المحيط الأنكليزي … عوالم وثقافات، سيرة السحر واللعنة، البحر وحكايا العبيد


"المحيط الإنكليزي" للروائي البحريني فريد رمضان، إصدار دار سؤال عام ٢٠١٨م، رواية أنثروبولوجية بامتياز، رحلة شيقة في عوالم العبودية والسحر والدين، هذه هي محاور الرواية الرئيسة وخيوطها المهمة، مع أن الروائي لم يقبض على خيط منهم بشكل منفصل في أي فصل من الفصول، فالخيوط متداخلة ومتشابكة، واعتقد أنه كان من الصعب اختيار عنوان لهذه الملحمة الواسعة، فيما يبدو العنوان "المحيط الإنكليزي" موفقاً جداً لما تحويه الرواية من مساحة جغرافية شاسعة، تنطوي على هويات وقوميات وثقافات وأديان لشعوب مختلفة عاشت تحت ظل الإمبراطورية البريطانية. تبدأ أحداث الرواية في الأقاليم التي تجلب منها العبيد، شرق إفريقيا وموانئها مومباسا وجزيرتي بمبا وزنجبار، وصحراء شرق الهند، سَقَر وميناء جوادر، وتنتهي الأحداث في بلاد العرب، مسقط ومكة والبحرين. هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة تقع جميعها ضمن نفوذ الإنجليز، ما عدا مكة المحروسة في عمق صحاري العرب. أما زمن الرواية فكان نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتحديداً من ١٨٩٦-١٩٣٥م، وهي الفترة الذهبية للإمبراطورية البريطانية حين كانت الشمس لا تغيب عنها. جغرافياً، لا يوجد على الخرائط محيط بهذا الاسم، فعنوان الرواية متخيل، يلج عالم الأساطير ويجهز ذهنية القارئ لسحر الخيال منذ الوهلة الأولى، وإلى جانب العنوان الساحر هناك لوحة فنية للفنان البحريني جمال يوسف، أشكال بشرية عديمة الملامح غائمة الشكل، تترنح كأنها تتجول في حلم.


يتناوب على سرد فصول الرواية التسع في٤٣٢ صفحة من القطع المتوسط، الراوي العليم والشخصية المحورية في الرواية "يوسف"، ما عدا الفصل الأخير الذي يرويه ابن يوسف "عبدالله"، هذا إلى جانب هوامش تفتح أبواب التفاصيل الدقيقة، اخترعها الروائي في حيلة سردية بارعة تحت مسمى "سيرة الكلمات". تبدأ أحداث الرواية مع مجموعة من العبيد اصطيدت في "تنجانيقا" في شرق أفريقيا، وتصاب سفينتهم بلعنة من سحر كادت أن تسبب غرقهم،إلا أن بارجة حربية بريطانية أنقذت السفينة وأخذت العبيد إلى مسقط حيث اعتنى بهم الأب المسيحي "بيتر زويمر"، وخصص لهم "مدرسة أولاد العبيد المحررين"، وبعد مدة تنصر العبيد الناجون على يده. يعرّف البطل عن نفسه متأخراً، يظهر في الفصل الثاني، في الصفحة ٤٥، ليقول: (أنا يوسف بن عبدالله الأعمى ذو الثمانية عشر عاماً). لحظتها يدخل القارئ في صميم الرواية وقد مسك بخيط سرد رئيس.


الرواية خيالية، ورغم ذلك يمكن بسهولة تصنيفها من الروايات الواقعية، وتصلح أن تكون مرجعاً معتمداً فقد جمعت بروعة النص الروائي المرويات الشعبية الشفهية والمكتوبة عن الرّق وآلام العبيد، والسحر الأسود وطقوسه، والأولياء وكراماتهم، والمبشرين المسيحيين في الإرساليات الأميركية، والانجليز المتنفذين من قنصلياتهم ودور الاعتمادية. وثقت الرواية كل ذلك في نص متماسك محكم، وسرد تلقائي وسريع لا مساحة فيه لمونولوج أو حوار داخلي للشخصيات، أو تحليل عميق على لسان الراوي العليم، الحكايا الفرعية القصيرة كثيرة، وكل حكاية منها تعرض قصة عبودية مختلفة، وتتدفق الحكايا زخات زخات مثل موجات خفيفة، وفي النهاية تشكل في ذهن القارئ المحيط الذي بشّر به العنوان. ذلك هو ما يعطي الرواية الصفة الأنثروبولوجية، هناك كثرة في السيّر وعدد كبير لشخصيات تتزاحم على ناصية الحدث، الأسماء كثيرة ويكاد القارئ يسهو عن الشخصيتين الرئيستين "مباندا" و"يوسف".

