المعطف .. قصة : نيكولاي جوجول


في واحدة من دوائرنا الحكومية ....لعله من المستحسن لي أن لا أذكر هذه الدائرة بالاسم، إذفليس هناك من هو أشد حساسية من العاملين في الدوائر الحكومية أو الفصائل العسكرية والسفارات أو في الحقيقة أي صنف من المؤسسات الرسمية. ففي هذه الأيام يعتقد كل مواطن عادي أن المجتمع برمته يتعرض للإهانة عندما يتعرض هو شخصياً لأية إهانة. ويقال أنه منذ زمن ليس بالبعيد أن مفتش شرطة في أحد الأقسام الإدارية قد تقدم بشكوى ( لا أستطيع أن أتذكر إلى أية مدينة كان ينتمي ) و في هذا الصدد فقد أوضح ببساطة صارخة بأن الدولة وجميع قوانينها في طريقها إلى الانهيار و أن اسمه المقدس قد تعرض للإساءة بما لا يدع مجالا للشك. وللتدليل على صحة ادعائه فقد أرفق وثيقة إضافية تتمثل في مجلد ضخم ، يتضمن كتابات على مستوى عال من الرومانسية ، حيث يظهر مأمور للشرطة بين كل عشر صفحات ، وفي بعض الأحيان في حالة من السكر الشديد. ولذا ، فإننا من أجل تفادي المزيد من الكراهيات ، يحسن بنا أن نطلق على تلك الدائرة المعنية "دائرة ما " .


ففي دائرة ما إذن، عمل موظف مدني ما . و ليس بالإمكان بأي حال أن يقال بأن مظهره كان من ذلك النوع الذي لا يغيب عن الذاكرة ؛ فقد كان قصير القامة ، و على وجهه آثار حبات جدري ، و شعره يميل إلى الحمرة ، كما كان ضعيف البصر ، أو هكذا بدا . كان ذا صلعة في مقدمة رأسه و كان كلا خديه قد تعرضا للتجاعيد . كانت بشرته من النوع الذي تجده عند أولئك الذين يعانون من البواسير ...... و ليس هناك ما يستطيع المرء عمله حيال هذا، فطقس بطرس برج هو الملام.

الدكتور محمد الخزاعي

أما بالنسبة لرتبته في سلم وظائف الخدمة المدنية (فينبغي علينا أن نحددها قبل أن نمضي قدما) فقد كان ينتمي إلى تلك الفئة التي عرفت بالمستشارين الفخريين الدائمين ( مستشارين بالاسم)، التي ظلت لفترة طويلة ، كما نعلم جميعا ، موضع سخرية و تهكم من قبل فئة من الكتاب التي اشتهرت بشن هجومها على أولئك الذين ليسوا في موقع يسمح لهم بالرد. كان اسمه باشمتشكين الذي يبدو بكل وضوح أنه اشتق من كلمة باشمك (التي تعني بالروسية حذاء).


و لكن متى على وجه التحديد و في أي وقت من النهار و كيف تكون هذا الاسم فإن هذا شيء شديد الغموض. كان كل من أبيه و جده و حتى صهره و كذا جميع آل باشمتشكين يلبسون أحذية عالية تغطي الساق كانوا يجددون نعلها ثلاث مرات في العام. كان يدعى أكاكي أكاكيفيتش . قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء للقارئ الكريم أو أنه مبالغ فيه بعض الشيء ، غير أننا نود أن نؤكد له أنه ما من أحد كلف نفسه مشقة البحث عنه ، و لماذا انتهت الأمور على هذا النحو ليدعى بأي اسم غير هذا الاسم . و هذا ما حصل : ولد أكاكي أكاكيفيتش في ليلة 22 مارس ، إن لم تخنني ذاكرتي . كانت المرحومة والدته ، زوجة لموظف في الخدمة المدنية و سيدة فاضلة ، قامت باتخاذ الترتيبات اللازمة من أجل تعميده. ففي ذلك الوقت كانت لا تزال مستلقية على ظهرها في فراشها ووجهها نحو الباب ، و عن يمينها وقف العراب ، إيفان إيفانوفيتش يروشكين ، سيد في غاية التميز كان رئيس الكتاب في مجلس الشيوخ ، والعرابة ، أرينا سميونوفنا بلروشكوفا ، زوجة مفتش شرطة الإقليم و سيدة فاضلة من نوع نادر. و عرضت على الأم ثلاثة أسماء : موكيا ، سوسيا ، أو خوزدازات ، باسم الشهيد. "أوه ، كلا " ما كان يدور في مخيلة والدته ، " ليس بمثل هذه الأسماء الفظيعة المتداولة هذه الأيام" وفي محاولة لإرضائها تصفحوا عدة صفحات في التقويم التابع للكنيسة الأرثوذكسية فوقعت أعينهم على ثلاثة أسماء غريبة : تريفيلي ، دلا و فاركاشي.” هذا محض عذاب أنزلته السماء"، تمتمت المرأة، . "يالها من أسماء . و حياتي لم أسمع بمثل هذه الأسماء. فرادات وفاروخ لن تكون أسوأ من تريفيلي و فراخاسي" وقلبوا صفحة أخرى من التقويم فوجدوا بافيكاخي وفاختيسي. "حسنا ، من الواضح تماما أن هذا هو القدر. فمن المستحسن أن نسميه باسم والده. كان يدعى أكاكي فدعونا إذن نطلق على ابنه أكاكي أيضاً" . و هكذا أصبح أكاكي أكاكيفيتش . و عمد الطفل و انفجر أثناء الحفل باكيا و انهمرت دموعه و تبدلت ملامحه وتيقن عندئذ بأن قدره أن يصبح مستشارا بالاسم فقط. و سبب هذا السرد هو لتمكين القارئ للحكم بنفسه على مجرى الحوادث بأنه كان مقدرا تماما و من المستحيل أن يكون لأكاكي أي اسم غير هذا الاسم.


