سرد الأمة لـ هومي بابا: الأمم مثل السرديات تفقد جذورها في اساطير الزمن


الامم مثل السرديات تفقد جذورها في اساطير الزمن، لكنها تدرك افاقها تماما عندما تنظر اليها بعين العقل. ان الصورة المتخيلة عن الامة او السردية قد تبدو لا معقولة في رومانسيتها، كما تبدو استعارية بطريقة مفرطة، لكنها ،من خلال التقاليد المألوفة في الفكر السياسي وفي اللغة الادبية في الغرب تبزغ الامة كفكرة تاريخية طاغية. وهي فكرة تكمن املاءاتها الثقافية في مفهوم الوحدة غير الممكنة للامة كقوة رمزية. ولا يعني هذا الطرح انكار المحاولة التي تضطلع بها الحوارات الوطنية بإصرار من اجل اظهار فكرة الامة على انها سردية متواصلة من التقدم الوطني، من انتاج الذات بطريقة نرجسية، ومن التجذر الموغل في العمق لجماعة بشرية ما. كما ان مثل هذه الافكار السياسية لم يتم ابطالها تماما من قبل الواقعيات الجديدة كالدولية «سياسة التعاون بين الدول وخصوصا في المجالين السياسي والاقتصادي» والوطنية المتعددة، او حتى الرأسمالية المتأخرة، اذا ما اعترفنا ان البلاغة المنمقة لهذه الاصطلاحات الكونية قد كتبت، في الغالب، بلغة خطابية قوية يمكن لكل امة ان تستخدمها ضمن فضاء نفوذها الخاص. ما اريد التأكيد عليه من خلال التعرض للصورة المتخيلة الكبيرة للامة التي بدأت بها مقالتي والتي بالكاد تلامس اعتاب الشعور، هي تلك الازدواجية التي تختلط بمفهوم الامة، تلك اللغة التي يستخدمها من يكتب عن مفهوم الامة وعن حياة اولئك الذين يعيشون هذا المفهوم. وهي ازدواجية تنبجس من ادراك متنامٍ بأن الزمن الثقافي للامة، هو الذي يصوغ واقعية اجتماعية ذات طابع انتقالي. لقد عبّد بندكت اندرسون «benedict anderson» الطريق في كتابه الموسوم «المجتمعات المتخيلة» «imagined communities» وبطريقة معنوية فاعلة عندما عبر عن ازدواجية الامة باسلوب واضح وجلي: ان قرن التنوير، وهو قرن العلمانية المتعقلة، جلب معه سوداويته الحديثة...، وكانت هناك اشياء قليلة تتناسب مع هذه النهاية بدلا من «ان تختتم ببروز مفهوم الامة. فاذا ما اعتبرت الدول الوطنية على انها حديثة وتاريخية، فانها وقد اصطبغت بطابع سياسي دائما تبدو وكأنها منسوجة من ماض سحيق،.... وتنزلق في مستقبل لا حدود له».

ان ما ادعو اليه هو انه لكي نفهم الوطنية، فعلينا ان لا نضعها بموازاة الايديولوجيات السياسية الواعية بذلتها، بل ان نضعها بموازاة المنظومات الثقافية الكبيرة التي سبقت ظهور هذا المفهوم ثم ادت الى ظهوره فيما بعد. ان ظهور الامة كمنظومة لها معنى ثقافي وكحالة ممثلة لحياة اجتماعية، بدلا من كونها مؤسسة حكومية اجتماعية انضباطية، يؤكد على عدم ثبات الحالة المعرفية. فمثلا: ان اهم الادبيات المتعلقة بمفهوم الامة، سواء كانت من نتاج المحافظين اليمينيين او الاحرار الليبراليين، او اليسار الجديد، يبدو انها تتطابق مع الطبيعة المتوترة المزدوجة التي بها يعرف مجتمع الامة. ويمكن اعتبار توصيف مايكل اوكوشوت «michael oakeshott» للدولة الاوروبية الحديثة اهم وصف محافظ يتسم بالذكاء ويظهر الطبيعة الملتبسة للدولة الحديثة. فهو يرى ان فضاء الامة يتشكل من ميول انسانية متنافسة على هيئة مجتمعات «تتجلى في الاقرار بالضوابط الاجتماعية ومواثيق الانضباط العامة»، او في صيغة شمولية «تتجلى في الاعتراف بالاهداف المشتركة وبالمصير المبدئي». وعندما لا تندمج هاتان الصيغتان معا في هوية جديدة، فانهما تبقيان كدوغمائيات «عقائد» متنافسة «تفرض ازدواجية خاصة على جميع مؤسسات الدولة الحديثة، كما تفرض حالة ابهام معينة على المفردات المستخدمة في الحوارات».