ما إن كشفت الرواية عن ألم العبودية وحياة عبيد مختطفين من شرق أفريقيا، حتى قفزت في ذهني شخصية "كونتا كونتي"؛ بطل رواية "الجذور" التي صدرت عام ١٩٧٧م. ورحت أقارن بين الروايتين دون شعور، كانت "الجذور" أطول زمناً، من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين، وتناولت ثمانية أجيال لعائلة من الزنوج العبيد وصولاً إلى الحفيد، الأمريكي "أليكس هيلي" كاتب الرواية نفسه. في "الجذور"، يصر المالك الأمريكي الأرعن على تغيير اسم العبد الأفريقي وإعطاءه اسماً مسيحياً في ظاهرة معروفة لكسر روح العبد ومحو ماضيه وهويته، بحيث يخنع ليرضى بدور حياته كعبد فلاح يمارس دين أسياده في كنيسة للسود. يرفض "كونتا كونتي" اسمه الجديد "توبي"، ومع ذلك الرفض يرفض كذلك الدين المسيحي والعبودية برمتها، مثل طير من طيور البراري التي لا يمكن حبسها في قفص، ويظل يحلم بحريته ويواصل محاولاته الهروب، مع أنه لا يعرف طريقه إلى وطنه البعيد وراء المحيط، لكن يكفيه أن يقاوم واقعه المؤلم ويرفض الشقاء المفروض عليه، فيعذبه سيده وفي الأخير يقطع رجله ليمنعه من الهروب، لكن "كونتا كونتي" لم ينكسر أبداً، وظل يحن لموطنه في أفريقيا وعلّم ابنته اسمه الأصلي وحدّثها عن قريته في الأدغال، واستمرت قصة "كونتا كونتي" المقاوم تسرد فخراً من آباء العائلة إلى أبنائها لقرنين من الزمان.

بالنسبة لجيلي حفرت "الجذور" شخصية "كونتا كونتي" في مخيالنا مثال لقصة العبد الإفريقي المقاوم، وقد هب مؤخراً روائيون عرب لقضية العبودية، وتناولوها في أعمال نالت قبول القرّاء، وسمعت أصوات العبيد ومعاناتهم في اللجان القائمة على جائزة البوكر العالمية، وحصدت هذه الروايات جوائز أدبية مهمة. الليبية نجوى شتوان كشفت المستور في قصة الحب بين "السيد محمد" والعبدة "تعويضة"، في روايتها " "زراريب العبيد"، إصدار دار الساقي، ووصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر عام ٢٠١٧. والمصري "محمد منسي قنديل" رفع العبد الأسود "العاصي" عالياً، هذا العبد اجتاز المشاق في السودان، وفي المكسيك أصبح الحارس الخاص للإمبراطورة، وشارك في أحداث الثورة في فرنسا عام ١٨٦٧، وذلك في روايته "كتيبة سوداء"، إصدار دار الشروق للنشر، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر ٢٠١٦. الأردنية "سميحة خريس" نالت جائزة كتارا للإبداع العربي ٢٠١٧ عن روايتها "فستق عبيد"، إصدار سلسلة الأبداع العربي، حيث يروي الجد "كامونقة" لأحفاده سيرته عبداً يوم سمع صوت بوق النخاس يجمعهم على منصة عرض العبيد شبيهاً بصوت البوق الذي يجمعهم للجهاد في معسكر ثورة المهدي. أما السوداني "حمّور زيادة" فأطلق سراح المسجون العبد "بخيت" ورماه في معمعة ثورة المهدي في السودان وفي صميم ذكرى قصة حب مع فتاة نصرانية. صدرت رواية "شوق الدرويش" عن دار العين للنشر ووصلت إلى قائمة البوكر القصيرة عام ٢٠١٥.


في "المحيط الإنكليزي"، هناك أكثر من شخصية تقترب من "كونتا كونتي" وتبتعد، وهناك من يشبه "بخيت" في حبه، وآخرون مرشحون لبطولة "العاصي" وشجاعة "السيد محمد". ربما اهتم آخرون غيري بدراسة القضايا المهمة الأخرى التي تناولتها المحيط الإنكليزي مثل الهويات وأصلها وعالم السحر وعادات الناس وتاريخ البحرين، لكني قصدت في هذا المقال أن أتعرض لقضية العبودية كما تناولتها الرواية، مع أنه ليس من السهل أن أحرر العبيد من خيوط السحر التي شبكها بهم الروائي، لكني سأحاول، فقط ليتسنى لي دراسة الشخصيات ومقارنتها بالأعمال الروائية الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أني ألا أنوي أن أنصب تلك الأعمال حكماً على "المحيط الإنكليزي".


