المعطف .. قصة : نيكولاي جوجول


في واحدة من دوائرنا الحكومية ....لعله من المستحسن لي أن لا أذكر هذه الدائرة بالاسم، إذفليس هناك من هو أشد حساسية من العاملين في الدوائر الحكومية أو الفصائل العسكرية والسفارات أو في الحقيقة أي صنف من المؤسسات الرسمية. ففي هذه الأيام يعتقد كل مواطن عادي أن المجتمع برمته يتعرض للإهانة عندما يتعرض هو شخصياً لأية إهانة. ويقال أنه منذ زمن ليس بالبعيد أن مفتش شرطة في أحد الأقسام الإدارية قد تقدم بشكوى ( لا أستطيع أن أتذكر إلى أية مدينة كان ينتمي ) و في هذا الصدد فقد أوضح ببساطة صارخة بأن الدولة وجميع قوانينها في طريقها إلى الانهيار و أن اسمه المقدس قد تعرض للإساءة بما لا يدع مجالا للشك. وللتدليل على صحة ادعائه فقد أرفق وثيقة إضافية تتمثل في مجلد ضخم ، يتضمن كتابات على مستوى عال من الرومانسية ، حيث يظهر مأمور للشرطة بين كل عشر صفحات ، وفي بعض الأحيان في حالة من السكر الشديد. ولذا ، فإننا من أجل تفادي المزيد من الكراهيات ، يحسن بنا أن نطلق على تلك الدائرة المعنية "دائرة ما " .


ففي دائرة ما إذن، عمل موظف مدني ما . و ليس بالإمكان بأي حال أن يقال بأن مظهره كان من ذلك النوع الذي لا يغيب عن الذاكرة ؛ فقد كان قصير القامة ، و على وجهه آثار حبات جدري ، و شعره يميل إلى الحمرة ، كما كان ضعيف البصر ، أو هكذا بدا . كان ذا صلعة في مقدمة رأسه و كان كلا خديه قد تعرضا للتجاعيد . كانت بشرته من النوع الذي تجده عند أولئك الذين يعانون من البواسير ...... و ليس هناك ما يستطيع المرء عمله حيال هذا، فطقس بطرس برج هو الملام.

أما بالنسبة لرتبته في سلم وظائف الخدمة المدنية (فينبغي علينا أن نحددها قبل أن نمضي قدما) فقد كان ينتمي إلى تلك الفئة التي عرفت بالمستشارين الفخريين الدائمين ( مستشارين بالاسم)، التي ظلت لفترة طويلة ، كما نعلم جميعا ، موضع سخرية و تهكم من قبل فئة من الكتاب التي اشتهرت بشن هجومها على أولئك الذين ليسوا في موقع يسمح لهم بالرد. كان اسمه باشمتشكين الذي يبدو بكل وضوح أنه اشتق من كلمة باشمك (التي تعني بالروسية حذاء).


و لكن متى على وجه التحديد و في أي وقت من النهار و كيف تكون هذا الاسم فإن هذا شيء شديد الغموض. كان كل من أبيه و جده و حتى صهره و كذا جميع آل باشمتشكين يلبسون أحذية عالية تغطي الساق كانوا يجددون نعلها ثلاث مرات في العام. كان يدعى أكاكي أكاكيفيتش . قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء للقارئ الكريم أو أنه مبالغ فيه بعض الشيء ، غير أننا نود أن نؤكد له أنه ما من أحد كلف نفسه مشقة البحث عنه ، و لماذا انتهت الأمور على هذا النحو ليدعى بأي اسم غير هذا الاسم . و هذا ما حصل : ولد أكاكي أكاكيفيتش في ليلة 22 مارس ، إن لم تخنني ذاكرتي . كانت المرحومة والدته ، زوجة لموظف في الخدمة المدنية و سيدة فاضلة ، قامت باتخاذ الترتيبات اللازمة من أجل تعميده. ففي ذلك الوقت كانت لا تزال مستلقية على ظهرها في فراشها ووجهها نحو الباب ، و عن يمينها وقف العراب ، إيفان إيفانوفيتش يروشكين ، سيد في غاية التميز كان رئيس الكتاب في مجلس الشيوخ ، والعرابة ، أرينا سميونوفنا بلروشكوفا ، زوجة مفتش شرطة الإقليم و سيدة فاضلة من نوع نادر. و عرضت على الأم ثلاثة أسماء : موكيا ، سوسيا ، أو خوزدازات ، باسم الشهيد. "أوه ، كلا " ما كان يدور في مخيلة والدته ، " ليس بمثل هذه الأسماء الفظيعة المتداولة هذه الأيام" وفي محاولة لإرضائها تصفحوا عدة صفحات في التقويم التابع للكنيسة الأرثوذكسية فوقعت أعينهم على ثلاثة أسماء غريبة : تريفيلي ، دلا و فاركاشي.” هذا محض عذاب أنزلته السماء"، تمتمت المرأة، . "يالها من أسماء . و حياتي لم أسمع بمثل هذه الأسماء. فرادات وفاروخ لن تكون أسوأ من تريفيلي و فراخاسي" وقلبوا صفحة أخرى من التقويم فوجدوا بافيكاخي وفاختيسي. "حسنا ، من الواضح تماما أن هذا هو القدر. فمن المستحسن أن نسميه باسم والده. كان يدعى أكاكي فدعونا إذن نطلق على ابنه أكاكي أيضاً" . و هكذا أصبح أكاكي أكاكيفيتش . و عمد الطفل و انفجر أثناء الحفل باكيا و انهمرت دموعه و تبدلت ملامحه وتيقن عندئذ بأن قدره أن يصبح مستشارا بالاسم فقط. و سبب هذا السرد هو لتمكين القارئ للحكم بنفسه على مجرى الحوادث بأنه كان مقدرا تماما و من المستحيل أن يكون لأكاكي أي اسم غير هذا الاسم.


على وجه التحديد متى بدأ العمل في الدائرة، و من كان المسئول عن توظيفه، فمن المؤكد أنه ليس باستطاعة أحد أن يذكر شيئا من هذا القبيل. فبغض النظر عن عدد المد راء والرؤساء الذين تعاقبوا عليه، فقد كان يرى دائما في نفس المكان بالضبط - و يقوم بتأدية نفس العمل - مجرد نسخ روتيني، و لا شيء سوى النسخ. و نتيجة لذلك ، اعتقد الجميع بأنه قد ولج إلى هذا العالم مهيئا لهذا العمل ، و مجهزا ببدلته الرسمية و بقعته الصلعاء. لم يكن له أحد من العاملين في المكتب أي احترام . فعندما يدخل لم يبق البوابون جالسين فحسب و إنما لم يعيروه أي اهتمام أو يلقوا عليه نظرة كما لو كان ذبابة منزل عادية مرقت عبر غرفة الجلوس. بعض مساعدي رئيس الكتبة كانوا يحذفون بعض الأوراق في وجهه من غير أن يتفوهوا بعبارة مثل:" أرجو أن تقوم بنسخ هذه" أو " إليك هذا العمل الصغير المثير للاهتمام" أو بعض الملاحظات الصغيرة اللطيفة التي تسمعها في المؤسسات التي تتصف بالتهذيب. وكان يتناول كل ما كان يوضع أمامه دون أن يكلف نفسه مشقة رفع رأسه ليرى من وضعه هناك أو ليسأل نفسه فيما إذا كان من الصواب أن يفعل ذلك ، فقد تسمرت عيناه على ما يجب عليه تأديته. فقد كان ببساطة يتناول الوثائق و يبدأ في نسخها. و كان صغار الكتبة يتضاحكون و يروون النكات بشأنه - على مدى ما يسمح به المكتب من امتداد - و كانوا يروون أقاصيص من اختراعهم ، حتى عندما كانوا يقفون بالقرب منه ، حول صاحبة مسكنه البالغة السبعين من العمر ، على سبيل المثال ، التي اعتادت على ضربه ، كما كانوا يقولون . فكانوا يسألون متى سيكون موعد الزفاف لينثروه بقصاصات الورق ، التي يسمونها الثلج .


و لكن أكاكي أكاكيفيتش لم يبد أدنى اعتراض، كأنما لم يكن هناك أحد على الإطلاق. فعمله لم يتأثر بأي حال و لم يخطئ في نسخ حرف واحد في ظل هذه المضايقات . فقط عندما تصبح النكات لا تطاق عندما يهز أحدهم كوعه مثلا ، و يمنعه من العمل - كان يقول : "دعني وشأني ، لماذا تعذبني ؟" كان هناك شيء غريب في هذه الكلمات و الطريقة التي كان يتلفظ بها. فقد كان لصوته نغمة غريبة تجعلك تشفق عليه ، لدرجة أن أحد الكتبة حديثي التعيين في الدائرة ، والذي كان على وشك أن يسلك مسلك الآخرين و أن يبدأ في السخرية منه ، توقف فجأة في منتصف الطريق كما لو كان قد تسمر أو أصيب بشلل . و منذ تلك اللحظة رأى الأمور بمنظار آخر . فكأنما قوة خارقة أبعدته عن زملائه الذين عندما التقى بهم للمرة الأولى ظنهم رجالا على شيء من التهذيب . ولفترة طويلة فيما بعد ، حتى في أشد حالاته مرحا ، كان يرى ذلك الشكل ببقعته الصلعاء و يتمتم أمامه بصوت مثير للأسى "دعني و شأني ، لماذا تعذبني؟ " و من خلال هذه الكلمات النفاذة كان يسمع أصوات آخرين " أنا أخوك" . فكان المسكين يدفن وجهه في راحتيه و في عدة مرات فيما بعد كانت تنتابه قشعريرة عندما كانت تراوده فكرة كيف يمكن للناس أن يكونوا بهذه الوحشية و كيف تخفي التصرفات المهذبة والتربية الحسنة هذه الفظاظة الشديدة، يا إلهي ، في أكثر الناس المعروفين بنزهاتهم واستقامتهم ..

من الصعب على المرء أن يجد إنسانا في أي مكان يحيا من أجل عمله. فالقول بأنه كان يعمل بحماس و إخلاص يمكن اعتباره من قبيل التصريح المكبوح: كلا، كان يعمل بشغف. ففي ذلك النسخ كان يلمح عالمه المتنوع و اللطيف .و بإمكان المرء أن يرى المتعة على وجهه. كانت بعض الأحرف من حروفه المفضلة ، فعندما يبدأ في كتابتها كان ينتابه شعور غامر من الإثارة ، فقد كان يضحك بخفة و يغمز و يحث قلمه واضعا إياه على شفتيه ، لكي تستطيع أن تخمن أي حرف كان قلمه ينسخ بعناية بمجرد النظر إليه. فلو كانت مكافأته معادلة لحماسه ، فلربما تمت ترقيته إلى مستشار دولة، لدهشته الشديدة . و لكن حسبما يصف المتندرون في المكتب ، فإن كل ما حصل عليه مقابل جهده و كده شارة علقها في عروة سترته و تلك البواسير في مؤخرته. مع ذلك لا يمكن القول بأنه قد تم تجاهله تماما. فأحد المدراء ، سيد مهذب كله حنان ، أراد أن يكافئه لخدمته الطويلة ، أصدر أوامره بأن يعطى شيئا أكثر أهمية من مجرد النسخ العادي ألا و هو إعداد تقرير لإدارة أخرى من ملف مكتمل. فكل ما يستدعيه هذا العمل هو تغيير صفحة العنوان و تغيير صيغة بعض الأفعال من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب . و قد سبب له هذا مشكلة و إزعاجا فائقا إلى درجة أنه بدأ يتصبب عرقا ، و أخذ يمسح جبينه ، و قال في النهاية :"كلا ، من المستحسن أن تدعني استمر في النسخ العادي ." و بعد ذلك تركوه يستمر في عملية النسخ إلى الأبد . فإلى جانب هذا النسخ لا شيء بالنسبة له كان يملأ حياته. فلم يكن يعير ملابسه و هندامه أدنى اهتمام ، فبدلته الرسمية من الصعب وصفها بأنها خضراء و لكن لونها أبيض بعدة ظلال ملطخة بأصباغ حمراء.


