أفلام الرعب موضوع كتاب «الأحلام السوداء».. للروائي المتخصص في ترجمة الثقافات الأجنبية عبدالقادر عقي


يسلط الروائي البحريني المتخصص في ترجمة الآداب و الثقافات الأجنبية عبدالقادر عقيل في كتابه الجديد «الأحلام السوداء» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ هيئة البحرين للثقافة والآثار) الضوء على مرحلة مفصلية من تاريخ صناعة سينما الرعب، من خلال استحضار بعض أهم المقالات التي كتبت حول «أفلام الرعب».

تلك الأفلام التي نبعت شخصياتها من الأدب الكلاسيكي كـشخصية «دراكولا و فرانكنشتاين، والمومياء، و الرجل الذئب، وزومبي ..الخ» الشخصيات التي كانت تسكن مخيلة «الإنسان» في مواجهة الطرف الآخرمن عالمه، ذلك الطرف الغامض والمجهول.

لهذا ستجد عقيل في مقدمة كتابه يذهب إلى إن الإنسان ومنذ بداياته الأولى، لم يستطع التخلص من سلطة القوى الشريرة، «إلا بعد مجيء العصر الذي رجحت فيه كفة العقل والمنطق على كفة الخيال والخوف والجهل»، وعلى الرغم من ذلك «فإنه لا يزال يميل (للوقوع في شرك تفاهة الأشياء اليومي) كما يقول الفيلسوف (هايدغر)، ولا تزال القصص المخيفة، والحوادث المرعبة تثير شهيته».

تضمن الكتاب مقالين للمخرج تشارلس ديري، الأول بعنوان «ما الذي يجعل العالم رهيبا إلى هذا الحد؟»، وهو عبارة عن «رؤية نقدية لأفلام رعب الشيطان»، خاصة وأن الإنسان كان «لفترة طويلة مسكونا بالخوف من الشيطان، والتعامل في السحر الأسود، واستدعاء الأرواح الشريرة، التي تستطيع أن تبث الخراب والدمار في المجتمع».

يركز (ديري) على دراسة الأفلام في حقبة الستينيات من القرن الماضي، مؤكدًا بأن كل أفلام الرعب التي عرضت خلال هذه الحقبة «حاولت أن تجيب على هذا السؤال، (ما الذي يجعل العالم رهيبًا إلى هذا الحد؟) بطريقتها الخاصة»، مستحضرًا مجموعة من الأفلام، التي تبين مقدار حضور فكرة تقمص القوى الشريرة للأبدان، والطقوس السرية، وحرق السحرة، وكل تلك الموضوعات، التي يعتقد (ديري) أن حيثيات بروزها في هذه الحقبة، أساسه «تصاعد النضال الاجتماعي في أمريكا»، و«انتخاب (جون كيندي) للرئاسة في عام 1960 ليظهر اهتمامًا جديدًا بقوبل المذهب الكاثوليكي في أرجاء العالم»، و«ارتفاع شعبية البابا (يوحنا الثالث عشر)، إلى جانب وصول الحماسة الكاثوليكية إلى أعلى درجاتها».

وقد عالجت هذه الأفلام خلال هذه الحقبة التي تمتد حتى سبعينيات القرن الماضي، عددًا من الموضوعات، أولها: مسألة الانتقام، «فمن المحتم بأن الشياطين، أو السحرة، تنفذ خططها وفقًا لرغبة الانتقام المسيطر عليها»، وثانيها: إفساد الأبرياء، وثالثها: الظواهر الغامضة، كالاستحواذ، والانمساخ، ورابعها: التأكيد على الرموز المسيحية.

أما مقال (تشارلس ديري) الثاني، فجاء تحت عنوان «رعب الهرمجدون، رؤية نقدية لأفلام رعب الطبيعة»، إذ يعود هذا المقال عقدًا إلى الوراء، لمعالجة حقبة الخمسينيات، حيث «تراجعة أفلام الوحوش المرعبة، (...) أمام أفلام رعب كانت مدمجة تقريبًا مع أفلام الخيال العلمي»، كما تبرز أفلام هذه الحقبة العالم مجنونا «مجنون سيسيولوجيا وإنسانيا»، أما (الهرمجدرون)، فهي «مأخوذة من الكتاب المقدس، وهي تعني اسم المكان الذي من المفترض أن تقع فيه المعركة الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر»، ولهذه الحقبة، وهذه الكلمة ثلاث ثيمات رئيسية: التكاثر، الحصار، الموت.

ويؤكد (ديري) «إن أفلام رعب الهرمجدون، (...) تطرح، برؤاها الوجودية، مفهوم النظرة العالمية بتماسك وتحد، كما يعبر عنها أي مؤلف آخر، وهي نتيجة لصلتها بالمسرح الطليعي، ومسرح العبث، ولنجاحها التجاري الكبير، فقد أصبحت تعرض فهما مميزًا معاصرًا للجانب العنيف في مخاوفنا اليومية».

