سرد الأمة لـ هومي بابا: الأمم مثل السرديات تفقد جذورها في اساطير الزمن


الامم مثل السرديات تفقد جذورها في اساطير الزمن، لكنها تدرك افاقها تماما عندما تنظر اليها بعين العقل. ان الصورة المتخيلة عن الامة او السردية قد تبدو لا معقولة في رومانسيتها، كما تبدو استعارية بطريقة مفرطة، لكنها ،من خلال التقاليد المألوفة في الفكر السياسي وفي اللغة الادبية في الغرب تبزغ الامة كفكرة تاريخية طاغية. وهي فكرة تكمن املاءاتها الثقافية في مفهوم الوحدة غير الممكنة للامة كقوة رمزية. ولا يعني هذا الطرح انكار المحاولة التي تضطلع بها الحوارات الوطنية بإصرار من اجل اظهار فكرة الامة على انها سردية متواصلة من التقدم الوطني، من انتاج الذات بطريقة نرجسية، ومن التجذر الموغل في العمق لجماعة بشرية ما. كما ان مثل هذه الافكار السياسية لم يتم ابطالها تماما من قبل الواقعيات الجديدة كالدولية «سياسة التعاون بين الدول وخصوصا في المجالين السياسي والاقتصادي» والوطنية المتعددة، او حتى الرأسمالية المتأخرة، اذا ما اعترفنا ان البلاغة المنمقة لهذه الاصطلاحات الكونية قد كتبت، في الغالب، بلغة خطابية قوية يمكن لكل امة ان تستخدمها ضمن فضاء نفوذها الخاص. ما اريد التأكيد عليه من خلال التعرض للصورة المتخيلة الكبيرة للامة التي بدأت بها مقالتي والتي بالكاد تلامس اعتاب الشعور، هي تلك الازدواجية التي تختلط بمفهوم الامة، تلك اللغة التي يستخدمها من يكتب عن مفهوم الامة وعن حياة اولئك الذين يعيشون هذا المفهوم. وهي ازدواجية تنبجس من ادراك متنامٍ بأن الزمن الثقافي للامة، هو الذي يصوغ واقعية اجتماعية ذات طابع انتقالي. لقد عبّد بندكت اندرسون «benedict anderson» الطريق في كتابه الموسوم «المجتمعات المتخيلة» «imagined communities» وبطريقة معنوية فاعلة عندما عبر عن ازدواجية الامة باسلوب واضح وجلي: ان قرن التنوير، وهو قرن العلمانية المتعقلة، جلب معه سوداويته الحديثة...، وكانت هناك اشياء قليلة تتناسب مع هذه النهاية بدلا من «ان تختتم ببروز مفهوم الامة. فاذا ما اعتبرت الدول الوطنية على انها حديثة وتاريخية، فانها وقد اصطبغت بطابع سياسي دائما تبدو وكأنها منسوجة من ماض سحيق،.... وتنزلق في مستقبل لا حدود له».

هومي بابا: أكاديمي هندي أستاذ الأدب الأميركي والبريطاني في جامعة هارفرد حيث يرأس مركز الدراسات الإنسانية هناك. برز اسم هومي بابا من خلال طرحه مفهوم "التهجين" لتفسير نشوء أشكال ثقافية جديدة في عالم التعدد الثقافي. أبرز أعماله : أمم ومرويات (1990) - موقع الثقافة (1994) - حول الخيار الثقافي (2000) - حياة جامدة (2004).