كانت ياقته قصيرة جدا و ضيقة ، لكي تسمح لرقبته ، التي لا يمكن أن يطلق عليها بدقة أنها طويلة ، أن تبرز لعدة أميال مثل القطط المصنوعة من الجبس ذات الرؤوس المتحركة التي يحملها الباعة المتجولون من بين الأجانب بالعشرات. هناك دائما شيء ما من المؤكد أن يلتصق ببدلته حفنة من القش أو قطعة من خيط . إضافة إلى هذا ، كانت لديه نزوة غريبة فقد اعتاد المرور أسفل النوافذ في اللحظة التي كانت ترمى فيها الزبالة و هذا ما يفسر كونه دائما يحمل شرائح من قشر البطيخ و ما شابهه من الزبالة على قبعته. و لم يلاحظ مرة في حياته ما كان يجري في الشارع الذي يمر به كل يوم ، على العكس من زملائه في الخدمة الذين اشتهروا بعيون مثل عيون الصقور التي بلغت من حدة إبصارها أنه باستطاعتها رؤية حتى سيور السراويل المفتوحة على الجانب الآخر من الطوار ، و هو شيء من الصعب أن لا يترك ابتسامة خفيفة على وجوههم . و لكن حتى لو حدث أن لاحظ أكاكي أكاكيفيتش شيئا ما ، فإن كل ما يراه كان سطورا من حروفه الأنيقة في خطه الجميل .


عندما تظهر فقط كمامة حصان من مكان مجهول و تلامس كتفه و تنفخ خده بهبة من مناخيره - عندئذ فقط يتيقن بأنه ليس في منتصف جملة و لكنه وسط الشارع . و حالما يصل منزله يجلس إلى الطاولة و يرتشف شوربة الملفوف بسرعة و يبتلع بعض اللحم و البصل ، من غير أن يتذوق أي شيء على الإطلاق و يسمر كل شيء بداخله ، مع كل ما يهبه المولى جل وعلا في ذلك الوقت ، بما في ذلك الذباب . و عندما يشعر بأن معدته بدأت تنتفخ يقوم من الطاولة، و يحضر محبرته و يبدأ في نسخ الوثائق التي أحضرها معه . فإذا لم يكن لديه عمل من المكتب ، يقوم بنسخ شيء آخر ، لمتعته الشخصية - خصوصا إذا كانت الوثيقة المعنية لا تمتاز بجمال أسلوبها و إنما لكونها معنونة إلى شخص حديث التعيين أو شخص ذي أهمية .


حتى في ذلك الوقت من النهار عندما يخبو الضوء تماما من سماء سان بطرسبرج الرمادية وعندما يفرغ جميع الكتبة من تناول طعامهم حتى الشبع ، كل حسب مرتبه و ذوقه : و عندما يخلد الجميع إلى الراحة من عناء النسخ و العمل المضني ، عندما يتم نسيان جهده المضني وجهد غيره الذي لا يستغنى عنه - و كذلك جميع الأشياء الأخرى التي يندر الإنسان القلق نفسه على القيام بها من تلقاء نفسه و بمحض إرادته - و أحيانا حتى أكثر مما هو حقا ضروري ، فعندما يخرج موظف الحكومة المدني مسرعا ليستمتع بساعات الحرية المتبقية بقدر ما يستطيع ( فالمرء يظهر قدرا أكبر من روح الشجاعة بتوجهه إلى المسرح ؛ و آخر من خلال التسكع في الشوارع ليمضي وقته في النظر إلى القبعات الرخيصة في نوافذ العرض في المحلات التجارية ؛ و آخر بالذهاب إلى الحفلات لإضاعة وقته في تملق فتاة جميلة ، الضوء المضيء لدائرة صغيرة من الموظفين المدنيين ؛ بينما آخر - وهذا يحدث غالبا - يقوم بزيارة صديق من المكتب يسكن في الدور الثاني أو الثالث في غرفتين صغيرتين و صالة و مطبخ ومع بعض ادعاءات مسايرة الموضة على شكل مصباح أو بعض الأشياء التافهة الصغيرة التي تكلف الكثير من التضحيات ، رفض دعوات العشاء أو قضاء وقت في الريف ) ؛ باختصار ، في ذلك الوقت عندما يتفرق جميع الموظفين المدنيين إلى شقق أصدقائهم الصغيرة للعبة ورق ورشف الشاي من الأكواب و تناول قليل من البسكويت و تدخين غلايينهم الطويلة ، و أثناء توزيع الورق يقومون برواية تفاصيل آخر فضيحة حدثت في المجتمع المخملي - لا يستطيع الإنسان الروسي مقاومة الحكايات على الإطلاق ؛ و عندما لا يجدون جديداً للتحدث فيه ، فإنهم يعيدون النوادر القديمة حول القائد الذي قيل له بأن ذيل حصان تمثال بطرس الأكبر لفلوكونيه قد قطع ؛ باختصار ، فعندما يبذل كل امرئ جهده ليتسلى فإن أكاكي أكاكيفيتش لم يتخل عن نفسه إلى أي من هذه التسليات .


لا يستطيع أحد أن يتذكر أن شاهده في حفلة . فبعد أن يكتفي و يبلغ مداه من النسخ يخلد إلى المنام، مبتسماً في انتظار اليوم التالي و ما سيرسله الله له لينسخه. و هكذا مضت الحياة غير الحافلة لرجل قانع تماما بروبلاته الأربعمائة في العام ؛ و قد تمضي هذه الحياة بسلام حتى يبلغ المشيب لولا عدد من المصائب كانت في انتظار ليس المستشارين الفخريين فحسب ولكن حتى مستشاري القيصر و الدولة و المحاكم و جميع أنواع المستشارين حتى أولئك الذين لا يدلون باستشاراتهم لأحد أو لا يأخذونها من أحد.


و تحتضن سان بطرسبرج عدوا رهيبا لجميع أولئك الذين يكسبون أربعمائة روبل أو ما يقارب في العام . و هذا العدو ليس سوى صقيعنا الشمالي ، مع آن البعض من الناس يقول أنه مفيد للصحة. فبين الساعة الثامنة و التاسعة صباحا في الوقت الذي تكتظ فيه الشوارع بموظفي الحكومة المدنيين في طريقهم إلى مكاتبهم ، يبدأ بتوزيع وخزاته الحادة بلا تمييز على الأنوف من كل صنف لدرجة أن الكتبة المساكين لا يعلمون أين يضعونها.


ففي مثل هذا الوقت من النهار ، عندما يصيب الألم جباه حتى المهمين من المسئولين بسبب الصقيع و تنهمر الدموع من أعينهم ، فالمستشارون بالاسم فقط الأقل درجة يكونون في بعض الأحيان عديمي المقاومة تماما. فإنقاذهم الوحيد يكمن في جريهم مسافة خمسة أو ستة شوارع بأكملها في معاطفهم الرقيقة البائسة وبعد ذلك يقومون بدق أقدامهم بقوة لتدفئة أنفسهم في الردهة حتى يسترجعوا جميع ملكاتهم الحسية المتجمدة لتذوب استعداداً للعمل المكتبي . ولفترة من الزمن كان أكاكي أكاكيفيتش يشعر بآلام مبرحة في ظهره و كتفيه مهما حاول أن يجري المسافة الرسمية بين المنزل و المكتب. وبعد مدة طويلة بدأ يتساءل فيما إذا كان معطفه سبب هذه العلة.

وبعد قيامه بإجراء فحص شامل عليه في البيت تبين له أنه في موضعين أو ثلاثة مواضع -على وجه الدقة، على الظهر و حول الكتفين - فقد اصبح شبيها الآن بقطعة قماش جبن سميكة بليت لدرجة النعومة و غدت شفافة تقريبا و تمزقت البطانة إلى عدة قطع.


و الآن لابد لنا أن نبين أن معطف أكاكي أكاكيفيتش كانت النكتة الدائمة في المكتب. فقد حرم من مكانة المعطف و أطلق عليه "روب دي شامبر " بدلا من ذلك. فهناك حقا شيء مثير للاستغراب فيما يتعلق بالطريقة التي صنع بها المعطف. فبمرور السنين تقلصت الياقة شيئا فشيئا ، لأن قماشها كان يستخدم لترقيع أجزاء أخرى من المعطف. فهذه التصليحات لم تكن تشير أبدا إلى وجود يدي خياط، وجعلت من المعطف يبدو فضفاضا و قبيحا. وعندما تبين له ما حل به ، قرر أكاكي أكاكيفيتش أن يأخذ المعطف إلى بتروفيتش ، خياط يقيم في مكان ما في الطابق الثالث من سلالم خلفية ، الذي بالرغم من كونه ضرير في إحدى عينيه و على وجهه آثار جدري، فقد كان يقوم بتجارة صغيرة تتمثل في إجراء تصليحات على معاطف موظفي الحكومة و سراويل و سترات الرجال - عندما لا يكون بالطبع تحت تأثير الخمر وليس في وضع يفكر في تدبير مؤامرة ما.


بالطبع ، ليس من المجدي في هذا الموضع أن نضيع وقتنا بوصف هذا الخياط ، و حيث أنه أصبح من المقبول إعطاء تفاصيل كاملة عن كل شخصية في أية قصة ، فلذا لا بد لنا من إلقاء نظرة على هذا الرجل المدعو بتروفيتش .


في البداية كان يدعى مجرد جريجوري و كان عبدا مملوكا لسيد أو آخر. وبدأ الناس يطلقون عليه بتروفيتش بعد أن نال حريته ، و منذ تلك اللحظة بدأ يشرب كثيراً في أيام العطل الكنسية في البداية فقط في أكثر الأعياد أهمية ، لكنه فيما بعد كان يشرب في كل عطلة مؤشر عليها بعلامة الصليب في التقويم. و في هذا الخصوص فقد كان وفيا لتقاليد السلف ، فعندما ينشب شجار بينه و بين زوجته حول هذا كان يناديها بامرأة دنيوية و ألمانية.


و حيث أننا الآن أوردنا زوجته فلا بد لنا أن نذكر شيئا بصددها. لسوء الطالع ، لا يعرف عنها إلا النزر اليسير سوى أنها زوجة بتروفيتش و أنها كانت ترتدي قبعة بدلا من شال. و من الجلي فليس لديها ما تفتخر به فيما يتعلق بمظهرها. على الأقل لم يكن هناك سوى الحراس الذين عرفوا بأنهم كانوا يختلسون النظرات أسفل قبعتها و يقرضون شواربهم و يصدرون أصواتا غريبة صادرة من حناجرهم.


(2)


و بينما كان يشق طريقه أعلى السلالم إلى محل بيتروفيتش ( لكي نصف هذه السلالم بدقة ، لا بد أن نبين أنها كانت عبارة عن منزلقات يجري منها الماء ، و كانت مشبعة بروائح قوية من الكحول تؤلم العيون و هي مظهر دائم للسلالم الخلفية في بطرسبرج ) بدأ أكاكي أكاكيفيتش يتساءل بالفعل كم سيطلب منه بيتروفيتش أجرا وبدأ يعقد العزم على أن لا يدفع أكثر من روبلين إثنين. ترك الباب على مصراعيه حيث أن زوجته كانت تقوم بقلي نوع ما من السمك وخلفت وراءها كمية كبيرة من الدخان في المطبخ لدرجة أنها جعلت حتى الصراصير تخرج من شقوقها.


لم تستطع السيدة بتروفيتش ملاحظة أكاكي أكاكيفيتش بينما كان يمرق من المطبخ ليدخل أخيرا غرفة حيث كان بتروفيتش يربض على لوح خشبي ، طاولة خشبية عارية ، و رجلاه إلى الأسفل منه كأحد الباشوات الأتراك. و كعادة الخياطين فقد كان يعمل حافي القدمين. و أول ما لفت نظر أكاكي هو إصبع القدم الضخم المشوه الظفر و السميك و الخشن كعظم ظهر السلحفاة. وتتدلى حول عنقه شلة من خيوط الحرير و على حضنه تترامى بعض الخرق البالية. و في الدقيقتين أو الثلاث الماضية كان يبذل محاولات لشك خيط في إبرة دون أن يحالفه النجاح مما جعله يلعن النور الخافت و حتى الخيط نفسه. و كان يتذمر و هو يتنفس. " لماذا لا تخترق أيها الخنزير! ستتسبب في موتي ، أيها الشيطان".


لم يكن أكاكي أكاكيفيتش في حالة من الانشراح و السعادة عندما وجد بتروفيتش في مثل هذا المزاج ؛ كان هدفه الحقيقي هو أن يوصي بتروفيتش للقيام بعمل بعد أن يفرغ من معاقرة الشراب، أو على حد تعبير زوجته "بعد أن يكون قد تجرع براندي الذرة مرة أخرى ، الشيطان الأعور العجوز!"