على وجه التحديد متى بدأ العمل في الدائرة، و من كان المسئول عن توظيفه، فمن المؤكد أنه ليس باستطاعة أحد أن يذكر شيئا من هذا القبيل. فبغض النظر عن عدد المد راء والرؤساء الذين تعاقبوا عليه، فقد كان يرى دائما في نفس المكان بالضبط - و يقوم بتأدية نفس العمل - مجرد نسخ روتيني، و لا شيء سوى النسخ. و نتيجة لذلك ، اعتقد الجميع بأنه قد ولج إلى هذا العالم مهيئا لهذا العمل ، و مجهزا ببدلته الرسمية و بقعته الصلعاء. لم يكن له أحد من العاملين في المكتب أي احترام . فعندما يدخل لم يبق البوابون جالسين فحسب و إنما لم يعيروه أي اهتمام أو يلقوا عليه نظرة كما لو كان ذبابة منزل عادية مرقت عبر غرفة الجلوس. بعض مساعدي رئيس الكتبة كانوا يحذفون بعض الأوراق في وجهه من غير أن يتفوهوا بعبارة مثل:" أرجو أن تقوم بنسخ هذه" أو " إليك هذا العمل الصغير المثير للاهتمام" أو بعض الملاحظات الصغيرة اللطيفة التي تسمعها في المؤسسات التي تتصف بالتهذيب. وكان يتناول كل ما كان يوضع أمامه دون أن يكلف نفسه مشقة رفع رأسه ليرى من وضعه هناك أو ليسأل نفسه فيما إذا كان من الصواب أن يفعل ذلك ، فقد تسمرت عيناه على ما يجب عليه تأديته. فقد كان ببساطة يتناول الوثائق و يبدأ في نسخها. و كان صغار الكتبة يتضاحكون و يروون النكات بشأنه - على مدى ما يسمح به المكتب من امتداد - و كانوا يروون أقاصيص من اختراعهم ، حتى عندما كانوا يقفون بالقرب منه ، حول صاحبة مسكنه البالغة السبعين من العمر ، على سبيل المثال ، التي اعتادت على ضربه ، كما كانوا يقولون . فكانوا يسألون متى سيكون موعد الزفاف لينثروه بقصاصات الورق ، التي يسمونها الثلج .


و لكن أكاكي أكاكيفيتش لم يبد أدنى اعتراض، كأنما لم يكن هناك أحد على الإطلاق. فعمله لم يتأثر بأي حال و لم يخطئ في نسخ حرف واحد في ظل هذه المضايقات . فقط عندما تصبح النكات لا تطاق عندما يهز أحدهم كوعه مثلا ، و يمنعه من العمل - كان يقول : "دعني وشأني ، لماذا تعذبني ؟" كان هناك شيء غريب في هذه الكلمات و الطريقة التي كان يتلفظ بها. فقد كان لصوته نغمة غريبة تجعلك تشفق عليه ، لدرجة أن أحد الكتبة حديثي التعيين في الدائرة ، والذي كان على وشك أن يسلك مسلك الآخرين و أن يبدأ في السخرية منه ، توقف فجأة في منتصف الطريق كما لو كان قد تسمر أو أصيب بشلل . و منذ تلك اللحظة رأى الأمور بمنظار آخر . فكأنما قوة خارقة أبعدته عن زملائه الذين عندما التقى بهم للمرة الأولى ظنهم رجالا على شيء من التهذيب . ولفترة طويلة فيما بعد ، حتى في أشد حالاته مرحا ، كان يرى ذلك الشكل ببقعته الصلعاء و يتمتم أمامه بصوت مثير للأسى "دعني و شأني ، لماذا تعذبني؟ " و من خلال هذه الكلمات النفاذة كان يسمع أصوات آخرين " أنا أخوك" . فكان المسكين يدفن وجهه في راحتيه و في عدة مرات فيما بعد كانت تنتابه قشعريرة عندما كانت تراوده فكرة كيف يمكن للناس أن يكونوا بهذه الوحشية و كيف تخفي التصرفات المهذبة والتربية الحسنة هذه الفظاظة الشديدة، يا إلهي ، في أكثر الناس المعروفين بنزهاتهم واستقامتهم ..

من الصعب على المرء أن يجد إنسانا في أي مكان يحيا من أجل عمله. فالقول بأنه كان يعمل بحماس و إخلاص يمكن اعتباره من قبيل التصريح المكبوح: كلا، كان يعمل بشغف. ففي ذلك النسخ كان يلمح عالمه المتنوع و اللطيف .و بإمكان المرء أن يرى المتعة على وجهه. كانت بعض الأحرف من حروفه المفضلة ، فعندما يبدأ في كتابتها كان ينتابه شعور غامر من الإثارة ، فقد كان يضحك بخفة و يغمز و يحث قلمه واضعا إياه على شفتيه ، لكي تستطيع أن تخمن أي حرف كان قلمه ينسخ بعناية بمجرد النظر إليه. فلو كانت مكافأته معادلة لحماسه ، فلربما تمت ترقيته إلى مستشار دولة، لدهشته الشديدة . و لكن حسبما يصف المتندرون في المكتب ، فإن كل ما حصل عليه مقابل جهده و كده شارة علقها في عروة سترته و تلك البواسير في مؤخرته. مع ذلك لا يمكن القول بأنه قد تم تجاهله تماما. فأحد المدراء ، سيد مهذب كله حنان ، أراد أن يكافئه لخدمته الطويلة ، أصدر أوامره بأن يعطى شيئا أكثر أهمية من مجرد النسخ العادي ألا و هو إعداد تقرير لإدارة أخرى من ملف مكتمل. فكل ما يستدعيه هذا العمل هو تغيير صفحة العنوان و تغيير صيغة بعض الأفعال من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب . و قد سبب له هذا مشكلة و إزعاجا فائقا إلى درجة أنه بدأ يتصبب عرقا ، و أخذ يمسح جبينه ، و قال في النهاية :"كلا ، من المستحسن أن تدعني استمر في النسخ العادي ." و بعد ذلك تركوه يستمر في عملية النسخ إلى الأبد . فإلى جانب هذا النسخ لا شيء بالنسبة له كان يملأ حياته. فلم يكن يعير ملابسه و هندامه أدنى اهتمام ، فبدلته الرسمية من الصعب وصفها بأنها خضراء و لكن لونها أبيض بعدة ظلال ملطخة بأصباغ حمراء.