ان ما ادعو اليه هو انه لكي نفهم الوطنية، فعلينا ان لا نضعها بموازاة الايديولوجيات السياسية الواعية بذلتها، بل ان نضعها بموازاة المنظومات الثقافية الكبيرة التي سبقت ظهور هذا المفهوم ثم ادت الى ظهوره فيما بعد. ان ظهور الامة كمنظومة لها معنى ثقافي وكحالة ممثلة لحياة اجتماعية، بدلا من كونها مؤسسة حكومية اجتماعية انضباطية، يؤكد على عدم ثبات الحالة المعرفية. فمثلا: ان اهم الادبيات المتعلقة بمفهوم الامة، سواء كانت من نتاج المحافظين اليمينيين او الاحرار الليبراليين، او اليسار الجديد، يبدو انها تتطابق مع الطبيعة المتوترة المزدوجة التي بها يعرف مجتمع الامة. ويمكن اعتبار توصيف مايكل اوكوشوت «michael oakeshott» للدولة الاوروبية الحديثة اهم وصف محافظ يتسم بالذكاء ويظهر الطبيعة الملتبسة للدولة الحديثة. فهو يرى ان فضاء الامة يتشكل من ميول انسانية متنافسة على هيئة مجتمعات «تتجلى في الاقرار بالضوابط الاجتماعية ومواثيق الانضباط العامة»، او في صيغة شمولية «تتجلى في الاعتراف بالاهداف المشتركة وبالمصير المبدئي». وعندما لا تندمج هاتان الصيغتان معا في هوية جديدة، فانهما تبقيان كدوغمائيات «عقائد» متنافسة «تفرض ازدواجية خاصة على جميع مؤسسات الدولة الحديثة، كما تفرض حالة ابهام معينة على المفردات المستخدمة في الحوارات».

وحسب وجهة نظر حنّا أرنت (Arendt Hannah)، فان مجتمع الدولة / الامة في العصر الحديث (يمكن اعتباره بمثابة حقل هجين يثير الفضول، حيث تنتحل فيه المصالح الخاصة لنفسها اهمية وشأنا عاما، فيندمج المجالان الخاص والعام احدهما في الآخر بطريقة متصلة مثيرة للشك، كما تندمج الامواج المتدفقة في العمليات الحياتية بطريقة لا متناهية).

حنّا أرنت

ولا يقل طرح توم نايرن «Tom Nairn» ريبة عمن سواه عندما يصف الامة على انها «منافق عصري»، حيث ان التطور غير السوي للرأسمالية ينتج تقدما ورجعية في آن واحد، كما ينتج العقلانية واللاعقلانية السياسية ضمن صميم الشفرة الوراثية للامة. وهي حقيقة بنيوية خالية من الاستثناءات، وضمن هذا الادراك فانه يمكن وصف الوطنية بطريقة حقيقية لا مجازية بأنها ازدواجية بطبيعتها.

ومهمة هذا الكتاب محاولة استجلاء الحالة التمثيلية الثقافية للطبيعة المزدوجة للمجتمعات الحديثة، فإذا ما عكست الصورة المزدوجة للامة اشكالية في تاريخها الانتقالي او في غموضها المفهومي او في تذبذبها اللغوي، فما تأثير هذا على السرديات والحوارات التي تدل على الشعور بالمواطنة، وعلى المتع الدفينة والدافئة، والفزع غير المألوف من فضاء او جنس «إثنية»الآخر، وعلى الطمأنينة المصاحبة للانتماء الاجتماعي، وعلى الجروح الكامنة للطبقية، وعلى عادات التذوق، والاحساس الطاغي بالانتماء السياسي، وبالشعور بالترتيب الاجتماعي والاحساس الجنسي، وعلى الحمى البيروقراطية والرؤية الرشيدة للمؤسسات، وعلى نوعية العدالة والاحساس بالغبن والحيف، وعلى وهن القانون والعهود بين الناس.

ان بروز العقلانية السياسية للامة في شكل سردية (مثل النصوص المكتوبة، والازاحات الاستعارية، والنصوص المجتزئة والصورة التمثيلية« له تاريخه الخاص به. ولقد اوحت وجهة نظر بنديكت اندرسون «benedict anderso» عن المكان «الفضاء» والزمن المتعلقين بالامم المعاصرة على ان هذه الامم تنغرس في الثقافة السردية لحكاياتها الواقعية، كما كشفت عنها قراءات توم نايرن لارنست باول «ernest powell» عن عنصرية ما بعد الامبريالية التي تقوم على تقديس الرموز، والتي تجلت في تمكنها من غزو شعره الرومانسي الجديد والمحموم. وعندما تواجه الامة كنص مكتوب فإن ذلك سيؤدي الى بروز حالة وقتية من الادراك الثقافي والاجتماعي بما يتوافق مع العملية المنتجة لمعاني النص من خلال التعبير عن الفروق اللغوية، وهي عملية مجتزأة ومحدودة سلفا، وهذا بدوره يتوافق مع مشكلة وقف النقاش، والذي يلعب دورا مبهما في لغة الحوار بالاشارة. ويتحدى هذا المنهج ما تمليه المكونات المعرفية الوطنية «كالتقاليد والشعب ومسوغات الوجود الوطني، والثقافة الراقية، والتي تستمد قيمها التربوية من قيامها بتمثيل الافكار العامة المتواجدة ضمن السرديات التطورية للتواصل التاريخي من املاء تسلطي تقليدي. فالتواريخ التقليدية لا تستسيغ قبول الامة من خلال ما تدعيه لنفسها، ولكنها تفترض ان المشكلة تحدث في معظم الاحيان بسبب تأويل الحوادث ذات الشفافية الخاصة او ذات الظهور المتميز.