عندما يكون بتروفيتش عادة في هذا الوضع يصبح سهل الانقياد بدرجة فائقة ، و يوافق إلى حد بعيد على أي ثمن عن طيب خاطر و حتى أنه يعقد الصفقة بانحناءة متمتما عبارات الشكر والامتنان . صحيح أنه بعد ذلك تأتي زوجته و دموعها منهمرة على خديها مرددة نفس الحكاية و هي أن زوجها كان ثملا مرة أخرى و لم يطلب السعر الكافي. و مع ذلك ، فمن أجل كوبك أو اثنين فإن الصفقة كانت تبرم. غير أنه في هذه اللحظة كان بتروفيتش ( أو هكذا بدا) رصينا و لا أثر للخمر عليه ، و نتيجة لذلك كان فظاً و عنيدا و كان في المزاج الرائق ليطلب أعلى سعر ممكن كسعر الشيطان. و عند اكتشافه لهذا الوضع قرر أكاكي أكاكيفيتش أن ينصرف لولا فوات الأوان. كان بتروفيتش قد فتح عينه الوحيدة و هي نصف مغمضة و حملق فيه. ووجد أكاكي أكاكيفيتش نفسه يقول :

"أسعدت صباحاً ، بتروفيتش! "

" أسعدت صباحا ، يا سيدي " ، رد بتروفيتش محملقا في يد أكاكيفيتش ليرى كم من النقود كانت معه.

" لقد .... إر ..... أتيت بشأن ذلك .....بتروفيتش "


يجب على القارئ أن يعلم بأن أكاكي أكاكيفيتش كان يتكلم مستخدما في الأساس حروف الجر والحال كما كان يلجأ إلى أجزاء من الكلام لا معنى لها على الإطلاق. و إذا كان الموضوع معقدا بشكل خاص فإنه كان يترك جملا بأكملها نصف مكتملة، لذا فهو كثيرا ما كان يبدأ كلامه بعبارة " هذا هو حقا بالفعل ما .... " و ينسى بعد ذلك أن يضيف المزيد لاقتناعه بأنه قال كل ما كان يريد أن يقوله.

" ما هذا بحق السماء ! " قال بتروفيتش و هو يتفحص بعينه الوحيدة كل جزء من معطف أكاكي ، بادئا بالياقة و الكمين ، و بعد ذلك الظهر و الذيل و عروات الأزرة. و كل هذا كان شيئا مألوفا لأنه عمله و لكن كل خياط كان يقوم بهذا الفحص عندما يكون لديه زبون.


"لقد إر.. جئت .. بتروفيتش، ذلك المعطف تعرف، القماش ..أنت ترى، إنه قوي جدا في بعض المواضع، فقط مغبر بعض الشيء. و هذا ما يجعله يبدو عتيقا، لكنه في الحقيقة جديد تماما. فقط قليل .. أنت تعلم .. على الظهر و مهتريء على أحد الكتفين، وقليل .. أنت تعرف، على الآخر. فقط عمل صغير .."


أخذ بتروفيتش "الروب دي شامبر" ووضعه على الطاولة، و ألقى عليه نظرة طويلة، و هز رأسه، و مشى إلى عتبة النافذة حيث علبة النشوق المستديرة التي رسمت عليها صورة لجنرال ما- بالتحديد أي واحد من الصعب القول ، لأن أحدهم قد أحدث ثقبا بإصبعه في الموضع الذي يجب أن يكون فيه الرأس و تم لصقه بقطعة مربعة من الورق .


أخذ بتروفيتش قبصة من النشوق ، ورفع المعطف عاليا ليتمكن من رؤيته على ضوء المصباح، ألقى نظرة فاحصة مرة و هز رأسه مرة أخرى أكثر من ذي قبل ، رفع غطاء علبة النشوق ذات صورة الجنرال الملصوقة عليه ، حشا أنفه بالنشوق، أعاد غطاء العلبة إلى موضعه، و وضع العلبة جانبا ، و قال أخيراً :"كلا ، لا أستطيع إصلاح هذا . إنه في حالة سيئة!"

عند سماعه هذه الكلمات غاص قلب أكاكي أكاكيفيتش.


"ولم لا ، بتروفيتش؟" سأله بصوت طفل كله رجاء." إنه مهتريء قليلا فقط عند الكتفين. حقاً بإمكانك ترقيعه بسهولة."


"لدي الكثير من الرقع ، الكثير."، قال بتروفيتش" لكنني لا أستطيع أن أخيطها مع بعضها. فالمعطف مهتريء تماما. فسيتساقط إلى قطع إذا ما لامسته إبرة."


"حسنا ، إذا تساقطت أجزاؤه فبإمكانك ترقيعها مرة أخرى".


" لكنه في حالة متقدمة من الاهتراء. ليس بإمكان الرقع أن تتماسك. من الصعب تسمية هذا بمعطف. هبة ريح واحدة و كل هذه ستتطاير."


"لكن رقعه قليلا فقط. لن ، أن ، حسنا ..."

" أخشى أنني لن أستطيع أن أفعل شيئا، يا سيدي" أجابه بتروفيتش بصلابة. "لقد بلي تماما. من الأفضل لك أن تقطعه إربا لفصل الشتاء و تجعل منه أغطية للسيقان لأن الجوارب لا نفع منها في شتاء شديد البرودة. لقد اخترعها الألمان ظنا منهم أنهم سيكسبون الكثير من ورائها." (كان بتروفيتش يجد متعة في السخرية من الألمان.)"أما فيما يتعلق بالمعطف ، فإنه يتوجب عليك أن تمتلك معطفا جديداً ، يا سيدي."


كلمة "جديداً" غشيت عيني أكاكي بسحابة و بدأ كل ما في الغرفة يدور من حوله. فكل ما يستطيع رؤيته بوضوح كان فقط وجه الجنرال الملصوق عليه ورقة لتغطيه على علبة نشوق بتروفيتش.


"ماذا تعني ، بمعطف جديد؟" قال كمن هو في حلم. " ليس لدي أي مال."

"نعم ، يجب أن يكون لك معطف جديد"، قالها بتروفيتش بصوت فض ينبيء عن عدم وجود أية رابطة إنسانية.

"حسنا ، لو كان لدي معطف جديد، كيف لي ، أقصد أن أقول ، إم ...؟"

"تقصد ، كم سيكلف؟"

"نعم."

" يمكنك أن تقدر ذلك بثلاث ورقات من فئة خمسين روبل أو أكثر"، قال بتروفيتش زاماً شفتيه بطريقة درامية. كان يميل إلى المؤثرات الدرامية القوية كما كان يهوى إبداء بعض الملاحظات التي من شأنها أن تروع السامع و بعد ذلك مراقبة تأثيرها من طرف عينه على تعبيرات الشخص الآخر.

"مائة و خمسون روبلا لمعطف !" صرخ المسكين أكاكي ربما للمرة الأولى في حياته - كان معروفا عنه ما اشتهر به من صوت خافت.

"نعم ، يا سيدي" رد بتروفيتش. "و حتى ذلك لن يكون الشيء الكثير لتكتب عنه إلى أهلك. فإذا أردت ياقة من الفراء و بطانة من الحرير لغطاء الرأس فإن ذلك سيكلفك ما يقارب مائتي روبل"

"بتروفيتش ، أرجوك" قالها أكاكي متوسلا ، دون أن يسمع ، أو على الأقل محاولا أن لا يسمع نطق بتروفيتش الدرامي ، " فقط اعمل ما تستطيع عمله بالمعطف ، لكي أتمكن من لبسه فترة أطول. "

"أخشى أن هذا لن ينفع. من الأفضل أن لا تضيع وقتك و مالك" أضاف بتروفيتش ، و بهذه الكلمات غادر أكاكي شاعرا بانسحاق تام.


وبعد أن غادر بقي بتروفيتش متمدداً حيث كان لبعض الوقت دون أن يستمر في عمله، و شفتاه مزمومتان بشكل ملفت. شعر بارتياح لعدم تقليله من احترام نفسه أو باقي مهنة صناعة الملابس.


وفي الخارج على قارعة الطريق شعر أكاكي بأنه كان في حلم. "ماذا أصنع الآن؟" قال متسائلا. "لم يخطر على بالي مطلقا أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، طوال عمري.." وبعد صمت قصير أضاف : " حسن و الآن ماذا! إذن هكذا آلت الأمور و لم يخطر لي ببال أنها ستنتهي بهذا الشكل...." واتبع ذلك فترة صمت طويلة و تمتم بعدها قائلاً " هكذا إذن هي الحال! حقاً ، لكي أصدقكم القول، من غير المتوقع أنني سأقوم .... بعمل مثل هذا الشيء!" وبعد أن فرغ من قول هذا، بدلا من أن يتوجه إلى البيت، تمشى على طول الطريق في الاتجاه المعاكس ناسيا ما كان يفعل. و في الطريق احتك به منظف المداخن و سود له كتفه بأكمله. وبعد ذلك سقطت عليه من أعلى المنزل الذي يبنى كمية من الليمون تملأ قبعة. و حتى هذا كان أعمى حياله أيضا ، فقط عندما اصطدم برجل شرطة و رفع مطرده في وجهه و رشه ببعض النشوق كان قد أخرجه من قرن صغير على قبضته المليئة بالثواليل عندها عاد إلى رشده، و عندها فقط لأن رجل الشرطة قال :

" أليس الطوار من الاتساع بحيث لا يجعلك تحبو إلى أعلى أنفي؟"

هنا استيقظ أكاكي و عاد إلى حواسه و تمشى في اتجاه منزله.

ولم يستطع جمع أفكاره قبل وصوله إلى هناك لتقييم الوضع. و بدأ يحدث نفسه ، ليس بجمل متقطعة ، ولكن بطريقة عقلانية و صريحة ، كما لو كان يناقش ما حصل مع صديق عاقل يتمتع بثقته عندما يتعلق الأمر بأشياء حميمة للغاية.


"كلا ، أرى أنه من المستحيل التحدث إلى بتروفيتش الآن. إنه قليل... ويبدو أن زوجته تسيطر عليه تماما . من المستحسن لي أنتظر حتى صباح الأحد . فبعد أن يهجع ليلة السبت من تأثير الخمر سيبدأ فاتحا عينه بنصف تغميضة و سيكون في أمس الحاجة إلى شراب ليتخلص من وجع الرأس. و لكن زوجته لن تعطيه شيئا من النقود ، لذا سأصل أنا و معي بعض المال. وهذا سيلين من صلابته، كما تعلم ، و معطفي ..."


شعر أكاكي أكاكيفيتش بارتياح لهذا التفكير ، و منتظرا حتى أن يأتي يوم الأحد ذهب مباشرة إلى محل بتروفيتش. و لمح زوجة بتروفيتش تغادر المنزل عن بعد. و كما توقع ، بعد ليلة السبت ، فقد كانت عين بتروفيتش نصف مفتوحة ، و هاهو ، و رأسه متدل و يكاد يسقط على الأرض و يبدو عليه النعاس الشديد. و مع ذلك فما أن رأى أكاكي يدخل حتى استيقظ كما لو أن الشيطان ركله ركلة حادة.


" من المستحيل ، يجب أن تفصل لك معطفا جديدا." و في هذه اللحظة ألقى أكاكي أكاكيفيتش قطعة معدنية من فئة عشرة كوبكات في كفه.

"شكرا ، يا سيدي . سأتناول شرابا منعشا على حسابك" ، قال بتروفيتش. " و لن أقلق بالنسبة للمعطف لو كنت مكانك. إنه لا يصلح على الإطلاق. سأخيط لك معطفا عجيبا و جديدا. دعنا نترك الأمر عند هذا الحد."


حاول أكاكي أكاكيفيتش أن يقول شيئا حول تصليحه غير أن بتروفيتش تظاهر بعدم سماعه وأردف قائلا:

" لا تقلق سأعمل لك معطفا جديدا ، يمكنك الاعتماد علي في القيام بعمل جيد. و حتى أنني ربما أحصل على مشابك فضية للياقة، كالتي يلبسونها هذه الأيام."


و الآن تيقن أكاكي أكاكيفيتش بأنه لا بد أن يشتري معطفا جديدا و غاص قلبه. من أين ستأتي بالنقود؟ بالطبع بإمكانه أن يعتمد على مكافأة الإجازة. لكن هذه قد وضعت جانبا من أجل شيء آخر منذ فترة طويلة. كان بحاجة إلى سراويل جديدة ، و كان هناك الدين القائم لصانع الأحذية الذي يجب أن يسدده لقيامه بوضع رقبة جديدة لحذائه الطويل. و كانت هناك أيضا ثلاثة قمصان كان عليه أن يطلبها من الخياطة ، إضافة إلى قطعتين من الملابس الداخلية لا يمكن ذكرها هنا من باب الحشمة و اللياقة. و لأجل اختصار قصة طويلة ، نقول أن كل نقوده محجوزة ولن يكون لديه ما يكفي حتى لو كان مديره كريما معه ليزيد مكافأته بمقدار خمسة وأربعين أو حتى خمسين روبلا. و ما تبقى إلا الفتات ، و فيما يخص تمويل المعطف ، مجرد قطرة في المحيط. كما كان يعلم جيدا بأن بتروفيتش كان سيقرر فجأة بأن يتقاضى أعلى ثمن ممكن ، حتى لن يكون بمقدار زوجته أن تقول عنه :

" هل جن ، هذا المخبول العجوز! يوما ما سيعمل في مقابل لا شيء، و الآن يجعله الشيطان يتقاضى أقل مما يسوى هو نفسه!"