كانت ياقته قصيرة جدا و ضيقة ، لكي تسمح لرقبته ، التي لا يمكن أن يطلق عليها بدقة أنها طويلة ، أن تبرز لعدة أميال مثل القطط المصنوعة من الجبس ذات الرؤوس المتحركة التي يحملها الباعة المتجولون من بين الأجانب بالعشرات. هناك دائما شيء ما من المؤكد أن يلتصق ببدلته حفنة من القش أو قطعة من خيط . إضافة إلى هذا ، كانت لديه نزوة غريبة فقد اعتاد المرور أسفل النوافذ في اللحظة التي كانت ترمى فيها الزبالة و هذا ما يفسر كونه دائما يحمل شرائح من قشر البطيخ و ما شابهه من الزبالة على قبعته. و لم يلاحظ مرة في حياته ما كان يجري في الشارع الذي يمر به كل يوم ، على العكس من زملائه في الخدمة الذين اشتهروا بعيون مثل عيون الصقور التي بلغت من حدة إبصارها أنه باستطاعتها رؤية حتى سيور السراويل المفتوحة على الجانب الآخر من الطوار ، و هو شيء من الصعب أن لا يترك ابتسامة خفيفة على وجوههم . و لكن حتى لو حدث أن لاحظ أكاكي أكاكيفيتش شيئا ما ، فإن كل ما يراه كان سطورا من حروفه الأنيقة في خطه الجميل .


عندما تظهر فقط كمامة حصان من مكان مجهول و تلامس كتفه و تنفخ خده بهبة من مناخيره - عندئذ فقط يتيقن بأنه ليس في منتصف جملة و لكنه وسط الشارع . و حالما يصل منزله يجلس إلى الطاولة و يرتشف شوربة الملفوف بسرعة و يبتلع بعض اللحم و البصل ، من غير أن يتذوق أي شيء على الإطلاق و يسمر كل شيء بداخله ، مع كل ما يهبه المولى جل وعلا في ذلك الوقت ، بما في ذلك الذباب . و عندما يشعر بأن معدته بدأت تنتفخ يقوم من الطاولة، و يحضر محبرته و يبدأ في نسخ الوثائق التي أحضرها معه . فإذا لم يكن لديه عمل من المكتب ، يقوم بنسخ شيء آخر ، لمتعته الشخصية - خصوصا إذا كانت الوثيقة المعنية لا تمتاز بجمال أسلوبها و إنما لكونها معنونة إلى شخص حديث التعيين أو شخص ذي أهمية .


حتى في ذلك الوقت من النهار عندما يخبو الضوء تماما من سماء سان بطرسبرج الرمادية وعندما يفرغ جميع الكتبة من تناول طعامهم حتى الشبع ، كل حسب مرتبه و ذوقه : و عندما يخلد الجميع إلى الراحة من عناء النسخ و العمل المضني ، عندما يتم نسيان جهده المضني وجهد غيره الذي لا يستغنى عنه - و كذلك جميع الأشياء الأخرى التي يندر الإنسان القلق نفسه على القيام بها من تلقاء نفسه و بمحض إرادته - و أحيانا حتى أكثر مما هو حقا ضروري ، فعندما يخرج موظف الحكومة المدني مسرعا ليستمتع بساعات الحرية المتبقية بقدر ما يستطيع ( فالمرء يظهر قدرا أكبر من روح الشجاعة بتوجهه إلى المسرح ؛ و آخر من خلال التسكع في الشوارع ليمضي وقته في النظر إلى القبعات الرخيصة في نوافذ العرض في المحلات التجارية ؛ و آخر بالذهاب إلى الحفلات لإضاعة وقته في تملق فتاة جميلة ، الضوء المضيء لدائرة صغيرة من الموظفين المدنيين ؛ بينما آخر - وهذا يحدث غالبا - يقوم بزيارة صديق من المكتب يسكن في الدور الثاني أو الثالث في غرفتين صغيرتين و صالة و مطبخ ومع بعض ادعاءات مسايرة الموضة على شكل مصباح أو بعض الأشياء التافهة الصغيرة التي تكلف الكثير من التضحيات ، رفض دعوات العشاء أو قضاء وقت في الريف ) ؛ باختصار ، في ذلك الوقت عندما يتفرق جميع الموظفين المدنيين إلى شقق أصدقائهم الصغيرة للعبة ورق ورشف الشاي من الأكواب و تناول قليل من البسكويت و تدخين غلايينهم الطويلة ، و أثناء توزيع الورق يقومون برواية تفاصيل آخر فضيحة حدثت في المجتمع المخملي - لا يستطيع الإنسان الروسي مقاومة الحكايات على الإطلاق ؛ و عندما لا يجدون جديداً للتحدث فيه ، فإنهم يعيدون النوادر القديمة حول القائد الذي قيل له بأن ذيل حصان تمثال بطرس الأكبر لفلوكونيه قد قطع ؛ باختصار ، فعندما يبذل كل امرئ جهده ليتسلى فإن أكاكي أكاكيفيتش لم يتخل عن نفسه إلى أي من هذه التسليات .