ميشال فوكو (1926 - 1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين

ان دراسة الامة من خلال خطابها السردي لا يتطلب فقط الانتباه الى لغتها ومحاسنها اللفظية، بل ان عليها محاولة تغيير الشيء المعرفي ذاته. فاذا ما قامت نهايات النصوص ذات الطبيعة المثيرة للمشاكل، باستجواب الشمولية التي تتصف بها الثقافة الوطنية، فإن المردود الايجابي يتضح في قدرة الدراسة على ابراز التشظي الواسع الذي يمكن من خلاله بناء مجال المعاني والرموز المتصلة بالحياة الوطنية. ويلاقي هذا المشروع بعض الرواج لدى بعض الدوائر النقدية المرتبطة بالدراسات الثقافية. ورغم ما يحوزه هذا المشروع من تقدم ملحوظ، فإن هناك ميلا لقراءة مفهوم الامة بطريقة محددة، اما كجهاز عقائدي يمثل قوة الدولة، حسب ما عرفته على نحو ما، القراءات المتعجلة لفوكو «foucault» او باختين «bakhtin» او بطريقة يوتوبية معكوسة، اي كتعبير مبكر او منبجس عن وجدان الشعوب الوطنية التي تم حفظها في الذاكرة الفطرية.

ولهذه المناهج اهميتها نظرا لقدرتها على لفت انظارنا الى الامور المتوارية ذات الاهمية الكبيرة من الثقافة الوطنية، والتي قد تبرز منها مكونات شعبية وطاقات تحليلية معارضة بديلة - مثل الشباب ووقائع الحياة اليومية والنوستولولجيا والعرقيات الجديدة والحركات الاجتماعية الحديثة وسياسات التفريق. كما تعطي هذه المناهج معانٍ جديدة وتخلق توجهات حديثة لعملية التغيير التاريخي. ان اهم تطور تقدمي لكل موقع من هذه المواقع يتبنى مفهوما استطراديا للايديولوجيا، فالايديولوجيا مثلها مثل اللغة تمت صياغة مفهومها عن طريق التعبير عن العناصر. وكما قال فولوسينوف «volosinov» فان الاشارة الايديولوجية دائما مايكون لها «ألسُن ووجوه متعددة». وفي وطأة حمّى النقاش السياسي تستحيل ازدواجية الاشارة في اغلب الاحوال الى صمت وسكون. ان الوجه المنافق للايديولوجيا عادة ما يؤخذ على انه القيمة الاسمية او المعنى الظاهري الذي ثبت معناه بطريقة محددة في المنطقة الفاصلة بين الايديولوجيا و«الشروط او الظروف المادية».

ويهدف مشروع «الامة والسرد» للكشف عن الوجه المزدوج للغة ذاتها ودوره في بناء الحوارات المنافقة للامة. ويؤدي هذا الى تحويل الإله المالوف المزدوج الوجه الى صورة من الازدواجية الاستثنائية التي تفحص فضاء الامة اثناء عملية التعبير عن عناصرها، حيث يكون للمعاني دور مجتزء نظرا لأنها قد تكون في وسط الحدث، وربما كان التاريخ نصف متكامل او في طريقه للاكتمال، وربما كان لمتخيل السلطة الثقافية وجها مزدوجا لانها ضبطت ملتبسة وهي تقوم بتجهيز خيالها الطاغي. بدون هذا الفهم لتاثير الاداء اللغوي في سرود الامة، فانه من الصعب فهم تلك التعددية التحليلية التي وصفها ادوارد سعيد على انها نمط من الانتباه الواعي الذي يتلاءم والتأثيرات الثقافية للامة. ولكي تبرز الامة كشكل من اشكال التعقيد الثقافي «حسب الفهم الجرامشي» فان عليها ان تكون مندوبا للسرد المنافق الذي يدفع بالثقافة الى اقصى اوضاعها المنتجة باعتبارها قوة اشرافية ممزقة ومنتشرة ومتكاثرة وفي نفس الوقت كقوة منتجة وخلاقة ومندفعة ومرشدة.