وحسب وجهة نظر حنّا أرنت (Arendt Hannah)، فان مجتمع الدولة / الامة في العصر الحديث (يمكن اعتباره بمثابة حقل هجين يثير الفضول، حيث تنتحل فيه المصالح الخاصة لنفسها اهمية وشأنا عاما، فيندمج المجالان الخاص والعام احدهما في الآخر بطريقة متصلة مثيرة للشك، كما تندمج الامواج المتدفقة في العمليات الحياتية بطريقة لا متناهية).

ولا يقل طرح توم نايرن «Tom Nairn» ريبة عمن سواه عندما يصف الامة على انها «منافق عصري»، حيث ان التطور غير السوي للرأسمالية ينتج تقدما ورجعية في آن واحد، كما ينتج العقلانية واللاعقلانية السياسية ضمن صميم الشفرة الوراثية للامة. وهي حقيقة بنيوية خالية من الاستثناءات، وضمن هذا الادراك فانه يمكن وصف الوطنية بطريقة حقيقية لا مجازية بأنها ازدواجية بطبيعتها.

ومهمة هذا الكتاب محاولة استجلاء الحالة التمثيلية الثقافية للطبيعة المزدوجة للمجتمعات الحديثة، فإذا ما عكست الصورة المزدوجة للامة اشكالية في تاريخها الانتقالي او في غموضها المفهومي او في تذبذبها اللغوي، فما تأثير هذا على السرديات والحوارات التي تدل على الشعور بالمواطنة، وعلى المتع الدفينة والدافئة، والفزع غير المألوف من فضاء او جنس «إثنية»الآخر، وعلى الطمأنينة المصاحبة للانتماء الاجتماعي، وعلى الجروح الكامنة للطبقية، وعلى عادات التذوق، والاحساس الطاغي بالانتماء السياسي، وبالشعور بالترتيب الاجتماعي والاحساس الجنسي، وعلى الحمى البيروقراطية والرؤية الرشيدة للمؤسسات، وعلى نوعية العدالة والاحساس بالغبن والحيف، وعلى وهن القانون والعهود بين الناس.

ان بروز العقلانية السياسية للامة في شكل سردية (مثل النصوص المكتوبة، والازاحات الاستعارية، والنصوص المجتزئة والصورة التمثيلية« له تاريخه الخاص به. ولقد اوحت وجهة نظر بنديكت اندرسون «benedict anderso» عن المكان «الفضاء» والزمن المتعلقين بالامم المعاصرة على ان هذه الامم تنغرس في الثقافة السردية لحكاياتها الواقعية، كما كشفت عنها قراءات توم نايرن لارنست باول «ernest powell» عن عنصرية ما بعد الامبريالية التي تقوم على تقديس الرموز، والتي تجلت في تمكنها من غزو شعره الرومانسي الجديد والمحموم. وعندما تواجه الامة كنص مكتوب فإن ذلك سيؤدي الى بروز حالة وقتية من الادراك الثقافي والاجتماعي بما يتوافق مع العملية المنتجة لمعاني النص من خلال التعبير عن الفروق اللغوية، وهي عملية مجتزأة ومحدودة سلفا، وهذا بدوره يتوافق مع مشكلة وقف النقاش، والذي يلعب دورا مبهما في لغة الحوار بالاشارة. ويتحدى هذا المنهج ما تمليه المكونات المعرفية الوطنية «كالتقاليد والشعب ومسوغات الوجود الوطني، والثقافة الراقية، والتي تستمد قيمها التربوية من قيامها بتمثيل الافكار العامة المتواجدة ضمن السرديات التطورية للتواصل التاريخي من املاء تسلطي تقليدي. فالتواريخ التقليدية لا تستسيغ قبول الامة من خلال ما تدعيه لنفسها، ولكنها تفترض ان المشكلة تحدث في معظم الاحيان بسبب تأويل الحوادث ذات الشفافية الخاصة او ذات الظهور المتميز.