لا يستطيع أحد أن يتذكر أن شاهده في حفلة . فبعد أن يكتفي و يبلغ مداه من النسخ يخلد إلى المنام، مبتسماً في انتظار اليوم التالي و ما سيرسله الله له لينسخه. و هكذا مضت الحياة غير الحافلة لرجل قانع تماما بروبلاته الأربعمائة في العام ؛ و قد تمضي هذه الحياة بسلام حتى يبلغ المشيب لولا عدد من المصائب كانت في انتظار ليس المستشارين الفخريين فحسب ولكن حتى مستشاري القيصر و الدولة و المحاكم و جميع أنواع المستشارين حتى أولئك الذين لا يدلون باستشاراتهم لأحد أو لا يأخذونها من أحد.


و تحتضن سان بطرسبرج عدوا رهيبا لجميع أولئك الذين يكسبون أربعمائة روبل أو ما يقارب في العام . و هذا العدو ليس سوى صقيعنا الشمالي ، مع آن البعض من الناس يقول أنه مفيد للصحة. فبين الساعة الثامنة و التاسعة صباحا في الوقت الذي تكتظ فيه الشوارع بموظفي الحكومة المدنيين في طريقهم إلى مكاتبهم ، يبدأ بتوزيع وخزاته الحادة بلا تمييز على الأنوف من كل صنف لدرجة أن الكتبة المساكين لا يعلمون أين يضعونها.


ففي مثل هذا الوقت من النهار ، عندما يصيب الألم جباه حتى المهمين من المسئولين بسبب الصقيع و تنهمر الدموع من أعينهم ، فالمستشارون بالاسم فقط الأقل درجة يكونون في بعض الأحيان عديمي المقاومة تماما. فإنقاذهم الوحيد يكمن في جريهم مسافة خمسة أو ستة شوارع بأكملها في معاطفهم الرقيقة البائسة وبعد ذلك يقومون بدق أقدامهم بقوة لتدفئة أنفسهم في الردهة حتى يسترجعوا جميع ملكاتهم الحسية المتجمدة لتذوب استعداداً للعمل المكتبي . ولفترة من الزمن كان أكاكي أكاكيفيتش يشعر بآلام مبرحة في ظهره و كتفيه مهما حاول أن يجري المسافة الرسمية بين المنزل و المكتب. وبعد مدة طويلة بدأ يتساءل فيما إذا كان معطفه سبب هذه العلة.

وبعد قيامه بإجراء فحص شامل عليه في البيت تبين له أنه في موضعين أو ثلاثة مواضع -على وجه الدقة، على الظهر و حول الكتفين - فقد اصبح شبيها الآن بقطعة قماش جبن سميكة بليت لدرجة النعومة و غدت شفافة تقريبا و تمزقت البطانة إلى عدة قطع.


و الآن لابد لنا أن نبين أن معطف أكاكي أكاكيفيتش كانت النكتة الدائمة في المكتب. فقد حرم من مكانة المعطف و أطلق عليه "روب دي شامبر " بدلا من ذلك. فهناك حقا شيء مثير للاستغراب فيما يتعلق بالطريقة التي صنع بها المعطف. فبمرور السنين تقلصت الياقة شيئا فشيئا ، لأن قماشها كان يستخدم لترقيع أجزاء أخرى من المعطف. فهذه التصليحات لم تكن تشير أبدا إلى وجود يدي خياط، وجعلت من المعطف يبدو فضفاضا و قبيحا. وعندما تبين له ما حل به ، قرر أكاكي أكاكيفيتش أن يأخذ المعطف إلى بتروفيتش ، خياط يقيم في مكان ما في الطابق الثالث من سلالم خلفية ، الذي بالرغم من كونه ضرير في إحدى عينيه و على وجهه آثار جدري، فقد كان يقوم بتجارة صغيرة تتمثل في إجراء تصليحات على معاطف موظفي الحكومة و سراويل و سترات الرجال - عندما لا يكون بالطبع تحت تأثير الخمر وليس في وضع يفكر في تدبير مؤامرة ما.


بالطبع ، ليس من المجدي في هذا الموضع أن نضيع وقتنا بوصف هذا الخياط ، و حيث أنه أصبح من المقبول إعطاء تفاصيل كاملة عن كل شخصية في أية قصة ، فلذا لا بد لنا من إلقاء نظرة على هذا الرجل المدعو بتروفيتش .


في البداية كان يدعى مجرد جريجوري و كان عبدا مملوكا لسيد أو آخر. وبدأ الناس يطلقون عليه بتروفيتش بعد أن نال حريته ، و منذ تلك اللحظة بدأ يشرب كثيراً في أيام العطل الكنسية في البداية فقط في أكثر الأعياد أهمية ، لكنه فيما بعد كان يشرب في كل عطلة مؤشر عليها بعلامة الصليب في التقويم. و في هذا الخصوص فقد كان وفيا لتقاليد السلف ، فعندما ينشب شجار بينه و بين زوجته حول هذا كان يناديها بامرأة دنيوية و ألمانية.