لقد كتبت للمشاركين معي في اعداد هذا الكتاب، وكان يخامرني شعور متنام وغير مألوف بان الامة هي واحدة من اهم كيانات النفاق «الازدواجية» الايديولوجي ضمن منظومة الكيانات الثقافية الممثلة للحداثة. وكانت نيتي ان نطور قراءات متعددة تشترك فيها الرؤى المتبصرة لنظريات ما بعد البنيوية للمعارف.

السردية مثل النصوص والحوارات والبيان واللاوعي باعتباره لغة بغرض استثارة ذلك الهامش المزدوج المرتبك للامة. وتستدعي محاولة الكشف عن الشئ الهامشي، في المقام الاول، سواء كان منشؤُها امم ما بعد الامبرالية القديمة «التي تكون العواصم حواضرها»او بالنيابة عن الامم الهامشية التي استقلت حديثا. ولا يجب ان يكون الشئ هامشيا او منتميا الى الاقلية مدعاة للاحتفال او للتبجح اليوتيبي بالهامشية، لكنه يعني تدخلا اكيدا معرقلا في مبررات الحداثة كالتقدم والتجانس والمؤسسات الثقافية والامة المتجذرة والماضي السحيق التي تبرر التسلط وتؤدي الى تطبيق الميول ضمن الثقافات، اما تحت عنوان مصلحة الامة او باسم التفوق الإثني «العرقي». وحسب هذا الفهم، فان المنظور الازدواجي المضاد لاعتبار الامة كسردية، يؤدي الى تشييد التخوم الثقافية للأمة ومن ثم الاعتراف بأن هذه التخوم تتضمن الحدود القصوى للمعاني التي لابد من تجاوزها او مسحها او ترجمتها خلال عملية انتاج الثقافة.

ان ما يوصف بالمحلية في الثقافة الوطنية ليس محددا او وحدويا في ذاته، كما لا يمكن النظر اليه بسهولة على انه الآخر ازاء ما هو خارجه او ما يتعداه. فالحدود ايضا منافقة، ومعضلة ما هو خارج او داخل يجب النظر اليها دائما على انها عملية تهجين، يدمج فيها الافراد الجدد في الجسم السياسي، ومنتجة لمواقع غير مؤهلة للعداء السياسي ولقوى سياسية ممثلة لم تكن في الحسبان.

جاك دريدا (Jacques Derrida) فيلسوف فرنسي من مواليد الجزائر، صاحب نظرية التفكيك

ان خطاب الامة كسردية، يؤكد على اصرارية القوة السياسية والسلطة الثقافية فيما يصفه دريدا على انه الافراط الذي يتعذر اختزاله لسيطرة النحو مقابل علم الدلالة ان مابدا كتأثير لمثل هذه الدلالة غير المكتملة هو في الحقيقة عبارة عن انعطاف للحدود والمحددات باتجاه الفضاءات البينية التي يتم من خلالها التفاوض على معاني السلطات الثقافية والسياسية. ومن خلال هذه المواقف السردية بين الثقافة والأمة، وبين النظريات والنصوص وبين السياسية والشعر وفنون الرسم، وبين الماضي والحاضر، يحاول كتاب الامة والسرد التأكيد على الترويج لعقيدة فرانز فانون (Frantz Fanon) الثورية الموسومة بـ (الادراك الوطني، وهو شيء مختلف عن الوطنية، لكنها الشيء الوحيد الذي سيعطينا بعداً عالمياً).

فرانز عمر فانون (20 يوليو 1925 - 6 ديسمبر 1961) طبيب نفسانيّ وفيلسوف اجتماعي