ان دراسة الامة من خلال خطابها السردي لا يتطلب فقط الانتباه الى لغتها ومحاسنها اللفظية، بل ان عليها محاولة تغيير الشيء المعرفي ذاته. فاذا ما قامت نهايات النصوص ذات الطبيعة المثيرة للمشاكل، باستجواب الشمولية التي تتصف بها الثقافة الوطنية، فإن المردود الايجابي يتضح في قدرة الدراسة على ابراز التشظي الواسع الذي يمكن من خلاله بناء مجال المعاني والرموز المتصلة بالحياة الوطنية. ويلاقي هذا المشروع بعض الرواج لدى بعض الدوائر النقدية المرتبطة بالدراسات الثقافية. ورغم ما يحوزه هذا المشروع من تقدم ملحوظ، فإن هناك ميلا لقراءة مفهوم الامة بطريقة محددة، اما كجهاز عقائدي يمثل قوة الدولة، حسب ما عرفته على نحو ما، القراءات المتعجلة لفوكو «foucault» او باختين «bakhtin» او بطريقة يوتوبية معكوسة، اي كتعبير مبكر او منبجس عن وجدان الشعوب الوطنية التي تم حفظها في الذاكرة الفطرية.

ولهذه المناهج اهميتها نظرا لقدرتها على لفت انظارنا الى الامور المتوارية ذات الاهمية الكبيرة من الثقافة الوطنية، والتي قد تبرز منها مكونات شعبية وطاقات تحليلية معارضة بديلة - مثل الشباب ووقائع الحياة اليومية والنوستولولجيا والعرقيات الجديدة والحركات الاجتماعية الحديثة وسياسات التفريق. كما تعطي هذه المناهج معانٍ جديدة وتخلق توجهات حديثة لعملية التغيير التاريخي. ان اهم تطور تقدمي لكل موقع من هذه المواقع يتبنى مفهوما استطراديا للايديولوجيا، فالايديولوجيا مثلها مثل اللغة تمت صياغة مفهومها عن طريق التعبير عن العناصر. وكما قال فولوسينوف «volosinov» فان الاشارة الايديولوجية دائما مايكون لها «ألسُن ووجوه متعددة». وفي وطأة حمّى النقاش السياسي تستحيل ازدواجية الاشارة في اغلب الاحوال الى صمت وسكون. ان الوجه المنافق للايديولوجيا عادة ما يؤخذ على انه القيمة الاسمية او المعنى الظاهري الذي ثبت معناه بطريقة محددة في المنطقة الفاصلة بين الايديولوجيا و«الشروط او الظروف المادية».