و حيث أننا الآن أوردنا زوجته فلا بد لنا أن نذكر شيئا بصددها. لسوء الطالع ، لا يعرف عنها إلا النزر اليسير سوى أنها زوجة بتروفيتش و أنها كانت ترتدي قبعة بدلا من شال. و من الجلي فليس لديها ما تفتخر به فيما يتعلق بمظهرها. على الأقل لم يكن هناك سوى الحراس الذين عرفوا بأنهم كانوا يختلسون النظرات أسفل قبعتها و يقرضون شواربهم و يصدرون أصواتا غريبة صادرة من حناجرهم.


(2)


و بينما كان يشق طريقه أعلى السلالم إلى محل بيتروفيتش ( لكي نصف هذه السلالم بدقة ، لا بد أن نبين أنها كانت عبارة عن منزلقات يجري منها الماء ، و كانت مشبعة بروائح قوية من الكحول تؤلم العيون و هي مظهر دائم للسلالم الخلفية في بطرسبرج ) بدأ أكاكي أكاكيفيتش يتساءل بالفعل كم سيطلب منه بيتروفيتش أجرا وبدأ يعقد العزم على أن لا يدفع أكثر من روبلين إثنين. ترك الباب على مصراعيه حيث أن زوجته كانت تقوم بقلي نوع ما من السمك وخلفت وراءها كمية كبيرة من الدخان في المطبخ لدرجة أنها جعلت حتى الصراصير تخرج من شقوقها.


لم تستطع السيدة بتروفيتش ملاحظة أكاكي أكاكيفيتش بينما كان يمرق من المطبخ ليدخل أخيرا غرفة حيث كان بتروفيتش يربض على لوح خشبي ، طاولة خشبية عارية ، و رجلاه إلى الأسفل منه كأحد الباشوات الأتراك. و كعادة الخياطين فقد كان يعمل حافي القدمين. و أول ما لفت نظر أكاكي هو إصبع القدم الضخم المشوه الظفر و السميك و الخشن كعظم ظهر السلحفاة. وتتدلى حول عنقه شلة من خيوط الحرير و على حضنه تترامى بعض الخرق البالية. و في الدقيقتين أو الثلاث الماضية كان يبذل محاولات لشك خيط في إبرة دون أن يحالفه النجاح مما جعله يلعن النور الخافت و حتى الخيط نفسه. و كان يتذمر و هو يتنفس. " لماذا لا تخترق أيها الخنزير! ستتسبب في موتي ، أيها الشيطان".


لم يكن أكاكي أكاكيفيتش في حالة من الانشراح و السعادة عندما وجد بتروفيتش في مثل هذا المزاج ؛ كان هدفه الحقيقي هو أن يوصي بتروفيتش للقيام بعمل بعد أن يفرغ من معاقرة الشراب، أو على حد تعبير زوجته "بعد أن يكون قد تجرع براندي الذرة مرة أخرى ، الشيطان الأعور العجوز!"

عندما يكون بتروفيتش عادة في هذا الوضع يصبح سهل الانقياد بدرجة فائقة ، و يوافق إلى حد بعيد على أي ثمن عن طيب خاطر و حتى أنه يعقد الصفقة بانحناءة متمتما عبارات الشكر والامتنان . صحيح أنه بعد ذلك تأتي زوجته و دموعها منهمرة على خديها مرددة نفس الحكاية و هي أن زوجها كان ثملا مرة أخرى و لم يطلب السعر الكافي. و مع ذلك ، فمن أجل كوبك أو اثنين فإن الصفقة كانت تبرم. غير أنه في هذه اللحظة كان بتروفيتش ( أو هكذا بدا) رصينا و لا أثر للخمر عليه ، و نتيجة لذلك كان فظاً و عنيدا و كان في المزاج الرائق ليطلب أعلى سعر ممكن كسعر الشيطان. و عند اكتشافه لهذا الوضع قرر أكاكي أكاكيفيتش أن ينصرف لولا فوات الأوان. كان بتروفيتش قد فتح عينه الوحيدة و هي نصف مغمضة و حملق فيه. ووجد أكاكي أكاكيفيتش نفسه يقول :

"أسعدت صباحاً ، بتروفيتش! "

" أسعدت صباحا ، يا سيدي " ، رد بتروفيتش محملقا في يد أكاكيفيتش ليرى كم من النقود كانت معه.

" لقد .... إر ..... أتيت بشأن ذلك .....بتروفيتش "


يجب على القارئ أن يعلم بأن أكاكي أكاكيفيتش كان يتكلم مستخدما في الأساس حروف الجر والحال كما كان يلجأ إلى أجزاء من الكلام لا معنى لها على الإطلاق. و إذا كان الموضوع معقدا بشكل خاص فإنه كان يترك جملا بأكملها نصف مكتملة، لذا فهو كثيرا ما كان يبدأ كلامه بعبارة " هذا هو حقا بالفعل ما .... " و ينسى بعد ذلك أن يضيف المزيد لاقتناعه بأنه قال كل ما كان يريد أن يقوله.

" ما هذا بحق السماء ! " قال بتروفيتش و هو يتفحص بعينه الوحيدة كل جزء من معطف أكاكي ، بادئا بالياقة و الكمين ، و بعد ذلك الظهر و الذيل و عروات الأزرة. و كل هذا كان شيئا مألوفا لأنه عمله و لكن كل خياط كان يقوم بهذا الفحص عندما يكون لديه زبون.


"لقد إر.. جئت .. بتروفيتش، ذلك المعطف تعرف، القماش ..أنت ترى، إنه قوي جدا في بعض المواضع، فقط مغبر بعض الشيء. و هذا ما يجعله يبدو عتيقا، لكنه في الحقيقة جديد تماما. فقط قليل .. أنت تعلم .. على الظهر و مهتريء على أحد الكتفين، وقليل .. أنت تعرف، على الآخر. فقط عمل صغير .."