وفي ذات السيق، يترجم عقيل، «العائلة في مواجهة الرعب»، لـ(توني ويليامز)، والذي يرتكز على حضور الشيطان، ولكن هذه المرة لتدمير العائلات، وتحريفه للجيل اليافع، وتخريبه للعالم. ومن هذا المنطلق يؤكد (ويليامز) «إن الفن، عمومًا، يعكس الأوضاع الاجتماعية. والعائلة كانت تفسر دائمًا على أنها أداة للقمع البرجوازي، ومن هنا هاجمتها أفلام الرعب في فترة ظهرت فيها حركات المضظهدين، مثل حركة تحرير النساء والشباب والأطفل».

أما (دوغلاس كيلز)، فيذهب لتناول «التلفيق الأيديولوجي في الشبح الضاج»، وهو فيلم للمخرج (ستفين سبيلبرغ)، الذي يطرح «التصورات الأيديولوجية للطبقة الوسطى المترفة في أمريكا». فيما يطرح (جون لتز) في مقاله «كوابيس التاريخ في فيلم (اللمعان)»، للمخرج (ستانلي كوبريك)، الذي تشبث «بأفكار (فرويد) حول الغرابة المتوحشة»، من خلال «مادية الماضي، وبحثه عن الوسائل المستمرة لكوابيس التاريخ وهي تصطدم بالحاضر وتقف في مواجهته»، كما يتطرق المقال لتحويل الأعمال الأدبية إلى أفلام سينمائية، ناقلاً رأي (كوبريك) الذي يرى بأن «أفضل الروايات القابلة للتحويل إلى أفلام هي تلك التي تكتنز شخصياتها الرئيسية بالقلق العلني»، كما يتمثل ذلك في روايات (ستيفن كنغ)، ورواية «اللمعان»، أحد أكثر تجلياتها.

ويختم عبدالقادر عقيل، كتابه ب «قراءة في أفلام رعب نهاية العالم بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001»، لـ(كولبي ويليامز)، إذ يؤكد الأخير بأن «كل الأنواع الفرعية لرعب نهاية العالم، لها صلة وثيقة بمجتمع ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. واستندت في إنجازها إلى سيناريوهات نهاية البشرية، والمخاوف الوجودية».

فهذه الحقبة انتجت أفلامًا «تعاملت طويلاً مع القلق الوجودي من مواجهة الفناء. هذا الفناء الذي أصبح لافتا للنظر في الأيام والأشهر والسنوات التي أعقبت الهجمات الأرهابية»، وعلى ذلك يلخص (ويليامز) الطرق التي أثرت بها الهجمات، على أفلام رعب نهاية العالم، وذلك من خلال معالجة: الأسباب التي أوصلت العالم إلى نهايته، والعدو (أو الأعداء) الذين يتسببون في حدوث هذه النهاية، بالإضافة لكيفية تعامل الشخصيات مع بعضها البعض بعد وقوع الأحداث الكارثية.

ويلفت (ويليامز) إلى أن المتفرج الأمريكي أصبح «راغبًا في التواصل إلى معرفة النهاية»، بعد الهجمات التي تزامنت مع انطلاق الألفية الجديدة. ويضع (ويليامز) تعريفًا لمفهوم رعب نهاية العالم، على أنه الشكل المتمثل في الأفلام التي «تركز بشكل ظاهر على مصير الجماعات الاجتماعية بشكل عام، أو التهديدات التي تواجه البشرية، وقد تتسبب في نهاية الحياة على الأرض مثل: (اصطدام كويكبات من الفضاء مع الأرض، انتشار الأوبئة على نطاق واسع، أو هجمات الأموات الأحياء (الزومبي) في جميع أنحاء العالم)»، فهي بذلك لا تهدد شخصية بعينها، «بل تهدد حياة الملايين».

بيد أن (ويليامز)، يبين اتخاذ أفلام رعب نهاية العالم، منعطفًا جذريًا، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهذا المنعطف متشائم إلى حد كبير، بعكس الأفلام المنتجة قبل هذه المرحلة التاريخية، والتي «صورت الشخصيات وهي تتصرف بأساليب تظهر أفضل ما في الصفات الإنسانية من مناقب مثيرة للإعجاب: التضحية، الأمل، الاستمرار».

يبين (ويليامز)، بأن «أفلام رعب نهاية العالم، التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تذكرنا دائمًا بالهجمات والأساليب التي تم تنفيذها»، كاشفة «القلق الإنساني المتزايد، ليس تجاه هجمات الحادي عشر من سبتمبر وحسب، بل تجاه الوجود المعاصر برمته، هذا الوجود الذي جعل كل المؤسسات مثار سؤال، وأن التغيير هو الحل الوحيد الذي أمامنا».


0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email