وقبل أن نستعرض سير العبيد في المحيط الإنكليزي نذكر أن الرواية لم تأت على ذكر الأديان الأصلية لهؤلاء العبيد، ما عدا "مسالمي" الذي يكشف اسمه أنه مسلم، ويمكن للقارئ أن يتصور أديانهم معتقدات أفريقية بدائية، مع ذلك هي مهمة في عملية التحول إلى دين جديد، الإنسان يتكئ على معرفته القديمة ليجادل بها المعرفة الجديدة، وسنرى أن هذا الغياب جعل من التحولات الدينية المعقدة لعبيد الرواية يبدو سلساً وفي غاية السهولة، مع أنه في الحقيقة شائك ومربك، خاصةً إذا ما اتفقنا أن روح الرواية هو التعقيد وليس التبسيط.

أتور المسحور


كان العبد "أتور" طفلاً حين دخل عالم العبودية، وفي الكنيسة استنكر القيود على المسيح، فسأل: (هل كان سيدنا المسيح عبداً حتى يقيد؟)، ومن "أتور" الأفريقي ولد "إستيفان" المسيحي ولكنه سأل مستغرباً مرة أخرى: (ألن يعرفني الرب لو قابلته باسمي الذي احمله؟) عند هذه النقطة الحساسة نجد أن الرواية اختصرت الكثير، سكت الرجال، وتقدم الطفل يسأل، وكان في ذلك ذكاء موفقاً، فأعظم الأسئلة في التاريخ، أسئلة الوجود الكبرى، هي تلك التي يسألها الأطفال ببراءة وعفوية، ويعجز البالغون عن الإجابة عليها.


شك "إستيفان" في أمور كثيرة منها الماء الذي يحمله كل صباح من الأفلاج، يعرف أنه ليس ماءً مقدساً، لكنه قبل اسمه، في الأخير هو طفل، ولما كبر رضي بهويته الجديدة، وقبل بحريته في الدين الجديد، وبعد سنين سافر "استيفان" إلى بومباي للعمل، واستمرت سيرته في الهند وتزوج إمرأة هندية أنجبت له ثلاث بنات، ثم هاجر من بومباي بسبب سحر حمله معه من مسقط، وظل يلاحقه إلى "سَقَر" على حدود "مكران" في بلوشستان، فاستجار بولي من أولياء المسلمين الذي أطلق عليه اسم "عابدين"، وقبل اسمه الجديد، فلم يكن نسخة من "كونتا كنتي"، وبسبب السحر نفسه يشنق عابدين نفسه ليقي أهل "سَقَر" من شر ذلك السحر الذي يلازمه، ويُدفن جثمانه بسرعة، وحين يعلم أهل القرية أنه لم يكن مختتناً، يهموا لينبشوا قبره. وبتأمل سيرة "أتور-إستيفان-عابدين" نجد أنه يتقبل اسمه الجديد عرفاناً للسماحة والرأفة التي يعامل بها، ويلبسه كما قالت العبدة المحررة موانتي: (الأسماء تلبس وتستبدل مثل السراويل)، رضي بالدين المسيحي نعمةً من الأب بيتر فلبس "إستيفان"، وأمن في استجارة ولي سَقَر فلبس "عابدين". وكان من الطبيعي أن يحن "أتور-إستيفان-عابدين" للرجوع إلى موطنه في أفريقيا بعد أن أصبح رجلاً ناضجاً يمتلك حريته، لكن ذلك لم يحدث، هل انغمس في الدين الجديد؟ يمكن للدين أن يصبح وطناً، ولكن ليس في سيرة "أتور" الشكاك ما يشير إلى ذلك.


ما حدث هنا وفي حكايا أخرى هو أن المحيط الإنكليزي فتحت سير العبيد المؤلمة، وأثارت شهية القارئ وتعاطفه معها ليفهم أكثر عوالم العبودية المعقدة بتغير الهويات والأديان واللغات والثقافات، ثم راحت الرواية تتوغل في عوالم السحر، وأخذت تعجن سير العبيد بالسحر وتحركهم في زوبعته ما جعل نهايات العبيد غريبة وبعيدة عن واقعهم، لا تمت لبداياتهم بصلة سواء ماتوا عبيداً أم أحرار. مثلاً اقتلع "أتور" من موطنه في إفريقيا ومع ذلك لم يفكر بالرجوع إليه مثل بقية العبيد، وهاجر بعيداً عن مسقط التي وهبته الأمان واللغة والدين، وهاجر بعيداً عن بومباي حيث رزقه وعياله، هو يمضي في الدنيا على غير هدى مثل التائه، لا لشيئ سوى سحر يلاحقه بالأذى إلى أن مات. هذه النهاية المسحورة كانت شيقة ولها جاذبية لكنها كانت منافية لواقع حياة العبيد، أفسد السحر تفاعل القارئ الإنساني مع آلام "أتور" بعد أن غدا موته غرائبياً يخرج من جثته القمل، لا ينبغي أن ينتهي "أتور" بالضرورة مثل "كونتا كونتي" مبتور الرجل، أو مثل "بخيت" منتقماً ومنتصراً، أو مثل "العاصي" بطلاً، يكفي أن يحلم العبد بجمال بلاده أو صوت أمه وهو على فراش الموت.