ويهدف مشروع «الامة والسرد» للكشف عن الوجه المزدوج للغة ذاتها ودوره في بناء الحوارات المنافقة للامة. ويؤدي هذا الى تحويل الإله المالوف المزدوج الوجه الى صورة من الازدواجية الاستثنائية التي تفحص فضاء الامة اثناء عملية التعبير عن عناصرها، حيث يكون للمعاني دور مجتزء نظرا لأنها قد تكون في وسط الحدث، وربما كان التاريخ نصف متكامل او في طريقه للاكتمال، وربما كان لمتخيل السلطة الثقافية وجها مزدوجا لانها ضبطت ملتبسة وهي تقوم بتجهيز خيالها الطاغي. بدون هذا الفهم لتاثير الاداء اللغوي في سرود الامة، فانه من الصعب فهم تلك التعددية التحليلية التي وصفها ادوارد سعيد على انها نمط من الانتباه الواعي الذي يتلاءم والتأثيرات الثقافية للامة. ولكي تبرز الامة كشكل من اشكال التعقيد الثقافي «حسب الفهم الجرامشي» فان عليها ان تكون مندوبا للسرد المنافق الذي يدفع بالثقافة الى اقصى اوضاعها المنتجة باعتبارها قوة اشرافية ممزقة ومنتشرة ومتكاثرة وفي نفس الوقت كقوة منتجة وخلاقة ومندفعة ومرشدة.

لقد كتبت للمشاركين معي في اعداد هذا الكتاب، وكان يخامرني شعور متنام وغير مألوف بان الامة هي واحدة من اهم كيانات النفاق «الازدواجية» الايديولوجي ضمن منظومة الكيانات الثقافية الممثلة للحداثة. وكانت نيتي ان نطور قراءات متعددة تشترك فيها الرؤى المتبصرة لنظريات ما بعد البنيوية للمعارف.

السردية مثل النصوص والحوارات والبيان واللاوعي باعتباره لغة بغرض استثارة ذلك الهامش المزدوج المرتبك للامة. وتستدعي محاولة الكشف عن الشئ الهامشي، في المقام الاول، سواء كان منشؤُها امم ما بعد الامبرالية القديمة «التي تكون العواصم حواضرها»او بالنيابة عن الامم الهامشية التي استقلت حديثا. ولا يجب ان يكون الشئ هامشيا او منتميا الى الاقلية مدعاة للاحتفال او للتبجح اليوتيبي بالهامشية، لكنه يعني تدخلا اكيدا معرقلا في مبررات الحداثة كالتقدم والتجانس والمؤسسات الثقافية والامة المتجذرة والماضي السحيق التي تبرر التسلط وتؤدي الى تطبيق الميول ضمن الثقافات، اما تحت عنوان مصلحة الامة او باسم التفوق الإثني «العرقي». وحسب هذا الفهم، فان المنظور الازدواجي المضاد لاعتبار الامة كسردية، يؤدي الى تشييد التخوم الثقافية للأمة ومن ثم الاعتراف بأن هذه التخوم تتضمن الحدود القصوى للمعاني التي لابد من تجاوزها او مسحها او ترجمتها خلال عملية انتاج الثقافة.

ان ما يوصف بالمحلية في الثقافة الوطنية ليس محددا او وحدويا في ذاته، كما لا يمكن النظر اليه بسهولة على انه الآخر ازاء ما هو خارجه او ما يتعداه. فالحدود ايضا منافقة، ومعضلة ما هو خارج او داخل يجب النظر اليها دائما على انها عملية تهجين، يدمج فيها الافراد الجدد في الجسم السياسي، ومنتجة لمواقع غير مؤهلة للعداء السياسي ولقوى سياسية ممثلة لم تكن في الحسبان.

ان خطاب الامة كسردية، يؤكد على اصرارية القوة السياسية والسلطة الثقافية فيما يصفه دريدا على انه الافراط الذي يتعذر اختزاله لسيطرة النحو مقابل علم الدلالة ان مابدا كتأثير لمثل هذه الدلالة غير المكتملة هو في الحقيقة عبارة عن انعطاف للحدود والمحددات باتجاه الفضاءات البينية التي يتم من خلالها التفاوض على معاني السلطات الثقافية والسياسية. ومن خلال هذه المواقف السردية بين الثقافة والأمة، وبين النظريات والنصوص وبين السياسية والشعر وفنون الرسم، وبين الماضي والحاضر، يحاول كتاب الامة والسرد التأكيد على الترويج لعقيدة فرانز فانون (Frantz Fanon) الثورية الموسومة بـ (الادراك الوطني، وهو شيء مختلف عن الوطنية، لكنها الشيء الوحيد الذي سيعطينا بعداً عالمياً).