كان يعلم جيدا بأن بتروفيتش سيفرض عليه ثمانين روبلا؛ لكن يبقى السؤال من أن أين له أن يأتي بهذا المبلغ؟


مقابل كل روبل كان أكاكي أكاكيفيتش يصرفه ، كان يدخر نصف كوبك في صندوق صغير كانت به فتحة ضيقة من أجل وضع النقود و كان يحفظ مقفلا. وكان يقوم كل ستة أشهر بجمع ما ادخر و يستبدله بقطع فضية. وكان يقوم بهذا منذ فترة طويلة . لذا فإن لديه نصف المبلغ ولكن أنى له بالباقي؟


فكر أكاكي أكاكيفيتش ملياً ، وقرر أخيراً بأنه لا بد أن يخفض من مصروفه اليومي ، لمدة سنة على الأقل : يتوجب عليه أن يتوقف عن شرب الشاي في المساء ، أن يعيش بدون شمعة ؛ وإذا كان عليه أن يقوم بنسخ شيء ، فليذهب إلى مالكة الدار و يعمل هناك. و كان عليه أن يطأ الأرض بخفة كل ما أمكن ذلك فوق بلاط الطريق - كأن يمشي على أطراف أصابعه - ليوفر نعلي حذائه ؛ و أن يتجنب أخذ غسيله إلى الغسالة كل ما أمكن ذلك ، و أن يجعل ملابسه الداخلية تدوم فترة أطول ، يخلعها عندما يعود إلى المنزل في المساء و يبقى في "الروب دي شمبر" القطني السميك و هو قطعة أثرية عاملها الزمن برفق و حنان. بصراحة ، وجد أكاكي أكاكيفيتش هذا الحرمان عبء ثقيل لكنه سرعان ما وطن نفسه على العيش بدون مأكل طوال فترات المساء ، حيث أن مأكله كان روحياً ، وكانت أفكاره منصبة على المعطف الذي سيتملكه يوما ما. و منذ تلك اللحظة أصبحت حياته أكثر ثراء كما لو كان قد تزوج و كان بصحبته إنسان آخر. كان كمن لم يكن بمفرده على الإطلاق ولكن رفيقا لطيفا وافق أن يرافقه في مشوار حياته ، و لم يكن هذا الرفيق سوى المعطف ذو اللبادات الصوفية السميكة و البطانة القوية التي صنعت لتبقى العمر كله. لقد أفعم بالحياة ، و كرجل صاحب هدف ، أصبح أكثر تصميما.


لقد اختفت الحيرة و التردد ، باختصار ، ذلك الجانب الغامض و المتلكئ من شخصيته ، من تلقاء نفسها . ففي بعض الأحيان كانت تضيء نار في عينيه ، حتى أن أفكاراً جريئة مثل : " و الآن ماذا لو أصبحت لدي ياقة من فراء الدلق " كانت تمر بخاطره.


جميع هذه الأفكار كانت تقريبا تدور في مخيلته. و في إحدى المرات كاد أن يرتكب خطأ نسخ لدرجة أنه كاد أن يصرخ "آخ !" و رسم علامة الصليب على نفسه. و كان يذهب مرة في الشهر على الأقل إلى بتروفيتش ليرى أين وصل المعطف و يستفهم عن أفضل محل لبيع القماش ، و أي لون يجب عليهم اختياره، وأي سعر يجب عليهم دفعه . ومع أنه كان قلقا بعض الشيء ، إلا أنه كان يعود إلى المنزل قانعاً ، مفكرا في ذلك اليوم عندما يتم شراء كل القماش و يكون المعطف جاهزا. و تطورت الأمور إلى أسرع مما كان يأمل. فقد منح المدير أكاكي أكاكيفيتش علاوة ليس مقدارها خمسة و أربعين ، و لكن ستين روبلا كاملا علاوة إضافية كانت فوق توقعاته الوحشية. و سواء كان ذلك بسبب إحساس داخلي بأنه كان بحاجة إلى المعطف أو أنه كان مجرد صدفة ، وجد أكاكي أكاكيفيتش لديه مبلغ عشرين روبلا إضافياً. و نتيجة لهذا فقد مضت الأمور بشكل أسرع مما كانت عليه. فبعد شهرين أو ثلاثة شهور من المجاعة المعتدلة، فقد استطاع أكاكي أكاكيفيتش أن يوفر ثمانين روبلا. فقلبه الذي كان يضرب عادة ضربات منتظمة ، بدا يخفق بسرعة. و في اليوم التالي خرج مع بتروفيتش ليتسوقا. و ابتاعا قماشا من النوع الجيد، فلا عجب فقد كان لا يمر شهر دون أن يتناقشا حوله ، كما كانا طوال الأشهر الستة الماضية يقومان بزيارات لجميع المتاجر لأجل مقارنة الأسعار. و ما هو أكثر من ذلك حتى بتروفيتش قال له بأنه لن يكون بإمكانه شراء أفضل مما اشترى في أي مكان. و للبطانة فقد اختارا قماشا من النوع الخام ، حيث أن الخام كان قويا و من النوع الجيد، و أنه ، حسب رأي بتروفيتش ، كان أفضل من الحرير و كان له ملمس و شكل أفضل.


لم يبتاعا فراء الدلق من أجل الياقة لأن ذلك كان حقاً باهظ الثمن ، و بدلا من ذلك استقرا على فرو قطة ، من أجود الأنواع التي وجداها في المحلات و التي يمكن أن يحسبها المرء خطأ عن بعد فراء الدلق. و مجمل القول فقد تطلب العمل من بتروفيتش مدة أسبوعين حيث استدعى العمل وضع كمادات و إن كان قد فرغ من عمله في فترة أقصر بكثير. و قد طلب منه بتروفيتش إثنا عشر روبلا - لأنه كان من المستحيل أن يتقاضى أقل من هذا المبلغ. فقد استخدم خيوطا من الحرير في كل مكان ، و كانت كل الدرزات مزدوجة و صغيرة للغاية ، وفوق ذلك فقد مر عليها بأسنانه ليعطيها أشكالا مختلفة.




(3)



كان ... على وجه التحديد أي يوم ، من الصعوبة بمكان القول، لكنه بلا شك كان أكثر الأيام ظفرا في حياة أكاكي أكاكيفيتش بأكملها عندما قام بتروفيتش بتسليم المعطف. أحضره في الصباح الباكر ، حتى قبل أن يغادر أكاكي أكاكيفيتش إلى المكتب. لم يكن للمعطف أن يصل في وقت أفضل مما وصل حيث أن صقيعا خفيفا بدأ يتساقط و من المتوقع أن يزداد تساقطه. وقد قام بتروفيتش بتسليم المعطف شخصيا كما يتوجب على كل خياط جيد أن يفعل. و لم يسبق لأكاكي أكاكيفيتش أن رآه في هذه الهيئة من الوقار و الجدية من قبل. فقد كان على ما يبدو يعلم بأن هذا لم يكن إنجازا وضيعا ، وقد أراد فجأة أن يبين الفرق بين عمله و بين الفجوة التي تفصل الخياطين الذين كانوا يقومون باستبدال البطانة أو ترقيع المعاطف و بين أولئك الذين يقومون بخياطة معاطف جديدة من البداية. أخرج المعطف من لفافة كبيرة من القماش كان قد أحضرها للتو من المغسلة. وقام بعد ذلك بطي اللفافة ووضعها في جيبه لاستعمالها مرة أخرى. ثم قام بتناول المعطف في كلتا يديه بفخر و ألقى المعطف برشاقة على كتفي أكاكي أكاكيفيتش. سحب المعطف بحدة و قام بتسويته بنعومة إلى الأسفل خلف أكاكي أكاكيفيتش ، وترك بعض الأزرار دون تزرير في المقدمة. أراد أكاكي أكاكيفيتش الذي لم يعد رجلا شابا أن يجربه و ذراعاه في الكمين. و ساعده بتروفيتش على إدخال ذراعيه و حتى هذين كانا على القياس. باختصار ، كان المعطف في قياس ممتاز بلا أدنى شك. و لم ينس بتروفيتش أن يبين بأن ذلك كان فقط بسبب أنه تصادف أن يعيش في محل صغير في إحدى الشوارع الخلفية وبسبب أن ورشته لم تكن تحمل يافطة في الخارج ، وأنه عرف أكاكي أكاكيفيتش لفترة طويلة لذا فقد طلب منه سعرا منخفضا جدا. فلو كان قد ذهب إلى جادة بيفسكي لكانوا جعلوه يدفع خمسة و سبعين روبلا كأجرة خياطة فقط. لم يشعر أكاكي أكاكيفيتش بتصديق بتروفيتش وكان في الواقع متخوفا من المبالغ العالية التي كان بتروفيتش مغرما بذكرها من أجل التأثير على زبائنه. قام بتسديد الحساب و شكره و خرج مباشرة إلى مكتبه في معطفه الجديد. و تبعه بتروفيتش في الطريق ، ووقف لفترة طويلة يتأمل المعطف عن بعد ، و من ثم تعمد أن ينعطف في إحدى الشوارع الجانبية مغيرا مساره لكي يتمكن من إلقاء نظرة أفضل على المعطف من الأمام أي أن يأتي المعطف في اتجاهه.


في تلك الأثناء استمر أكاكي أكاكيفيتش في طريقه إلى المكتب و يخامره شعور غامر بالسعادة. و لم تكن ثانية تمر دون أن يشعر بأن معطفه الجديد على كتفيه، و كان يبتسم عدة مرات لشعوره بالسرور. و كان للمعطف في الواقع ميزتان : أولها أنه كان دافئا ، و ثانيتها ، أنه جعله يشعر بأحسن حال. ولم يكن لديه أدنى شعور أين كان متوجها عندما وجد نفسه فجأة في المكتب. وفي الردهة خلع معطفه ، و فحصه جيدا من كل جانب ، ثم سلمه إلى البواب ليضعه في مكان مأمون .


لم يعلم أحد كيف بدأ الخبر ينتشر بأن أكاكي أكاكيفيتش تملك معطفاً جديداً و أن "الروب دي شمبر" الخاص به لم يعد له وجود الآن. ففي اللحظة التي وصل فيها تدافع الجميع إلى الردهة لإلقاء نظرة على مقتناه الجديد . لقد غمروه بالتهاني و أطيب الأماني فتبسم في البداية و من ثم بدأ يشعر بالحرج. و عندما تجمعوا و أحاطوه مصرين على أن يشربوا بمناسبة المعطف الجديد ، و مصرين على أن أقل ما يمكنه عمله هو أن يقيم لهم حفلا من أجلهم جميعاً ، فقد أكاكي أكاكيفيتش عقله تماماً ، فلم يكن يعلم ما يجيبهم أم كيف يتهرب منهم. و احمرت وجنتاه خجلاً ، حاول لفترة طويلة ، بشكل ساذج ، أن يقنعهم بأن هذا لم يكن معطفاً جديداً و إنما هو حقاً معطف قديم. و في نهاية الأمر قام أحد الموظفين المدنيين الذي لم يكن سوى مساعد لكبير الكتبة بأنه ليس بذلك القدر من التعالي و أن بإمكانه أن يرفع الكلفة حتى مع من هم أقل منه شأنا من مرؤوسيه و قال : " حسنا إذن ، سأقوم أنا بدعوتكم لحفلة. أنتم مدعوون جميعا إلى منزلي هذا المساء. يصادف هذا اليوم يوم مسماي".


و بالطبع قام الآخرون بتقديم التهاني إلى مساعد رئيس الكتبة وقبلوا دعوته بشوق. و عندما حاول أكاكي أكاكيفيتش أن يوضح موقفه و يعتذر عن قبول الدعوة ، قال الجميع أن هذا لا يليق ، و في الواقع شيء معيب ، و أن الرفض غير مقبول على الإطلاق. و بعد ذلك ، على أية حال ، شعر بسرور عندما تذكر بأن هذه الحفلة ستتيح له فرصة الخروج في معطفه الجديد ذلك المساء.