أخذ بتروفيتش "الروب دي شامبر" ووضعه على الطاولة، و ألقى عليه نظرة طويلة، و هز رأسه، و مشى إلى عتبة النافذة حيث علبة النشوق المستديرة التي رسمت عليها صورة لجنرال ما- بالتحديد أي واحد من الصعب القول ، لأن أحدهم قد أحدث ثقبا بإصبعه في الموضع الذي يجب أن يكون فيه الرأس و تم لصقه بقطعة مربعة من الورق .


أخذ بتروفيتش قبصة من النشوق ، ورفع المعطف عاليا ليتمكن من رؤيته على ضوء المصباح، ألقى نظرة فاحصة مرة و هز رأسه مرة أخرى أكثر من ذي قبل ، رفع غطاء علبة النشوق ذات صورة الجنرال الملصوقة عليه ، حشا أنفه بالنشوق، أعاد غطاء العلبة إلى موضعه، و وضع العلبة جانبا ، و قال أخيراً :"كلا ، لا أستطيع إصلاح هذا . إنه في حالة سيئة!"

عند سماعه هذه الكلمات غاص قلب أكاكي أكاكيفيتش.


"ولم لا ، بتروفيتش؟" سأله بصوت طفل كله رجاء." إنه مهتريء قليلا فقط عند الكتفين. حقاً بإمكانك ترقيعه بسهولة."


"لدي الكثير من الرقع ، الكثير."، قال بتروفيتش" لكنني لا أستطيع أن أخيطها مع بعضها. فالمعطف مهتريء تماما. فسيتساقط إلى قطع إذا ما لامسته إبرة."


"حسنا ، إذا تساقطت أجزاؤه فبإمكانك ترقيعها مرة أخرى".


" لكنه في حالة متقدمة من الاهتراء. ليس بإمكان الرقع أن تتماسك. من الصعب تسمية هذا بمعطف. هبة ريح واحدة و كل هذه ستتطاير."


"لكن رقعه قليلا فقط. لن ، أن ، حسنا ..."

" أخشى أنني لن أستطيع أن أفعل شيئا، يا سيدي" أجابه بتروفيتش بصلابة. "لقد بلي تماما. من الأفضل لك أن تقطعه إربا لفصل الشتاء و تجعل منه أغطية للسيقان لأن الجوارب لا نفع منها في شتاء شديد البرودة. لقد اخترعها الألمان ظنا منهم أنهم سيكسبون الكثير من ورائها." (كان بتروفيتش يجد متعة في السخرية من الألمان.)"أما فيما يتعلق بالمعطف ، فإنه يتوجب عليك أن تمتلك معطفا جديداً ، يا سيدي."


كلمة "جديداً" غشيت عيني أكاكي بسحابة و بدأ كل ما في الغرفة يدور من حوله. فكل ما يستطيع رؤيته بوضوح كان فقط وجه الجنرال الملصوق عليه ورقة لتغطيه على علبة نشوق بتروفيتش.


"ماذا تعني ، بمعطف جديد؟" قال كمن هو في حلم. " ليس لدي أي مال."

"نعم ، يجب أن يكون لك معطف جديد"، قالها بتروفيتش بصوت فض ينبيء عن عدم وجود أية رابطة إنسانية.

"حسنا ، لو كان لدي معطف جديد، كيف لي ، أقصد أن أقول ، إم ...؟"

"تقصد ، كم سيكلف؟"

"نعم."

" يمكنك أن تقدر ذلك بثلاث ورقات من فئة خمسين روبل أو أكثر"، قال بتروفيتش زاماً شفتيه بطريقة درامية. كان يميل إلى المؤثرات الدرامية القوية كما كان يهوى إبداء بعض الملاحظات التي من شأنها أن تروع السامع و بعد ذلك مراقبة تأثيرها من طرف عينه على تعبيرات الشخص الآخر.

"مائة و خمسون روبلا لمعطف !" صرخ المسكين أكاكي ربما للمرة الأولى في حياته - كان معروفا عنه ما اشتهر به من صوت خافت.

"نعم ، يا سيدي" رد بتروفيتش. "و حتى ذلك لن يكون الشيء الكثير لتكتب عنه إلى أهلك. فإذا أردت ياقة من الفراء و بطانة من الحرير لغطاء الرأس فإن ذلك سيكلفك ما يقارب مائتي روبل"

"بتروفيتش ، أرجوك" قالها أكاكي متوسلا ، دون أن يسمع ، أو على الأقل محاولا أن لا يسمع نطق بتروفيتش الدرامي ، " فقط اعمل ما تستطيع عمله بالمعطف ، لكي أتمكن من لبسه فترة أطول. "

"أخشى أن هذا لن ينفع. من الأفضل أن لا تضيع وقتك و مالك" أضاف بتروفيتش ، و بهذه الكلمات غادر أكاكي شاعرا بانسحاق تام.


وبعد أن غادر بقي بتروفيتش متمدداً حيث كان لبعض الوقت دون أن يستمر في عمله، و شفتاه مزمومتان بشكل ملفت. شعر بارتياح لعدم تقليله من احترام نفسه أو باقي مهنة صناعة الملابس.