إن ما يحرص مؤلفو هذا الكتاب على ابرازه في مقالاتهم، هو ذلك البعد العالمي الذي يقع ضمن هوامش فضاء الأمة وضمن الحدود البينية ا لواقعة بين الأمم والشعوب. إن الرمز التمثيلي لهذا الكتاب يمكن اعتباره كصورة هجينة من صور الاختلاف الثقافي الذي يصبح فيه الفضاء المزدوج الوجه والمعادي للوطنية، بمثابة مفترق طرق يقود إلى ثقافة انتقالية جديدة، لا يكون الآخر مبعدا في الخارج أو فيما وراء الخارج أبدا، بل يبزغ بشدة ضمن الحوارات الثقافية عندما نعتقد أننا نتحدث بيننا وبين أنفسنا بطريقة حميمية وفطرية. ودون أن ألجأ إلى محاولة استخلاص النقاط الرئيسية لكل مقالة من مقالات الكتاب، فإنني أرغب وبشكل مختصر وشمولي من خلال هذا الكتاب، وأمضي قدما في الحديث عن اشكالية وحدة الأمة وعن التعبير عن الاختلاف الثقافي ونحن في محاولة التأسيس لمنظور عالمي. وقد تكون للقصة بدايات مختلفة: فقد نبدأ من قراءات ديفيد سمبسن للجسم المتعدد الصيغ لمبادئ حزب الشعب الأمريكي الراجعة إلى وايتمان (Whitman)، ومحاولته لتجنب الاستعارة وهو تجنب لمشاكل الترابط (التكامل) والاختلاف الثقافي في نفس الوقت، أو أن نبدأ مع درويس سومر (Doris Sommer) ومحاولة استجلاء لغة الحب والجنس المنتج الذي يعبر وينظم مجازيا السريات المبكرة لأمريكا اللاتينية التي تم التنكر لها من قبل كتاب الروايات اللاحقين، أو ان نبدأ مع جون بارل (John Barrell) وكشفه للتوتر الحاصل بين النظرية المدنية المؤنسنة للرسم وبين حوار العادات وهما يستدرجان معاً إلى باحة عقيدة الزخرفية في الفن (Ornamental) وتعقيداتها المستغرقة في الانجليزيانية، أو مع سنجاجونيو (Sneja Gunew) وصوره الوصفية للأدب الاسترالي المتذبذب بين الفضاء العام المرتكز على الثقافة الانجلو ـ سلتية (السلتية مجموعة من اللغات الهندية الأوروبية ومنها الايرلندية والاسكتلندية والويلزية) وبين التعددية الثقافية المناهضة للفضاء العام. ويمثل جونيو الاصوات المستبعدة من المهاجرين والمهمشين، محاولاً اعادتهم مرة أخرى لإقلاق وزعزعة ومقاطعة الكتابات ذات المعايير الاسترالية.