كان اليوم بأكمله بمثابة إجازة مظفرة بالنسبة لأكاكي أكاكيفيتش . فقد ذهب إلى المنزل في حالة من السعادة ، و خلع معطفه ، و علقه بعناية و حذر و وقف يتأمله لبعض الوقت معجبا بقماشه و ببطانته. ثم من أجل مقارنة الإثنين أحضر معطفه القديم (الروب دي شمبر) الذي بدأ الآن يتحلل تماما. و بينا هو يتفحصه لم يتمالك نفسه من الضحك : ياله من فرق عجيب! و خلال العشاء جعلته فكرة معطفه القديم و حالته الرهيبة يبتسم. تناول وجبته بتلذذ شديد و بعد ذلك لم يقم بنسخ أي شيء و إنما انهمك في ترف الاستلقاء في فراشه حتى بدأ الظلام يخيم. ثم ، بلا أدنى تأخير، إرتدى ملابسه و وضع معطفه على كتفيه و خرج إلى الشارع. و لسوء الحظ فإن المؤلف لا يستطيع القول أين يقطن ذلك الموظف المدني الذي سيقيم حفلته ، فذاكرته بدأت تخونه قليلا و كل شيء في بطرسبرج ، كل بيت ، كل شارع ، أصبح معشيا إلى درجة أن اختلطت الأمور في عقله و وجد صعوبة فائقة ليقول أين كان كل شيء. و مع ذلك ، فنحن نعلم على الأقل وبالتأكيد بأن هذا الموظف المدني كان يقطن في أفضل جزء من المدينة أي ما يصل إلى القول بأنه كان يسكن على مبعدة أميال و أميال من مسكن أكاكي أكاكيفيتش. في البداية كان على أكاكي أكاكيفيتش أن يمر بشوارع مهجورة ضعيفة الإضاءة و لكن كلما اقترب من شقة الموظف المدني كلما زادت الشوارع حيوية و اكتظاظا و أصبحت المصابيح أقوى إضاءة. بدأ المزيد من الناس يتسارعون و بدأ يصادف سيدات جميلات الملبس و رجالا بياقات من فرو القندس. و هنا لا تجد عربات الأجرة الرخيصة ذات الزلاجات المصنوعة من السلال الخشبية . بدلا من ذلك هناك سائقي العربات المسرعين ذوي القبعات الأنيقة ومرتدي القبعات القرمزية المخملية و زحافاتهم الملمعة و المغطاة بجلد الدببة. فالعربات ذات الصناديق المغطاة كانت تتطاير في الشارع و عجلاتها تصدر أصواتا فوق الثلج.


قام أكاكي أكاكيفيتش بمسح هذا المشهد كما لم يشهد مثيلا له في حياته. فلعدة سنوات لم يجرأ على الخروج في المساء على الإطلاق.


توقف عند نافذة مضيئة لإحدى الدكاكين يملؤه شعور بحب الاستطلاع لينظر إلى رسم لفتاة جميلة كانت تخلع حذاءها و تظهر ساقها بأكمله الذي لم يكن قبيح المنظر على الإطلاق ، بينما وقف خلفها سيد ذو لحية جانبية و لحية صغيرة مشذبة كان رأسه يبحث في فضول حول باب الغرفة المجاورة. هز أكاكي أكاكيفيتش رأسه و ابتسم مبتعداً. لماذا ابتسم؟ ربما لأن هذا شيء جديد لم تقع عيناه عليه من قبل، ولكن مع ذلك لأن كل فرد منا لديه شعور غرائزي. أو ربما ، ككثير من الموظفين المدنيين ظن : "أوه ، هؤلاء الفرنسيين! بالطبع إذا صادف و أن أحبوا شيئا، فهم حقاً، أعني ، لكي أكون دقيقاً، شيئا ... " ربما لم يكن يفكر في كل هذا ، لأنه من المستحيل الغور في أعماق هذا الرجل لنكتشف أفكاره. أخيرا وصل إلى شقة مساعد كبير الكتبة. فهذا المساعد لكبير الكتبة عاش على أحدث موضة : مصباح يضيء السلم ، و كانت شقته في الدور الأرضي.


عند دخوله الصالة ، رأى أكاكي أكاكيفيتش صفوفا من الأحذية المطاطية (الكلوش) التي تلبس فوق الأحذية الجلدية. و بينها ، في منتصف الغرفة ، وضع سماور يصدر فحيحا بينما هو يبعث سحابات من البخار. كانت الجدران مغطاة بالمعاطف و الأردية ، كان بعضها بياقات من الفرو و المخمل، و من الجانب الآخر من الغرفة كان بإمكانه سماع طنين الأصوات ، التي وضحت فجأة و ارتفعت عند فتح الباب حيث برز خادم يحمل صينية مكدس عليها كؤوس فارغة و إبريق كريمة و سلة مليئة بالبسكويت. و لم يكن هناك من شك في أن الكتبة كانوا هناك منذ فترة طويلة وقد فرغوا بالفعل من تناول قدحهم الأول من الشاي.


عندما علق أكاكي أكاكيفيتش معطفه بنفسه و ذهب إلى الداخل ، صدم لمشهد الشموع والموظفين المدنيين، و غلايين الدخان و ورق اللعب. امتلأت أذناه بأصوات غير واضحة لمحادثات قصيرة آتية من جميع أرجاء الغرفة و أصوات كراس تتحرك إلى الأمام و إلى الخلف. وقف في وسط الغرفة بغير ارتياح ناظرا حوله و محاولا التفكير فيما يعمله. غير أنهم لمحوه و حيوه بأصوات عالية ، و في الحال أحاطه الجميع ليلقوا نظرة أخرى على المعطف. و مع أنه كان مأخوذا نوعا ما بهذا الاستقبال ، و حيث أنه كان إنساناً بسيطا و ساذجا ، لم يستطع تمالك الشعور بالسرور للمديح الذي أمطروا به معطفه. و من ثم ، من البديهي ، أن يتركوه ، وكذلك معطفه ، و يوجهون اهتمامهم لموائد لعب الورق المعتادة. فكل هذه الضوضاء و المحادثات وهذا التجمع البشري - كان كل هذا عالم جديد على أكاكي أكاكيفيتش . كان ببساطة لم يعلم ماذا يفعل ، و لا أين يضع يديه أو قدميه أو أي جزء آخر من بدنه. أخيرا جلس بالقرب من لاعبي الورق ، ناظراَ إلى ورق اللعب ، و متفحصاً أولا وجه أحد اللاعبين ، ثم وجه لاعب آخر. و لم يمض وقت طويل قبل أن يبدأ في التثاؤب و الشعور بالضجر ، خصوصاً و أن موعد نومه قد حان منذ وقت طويل.


حاول أن يستأذن في الانصراف من مضيفه ، غير أن الجميع أصر عليه أن يبقى ليشرب نخب معطفه من كأس مترعة بالشمبانيا. و بعد حوالي ساعة قدم العشاء. و قد تضمن هذا بعض السلطات المشكلة و لحم عجل بارد و بعض المعجنات و الحلويات و الشمبانيا. إضطروا أكاكي أكاكيفيتش أن يحتسي كأسين ، وبعد ذلك بدأ كل شيء أكثر مرحاً، بالرغم من أنه لم ينس أن الساعة قد جاوزت منتصف الليل و أنه كان ينبغي عليه أن يغادر منذ زمن طويل.


و لكي لا يوقفه مضيفه و هو في طريقه إلى الخروج ، تسلل بهدوء من الغرفة ، ووجد معطفه في الصالة ( و لحزنه الشديد ملقى على الأرض) ، فهزه ليزيل أي أثر للزغب ، وضعه على كتفيه ونزل إلى الشارع خارجاً.


و في الخارج لا تزال الدنيا مضاءة .فبعض الحوانيت التي تأوي العبيد و مختلف الأنواع من البشر يستخدمونها كأندية في جميع ساعات اليوم كانت لا تزال مفتوحة. فتلك التي كانت مغلقة كانت أعمدة عريضة من النور تنبعث من شقوق أبوابها تبين أنه لا زال هناك أناس يتحدثون بالداخل ربما أغلبهم من الخادمات و الخدم الذين لم ينتهوا بعد من تبادل آخر الأسرار الشخصية ، و تاركين أسيادهم في جهل عما يتحدثون فيه. و كان أكاكي أكاكيفيتش يتمشى بمعنويات و روح عالية ، و في إحدى المرات ، السموات وحدها تعلم لماذا ، كاد أن يطارد امرأة ما مرت بجانبه كالبرق و كل جزء من جسدها يظهر حركة غير عادية. غير أنه توقف في مشيه و استمر في خطواته السابقة المتمهلة ، مندهشا من نفسه لقيامه بهذه الهرولة التي لا تفسير لها. و سرعان ما انبسطت أمامه نفس تلك الشوارع الخاوية التي تبدو منفرة حتى في النهار ، فما بلك في الليل. و الآن بدت أكثر وحشية و هجرا. و بدت أنوار الشوارع تخفت تدريجياً - كانت المجالس المحلية بخيلة بالزيت بعض الشيء في هذا الجزء من المدينة. بعد ذلك بدأ يمر بمنازل خشبية و أسواراً لا أثر فيها لروح، سوى الثلج المومض في الشوارع وتلك الأشكال الداكنة الكئيبة من الأكواخ الواطئة ، و مصاريعها مغلقة ، تبدو في سبات. ووصل الآن في نقطة تقاطع مع ميدان لا نهاية له ذي منازل تكاد ترى بصعوبة على الجانب الآخر : صحراء مرعبة. و عن بعد ، الله يعلم أين ، بصيص نور من كوخ غفير بدا كأنه واقف على حافة العالم. في هذه اللحظة بدأت معنويات أكاكي أكاكيفيتش تهبط بدرجة عالية. و بينا هو يمشي في الميدان، لم يستطع أن يكبت شعور الخوف الذي بدأ يتفجر في داخله ، كمن لو كان يتوجس بأن شرا على وشك الوقوع. نظر خلفه ، ثم عن كل جانب ، بدا كما لو كان محاطا بمحيط بأكمله. " من الأفضل ألا أنظر" قال مخاطبا نفسه و استمر في مشيه و هو مغمض العينين . و عندما فتحهما ليرى كم تبقى عليه ليمشي رأى فجأة رجلين بشاربين أمامه تماما، بالرغم من الظلمة لتبين ملامحهما بدقة. بدأت تجتاح عينيه غشاوة و بدأ قلبه يخفق خفقات مسرعة.


"أها، هذا معطفي بالفعل"، قال أحدهما بصوت مدوي ، ممسكاً إياه من الياقة. كان أكاكي أكاكيفيتش على وشك الصريخ طالبا النجدة ، غير أن الرجل الآخر عاجله بقبضة في حجم رأس كاتب على وجهه قائلا :" مجرد صرخة أخرى منك!" كل ما عرفه أكاكي أكاكيفيتش انهما انتزعا معطفه و سددا له ضربة بركبة ، مما جعلته يسقط على خلفه على الثلج ، وبعد ذلك لم يعد يعرف شيئا آخر. و بعد عدة دقائق عاد إلى وعيه و حاول أن يقف ، لكن لم يجد من يراه. كل ما يعرفه أنه متجمد و أن معطفه قد اختفى ، و بدأ يصرخ. لكن صوته لم يصل عبر الميدان الفسيح. لم يتوقف مرة واحدة عن الصريخ بينا هو يجري في يأس عبر الميدان في اتجاه صندوق خفير حيث رجل شرطة يقف متكئا على مطرد ناظرا إليه بحيرة في من يكون هذا الشيطان الذي كان يجري نحوه صارخاً. و عندما وصل إلى رجل الشرطة صرخ أكاكي أكاكيفيتش ما بين أنفاس متقطعة متهماً إياه بأنه كان نائما و مهملاً واجبه و أنه لا يستطيع أن يرى رجلا يتعرض للسرقة أمام عينيه. أجابه الشرطي بأنه لم ير شيئا عدا رجلين استوقفاه في منتصف الميدان و حسبهما أصدقاءه ، و بدلا من التخلص من غضبه من الأفضل له أن يأخذ بمشورة حسنة و يذهب في اليوم التالي لرؤية مفتش الشرطة الذي سيجلب له معطفه. جرى أكاكي أكاكيفيتش إلى المنزل في حالة مروعة للغاية : فشعره - لا يزال ينمو حول صدغيه وخلف رأسه - أشعث بصورة سيئة. و صدره و سرواله و جنبيه مغطاة بالثلج. وعندما سمعت مالكة البيت العجوز الطرق المخيف على الباب قفزت من فراشها لابسة فردة حذاء و متشبثة برداء نومها مغطية صدرها من باب الاحتشام . و لكن عندما فتحت الباب ورأت أكاكي أكاكيفيتش واقفا هناك ، تقلصت إلى الوراء . و بعد أن أخبرها بالذي جرى أصفقت يديها في يأس و أخبرته بأن يذهب في الحال إلى مفتش شرطة المقاطعة حيث أن ضابط الشرطة المحلي سيحاول بالتأكيد تأجيل الموضوع ، و مقدما له شتى الوعود و موجها إياه عبر ممشى الحديقة . من الأفضل الذهاب إلى المفتش نفسه ، الذي صادف أن تعرفه بالفعل حيث أن آنا ، الفتاة الفنلندية التي كانت تقوم بالطبخ لها ، تعمل الآن مربية في منزل المفتش . و كانت غالبا ما تراه يقوم بجولة بين المنازل و يذهب إلى الكنيسة كل أحد ، كان يبتسم للجميع و كان في جميع الأحوال رجلا طيباً. استمع أكاكي أكاكيفيتش إلى هذه النصيحة و انسل بحزن إلى غرفته. فأية ليلة قضاها يمكن أن يحكم عليها أولئك الذين يضعون أنفسهم موضع الغير. و في الصباح الباكر توجه إلى بيت المفتش ، لكنهم أخبروه بأنه لم يصح من نومه بعد. فعاد في الساعة العاشرة فقالوا له أنه لا يزال نائماً. فعاد في الساعة الحادية عشرة فأعلموه بأنه قد خرج من البيت. و عندما عاد مرة أخرى حوالي وقت الغذاء ، لم يسمح له الكتبة في صالة المدخل بالدخول بأي حال ما لم يخبرهم ما هو شأنه و لماذا جاء ، و ماذا حصل. لذا وجد أكاكي أكاكيفيتش نفسه في النهاية ، للمرة الأولى في حياته، متحدثاً عن نفسه و أخبرهم بعبارات واضحة لا لبس فيها أنه أراد رؤية المفتش شخصيا ، و أنهم لا يجرؤن على منعه حيث أنه أتى من دائرة حكومية و أنهم سيعرفون كل شيء عندما يتقدم بشكواه. لم يكن في مقدور الكتبة مجادلته ، فقام أحدهم باستدعاء المفتش الذي كانت ردود فعله بالنسبة للسرقة غريبة للغاية. فبدلا من التركيز على النقطة الرئيسية من الرواية ، بدأ يستجوب أكاكي أكاكيفيتش بأسئلة مثل: "ماذا كان يفعل في مثل هذه الساعة المتأخرة؟" أو " هل كان يقوم بزيارة إلى أحد منازل الدعارة؟” التي جعلت أكاكي يشعر بالحرج ، و مضى جاهلا تماما فيما إذا كانوا سيتخذون أي إجراء. قضى ذلك اليوم بأكمله خارج المكتب- للمرة الأولى في حياته.



