لماذا عنون نصر الله ملحمته الروائيه بــ « الملهاة» الفلسطينية بدلا من« المأساة» ؟ قراءة في سيرة ال


لم تكن مهمة سهلة بالنسبة لي أن أكتب في سيرة مبدع وصاحب تجربة ثرية ومتفردة وزيادةً على ذلك يمتاز بغزارة الإنتاج في الشعر والرواية ،فهو روائي ،شاعر، أديب ، ومصور فوتغرافي ومهتم بالسينما .

أنتج حتى اليوم ما يربو على أربعين كتاباً بين شعر ورواية ودراسة، ناهيك عن عشرات اللوحات الفنية بين تشكيل وتصوير، تضاف إليها عشرات المقابلات الصحفية والشهادات الذاتية الإبداعية.

وأول ما يلفت النظر لمن يقرأ مسيرته الإبداعية ذلك التعدد في المواهب والاهتمامات، علاوة على جرأة واضحة في ارتياد عوالم فنية مختلفة يتهيب منها الكثيرون. في البدء رسخ اسمه كشاعر، وكان موهوباً ومتميزاً بين شعراء جيله وسابقيه ولاحقيه، إذ امتلك لغته ورؤاه وقضاياه ومعالجته الخاصة، ويشهد على ذلك ما حظي به من اهتمام نقدي، واسع وما نال من جوائز أردنية وفلسطينية وعربية تقديراً لمنجزه الشعري.

ثم ما لبث أن أصدر رواية رائدة في مجال السّرد الحداثي -أو ما بعد الحداثي-، ثم واصل كتابة الشعر، ليعود إلى النثر حتى غدا ما أنتجه من سرد نثري يعادل ما أنجزه من إبداع شعري.

وبين هذا وذاك تراه مشاركاً في معارض للفن التشكيلي أو للصور الفوتغرافية، والذين عايشوا الرحلة الفنية لفرقة "بلدنا " في الأردن يعرفون أنه كتب للفرقة معظم أغانيها منذ نشأتها .

من سنتحدث عنه ،هو الكاتب والشاعر والأديب إبراهيم نصرالله الذي ولد في عمّان، الأردن عام 1954م من أبوين فلسطينيين، هُجِّرا من أرضهما في قرية البريج بفلسطين ، عاش طفولته وشبابه في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين ، ودرس في مدارس وكالة الغوث في مخيم الوحدات، حصل على دبلوم تربية وعلم نفس من مركز تدريب عمان لإعداد المعلمين في عمان عام 1976م … وبدأ حياته العملية معلماً في المملكة العربية السعودية ثم عاد إلى عمان ليعمل في الصحافة وتفرغ للكتابة منذ عام ٢٠٠٦ م . وهو اليوم أحد أكثر الكتاب العرب تأثيراً وانتشاراً، حيث تتوالى الطبعات الجديدة من كتبه سنوياً، محققةً حضوراً بارزاً لدى القارئ العربي والناقد أيضاً، ومن اللافت أن هناك إقبال كبير من فئة الشباب على رواياته وأشعاره، كما تحظى أعماله بترجمات إلى لغات مختلفة، إضافةً إلى ذلك كثرة الكتب النقدية الصادرة عن تجربته، ورسائل الماجستير والدكتوراه المكرسة لدراسة انتاجه في الجامعات العربية والأجنبية.

حديثنا سيكون عن تجربته الروائية ولن نتطرق لتجربته الشعرية وهي تجربة لا تقل جمالاً وتميزاً عن تجربته الروائية …


الرواية


إستهل إبراهيم نصر الله تجربته الروائية بكتابة رواية (براري الحُمّى)والتي حققت أصداء لم تزل مستمرة حتى اليوم، حيث توالت طبعاتها وتمت مناقشتها في دراسات نقدية وأكاديمية، وتم اختيارها كواحدة من أهم خمس روايات ترجمت للدنماركية، وبعد 26 سنة على صدورها اختارها الكاتب الأمريكي مات ريس بتكليف من الغاردين البريطانية كواحدة من أهم عشر روايات كتبت عن العالم العربي مقدمةً صورة مغايرة عن تلك الصورة الشائعة في الإعلام ، يصفها الناقد والأديب ( إحسان عباس ) بأنها "محاولة قصصية من أكثر المحاولات تطوراً في العالم".

تفرد الكاتب إبراهيم نصر الله بمشروعين روائيين تكُتب جميع رواياته من خلالهما .

الأول هو مشروع الملهاة الفلسطينية والثاني هو مشروع الشرفات .

بدايةً سنتحدث عن مشروع الملهاة الفلسطينية :

حيث يعتبرأول مشروع شامل على المستوى الروائي يتناول القضية الفلسطينية على مدى 250 عاماً ، وقد بدأه نصر الله عام ١٩٩٢ م.