وفي كل واحدة من هذه القصص المؤسسة، فإن جذور التقاليد الوطنية تبدو وبصورة قوية وكأنها أفعال من انتماءات التأسيس، أو أنها لحظات من التنصل والازاحة والاستبعاد ومن النزاع والمبارزة الثقافية. وفي هذه الوظيفة من وظائف التاريخ الوطني وهو في لحظة بزوغه، نجد أن القوى الاجتماعية المعادية والمناقضة لا يمكن تجاوزها أو التغلب عليها جدلا. وهناك اقتراح بإلغاء التنقاضات الأساسية للنص الوطني وبترها. وهذه هي نقطة البداية التي ينطلق منها جيف بيننجتون (Geoff Bennington) وهو يقوم (بشيء من المعرفة الحداثية المسبقة) بالتورية على (السياسات البريدية) للرواد الوطنيين ومقترحاً أن (الرواد هم أيضاً من أدوات التعبير، أما الحدود فهي عرضة للعبور والانتهاك باستمرار). ومن خلال هذه الحدود التاريخية والتربوية يعرض لنا مارتن ثوم (Martin Thom) مقالة رنان الشهيرة (ما هي الأمة؟)، حيث يزودنا بتسلسل زمني منظم للأفكار الوطنية وهي تظهر أسطورياً من أعطاف القبائل الجرمانية، وصولاً إلى ما هو أكثر حداثة في صورة من العلاقات المتداخلة بين النضال من أجل تقوية الجمهورية الثالثة وظهور علم الاجتماع الدور كيميني (Durkheimaian sociology).

ترى ما هو الفضاء الثقافي للأمة إذا كانت تخومها قابلة للانتهاك وكانت امورها الداخلية عرضة للتدخلات؟ وتجيب كل مقالة عن هذا السؤال بطريقة مختلفة. لكن هناك ما يستوقف. في عرض سيمون ديورنجز (Simaon During) للـ (متخيل المدني) عندما يقترح أن (جزءاً من السيطرة الحديثة للحياة (أو العالم) القائمة على التنميط والمدنية ما هو إلا عملية تأنيث للمجتمع). وقد تم استيضاح هذه الرؤية في سياقين مختلفين، هما قراءة جيلين بير (Gillian Beer) لعمل فرجينيا وولف وفي الدراسة التي أعدتها راشيل بولباي (Rachel Bowlby) عن كابينة (مقصورة) العم سام. لقد اتخذت جلين بير منظوراً يقوم على الطائرة ـ وهي رمز لآلة الحرب وللحلم، كما أنها أيقونة لأشعار ثلاثينيات القرن العشرين ـ من أجل تأكيد تأملات فيرجينيا وولف في جنس (ثانية) الجزيرة وفضائها، وتأكيد تعددية دلالاتها الهامشية (كهوامش الارض والماء والبيت والجسد والفردية)، وموفرة رؤية أخرى لأسباب نزاعها مع المجتمع الأبوي التسلطي وللامبريالية. أما راشيل بولياي فقد كتبت عن كابينة العم سام لتناقش قضية تأنيث قيم الثقافة الأمريكية، معطية مزيدا من التفسيرات المعقدة الخاصة بها. وتدعي أن سردية الحرية الامريكية يتضح منها نفس الازدواجية التي تشيد الطبيعة التناقضية للأنوثة في النص. فقد اضحت امريكا هي القارة السوداء، أو رجع الصدى المزدوج كمتخيل لقارة افريقيا من جهة، وللاستعارة الفرويدية للجنس الانثوي من جهه أخرى. أما جورج هاريس (George Harris) وهو عبد سابق، فإنه يغادر مولياً وجهه شطر الدولة الافريقية الجديدة. ليبريا. ومنذ اللحظة التي اصبحت فيها الامة الغربية قابلة لان ينظر اليها على انها زاوية من زوايا الارض المظلمة، كما عبر عنها كونارد في مقولته المشهورة، فقد اصبح بامكاننا استكشاف اماكن جديدة يمكن منها كتابة تاريخ الشعوب والوصول الى نظريات حول السردية وفي كل مرة يبرز فيها السؤال عن الختلاف الثقافي كتحد للمفاهيم النسبية للتنوعع الثقافي، فان ذلك سيؤدي الى كشف عن هوامش الحداثة وكنتيجة فقد انتهت اغلب مقالات هذا الكتاب الى الولوج الى مواقع ثقافية اخرى بعيدة عما انطلقت منه، ومتبنية لموقف الاقلية في اغلب الاحيان وتدفع دراسة فرانسيس مولهرن «francis mulhern» عن الاخلاقيات الانجليزية «لدى جامعة الخلاصيين الليفسيين «leavisian universalism» باتجاه قراءة اخر محاضرة عامة القتها ليفي «q.d.leavis» في شيلتنهام حين تحسرت على الحالة الخطيرة التي الت اليها انجلترا وقد بدا على هذه المحاضرة بعض من خصائص الرواية الانجليزية الكلاسيكية الموسومة «انجلترا» من حيث حديثها عن الحاضر وعن قاطني المنازل البلدية «dwellers council _ house» والاقليات المتفرقة، والتحرر الجنسي اللامسؤول حيث تتكشف فجأة مواقف المؤسسة المذعورة والخائفة على «القراءة الانجليزية». اما جيمس سنيد «james snead» فينهي استجوابه للاخلاقيات وجماليات العقيدة الخلاصية الغربية والوطنية بقراءة اشيمل ريد «ishmal reed» والذي يقوم على تنقيح الثقافة السوداء باستخدام مبدأ من مبادئ السردية يقوم على تقليل من اهمية الافتراضات التي اظهرت وبينت مسألة ما قبل الخصخصة الثقافية «المقصود هنا الكتابة التي يقوم بها شخص من ثقافة معينة عن شخص او ناس من ثقافات اخرى».