(4)

وصل في الصباح التالي يبدو عليه شحوب شديد مرتديا "الروب دي شمبر" القديم ، الذي كان في حالة مثيرة للإشفاق أشد من ذي قبل.


مست قصة سرقة المعطف مشاعر الكثير من الكتبة بالرغم من أن القليل منهم لم يتمالك نفسه من الضحك على أكاكي أكاكيفيتش حتى في تلك اللحظة. عندها فقط قرروا أن يقوموا بحملة لجمع التبرعات، لكن كل ما جمعوه كان مبلغا مزريا ، حيث أنه بالإضافة إلى مصاريفهم الإضافية ، فقد قاموا باستنفاذ كل نقودهم باشتراكهم في تحمل تكاليف لوحة زيتية تمثل رسما لصورة المدير الجديد بالإضافة إلى كتاب ما أو آخر أوصى بها رؤساء الأقسام - تصادف كونهم أصدقاء للمؤلف . فكل ما جمعوه كان شيئا لا يذكر.


قرر أحدهم ، الذي كان شديد التأثر، أنه باستطاعته مساعدة أكاكي أكاكيفيتش بإسداء نصيحة جيدة. أخبره بأن لا يذهب إلى ضابط الشرطة المحلية، حيث آن السيد الذي ربما سيستعيد معطفه بطريقة أو أخرى على أمل أن يحصل على إطراء من رؤسائه. لم يكن هناك بد من خروج أكاكي من مركز الشرطة دون الدليل القانوني الضروري بأن المعطف كان معطفه حقاً. كانت أفضل الخطط هي أن يتقدم شخصياً إلى شخص ما مهم، و نفس هذا الشخص المهم ، بالكتابة و الاتصال بأناس مناسبين ، سيكون من شأنه تحريك الأمور بطريقة أسرع بكثير من المعتاد. لم يكن هناك من خيار آخر ، لذا فقد عقد أكاكي أكاكيفيتش العزم على زيارة و رؤية هذا الشخص المهم.


ماذا كان يفعل هذا الشخص المهم و ماذا كان يشغل من منصب يبقى لغزا من الألغاز حتى يومنا هذا. كل ما يدعونا إلى القول أن هذا الشخص المهم أصبح مهماً فقط منذ فترة وجيزة، وأنه حتى تلك الفترة كان شخصا غير مهم. على أية حال ، حتى الآن فإن مركزه لا يعتبر مركزا مهما جداً بالمقارنة مع غيره من المراكز التي لا زالت مهمة جدا. و لكن ستصادفك فئة معينة من طبقات الناس التي تعتبر بعض الأشياء ليست بذات أهمية بينما يعتبرها الآخرون مهمة في الواقع. لكنه حاول ، مع ذلك ، جميع السبل لدعم هذه الأهمية. لنضرب مثالا على ذلك : كان مسئولا عن استحداث نظام يتوجب على جميع موظفي الحكومة من الدرجات الدنيا القيام بالانتظار لاستقباله عند السلم عندما يحضر إلى المكتب ، و أنه لا يستطيع أحد لأي سبب من الأسباب الدخول مباشرة إلى مكتبه ؛ و أن كل شيء يجب التعامل به حسب تسلسل أهميته: فمسجل الكلية كان تحت إمرة السكرتير الإقليمي الذي كان بدوره تحت إمرة المستشار الفخري (أومن يكون ذلك الشخص الذي يرجع إليه) ، لذا فإنه بهذا الطريقة كانت الأمور تصله حسب الإجراءات الموضوعة. ففي روسيا المقدسة في أيامنا أصابت عدوى التقليد كل شيء ، و كل واحد يقلد من هو أعلى منه. حتى أنني سمعتهم يقولون بأنه عندما يعين مستشار فخري كرئيس لدائرة حكومية صغيرة فإنه يقوم في الحال بتقسيم مكتبه و تخصيص جزء منه كغرفة انتظار خاصة لاستخداماته ، أو كغرفة استقبال حسبما يسميها ، و يجعل اثنين من السعاة يلبسان بدلة رسمية ذات ياقة حمراء و شرائط ذهبية مطرزة يقفان في الخارج لفتح الأبواب للزوار - حتى لو اقتضى الأمر وضع طاولة كتابة لوظيفة عادية فيما يدعى بغرفة الاستقبال هذه.


كان روتين هذا الرجل المهم مهيبا و مثيرا للإعجاب ، لكنه كان مع ذلك يتسم بالبساطة. كان أساس هذا النظام بأكمله هو النظام الصارم. "النظام ، النظام و ... النظام" اعتاد القول ، ناظرا عادة بجد ووقار في عيني الشخص الذي يخاطبه عندما كان يردد الكلمة للمرة الثالثة. و مع ذلك ، لم يكن هناك سبب وجيه لهذا النظام الصارم ، حيث أن الموظفين الحكوميين العشرة الذين يشكلون الآلة الإدارية بأكملها في دائرته كانوا على أية حال يرتعدون منه خوفا بما فيه الكفاية. فإذا ما رأوه قادما من بعد كانوا يتوقفون عن العمل و يقفون وقفة انتباه بينما كان المدير يمر بهم قاصداً مكتبه. كانت محادثاته اليومية مع مرؤوسيه ببساطة تفوح بالنظام و غالبا ما تتكون من ثلاث عبارات :"كيف تجرؤ؟ هل تعرف من تخاطب؟ هل تدرك من الواقف أمامك ؟ "


مع ذلك كان في أعماقه رجلا طيباً ، طيب المعشر مع زملائه و محباً لمساعدة الآخرين. لكن ترقيته إلى درجة جنرال أفقدته صوابه تماما ، فقد اصبح مشوشاً ، و انحرف نوعا ما عن الطريق السوي ، و لم يعد يستطيع التكيف مع هذا الوضع. فإذا ما كان بصحبة أحد ممن هم في رتبته ، عندها يكون شخصاً طبيعياً شديد التواضع و في الحقيقة أبعد ما يكون عن الغباء من عدة أوجه.


و لكن ضعه مع أناس أقل منه بدرجة واحدة ، و ستراه حقا مشدوهاً. لن ينطق بكلمة واحدة، ويشعر المرء بالأسى عندما يراه في مثل هذه المحنة ، و كلما طالت المدة كان يشعر بأنه بإمكانه أن يقضي الوقت باستمتاع أكثر.


باستطاعة المرء أن يقرأ هذا الشوق لصحبه و حديث مثير للاهتمام في عينيه ، لكنه كان كثيرا ما يشعر بإعاقة في أعماقه من فكرة : أليس هذا بكثير جدا لشخص في مثل مركزه ، أليس في هذا كثير من الألفة و بالتالي يسبب ضرراً لوضعه؟ لهذه الأسباب يبقى صامتا على الدوام ، مخرجا فقط كلمات أحادية الصوت من وقت لآخر ، و نتيجة لهذا فقد كون عند الآخرين سمعة بأنه شخص مضجر و ثقيل الدم. كان هذا هو الشخص المهم الذي كان يسعى صاحبنا أكاكي أكاكيفيتش لاستشارته ، و بدا في أسوء حالة ممكنة - فقد كان قي أشد حالة من حالات الانزعاج فيما يتعلق الأمر بالنسبة له - ولكن أشد حالة من حالات الانزعاج بالنسبة للشخص المهم. كان الشخص المهم في مكتبه منهمكا في حديث مفعم بالحيوية مع صديق طفولة قديم من أصدقائه قدم لتوه من بطرسبرج و لم يره منذ فترة طويلة.


في هذه اللحظة تم الإعلان عن وصول شخص ما يدعى باشمتشكين. "من يكون هذا؟ " سأل فجأة فأجابوه بأنه " كاتب من المكتبة" ، " آه دعوه ينتظر ، لا أستطيع رؤيته الآن" ، أجاب الشخص المهم. هنا لا بد لنا من القول بأن الشخص المهم قد تفوه بكذبة حقيقية : فقد كان لديه الكثير من الوقت ، فقد قال منذ زمن طويل ما كان يود قوله لصديقه ، و كانت تتخلل محادثاتهما فترات من الصمت الطويل يقطعانها فقط بالضرب على أفخاذهما قائلين :

"هكذا إذن إيفان أبراموفيتش !" و " نعم بالتأكيد ، ستيفان فارلاموفيتش! "


و رغم هذا ، لم يزل يأمر الكاتب بأن ينتظر ، لمجرد أن يظهر لصديقه ( الذي ترك الخدمة منذ فترة قبل أن يستقر به المقام في منزله الريفي) كم من الزمن بإمكانه أن يجعل الكتبة ينتظرون في غرفة الانتظار. و عندما قالا كل ما لديهما بالفعل ، أو بالأحرى ، جلسا في مقاعدهما الوثيرة براحة و سعادة دون أن ينبسا بكلمة واحدة لبعضهما ، يدخنان سيجارهما ، تذكر الشخص المهم فجأة و قال لسكرتيره ، الذي كان واقفا عند الباب حاملا كومة من الأوراق:" آه نعم الآن ، أظن أن هناك كاتبا ينتظر. قل له يدخل". و بنظرة واحدة على أكاكي أكاكيفيتش المرتعد في بدلته البالية التفت إليه فجأة و خاطبه :" ما ذا تريد؟" بصوت آمر فظ كان يتمرن عليه مردداً ، عندما يكون بمفرده في الغرفة ، أمام المرآة ، مدة أسبوع بأكمله قبل تعيينه الحالي و ترقيته إلى درجة جنرال.


و قبل فترة طويلة من قيام هذا الشخص المدعو أكاكي أكاكيفيتش من معايشة شعور الفظاعة هذا الذي كان ملائما له لممارسته ، و الآن ، لدهشته ، حاول أن يشرح ، بقدر ما كان يسمح لسانه بذلك و بخليط أكثر من ذي قبل بعبارات مثل "حسناً " و " يعني " و أن معطفه كان جديداً ، و أنه تمت سرقته في أسوأ حالة من البربرية ، و أنه حضر طالبا مساعدة الشخص المهم ، أي من خلال تأثيره ، أو من خلال عمل كذا و كيت ، ، بالكتابة إلى مأمور الشرطة، أو إلى شخص آخر ، ( مهما يكن هذا الشخص ) قد يستطيع الشخص المهم استعادة معطفه.


و السماء تعرف لماذا ، غير أن الجنرال وجد هذا الأسلوب مألوفا جداً.


"ماذا تعني بهذا ، يا سيدي؟ " قال بطريقة لا تخلو من اللذاعة : " ألست على علم بالإجراءات الصحيحة؟ أين تظن نفسك؟ ألا تعلم كيف تساس الأمور هنا؟ آن الأوان لأن تعرف أولا بأن طلبك يجب أن يقدم في المكتب الرئيسي ، ثم يوصل إلى كبير الكتبة ، ثم إلى مدير الإدارة ، ثم إلى سكرتير مكتبي ، الذي سيقوم بتقديمه إلي للنظر فيه ..."