مباندا المسحور


"مباندا" كذلك لم يكن له قلب "كونتا كونتي"، تقبل اسمه المسيحي "جيكوب" وفاءً للأب المبشر الذي عطف عليه وآواه، (أبدى حماسة والتزاماً دينياً مدهشاً) تقول الرواية لكنه فاجأ الجميع بنيته التحول إلى الإسلام، فأخذ صك حريته مختوماً من مكتب القنصلية البريطانية في مسقط، وعانى حتى يصل إلى مكة. يتصرف "مباندا-جيكوب" على نحو غاية في التحضر، مع أن زنجياً مثله عاش شبابه في إفريقيا جديراً به أن يكون أقل تحضراً، ربما حتى عشوائياً، ولا يوجد في تاريخ "مباندا" إلا التعاليم المسيحية لتهبه ذلك التحضر، فليس مقنعاً أن يبدل الكنيسة بالإسلام. ربما كان أنسب لـ"مباندا" وأكثر تشويقاً للرواية لو هرب من مسقط إلى مكة دون صك حريته، العبيد يهربون دائماً، وليكن هرباً من أجل دين جديد، تلك صفة المؤمنين المتعطشين للحقيقة، لكن الرواية تعطي الكنيسة فضيلة التسامح، فلا داعي لـ"جيكوب" أن يهرب، الأب بيتر يوافق على قراره ويسهل له أمور سفره. في مقابل هذه السيرة تأتي سيرة "حارب" المسلم العماني المساعد للأب بيتر، الذي يتحول في الاتجاه المعاكس، من الإسلام إلى المسيحية، فتقوم في نفسه حرب القرين، وتصاب شخصيته بالانفصام، وما كل ذلك إلا بسبب الخوف من عقوبة المرتد: القتل.


لا يوجد في "سيرة مباندا-جيكوب" ما يقنع ليبدل الرجل دينه إلى الإسلام، وهنا يأتي السحر كتكتيك. فقد ظهر للمسيحي الجديد ساحر مسقط "ثابت جارم"، الشخصية المفتاح لعالم السحر في الرواية، يطير في الهواء ويرمي على العبيد أقدارهم من عالم الغيب، سمعه "مباندا-جيكوب" يتلو سورة مريم بصوت شجي، فتأثر لتلك التلاوة وظل يبكي يومه، ومن يومها انعقدت نية من سحر في قلبه ليكون مسلماً. ويواصل المسحور "مباندا-جيكوب" طريقه إلى الإسلام، ويمضي ليصلي في بيت الله لأول مرة في حياته، فتقوم الشرطة بإطلاق النار عليه لأنه بدا لهم من لونه الأسود عبداً هارباً، وذلك لانتشار ظاهرة هروب العبيد، وهو رد فعل طبيعي ومنطقي ومتوقع حدوثه، على الأقل لأحد عبيد الرواية الرئيسة ولكن الرواية لم تفعل! ثم يساق "مباندا-جيكوب" بعدها ليعرض للبيع في سوق نخاسة، ويعجز عن إقناع دلال العبيد بأنه حر، ويفكر في الهرب ولكن ليس ذلك الهروب الكبير النابع من شوقه لحريته الأصلية، بل لأنه يمتلك وثيقة حريته في الفندق الذي يقيم فيه.