وفي الخارج على قارعة الطريق شعر أكاكي بأنه كان في حلم. "ماذا أصنع الآن؟" قال متسائلا. "لم يخطر على بالي مطلقا أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، طوال عمري.." وبعد صمت قصير أضاف : " حسن و الآن ماذا! إذن هكذا آلت الأمور و لم يخطر لي ببال أنها ستنتهي بهذا الشكل...." واتبع ذلك فترة صمت طويلة و تمتم بعدها قائلاً " هكذا إذن هي الحال! حقاً ، لكي أصدقكم القول، من غير المتوقع أنني سأقوم .... بعمل مثل هذا الشيء!" وبعد أن فرغ من قول هذا، بدلا من أن يتوجه إلى البيت، تمشى على طول الطريق في الاتجاه المعاكس ناسيا ما كان يفعل. و في الطريق احتك به منظف المداخن و سود له كتفه بأكمله. وبعد ذلك سقطت عليه من أعلى المنزل الذي يبنى كمية من الليمون تملأ قبعة. و حتى هذا كان أعمى حياله أيضا ، فقط عندما اصطدم برجل شرطة و رفع مطرده في وجهه و رشه ببعض النشوق كان قد أخرجه من قرن صغير على قبضته المليئة بالثواليل عندها عاد إلى رشده، و عندها فقط لأن رجل الشرطة قال :

" أليس الطوار من الاتساع بحيث لا يجعلك تحبو إلى أعلى أنفي؟"

هنا استيقظ أكاكي و عاد إلى حواسه و تمشى في اتجاه منزله.

ولم يستطع جمع أفكاره قبل وصوله إلى هناك لتقييم الوضع. و بدأ يحدث نفسه ، ليس بجمل متقطعة ، ولكن بطريقة عقلانية و صريحة ، كما لو كان يناقش ما حصل مع صديق عاقل يتمتع بثقته عندما يتعلق الأمر بأشياء حميمة للغاية.


"كلا ، أرى أنه من المستحيل التحدث إلى بتروفيتش الآن. إنه قليل... ويبدو أن زوجته تسيطر عليه تماما . من المستحسن لي أنتظر حتى صباح الأحد . فبعد أن يهجع ليلة السبت من تأثير الخمر سيبدأ فاتحا عينه بنصف تغميضة و سيكون في أمس الحاجة إلى شراب ليتخلص من وجع الرأس. و لكن زوجته لن تعطيه شيئا من النقود ، لذا سأصل أنا و معي بعض المال. وهذا سيلين من صلابته، كما تعلم ، و معطفي ..."


شعر أكاكي أكاكيفيتش بارتياح لهذا التفكير ، و منتظرا حتى أن يأتي يوم الأحد ذهب مباشرة إلى محل بتروفيتش. و لمح زوجة بتروفيتش تغادر المنزل عن بعد. و كما توقع ، بعد ليلة السبت ، فقد كانت عين بتروفيتش نصف مفتوحة ، و هاهو ، و رأسه متدل و يكاد يسقط على الأرض و يبدو عليه النعاس الشديد. و مع ذلك فما أن رأى أكاكي يدخل حتى استيقظ كما لو أن الشيطان ركله ركلة حادة.


" من المستحيل ، يجب أن تفصل لك معطفا جديدا." و في هذه اللحظة ألقى أكاكي أكاكيفيتش قطعة معدنية من فئة عشرة كوبكات في كفه.

"شكرا ، يا سيدي . سأتناول شرابا منعشا على حسابك" ، قال بتروفيتش. " و لن أقلق بالنسبة للمعطف لو كنت مكانك. إنه لا يصلح على الإطلاق. سأخيط لك معطفا عجيبا و جديدا. دعنا نترك الأمر عند هذا الحد."


حاول أكاكي أكاكيفيتش أن يقول شيئا حول تصليحه غير أن بتروفيتش تظاهر بعدم سماعه وأردف قائلا:

" لا تقلق سأعمل لك معطفا جديدا ، يمكنك الاعتماد علي في القيام بعمل جيد. و حتى أنني ربما أحصل على مشابك فضية للياقة، كالتي يلبسونها هذه الأيام."


و الآن تيقن أكاكي أكاكيفيتش بأنه لا بد أن يشتري معطفا جديدا و غاص قلبه. من أين ستأتي بالنقود؟ بالطبع بإمكانه أن يعتمد على مكافأة الإجازة. لكن هذه قد وضعت جانبا من أجل شيء آخر منذ فترة طويلة. كان بحاجة إلى سراويل جديدة ، و كان هناك الدين القائم لصانع الأحذية الذي يجب أن يسدده لقيامه بوضع رقبة جديدة لحذائه الطويل. و كانت هناك أيضا ثلاثة قمصان كان عليه أن يطلبها من الخياطة ، إضافة إلى قطعتين من الملابس الداخلية لا يمكن ذكرها هنا من باب الحشمة و اللياقة. و لأجل اختصار قصة طويلة ، نقول أن كل نقوده محجوزة ولن يكون لديه ما يكفي حتى لو كان مديره كريما معه ليزيد مكافأته بمقدار خمسة وأربعين أو حتى خمسين روبلا. و ما تبقى إلا الفتات ، و فيما يخص تمويل المعطف ، مجرد قطرة في المحيط. كما كان يعلم جيدا بأن بتروفيتش كان سيقرر فجأة بأن يتقاضى أعلى ثمن ممكن ، حتى لن يكون بمقدار زوجته أن تقول عنه :

" هل جن ، هذا المخبول العجوز! يوما ما سيعمل في مقابل لا شيء، و الآن يجعله الشيطان يتقاضى أقل مما يسوى هو نفسه!"