اما تيمثي بيرنان «timothy brennan» فإنه يبرز لنا منظرا بانوراميا عن التاريخ الغربي لفكرة الوطنية والامة وانماطها السردية ليتخذ في النهاية موقفا مشابها لمواقف الكتاب المهجنين من امثال سلمان رشدي وما هم فيه من مجد يقوم على مفارقة غريبة، وهي احتفاليتهم بان كلمة الانجليزية لم تعد حقيقية تعني اللغة الانجليزية. ويقود هذا حسب ما يرى برينان الى ادراك اكثر تعبيرا عن ظروف ما بعد الاستعمار وظروف الاستعمار الجديد كمواقع تسلطية، يمكن من خلالها الحديث للشرق والغرب بوجهين. لكن هذه المواقع وعبر جبهات التاريخ والثقافة واللغة التي نحن بصدد اكتشافها، يمكن اعتبارها اذا ما اقتضت الضرورة مشاريع سياسية خطيرة. وتوازن قراءة بروس روبين «Bruce Robin» لاعمال تشارلز ديكنز بين مخاطر الابتعاد عن الحقائق الاخلاقية المحلية للتجربة البشرية وبين مزايا التطوير المعرفي من خلال العمل في منظومة عالمية متشتتة. ويقترح بروس روبين بأن عنايتنا بسأبورياس «تعبير لا تيني يعني الضياع او التيه او سبيل الضلال» يجب مطابقتها ومزجها بنية صيغت بطريقة فنية وعملية تتجنب العقلانية الشمولية، مع الاحتفاظ بالنهج العملي وبالاستراتيجية السياسية في التعامل مع الظروف المحلية والتي يمكن تعريفها هي ايضا على انها خطوط عريضة لا صميمية، اي تقع على مشارف الشعور. تقود امريكا الى افريقيا، وتلتقي الامم الاوروبية والآسيوية في استراليا، وتزيح هوامش الامة مركزها، وتعود الشعوب الهامشية لتكتب تاريخ الحواضر «المدن والعواصم الرئيسية» وروايتها الخيالية، وتحكى قصة الجزيرة بعيون الطائرة، فتستحيل الى زخارف مشوقة تأخذ بلب العام والخاص. وتتقوض حصون اللغة الانجليزية امام انظار المهاجرين وعمال المصانع. كما استعيض عن شاعرية وايتمن الامريكية العظيمة بأغاني الصرعات المتفجرة وبرسومات كروجر الغامضة وبصور الاجساد العارية التي جسدها المصور مالبلثروب بالابيض والاسود.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email