وهو ملحمة روائية درامية ، تاريخية كُتبت حماية للذاكرة ورداً على مقولة ابن غوريون التي تشدق فيها بأن القضية الفلسطنية تتمثل في عبارة "سيموت كبارهم وينسى صغارهم"، وهذا ما حفز إبراهيم نصر الله لكتابة مجموعة روايات تحمل شهادات الكبار ممن عايشوا النكبة، وتروي هموم الصغار الذين لم ولن ينسوا قضيتهم العادلة.

وقد حصل نصر الله على الكثير من الانتقادات الأدبية بشأن تسمية السلسلة باسم "الملهاة "، فالوضع الفلسطيني الحالي وتشريد شعب من أرضه ليس بالحدث الذي يمكن أن يُوصف بالملهاة، إلا أن نصر الله لا يرى استبدال كلمة ( ملهاة ) بالمأساة شيئاً منطقياً ، ذلك لأن المأساة شيء محدد المصير، وهو شيء يرفض أن توصف به القضية الفلسطينية ، فهو يرى أن مصير القضية الفلسطينية لن يبقى محدداً كما هو الآن إلى الأبد .

المأساة لغويًا هي ما تنتهي بموت الأبطال جميعهم، والقضية الفلسطينية لن تنتهي بوجود الأمل والكفاح من أجل الوصول إلى نقطة مضيئة، ولهذا اختار نصر الله الملهاة، بعيدًا عن الكوميديا، بل استخدمها في ظل آثارها المختلفة لغوياً، مثل اللاهي عن الشيء هو الذي لا يُفارقه، والقلوب اللاهية هي القلوب المتشاغلة.

و" الملهاة " فن أدبي راسخ التقاليد في فن المسرح، ويمكن اكتشاف رغبة الكاتب في النظر إلى التاريخ وأحداثه المأساوية الساخرة على أنه يشبه أية حالة متخيلة تتجسد في الأدب، وكأنما يختزل الروائي حركة التاريخ في لحظة ساخرة للزمن من مجريات ما يحدث في التاريخ، فكل ما يجري في التاريخ - في نظره - هو محض ملهاة !

ومن ضمن روايات الملهاة : ( مجرد ٢ ، أعراس آمنة ، طفل الممحاة ، طيور الحذر ، زمن الخيول البيضاء ، تحت شمس الضحى ، زيتون الشوارع وقناديل ملك الجليل )، كما ستخرج للنور خلال هذا الشهر ثلاث روايات هي (دبابة تحت شجرة عيد الميلاد ، نور العين ، وظلال المفاتيح ) .

وكنموذج لروايات الملهاة الفلسطينية سأتناول رواية قناديل ملك الجليل .


قناديل ملك الجليل :


تعتبر الفترة الزمنية التي شهدت قيام أول كيان عربي مستقل في الشرق العربي كله في فلسطين مسرحاً لأحداث هذه الرواية ، ورغم أن عدد من روايات الملهاة قد سبقتها إلا أن الكاتب يعتبرها أول رواية تاريخية من حيث التسلسل الزمني لبقية روايات الملهاة .

وهي الرواية التي تدور أحداثها في فلسطين في فترة القرن الثامن عشر الميلادي منذ سنة 1689 وحتى 1775، تتناول الرواية فترة شبه مجهولة في التاريخ العربي والتاريخ الفلسطيني، على الرغم من أنها فترة غنية بالمنجزات الاستثنائية، لأنها الفترة التي شهدت قيام أول كيان عربي مستقل في الشرق العربي كله في فلسطين.

كان قائد مشروع هذا الكيان المستقل هو "زاهد عُمر الزيداني"، حيث استطاع أن يبني كيانًا مستقلًا على المستوى الاقتصادي والزراعي والدبلوماسي واستطاع نشر الأمن والاستقرار، وهو ما كان شيئًا استثنائيًا في فترة الحكم العثماني آنذاك.

كانت تلك الفترة مهمة في التاريخ الفلسطيني بحسب ما تذكر الرواية لأنها تناقض تمامًا الوضع العربي الحالي، ذلك لأنها أولى الفترات التي شهدت ضمانًا اجتماعيًا بين مختلف الطبقات وتسامحًا بين مختلف أطياف ومذاهب المجتمع، كما رفض قائد ذلك المشروع فكرة التوريث، وهي الفكرة التي قامت من أجلها الثورات في عصرنا الحالي.

يقول الكاتب في الرواية : إن أسوأ فكرة خطرت للإنسان، أن يكون بطلًا في الحرب، وهناك ألف مكان آخر يمكن أن يكون فيه بطلًا، فالبطولة أن تبنوا بلادكم بأمان، وأن تزرعوا أشجاركم بأمان، وألا تخافوا على أطفالكم، لأنهم محاطون بأمان.

