر من خلال التسكع في الشوارع ليمضي وقته في النظر إلى القبعات الرخيصة في نوافذ العرض في المحلات التجارية ؛ و آخر بالذهاب إلى الحفلات لإضاعة وقته في تملق فتاة جميلة ، الضوء المضيء لدائرة صغيرة من الموظفين المدنيين ؛ بينما آخر - وهذا يحدث غالبا - يقوم بزيارة صديق من المكتب يسكن في الدور الثاني أو الثالث في غرفتين صغيرتين و صالة و مطبخ ومع بعض ادعاءات مسايرة الموضة على شكل مصباح أو بعض الأشياء التافهة الصغيرة التي تكلف الكثير من التضحيات ، رفض دعوات العشاء أو قضاء وقت في الريف ) ؛ باختصار ، في ذلك الوقت عندما يتفرق جميع الموظفين المدنيين إلى شقق أصدقائهم الصغيرة للعبة ورق ورشف الشاي من الأكواب و تناول قليل من البسكويت و تدخين غلايينهم الطويلة ، و أثناء توزيع الورق يقومون برواية تفاصيل آخر فضيحة حدثت في المجتمع المخملي - لا يستطيع الإنسان الروسي مقاومة الحكايات على الإطلاق ؛ و عندما لا يجدون جديداً للتحدث فيه ، فإنهم يعيدون النوادر القديمة حول القائد الذي قيل له بأن ذيل حصان تمثال بطرس الأكبر لفلوكونيه قد قطع ؛ باختصار ، فعندما يبذل كل امرئ جهده ليتسلى فإن أكاكي أكاكيفيتش لم يتخل عن نفسه إلى أي من هذه التسليات .


لا يستطيع أحد أن يتذكر أن شاهده في حفلة . فبعد أن يكتفي و يبلغ مداه من النسخ يخلد إلى المنام، مبتسماً في انتظار اليوم التالي و ما سيرسله الله له لينسخه. و هكذا مضت الحياة غير الحافلة لرجل قانع تماما بروبلاته الأربعمائة في العام ؛ و قد تمضي هذه الحياة بسلام حتى يبلغ المشيب لولا عدد من المصائب كانت في انتظار ليس المستشارين الفخريين فحسب ولكن حتى مستشاري القيصر و الدولة و المحاكم و جميع أنواع المستشارين حتى أولئك الذين لا يدلون باستشاراتهم لأحد أو لا يأخذونها من أحد.


و تحتضن سان بطرسبرج عدوا رهيبا لجميع أولئك الذين يكسبون أربعمائة روبل أو ما يقارب في العام . و هذا العدو ليس سوى صقيعنا الشمالي ، مع آن البعض من الناس يقول أنه مفيد للصحة. فبين الساعة الثامنة و التاسعة صباحا في الوقت الذي تكتظ فيه الشوارع بموظفي الحكومة المدنيين في طريقهم إلى مكاتبهم ، يبدأ بتوزيع وخزاته الحادة بلا تمييز على الأنوف من كل صنف لدرجة أن الكتبة المساكين لا يعلمون أين يضعونها.


ففي مثل هذا الوقت من النهار ، عندما يصيب الألم جباه حتى المهمين من المسئولين بسبب الصقيع و تنهمر الدموع من أعينهم ، فالمستشارون بالاسم فقط الأقل درجة يكونون في بعض الأحيان عديمي المقاومة تماما. فإنقاذهم الوحيد يكمن في جريهم مسافة خمسة أو ستة شوارع بأكملها في معاطفهم الرقيقة البائسة وبعد ذلك يقومون بدق أقدامهم بقوة لتدفئة أنفسهم في الردهة حتى يسترجعوا جميع ملكاتهم الحسية المتجمدة لتذوب استعداداً للعمل المكتبي . ولفترة من الزمن كان أكاكي أكاكيفيتش يشعر بآلام مبرحة في ظهره و كتفيه مهما حاول أن يجري المسافة الرسمية بين المنزل و المكتب. وبعد مدة طويلة بدأ يتساءل فيما إذا كان معطفه سبب هذه العلة.

وبعد قيامه بإجراء فحص شامل عليه في البيت تبين له أنه في موضعين أو ثلاثة مواضع -على وجه الدقة، على الظهر و حول الكتفين - فقد اصبح شبيها الآن بقطعة قماش جبن سميكة بليت لدرجة النعومة و غدت شفافة تقريبا و تمزقت البطانة إلى عدة قطع.


و الآن لابد لنا أن نبين أن معطف أكاكي أكاكيفيتش كانت النكتة الدائمة في المكتب. فقد حرم من مكانة المعطف و أطلق عليه "روب دي شامبر " بدلا من ذلك. فهناك حقا شيء مثير للاستغراب فيما يتعلق بالطريقة التي صنع بها المعطف. فبمرور السنين تقلصت الياقة شيئا فشيئا ، لأن قماشها كان يستخدم لترقيع أجزاء أخرى من المعطف. فهذه التصليحات لم تكن تشير أبدا إلى وجود يدي خياط، وجعلت من المعطف يبدو فضفاضا و قبيحا. وعندما تبين له ما حل به ، قرر أكاكي أكاكيفيتش أن يأخذ المعطف إلى بتروفيتش ، خياط يقيم في مكان ما في الطابق الثالث من سلالم خلفية ، الذي بالرغم من كونه ضرير في إحدى عينيه و على وجهه آثار جدري، فقد كان يقوم بتجارة صغيرة تتمثل في إجراء تصليحات على معاطف موظفي الحكومة و سراويل و سترات الرجال - عندما لا يكون بالطبع تحت تأثير الخمر وليس في وضع يفكر في تدبير مؤامرة ما.


بالطبع ، ليس من المجدي في هذا الموضع أن نضيع وقتنا بوصف هذا الخياط ، و حيث أنه أصبح من المقبول إعطاء تفاصيل كاملة عن كل شخصية في أية قصة ، فلذا لا بد لنا من إلقاء نظرة على هذا الرجل المدعو بتروفيتش .


في البداية كان يدعى مج