في سوق النخاسة يكتشف "مباندا-جيكوب" أن هناك أنواعاً وأشكالاً من البشر الذين يصطادون ويتاجر بهم المسلمون، يأتون بهم من أصقاع بعيدة، البعض منهم له بشرة بيضاء. الرواية هنا تقف على تناقضات عجيبة لم تخطر ببال صاحبنا لأنه كان واقع تحت تأثير سحر قوي من ثابت بن جارم. لقد اصطاده المسلمون مرتين، مرة وهو حر في أدغال أفريقيا ثم قيدوه في قبو سفينة مخالفين بذلك قوانين الإمبراطورية البريطانية التي تمنع هذه التجارة، ومرة أخرى وهو حر في مكة. يهبه الإنجليز في مسقط صك حريته دون مقابل، بينما يغنمه المسلمون في الشارع كما يغنمون أسلاب الحرب ويبيعونه مثل سلعة يروّجون لها بلا إنسانية. ما عدا السحر، ليس في إيمان "مباندا-جيكوب" ما يُقنع بحيث يترك المسيحية دين الإنكليز الذين يحمون القارة الأفريقية بأساطيلهم وحرروه من أصفاده، ويتحول إلى دين العرب حيث دلّالهم، تجعله الرواية يقف على باب الدريبة، أحد أبواب الكعبة المشرفة لتزيد من قداسة كلماته وهو يصيح بأهل مكة: ( هذا ما حلّله الله لكم يا عبيد الله .. رقيق وجوارٍ مباحة وكريمة). العبودية حلال مشاع عند العرب وجريمة عند الإنكليز، فالأولى وهذه سياقات الرواية نفسها أن يكره "مباندا-جيكوب" مجتمع العرب ويميل لمجتمع الإنجليز..


لكن الرواية تمضي بنا إلى إسلام المسحور "مباندا-جيكوب" على يد شيخ في حضرة الكعبة نفسها، ويصير اسمه "يعقوب"، ويتم ختانه، وحين يريد الزواج يقف له لونه الأفريقي مانعاً، نصحه صديقه في مكة: (لن تجد بيضاء حرة تقبل بك يا أبا يوسف، .. اذهب إلى دكة الدريبة واختر ما تشاء وتشتهي نفسك، .. اشترها واعتقها وتزوجها). رفض "مباندا-جيكوب-يعقوب" الفكرة، الطبقات الثلاث المتراكمة في حياته ترفض شراء الإنسان لأخيه الإنسان، لكنه في الأخير اقتنع بذلك المنطق، واشترى من سوق العبيد فتاة قوقازية مسلمة بيضاء أعتقها وتزوجها فأنجبت له يوسف. كان ذلك تحولاً سريعاً وغريباً، ولا بد أن سحر ثابت بن جارم أو الدين الإسلامي الذي يزعق كل يوم محللاً النخاسة على باب بيت الله قد وطّن الظاهرة المحتقرة في نفس "مباندا-جيكوب-يعقوب" فلم يعد يجد في ممارستها حرجاً. لم يبدي "يعقوب" مشاعر الرأفة وهو ينظر إلى الأماء في سوق النخاسة، سرعان ما نسي ألم الأسر وراح يتصرف بوقاحة مثل الأسياد، اشترى خديجة وأعتقها، ليس لوجه الله كما ينصح الإسلام، وليس إيماناً بفضيلة تحرير العبيد، ولكن من أجل أسباب رجولية صرفة، اشترى الرجل زوجته دون أن يأنبه ضميره! بعدها عاش "مباندا-جيكوب-يعقوب" أحوالاً صوفية مع ولي من أولياء المسلمين وشهد على كراماته، ومات بعدها في أحد السيول التي ضربت مكة.


ومع تفهمنا لمزاج الرواية الخاص في ملاحقة خيوط السحر القوي، لكن هناك ما يغري هنا لتكون سيرة مباندا رحلة تأملية في أديانه الثلاثة، دينه الأصلي الذي لم نعرفه والمسيحية والإسلام، خاصة وأن الدين يوجه مباندا ليسير في طريق معاكس لاتجاه مصالحه كعبد. أديان العبيد وتحولهم من دين لآخر من أمور حياتهم المربكة، ألا أن الرواية ركزت على سحر الحجر الأحمر أكثر مما اهتمت بالحالة الإيمانية لمسيحي من أصل أفريقي يعتنق الإسلام. مرة أخرى تنشغل الرواية بحبكة من سحر وتغفل عن مسار ربما أضاف فهماً أكثر لمسألة ترسب الأديان في قلوب العبيد. بالسحر مات "مباندا" حراً، دون أن يجد فرصة "كامونقة" ليروي عذاباته لأحفاده.