"البطولة الحقيقة أن تكونوا آمنين، إلى ذلك الحد الذي لا تحتاجون فيه لأي بطولة أخرى"

ورغم أن الكتب السيرية التي تناولت شخصية ظاهر العمر كانت شحيحة إلا أن نصر الله إستطاع رسم صورة لهذه الشخصية من خلال مزج حرِفي بين الخيال والحقيقة ، حتى تحولت مشاهد كثيرة متخيلة بالنسبة للقاريء إلى حقيقة وضحت المنجزات البطولية التي حققها ظاهر العمر ، وقد وظف نصر الله بحثه وقراءته في تأثيث عالم موازي للعالم الذي عاش فيه ظاهر العمر أنذاك ،فالكاتب نصرالله يرى أن الرواية التاريخية بحاجة للبحث، والتأمل، وتحليل الأحداث، وعدم الأخذ بالمسلّمات، فالرواية هنا لا تخترع، بل تعيد بناء الواقع الذي كان، من منظور الكاتب الخاص .

تفوق إبراهيم نصرالله على نفسه في رواية متكاملة ، استوت لغوياً وفنياً وموضوعياً. تناولت فترة ضبابية من تاريخ فلسطين وما جاورها، من خلال سيرة شخصية وطنية مجهولة عند معظم الفلسطينيين، ناهيك عن العرب الآخرين، شخصية ظاهر العمر الزيداني، التي استحوذت على مساحة واسعة من الاهتمام في عصرها، ونالت احترام الجميع وتقديرهم رغم اختلافهم وصراعهم معها. وعلى الرغم من أنَّ الرواية ليست تاريخاً توثيقياً، إلا إنَّها تستند إلى تاريخ مؤكد، وأحداث حقيقية، وجغرافيا معروفة، وبلدات ما زالت موجودة حتى اليوم .

ونجحت الرواية في تقديم صيغة سردية نقلت الأحداث والشخصية من إطار تاريخي يفترض أنه يقدم الحقيقة إلى أفق تخييلي يعيد تمثيلها، ويعمل على شحنها بكل ما يستلزمه العالم الروائي، فالرواية قد صورت الحياة بكل عناصرها الإنسانٕية ،الواقعية والموضوعية، والخيالية الأسطورية .

فنصر الله وبإسلوب جميل وشيق يسرد مسيرة نضالية حافلة بالكثير بحيث يتنقل بنا من خلال سرد احداث تاريخية غاية في الرقي والتجذر ويعيدها للقارئ كرواية تحمل قيماً انسانية بحتة، فعلى سبيل المثال يذكر الكاتب على لسان بطلته نجمة : "في كل لحظة احسست فيها ، من قبل ، ان التراب لا يلمس قدميّ، كنت أبدأ بالتأرجح، وأكاد أسقط !" ، وفي هذه العبارة تجسيد لحقيقة الانتماء لتراب طبرية اكثر من اي شيء آخر، فكأن الروائي هنا اراد ان يعطي رمزية غاية في الجمال لمعنى تراب الوطن .

وكما هو الحال في معظم روايات نصر الله فإننا نجد إهتماماً خاصاً يوليه الكاتب لحيوانات معينة ، حتى أنه لا يتأخر في الرفع من مكانتها لتأخذ دور البطولة في أحداث رواياته … ففي هذه الرواية نجد حكاية الفرس التي ترضع بطل الرواية ظاهر العمر ،وتكون له بمثابة الأم ،التي تألم لألمه وتصهل إن جاع أو عطش.

أما لغة الخطاب السردي في رواية "قناديل ملك الجليل" فتكشف عن الموهبة الشعرية التي يتمتع بها إبراهيم نصرالله، وقد تبلورت في جانبين مثيرين ميزا هذه اللغة، أولهما : العناوين الفرعية التي قدمت فيها فصول الرواية والتي حققت قيمة أسلوبية خاصة كانت قادرة على استثارة مخيلة القارئ على نحو مثير، مثل (الظل الشاسع والمرأة الحافية ويقصد به / دفن عمر الزيداني وبروز شخصية نجمة).

والثاني: القدرة على شحن المفردات اللغوية بدلالات خاصة كما يظهر في لفظة "القناديل" التي ظهرت في العنوان وتكررت في المتن السردي للرواية .

كما وأن إبراهيم نصر الله ضمن الرواية بشتى العبارات التي تصف شخصيات الرواية وتجعلها ماثلة ومتخيلة أمام القارئ ،إما من خلال الوصف أو من خلال الحديث عن تفاصيلها اليومية المعتادة .

وقد تمكن إبراهيم نصر االله من تقديم التاريخ بوعي خاص مستغلاً السرد الروائي على نحو ناضج وموظف لإحداث التخييل الروائي، والإدهاش الأدبي، والوعي الفكري. واستطاع أن يضع في نصه الروائي كل ما يؤكد أصالة هذا العمل وقوته، أي: المحتوى الفكري، والموقف الإنساني، والوسيلة الأدبية المتميزة .