" لكن يا صاحب السعادة " ، قال أكاكي أكاكيفيتش محاولا أن يستجمع قدراً ضئيلاً من الشجاعة كان يمتلكه ، و شاعرا في الوقت ذاته بالعرق يتصبب من جسده ، " لقد اجترأت على إزعاج سعادتكم لأنني ، حسناً ، السكرتيرون ، لا يعتمد عليهم كثيراً ...."


" ماذا ، ماذا ، ماذا؟" صاح الشخص المهم. "من أين تعلمت مثل هذه الوقاحة؟ من أين حصلت على هذه الأفكار؟ يا لمواقف التمرد التي أصابت عدواها شباب هذه الأيام ؟"


من الواضح أن الشخص المهم لم يلاحظ بأن أكاكي أكاكيفيتش قد تجاوز الخمسين. بالطبع ، يمكن للمرء أن يطلق عليه وصف شاب ، ولكن نسبيا، هذا إذا قارنته بشخص في سن السبعين.


"هل تدرك من تخاطب؟ هل تعي من هو الواقف أمامك؟ هل تفهم ، إني أسألك هل تفهم؟ إني أوجه لك سؤالاً!"


في هذه اللحظة ضرب الأرض بقدمه بشدة و رفع صوته لدرجة أن أكاكي أكاكيفيتش لم يكن الوحيد الذي فقد صوابه من الذعر. و كاد أن يغمى على أكاكي أكاكيفيتش . تدحرج إلى الأمام و كان جسده يهتز و كان بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه. و لو لم يهب البوابون إلى نجدته لوقع على الأرض. حملوه إلى الخارج بلا حراك يكاد يكون قد فارق الحياة. ألقى الشخص المهم نظرة من طرف عينيه ، و هو راض جداً بأن التأثير الذي أحدثه قد فاق كل توقعاته الأشد وحشية ، و قد سر تمام السرور بأن بضع كلمات منه بإمكانها أن تسلب إنساناً حواسه ، على صديقه ليرى تأثير ما فعل. لم يكن بالضبط مستاء لمشاهدة صديقه و قد تملكته الحيرة وكان قد بدأ يظهر هو الآخر علامات غير مغلوطة من الخوف.


لم يتذكر أكاكي أكاكيفيتش شيئا عن نزوله السلم إلى الشارع . فأطرافه قد فارقت الحياة. فلم يحصل في حياته مطلقاً أن تلقى مثل هذا التوبيخ من قبل جنرال - و الأدهى من ذلك من قبل جنرال من دائرة أخرى غير دائرته.


مشى مترنحا باستمرار على الطوار بينما هو يقاوم فاغراً فاه في وجه عاصفة ثلجية و صوتها يزمجر في الشارع. و كما يحدث عادة في سان بطرسبرج فإن الريح تهب من زويا الأرض الأربع و من كل شارع جانبي. و في طرفة عين كانت حنجرته تلتهب و عندما جرجر نفسه أخيرا إلى المنزل لم يكن قادراً على النطق بكلمة واحدة. ألقى بنفسه على الفراش و كل جزء من أجزاء جسمه قد بدأت تتورم. هذا ما يمكن أن يصنعه التوبيخ " اللازم و اللائق " بك أحياناً!




(5)



في البوم التالي أصابته حمى شديدة. فبفضل العون السخي لطقس بطرسبرج فقد تطور المرض بسرعة فائقة أكثر مما يتوقع المرء ، و عندما وصل الطبيب و تحسس نبضه ، فإن كل ما كان يستطيع وصفه من دواء هو كمادات لا غير - فقط لأنه أراد ببساطة أن لا يحرم المريض من المزايا المفيدة للعناية الطبية . لكنه مضى في تشخيصه بأن أكاكي أكاكيفيتش لن يستمر طويلا بعد يوم واحد و نصف يوم ، مما لا شك فيه ، و بعد ذلك : ستتوقف جميع حواسه . ثم استدار إلى صاحبة المنزل قائلاً :

" و الآن ، لا تضيعي وقتاً ، و قومي بطلب تابوت من الصنوبر في الحال ، حيث أنه لن يكون بمقدوره أن يحصل على تابوت من خشب البلوط."


سواء سمع أكاكي أكاكيفيتش هذه الكلمات المشئومة أم لم يسمعها - و سواء هزت مشاعر الأسف لحياته البائسة - لا أحد لديه أدنى فكرة ، حيث أن الحمى و الهذيان كانا مصاحبين له طوال الوقت . و بدت أمامه رؤى غريبة ، و كانت كل واحدة أشد غرابة من الأخيرة ، ومرت في موكب لا نهاية له : في إحداها كان يرى بتروفيتش الخياط و كان يترجاه بأن يعمل له المعطف بمصايد خاصة لاصطياد اللصوص التي بدت له متجمعة تحوم تحت فراشه. و بين دقيقة و أخرى كان ينادي صاحبة البيت لتسحب واحداً منها دب تحت اللحاف.


و في واحدة من الرؤى كان يتساءل لماذا كان " الروب دي شامبر القديم " التابع له معلقا هناك بينما هو يمتلك معطفا جديداً. بعد ذلك تخيل أنه كان واقفا بجانب الجنرال ، وبعد أن جرى توبيخه كما ينبغي ، كان يقول : " أنا آسف يا صاحب السعادة. " و في النهاية بدأ يشتم ويلعن، و ترك سيلا جارفا من البذاءة ينهمر لدرجة أن صاحبة المنزل رسمت علامة الصليب على نفسها، حيث أنها لم يسبق لها أن سمعت مثل هذا الكلام طوال حياتها ، خصوصا و أن اللعنات كانت تأتي مباشرة بعد عبارات "يا صاحب السعادة" . بعد ذلك بدأ يهذي تماما ، حتى بدا من المستحيل فهم أي شيء ، سوى أن كل هذا الخليط يتمحور حول نفس المعطف لا غير. وأخيراً أسلم أكاكي أكاكيفيتش المسكين الروح . فلا غرفته و لا ممتلكاته ختمت بالشمع الأحمر، لأنه في المقام الأول لم تكن له عائلة ، و في المقام الثاني كانت جميع ممتلكاته الدنيوية لا تساوي كثيرا على الإطلاق : حزمة من ريش الإوز ، رزمة من أوراق الحكومة البيضاء ، ثلاثة أزواج من الجوارب ، زراران أو ثلاثة أزرة سقطت من سرواله و " الروب دي شامبر " حيث القارئ على علم به . لمن آلت جميع هذه الأشياء ، الله سبحانه و تعالى وحده على علم بذلك ، و مؤلف هذه القصة يعترف بأنه قد فقد الاهتمام بها و لا يهمه أمرها. نقل جثمان أكاكي أكاكيفيتش و تم دفنه. و استمرت الحياة في سان بطرسبرج بدون أكاكي أكاكيفيتش الذي عرفته كما لو أنه لم يكن قد وجد فيها.


و هكذا زال و اختفى إلى الأبد إنسان لم يفكر أحد من الخلق في حمايته ، و لم يكن عزيزاً على أحد ، و لم يكن أحد يهتم بأمره لا من قريب و لا من بعيد ، ولا حتى عالم التاريخ الطبيعي الذي لم يكن ليقاوم غرز دبوس في جناح ذبابة منزلية و فحصها تحت مجهره ، إنسان استحمل هزء وسخرية زملائه من غير أن يتذمر و يعبر عن احتجاجه ، إنسان ذهب إلى مرقده الأخير بلا أدنى ضجة ، و لكن مع ذلك ( بالرغم من أن ذلك ليس قبل أيامه الأخيرة) ظهر فجأة زائر مضيء على هيئة معطف ، ليضيء حياته البائسة لمجرد لحظة خاطفة ، مخلوق حلت به نكبة قاسية كما تعصف النكبات بالملوك و عظماء البشر على هذه الأرض ....


و بعد مضي عدة أيام على وفاته أرسل أحد السعاة حاملا أوامر إليه تدعوه إلى الحضور إلى العمل في الحال : كانت تلك أوامر المدير شخصياً. غير أن المراسل اضطر أن يعود بمفرده ليعلن بأن أكاكي لن يتمكن من الحضور إلى المكتب بعد اليوم. و عندما تم سؤاله لماذا كان ذلك ، أجابهم : " لأنه فارق الحياة ، لقد توفي قبل أربعة أيام". و هكذا علم المكتب بخبر وفاة أكاكي أكاكيفيتش ، و في اليوم التالي تم شغل وظيفته من قبل كاتب حديث التعيين ، أطول منه بكثير و خطه ليس في استقامة خطه و لكنه على العكس من ذلك فاعوجاجه واضح تماماً.


و لكن من كان يتصور أن هذا لن يكون آخر ما سيسمع عن أكاكي أكاكيفيتش ، و أنه كان مقدراً له أن يخلف ضجة بعد عدة أيام من موته ، كما لو كان يحاول أن يعوض ما فاته من أيام قضاها يتجاهله الجميع؟ غير أن هذا هو ما حدث ليضفي على قصتنا البائسة نهاية غريبة للغاية و غير متوقعة على الإطلاق. و بدأت الشائعات تنتشر في أرجاء سان بطرسبرج بأن شبحاً في هيئة كاتب من كتبة الحكومة قد ظهر بالقرب من جسر كاينكين ، و حتى أبعد من ذلك ، و أن هذا الشبح بدأ يبحث عن معطف مفقود. و لهذه الغاية فقد كان يشاهد ينتزع شتى أنواع المعاطف من فوق أكتاف أصحابها ، غير عابئ برتب أو درجات أصحابها ، معاطف مصنوعة من فراء القطط ، السمور ، معاطف ذات كمادات ، معاطف من فراء الراكون أو الثعالب أو الدببة ، باختصار : معاطف مصنوعة من أي نوع من أنواع الفراء أو الجلود التي يستخدمها الإنسان لحماية جلده هو. و شاهد أحد الكتبة من الإدارة الشبح بأم عينيه و تعرف في الحال على أكاكي أكاكيفيتش. لقد بلغ به الرعب و الفزع مبلغه لدرجة أنه أسلم ساقيه للريح جاريا بأسرع ما تستطيع رجلاه أن تحملاه، لدرجة أنه لم يستطع أن يبصر جيداً ما حوله، فكل ما كان يستطيع إدراكه أن شخصاً كان يشير إليه بإصبع شريرة عن بعد. و بدأت الشكاوى تنهمر من جميع الأنحاء ، ليس فقط من المستشارين الفخريين ، و لكن حتى من بين أصحاب الرتب العالية كمستشاري البلاط ، الذين تعرضوا لنوبات قاسية من البرد في ظهروهم من خلال هذا السطو الليلي على معاطفهم. و قد صدرت تعليمات إلى رجال الشرطة لاعتقال الشبح و زجه في السجن ، مهما كلف الأمر و ليكن ما يكن ، حياً أو ميتاً ، لمعاقبته ليكون عبرة لمن اعتبر - و في هذا كاد النجاح أن يكون حليفهم. و من أجل أن نكون أكثر دقة ، كاد أحد رجال الشرطة ، كجزء من تجواله المعتاد في نوبته في زقاق كيروشكين، أن يمسك بالشبح من ياقته في نفس موضع الجريمة ، في اللحظة التي كان على وشك أن يقتلع معطفا من الصوف من على كتفي موسيقي متقاعد ، كان عازف ناي. و بينا هو ممسك بالشبح من ياقته ، صرخ رجل الشرطة مناديا اثنين من رفاقه ليمسكا به، و لدقيقة واحدة فقط ، بينما كان يتحسس حذاءه الطويل لاستخراج علبة النشوق لتنشيط أنفه ( الذي تعرض لوخزة صقيع خفيفة ست مرات في حياته). و لكن النشوق يبدو أنه كان من ذلك النوع من الخلطات التي لا تحتملها حتى الأشباح ، ففي اللحظة التي كان رجل الشرطة يغطي منخاره الأيمن بإصبعه و يستنشق ملء كف في المنخار الآخر عطس الشبح عطسة عنيفة أعمت الجميع تماما بما رش عليهم من رذاذ ، جميع رجال الشرطة الثلاثة. و بينما كانوا يمسحون أعينهم اختفى الشبح في الهواء فجأة لدرجة أن رجال الشرطة الثلاثة لم يكونوا واثقين من أنهم أمسكوه بأيديهم في المقام الأول. و منذ ذلك الحين كان رجال الشرطة شديدي الفزع من الأشباح لدرجة أنهم كانوا يخشون من إلقاء القبض حتى على الأحياء من بني البشر و كان بدلا من ذلك يصرخون عن بعد : " أنت يا من هناك ، إبتعد من هنا!" . و بدأ شبح الكاتب يظهر في أماكن أبعد من جسر كيلنكين، مسببا حالة من الذعر و الخوف بين ضعاف القلوب من المواطنين. و يبدو أننا ، على أية حال ، قد تجاهلنا الشخص المهم، الذي ، في الحقيقة ، يمكن أن يقال أنه السبب الحقيقي لمجرى هذه النهاية في هذه القصة التي كانت قبل ذلك قصة حقيقية. أولاً : لإعطاء هذا الرجل حقه ، يجب أن نبين أنه بعد خروج صاحبنا المسكين أكاكي أكاكيفيتش محطماً ، بدأ الشخص المهم يشعر بوخزات الأسف و تأنيب الضمير. فالرحمة لم تكن شيئا جديداً عليه ، و مع أنه كان واعيا و مدركاً لرتبته فقد كان كثيراً ما يحنق عليها ، فقلبه لم يكن عديم التأثر بكثير من الدوافع الكريمة. فحالما غادر صديقه المكتب تحولت أفكاره نحو أكاكي أكاكيفيتش المسكين.