مسالمي العبد النموذجي


أما "مسالمي" فاسمه يدل على أنه مسلم منذ البداية، ومع ذلك تنصر بنفس سهولة العبيد الآخرين في "مدرسة أولاد العبيد المحررين" في مسقط، فالدين في تلك المناطق من إفريقيا، حتى بالنسبة للمسلمين، هو لقمة تسد الجوع وسقف يأوي. صار اسمه "مايك" وهاجر إلى البحرين وعمل في "مستشفى الإرسالية الأمريكية" في المنامة، ووقع في حب ممرضة أوروبية بيضاء، "روث" التي أغرمت به هي الأخرى، انخرط مسالمي-مايك في مجتمع الإنجليز، تماماً مثلما انخرط "مباندا-يعقوب" في مجتمع المسلمين، ورغم أن "مسالمي-مايك" و"روث" مسيحيان لكن اللون الأفريقي حرمهما من الزواج، فعاشا لثلاث سنوات في حب عذري، ولما فاح خبر الحب طُرد "مسالمي-مايك" من عمله في المستشفى فعمل كحارس شخصي للشيخ المتنفذ برجاله ويسيطر على جزيرة المحرق، وتعقدت الأمور بحيث تدخلت "دار الاعتماد البريطانية" في المنامة لتحمى "روث" كواحدة من رعايا الإمبراطورية، الدين ليس كافياً ليتزوج أفريقي أسود بأوروبية بيضاء، فرُحّلت الممرضة إلى بيروت، وسُجن "مسالمي-مايك" لسنتين، وكان في زنزانته وفياً لها يتذكرها على الدوام، لكنها كانت أوفى منه فلم تعرف بعده طريقاً للحب فانتحرت، وفي ذلك الانتحار إعلاناً مدوياً على رفض القيم المتناقضة للبريطانيين الذين يعيشون في مجتمع العرب وحرموها سعادتها. لو حدثت قصة الحب بين "مسالمي-مايك" و"روث" في بريطانيا، لما حدثت كل هذه المشاكل، على الأقل لن يطرد الحبيبين من عملهما، ولن يسجن "مايك". لكن العرب يعدون الإنجليز عاداتهم السيئة.


وتتابع الرواية سيرة العاشق "مسالمي-مايك" الذي استسلم لضغوط المجتمع بعد أن تأدب من تلك الحادثة، فرجع إلى دينه الأصلي، وصار اسمه "سالم"، وذلك ليتزوج من فتاة مثله، مسلمة سوداء أمها عبدة من أفريقيا. كان الكاتب موفقاً في اختيار اسم "مسالمي"، فهو أكثر شخصيات الرواية استسلاماً. عرف "مسالمي-مايك-سالم" أن لونه عاهة، وتيقن أن دينه المسيحي عاهة أعظم في مجتمع البحرين المسلم، وكان بإمكانه بعد إسلامه أن يرجع إلى اسمه القديم "مسالمي"، ولكن الإنسان عندما يغير ملته لا يعود كما كان في السابق، مات "مسالمي" في تنجانيقا وولد بدل منه مسلم جديد في البحرين: "سالم".


نتأمل في سيرة "مسالمي-مايك-سالم" كيف تتشكل المشاعر الدينية في نفوس العبيد، لم يتدخل السحر هنا ليغير من سيرة هذا العبد، فجاءت أحداثه طبيعية ومنسجمة مع ما نعرف من حياة الرّق. المجتمعات التي يعيش فيها العبيد تفرض عليهم ديانتهم، ولونهم يفرض عليهم من يتزوجون، وليس يملك العبيد من أمرهم شيئاً في معظم الأحيان. كان طريق الأديان الذي سلكه عبدنا في هذه السيرة متوافقاً مع طبيعة الأحداث، تحنو الكنيسة فيتنصر "مسالمي"، يقسو المسيحيون فيتحول "مايك" إلى الإسلام. المبشرون المسيحيون في البحرين كانوا متسامحين دينياً مع مسالمي-مايك لكنهم كانوا عنصريين تجاه لونه الأسود.


موانتي ونواتي


هذا بالنسبة لعبيد الرواية من الرجال، وفي سيرهم أحداث غير مقنعة، استسلموا لمصائرهم بسهولة، قبلوا أسماءهم الجديدة، لم يقاوموا، لم يفكروا في الهرب، نسوا أصولهم وأوطانهم دون رغبة حقيقية في استعادتها. أقارنهم بشخصية "كونتا كونتي" لأنهم مثله عبيد من الجيل الأول، الجيل الذي كانت له حياة حرة، وله ذاكرة حيّة على الأرض الأفريقية، الجيل الذي شرخت العبودية حياته إلى نصفين، وليس من المنطقي أن تنكسر أرواحهم بيسر، على الأقل ليس جميعهم. خنوع "أتور" و"مباندا" و"مسالمي"، وحتى "كنجي" الذي مات مبكراً في الرواية ليس مقنعاً، لأنهم ما كانوا من أولئك العبيد الذين ولدوا في الرّق، لقد عرفوا حياة غير حياة الذل، من الطبيعي أن يبقى جرحهم مفتوحاً، لا يندمل بسهولة على ما فيه من وجع الحنين ورغبات للمقاومة.