كان يعلم جيدا بأن بتروفيتش سيفرض عليه ثمانين روبلا؛ لكن يبقى السؤال من أن أين له أن يأتي بهذا المبلغ؟


مقابل كل روبل كان أكاكي أكاكيفيتش يصرفه ، كان يدخر نصف كوبك في صندوق صغير كانت به فتحة ضيقة من أجل وضع النقود و كان يحفظ مقفلا. وكان يقوم كل ستة أشهر بجمع ما ادخر و يستبدله بقطع فضية. وكان يقوم بهذا منذ فترة طويلة . لذا فإن لديه نصف المبلغ ولكن أنى له بالباقي؟


فكر أكاكي أكاكيفيتش ملياً ، وقرر أخيراً بأنه لا بد أن يخفض من مصروفه اليومي ، لمدة سنة على الأقل : يتوجب عليه أن يتوقف عن شرب الشاي في المساء ، أن يعيش بدون شمعة ؛ وإذا كان عليه أن يقوم بنسخ شيء ، فليذهب إلى مالكة الدار و يعمل هناك. و كان عليه أن يطأ الأرض بخفة كل ما أمكن ذلك فوق بلاط الطريق - كأن يمشي على أطراف أصابعه - ليوفر نعلي حذائه ؛ و أن يتجنب أخذ غسيله إلى الغسالة كل ما أمكن ذلك ، و أن يجعل ملابسه الداخلية تدوم فترة أطول ، يخلعها عندما يعود إلى المنزل في المساء و يبقى في "الروب دي شمبر" القطني السميك و هو قطعة أثرية عاملها الزمن برفق و حنان. بصراحة ، وجد أكاكي أكاكيفيتش هذا الحرمان عبء ثقيل لكنه سرعان ما وطن نفسه على العيش بدون مأكل طوال فترات المساء ، حيث أن مأكله كان روحياً ، وكانت أفكاره منصبة على المعطف الذي سيتملكه يوما ما. و منذ تلك اللحظة أصبحت حياته أكثر ثراء كما لو كان قد تزوج و كان بصحبته إنسان آخر. كان كمن لم يكن بمفرده على الإطلاق ولكن رفيقا لطيفا وافق أن يرافقه في مشوار حياته ، و لم يكن هذا الرفيق سوى المعطف ذو اللبادات الصوفية السميكة و البطانة القوية التي صنعت لتبقى العمر كله. لقد أفعم بالحياة ، و كرجل صاحب هدف ، أصبح أكثر تصميما.


لقد اختفت الحيرة و التردد ، باختصار ، ذلك الجانب الغامض و المتلكئ من شخصيته ، من تلقاء نفسها . ففي بعض الأحيان كانت تضيء نار في عينيه ، حتى أن أفكاراً جريئة مثل : " و الآن ماذا لو أصبحت لدي ياقة من فراء الدلق " كانت تمر بخاطره.


جميع هذه الأفكار كانت تقريبا تدور في مخيلته. و في إحدى المرات كاد أن يرتكب خطأ نسخ لدرجة أنه كاد أن يصرخ "آخ !" و رسم علامة الصليب على نفسه. و كان يذهب مرة في الشهر على الأقل إلى بتروفيتش ليرى أين وصل المعطف و يستفهم عن أفضل محل لبيع القماش ، و أي لون يجب عليهم اختياره، وأي سعر يجب عليهم دفعه . ومع أنه كان قلقا بعض الشيء ، إلا أنه كان يعود إلى المنزل قانعاً ، مفكرا في ذلك اليوم عندما يتم شراء كل القماش و يكون المعطف جاهزا. و تطورت الأمور إلى أسرع مما كان يأمل. فقد منح المدير أكاكي أكاكيفيتش علاوة ليس مقدارها خمسة و أربعين ، و لكن ستين روبلا كاملا علاوة إضافية كانت فوق توقعاته الوحشية. و سواء كان ذلك بسبب إحساس داخلي بأنه كان بحاجة إلى المعطف أو أنه كان مجرد صدفة ، وجد أكاكي أكاكيفيتش لديه مبلغ عشرين روبلا إضافياً. و نتيجة لهذا فقد مضت الأمور بشكل أسرع مما كانت عليه. فبعد شهرين أو ثلاثة شهور من المجاعة المعتدلة، فقد استطاع أكاكي أكاكيفيتش أن يوفر ثمانين روبلا. فقلبه الذي كان يضرب عادة ضربات منتظمة ، بدا يخفق بسرعة. و في اليوم التالي خرج مع بتروفيتش ليتسوقا. و ابتاعا قماشا من النوع الجيد، فلا عجب فقد كان لا يمر شهر دون أن يتناقشا حوله ، كما كانا طوال الأشهر الستة الماضية يقومان بزيارات لجميع المتاجر لأجل مقارنة الأسعار. و ما هو أكثر من ذلك حتى بتروفيتش قال له بأنه لن يكون بإمكانه شراء أفضل مما اشترى في أي مكان. و للبطانة فقد اختارا قماشا من النوع الخام ، حيث أن الخام كان قويا و من النوع الجيد، و أنه ، حسب رأي بتروفيتش ، كان أفضل من الحرير و كان له ملمس و شكل أفضل.


لم يبتاعا فراء الدلق من أجل الياقة لأن ذلك كان حقاً باهظ الثمن ، و بدلا من ذلك استقرا على فرو قطة ، من أجود الأنواع التي وجداها في المحلات و التي يمكن أن يحسبها المرء خطأ عن بعد فراء الدلق. و مجمل القول فقد تطلب العمل من بتروفيتش مدة أسبوعين حيث استدعى العمل وضع كمادات و إن كان قد فرغ من عمله في فترة أقصر بكثير. و قد طلب منه بتروفيتش إثنا عشر روبلا - لأنه كان من المستحيل أن يتقاضى أقل من هذا المبلغ. فقد استخدم خيوطا من الحرير في كل مكان ، و كانت كل الدرزات مزدوجة و صغيرة للغاية ، وفوق ذلك فقد مر عليها بأسنانه ليعطيها أشكالا مختلفة.




(3)

</