و كان كل يوم تقريبا بعد ذلك تبدو له رؤيا يتمثل فيها أكاكي أكاكيفيتش شاحب الوجه ، الذي كان التأنيب الرسمي بحقه شيئا كثيراً. و بدأت هذه الأفكار تثير قلقه لدرجة أنه قرر أن يرسل أحد موظفيه إلى الشقة ليسأل عن حاله و كيف يمكنه أن يقدم أية مساعدة. و عندما عاد الرسول ليخبره بأن أكاكي أكاكيفيتش قد توفي فجأة نتيجة الحمى أصيب بالذهول. و بدأ ضميره يؤنبه ، و شعر ذلك اليوم بانحراف في مزاجه.


و ظناً منه من أن ضرباً من التسلية الخفيفة سيجعله ينسى تلك التجربة الكريهة ، ذهب إلى حفلة أقامها أحد أصدقائه دعي إليها عدد من الناس المحترمين. و قد سر بوجه خاص عندما وجد بأن جميع الحاضرين كانوا ممن هم في مستوى درجته تقريباً ، لذا لم يكن هناك من احتمال لمواقف قد تسبب مضايقات. و كان لهذا تأثيره العجيب في تحسن حالته النفسية و رفع روحه المعنوية. كان في حالة إسترخاء تامة ، و تحدث مع الجميع بانشراح ، و حاول أن يكون محببا من الجميع ، باختصار قضى أمسية ممتعة للغاية. و على العشاء احتسى كأسا أو كأسين من الشمبانيا ، و هي نوع من النبيذ يعرف الجميع بأنها لا تساعد على تعكير المزاج. وقد ساهمت الشمبانيا في تحسن حالته المزاجية التي جعلته يدخل بعض التغييرات على خططه لذلك المساء: فقرر أن لا يذهب إلى المنزل مباشرة ، و لكن ليقوم بزيارة لسيدة من معارفه ، كارولينا إيفانوفا، كانت من أصل ألماني و كان على علاقة حميمة بها. وهنا يجب علي أن أبين بأن الشخص المهم لم يعد شابا مثلما كان و لكنه زوجا و رب أسرة محترما . فله من الخلف إثنان ، أحدهما يشغل وظيفة بالفعل في الخدمة المدنية ، و الثاني فتاة جميلة في السادسة عشر من عمرها ذات تصرفات تنم عن الإزدراء ، كانت كل يوم تأتي لتقبل يده قائلة بالفرنسية "صباح الخير يا أبي". أما زوجته فلا تزال محتفظة ببعض نضارتها و لم تفقد شيئا من ملامحها الجميلة، كانت تسمح له بتقبيل يدها ، ثم تقبل يده قالبة إياها. و مع أن الشخص المهم كان قانعاً تماماً بالعاطفة التي تسبغها عليه عائلته ، مع ذلك لم يجد ذلك سلوكا خاطئاً أن تكون له صديقة في جزء آخر من المدينة. و هذه الصديقة لم تكن بأية حال أجمل أو أصغر سناً من زوجته ، ولكن هذا سر غامض من أسرار هذا العالم، و ليس من واجبنا أن ننتقده. كما كنت أقول ، نزل الشخص المهم إلى الدور الأرضي ، تسلق زحافته و قال للسائق :"إلى منزل كارولينا إيفانوفنا" بينما كان يلتف في معطفه الفاخر جداً شاعراً بمتعة تلك الحالة النفسية ، العزيزة على كل روسي ، عندما يفكر المرء في لا شيء على الإطلاق ، و لكن ، مع ذلك ، عندما تأتي الأفكار مزدحمة في رأس الإنسان من تلقاء نفسها ، و كل واحدة أكثر لطفاً من الأخيرة ، و لا تتطلب من المرء أي مجهود ذهني في تحضيرها أو مطاردتها. شعر بالرضا وهو يستذكرها ، دون أن يبذل أي عناء يذكر ، كل اللحظات السعيدة في الحفلة ، كل النكات اللطيفة التي أثارت القهقهات العالية في تلك الدائرة الضيقة : حتى أنه أعاد بعضها لنفسه بهدوء ووجدها مضحكة كالسابق ، لذا لم يكن مستغرباً أن ضحك من أعماق قلبه . لكن الريح الصاخبة تطفلت على متعته أحياناً، و الله وحده يعلم من أين تهب أو لماذا ، كانت تلفح وجهه تماما ، قاذفة بحفنة من الثلج عليه، جاعلة ياقته تقف منتفخة كالشراع ، أو تقذف به فوق رأسه بقوة خارقة للطبيعة تتطلب مقدرة شيطانية للخلاص منها. و فجأة شعر الشخص المهم بقوة عنيفة تسحبه من ياقته. و عندما استدار شاهد رجلا ضئيل الحجم في بدلة بالية و انتابه شعور بالرعب عندما تعرف عليه في شخص أكاكي أكاكيفيتش . كان وجه الكاتب شاحبا كالثلج وكان تماما كوجه رجل ميت .


فاق الرعب الذي انتاب الشخص المهم كل حدود المعقول عندما التوى فم الشبح ، تخرج منه رائحة القبور المخيفة بينما هو ينفخ عليه أنفاسه ناطقا بالكلمات التالية:" آه ، أخيراً وجدتك! والآن أطبقت عليك من ياقتك! إن ضالتي هي معطفك! ". كاد الشخص المهم المسكين أن يموت فزعاً. و لكن قوة الشخصية التي كان يستعرضها في المكتب ( عادة ما يكون ذلك في حضور موظفين من بين مرؤوسيه) - ما على المرء سوى النظر إلى وجهه المكتمل الرجولة ليقول :" هاهو رجل يتحداك !" - في هذا الموقف - كالكثيرين من أمثاله الذين تبدو عليهم مظاهر البطولة منذ الوهلة الأولى ، كان شديد الخوف لدرجة أنه بدأ يخشى ( و ليس بدون سبب) أنه سيتعرض لسكتة قلبية. لقد مزق معطفه بأسرع ما يستطيع ، بدون مساعدة من أحد ، ثم صرخ بأعلى صوته ليسمع سائقه بصوت من يتملكه الرعب : "إلى البيت بأسرع ما تستطيع!".


مدركاً نغمة صوت سيده التي يستخدمها في لحظات الأزمات - نغمة عادة ما تصاحب حثاً قوياً- و من أجل أن يحتاط للأمر انحنى في جلسته و لوح بسوطه و انطلق مسرعاً كالسهم.


و لم يستغرق الوقت أكثر من ست دقائق إلا و الشخص المهم عند الباب الأمامي. كان بلا معطف ، و شديد الشحوب و فاقدا لحواسه و توجه إلى البيت بدلا من الذهاب إلى منزل كارولينا إيفانوفنا. و تمكن بطريقة ما أن يتحامل على نفسه و يرتقي السلالم إلى غرفته وقضى ليلة رهيبة حتى أن ابنته قالت له صباح اليوم التالي على الفطور " تبدو شديد الشحوب هذا اليوم ، يا بابا ". غير أن بابا لم يرد عليها ، و لم يتفوه بكلمة واحدة عما حصل ، و لا أين كان و لا أين كان ينوي أن يتوجه. كانت لتلك المواجهة تأثيرها البين عليه. فمنذ ذلك الوقت كان نادراً ما يخاطب مرؤوسيه بعبارات مثل : " كيف تجرأ ، هل تعلم من هو الواقف أمامك؟ " وإذا صادف أن كانت له مناسبة لأن يقول هذا ، فإن ذلك لم يكن أبداً دون السماع أولا لما سيقوله المتهم . غير أن ما هو أشد غرابة من أي شيء آخر هو اختفاء شبح الكاتب تماماً. ومن الواضح أن معطف الجنرال من حيث القياس كان الكمال بعينه. و على الأقل ، لم يعد هناك المزيد من قصص المعاطف التي تسحب من على أكتاف أصحابها. غير أن بعض المواطنين من بين الفضوليين و شديدي الحذر لم يكونوا قانعين ، و يصرون على أن الشبح لا يزال يشاهد في الأطراف النائية من المدينة، و في الحقيقة فإن رجل شرطة من مقاطعة كولومبا شاهد بأم عينيه شبحاً يغادر منزلاً. و حيث أنه كان ضعيف البنية - فإن خنزيراً من الحجم العادي تام البلوغ كان منطلقاً من أحد المنازل الخاصة اصطدم به فأسقطه ، مما أثار تسلية عظيمة لدى بعض سائقي العربات الذين كانوا واقفين بالقرب من المشهد ، مما أدى إلى سعال كل واحد منهم و قذف ما يعادل نصف كوبك من سعر النشوق على خده ، و كان ببساطة لم يجرؤ على إلقاء القبض عليه ، لكنه تبع الشبح في الظلام حتى توقف فجأة و استدار نحوه قائلاً: " ماذا تريد؟ " و لوح بقبضة يده في وجهه - قبضة لا ترى مثلها بين أيدي الأحياء. فرد عليه رجل الشرطة: " لا شيء " و تراجع مسرعاً. كان هذا الشبح أطول من الشبح الأول ، كان ذو شارب ضخم ، و يبدو أنه كان متجها صوب جسر أوبوخوف ، و إبتلعه الظلام.



————


نيكولاي جوجول



ولد الكاتب الروائي و القصصي الروسي نيكولاي جوجول في 31 مارس 1809 في عائلة من صغار العائلات الأريستوقراطية الأوكرانية و انتقل في سن التاسعة عشرة إلى العاصمة سان بطرسبرج و بدأ الكتابة في سن مبكرة عندما نشر قصيدة روائية بعنوان "هانز كوجلجارتن" التي استقبلها النقاد استقبالا سلبيا مما اضطر جوجول لجمع و شراء ما تبقى من نسخ في الأسواق و فر من روسيا لفترة قصيرة. و عند عودته إلى روسيا عمل في أحد المكاتب الحكومية بينما كان يدرس الرسم و اشتغل بالتدريس في إحدى مدارس البنات الداخلية و نشر خلال هذه الفترة مجموعتين من القصص "أمسيات في مزرعة بالقرب من ديكانكا" ( 1 - 1832 ) استمد مادتها من الفولكلور الأوكراني الثري و عاداته القوقازية . وقبل أن ينتقل إلى جامعة سان بطرسبرج ليحاضر في تاريخ العصور الوسطى نشر مجموعة قصصية ثالثة ( 1835) بعنوان "ميرجورود".

بعد ذلك بدأ نبوغه يتضح من خلال مجموعة من القصص من بينها "الأنف" ( 1836 ) و"المعطف" ( 1842 ) و " النفوس الميتة" ( 1842 ) و رائعته الدرامية "المفتش العام" (1836 ) التي ذاع صيتها و مثلت كثيرا خارج روسيا في عدة لغات من بينها اللغة العربية. وقدمت على المسرح في البحرين في مطلع السبعينيات عندما أنتجها مسرح أوال و فرقة ممثلي المنامة باللغة الإنجليزية.

يعتبر جوجول واحدا من أكثر الكتاب الروس موهبة وأحد دعائم نهضة روسيا الأدبية في القرن التاسع عشر بسبب أسلوبه المتميز الذي جمع بين الواقعية و السخرية القاتمة و نظرته الكوميدية الغريبة و هي صفات تجسدت في القرن العشرين فيما يعرف بأدب اللامعقول خصوصا في مجال المسرح كأنما كان سابقا عصره و مبشرا لحركة لم تظهر إلا في منتصف القرن العشرين.

توفي جوجول في الرابع من مارس 1852 بعد فترة تميزت باضطرابات نفسية معقدة بسبب نزعاته الدينية المتعصبة التي غيرت مجرى حياته تماما. فقبل وفاته بعشرة أيام أحرق الجزء الثاني من مخطوط "النفوس الميتة" .

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email