في عالم النساء ظهرت "موانتي" فتاة جريئة في الثامنة عشر حين هربت من جزيرة بمبا إلى جزيرة زنجبار خوفاً من اغتصاب زوج أمها، ثم كانت من الناجين على السفينة المنكوبة، تنصرت وأصبحت "ماريا" في "مدرسة أولاد العبيد المحررين" في مسقط، وكانت تحلم أن تلبس ملابس السيدات الأوروبيات، أحبت "نزنجي" الهندوسي، تزوجته وهاجرا إلى زنجبار، وبقي كل على دينه، وأنجبت منه "آهان" الذي سمي على اسم والد نزنجي الهندوسي و"نظيرة"، على اسم أمه المسلمة، وتظل الأسماء في الرواية فناً احترفه الكاتب وأبدع في استخدام معانيها العميقة، وكما يقر الروائي أمبرتو إيكو في كتابه "اعترافات روائي ناشئ"، ترجمة سعيد بنگراد، المركز الثقافي العربي، ٢٠١٤: (إن كل اسم علم هو شماعة نعلق عليها مجموعة من الخصائص).

أما "نواتي" الفتاة الصغيرة، في الثانية عشر من عمرها، والتي كانت تجهل ما حل بها مخطوفة من أفريقيا لعالم العبودية، وهي مثل البقية، تنصرت في مسقط وأصبحت "إيزابيل"، تزوجها بروفسور هولندي يدعى "ماثيو"، وهاجرت معه إلى زنجبار، وأنجبت منه ابناً سمته "ناثان" وهو الاسم المسيحي للعبد "كنجي" الذي أحبته ومات في مسقط، وأنجبت نواتي كذلك "أنطوانيت" بمدلول الاسم المسيحي العريق.


"موانتي" و"نواتي" كذلك لم يحلما بالرجوع إلى موطنهما الأصلي في أفريقيا، لم يقاوما ولم يفكرا حتى بالهروب، قبلتا المسيحية كما يقبل اللاجئ معونة الطعام، ثم انتشلهما الحب الصادق والزواج الشريف إلى هدوء العيش في عائلة، ما عدا ومضات من الماضي المؤلم تشع في رأسيهما بين الحين والآخر. في الأخير استقرتا في "زنجبار"، وهي جزيرة صغيرة جداً، وليست الوطن والبلاد التي تصطاد منها العبيد، بل هي ميناء كبير وسوق نخاسة عظيم، محطة مؤقتة للاستراحة من ألم السلاسل الحديدية قبل الولوج في محنة عبور المحيطات. ربما كانت "مومباسا" أكثر ملائمة من زنجبار لنهاية الرواية، مدينة تطل على كل من العمق الأفريقي والمحيط، تصلح أحياءها وطناً لعبيد ملكوا حريتهم فرجعوا إلى مسقط رأسهم، وتصلح شطآنها لنهاية "نزنجي" الممباسي والصرة السحرية.


وبالرجوع إلى سرد الرواية لسيّر هذه الجوقة من العبيد المختطفين من أفريقيا، نجد أنهم عاشوا في مسقط حياة مريحة نوعاً ما، لكن الأحداث سخنت في مكة، والتهبت أكثر في جزر البحرين وأخذت منحى عنيفاً في فصل سمته الرواية "أرخبيل الخوف" حيث كان حال العبيد الأسوء على الإطلاق، عند كل من المسيحيين والمسلمين.


جوهرة العنيدة


في "جوهرة" الشيئ الكثير من "كونتا كونتي"، أفريقية ضخمة الجسم عظيمة الشكيمة، هي عبدة للتاجر النجدي "عبدالعزيز" الذي أجبر عبده البلوشي "يوسف" بالزواج منها، ليتسنى له التسلي بها دون أن يقلقه أن تنجب له أبناء سود يحملون اسمه. تتحمل "جوهرة" هذا الأذى النفسي، ويتحمل "يوسف" المهانة، وتبلع زوجته "فاطمة" مرارة غيرتها، يصل قهر العبيد أوجه ويبدأوا بالمقاومة، تعشق "جوهرة" رجلاً أفريقياً على مزاجها، وتنفض كل ذلك البؤس على رؤوس الجميع، وتهرب مع عشيقها، وتهدد "يوسف" أن يطلقها فيفعل، فيعذبه فداوية التاجر "عبدالعزيز" على طلاقه لـ"جوهرة" دون الرجوع إلى سيده، وكأنه معاند تواطء معها لتهرب، ويطرد أهل "يوسف" من سكنهم ويعيشوا مشتتين. كنت قد حزرت أن أحد عبيد الرواية لا بد وأن يحمل قلب "كونتا كونتي" وعناده. ولا يضر أن تتجسد تلك الأوصاف في العبد "يوسف" البلوشي و"جوهرة" العبدة التي ولدت في العبودية، مع أن "موانتي" و"نواتي" كانتا أكثر تأهيلاً منها لهذا الدور المقاوم، وفي الأخير تتغلب جوهرة على سيدها بصك الحرية من "الدولة البهية القيصرية الانكليس"، وبالإمكان اعتبار سيرة "جوهرة" انتصار للمرأة لو شاء أحدهم أن يتمادى في التأويل.


تجري أحداث المحيط الإنكليزي سريعة، لا مساحة فيها لتتأمل الشخصيات ما يدور حولها، أو تقدم حكمة لما يحدث، لكن الكاتب خلق شخصية ماثيو، بروفسور الطيور القادم من إنجلترا، وسخره ليكون الحكيم الذي يشهد على مرارات العبيد، يراقب حياتهم من علياء حضارته، ويقرر في بعض تجلياته ومضات مركّزة هي الأجرأ في النص كله، مثل تيقنه أن التبشير للمسيحية في عمان يستتر وراء أعمال الخير في "مدرسة أولاد العبيد المحررين"، فيقول: (التفكير لا يمارس هنا إلا كالاستمناء، في معزل ودون علم أحد!)، وفي مشهد آخر يعقب على خبر "جيكوب" الذي ينوي التحول إلى الإسلام، فيقول: (الحكمة لا تحتاج إلى دين).


الخاتمة


ماذا تريد أن تقول الرواية عن العبودية؟ في الحقيقة هي تسرد قصص كثيرة وتترك للقارئ أن يستنتج الحقائق بنفسه. فليسمح لي القارئ ان استعرض بعض استنتاجاتي، ويبقى لكل قارئ للرواية تأويله الخاص.

دون أن تقولها مباشرة، تقارن الرواية بين المسيحية والإسلام في تعاملهما مع العبودية، ونستشف من أحداث الرواية مدى تفوق المسيحية في رفض العبودية كفعل ظالم وخسيس. تثبت الرواية أن الحضارة الغربية ممثلة في مؤسسات الإمبراطورية البريطانية (البارجة البريطانية فيكتوريا، وفي مسقط: مكتب الوكيل البريطاني المعتمد، والإرسالية الأمريكية وكنيستهم، ومدرسة أولاد العبيد المحررين؛ وفي المنامة: مستشفى الإرسالية الأمريكي وكنيسته، ودار الاعتمادية) كانت من التحضر بحيث ساهمت في التخفيف على آلام العبيد وحمتهم بقوة القانون. وعلى النقيض من ذلك تمسك المسلمون بالعبودية كحق لهم بحيث لم يكن لديهم استعداد للتنازل عنه، الأنكى أنهم وجدوا أن من واجبهم الديني أن يخالفوا قوانين الإنجليز، فاحترفوا أعمال القرصنة وتهريب العبيد، وظلت مكة بجوار بيت الله سوق نخاسة لهم.


نجد في كلام الأب المبشر بيتر زويمر مقارنة سريعة بين الديانتين، يقول:( إن تحريرنا لهم من العبودية لم يكن يعني أن نسجنهم في عبودية أخرى هي عبودية الدين، .. حتى لا نكون مثل العرب الذين عرفتهم، والذين يلاحقون من يدخل في المسيحية ويرتد عنهم بتهديده بالقتل، وقد عالجنا ذلك بتهريبهم إلى دول قريبة). وفي نهاية هذا الاعتراف يعتذر الأب المبشر: (ولتعذروني على هذا القول)، وما قرأت في هذه الجملة إلا اعتذاراً من كاتب الرواية نفسه، المسلم الذي يعتذر لأنه كشف المسكوت عنه، نكأ تاريخاً أسوداً في المنطقة. تعرض الرواية حقيقة أن برلماناً بريطانياً سن القانون الذي يجرم العبودية، والقارئ المسلم يشعر بالخيبة وهو يرى يداً تمتد من الخارج لتنتشل العبيد من وحل عاداته السيئة، يشعر بالغبطة أن أمته الإسلامية عجزت عن الخروج بمثل هذا القانون لأكثر من ثلاثة عشر قرن! صدر تاريخ تجريم الرّق والعبودية في عام ١٨١١م ، وتطلب الأمر أكثر من قرن من الزمان ليتم القضاء على الظاهرة التي ستبقى وصمة عار في جبين حضارتنا الإنسانية.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email