المحيط الأنكليزي … عوالم وثقافات، سيرة السحر واللعنة، البحر وحكايا العبيد


"المحيط الإنكليزي" للروائي البحريني فريد رمضان، إصدار دار سؤال عام ٢٠١٨م، رواية أنثروبولوجية بامتياز، رحلة شيقة في عوالم العبودية والسحر والدين، هذه هي محاور الرواية الرئيسة وخيوطها المهمة، مع أن الروائي لم يقبض على خيط منهم بشكل منفصل في أي فصل من الفصول، فالخيوط متداخلة ومتشابكة، واعتقد أنه كان من الصعب اختيار عنوان لهذه الملحمة الواسعة، فيما يبدو العنوان "المحيط الإنكليزي" موفقاً جداً لما تحويه الرواية من مساحة جغرافية شاسعة، تنطوي على هويات وقوميات وثقافات وأديان لشعوب مختلفة عاشت تحت ظل الإمبراطورية البريطانية. تبدأ أحداث الرواية في الأقاليم التي تجلب منها العبيد، شرق إفريقيا وموانئها مومباسا وجزيرتي بمبا وزنجبار، وصحراء شرق الهند، سَقَر وميناء جوادر، وتنتهي الأحداث في بلاد العرب، مسقط ومكة والبحرين. هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة تقع جميعها ضمن نفوذ الإنجليز، ما عدا مكة المحروسة في عمق صحاري العرب. أما زمن الرواية فكان نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتحديداً من ١٨٩٦-١٩٣٥م، وهي الفترة الذهبية للإمبراطورية البريطانية حين كانت الشمس لا تغيب عنها. جغرافياً، لا يوجد على الخرائط محيط بهذا الاسم، فعنوان الرواية متخيل، يلج عالم الأساطير ويجهز ذهنية القارئ لسحر الخيال منذ الوهلة الأولى، وإلى جانب العنوان الساحر هناك لوحة فنية للفنان البحريني جمال يوسف، أشكال بشرية عديمة الملامح غائمة الشكل، تترنح كأنها تتجول في حلم.

الكاتب والروائي عقيل الموسوي


يتناوب على سرد فصول الرواية التسع في٤٣٢ صفحة من القطع المتوسط، الراوي العليم والشخصية المحورية في الرواية "يوسف"، ما عدا الفصل الأخير الذي يرويه ابن يوسف "عبدالله"، هذا إلى جانب هوامش تفتح أبواب التفاصيل الدقيقة، اخترعها الروائي في حيلة سردية بارعة تحت مسمى "سيرة الكلمات". تبدأ أحداث الرواية مع مجموعة من العبيد اصطيدت في "تنجانيقا" في شرق أفريقيا، وتصاب سفينتهم بلعنة من سحر كادت أن تسبب غرقهم،إلا أن بارجة حربية بريطانية أنقذت السفينة وأخذت العبيد إلى مسقط حيث اعتنى بهم الأب المسيحي "بيتر زويمر"، وخصص لهم "مدرسة أولاد العبيد المحررين"، وبعد مدة تنصر العبيد الناجون على يده. يعرّف البطل عن نفسه متأخراً، يظهر في الفصل الثاني، في الصفحة ٤٥، ليقول: (أنا يوسف بن عبدالله الأعمى ذو الثمانية عشر عاماً). لحظتها يدخل القارئ في صميم الرواية وقد مسك بخيط سرد رئيس.


الرواية خيالية، ورغم ذلك يمكن بسهولة تصنيفها من الروايات الواقعية، وتصلح أن تكون مرجعاً معتمداً فقد جمعت بروعة النص الروائي المرويات الشعبية الشفهية والمكتوبة عن الرّق وآلام العبيد، والسحر الأسود وطقوسه، والأولياء وكراماتهم، والمبشرين المسيحيين في الإرساليات الأميركية، والانجليز المتنفذين من قنصلياتهم ودور الاعتمادية. وثقت الرواية كل ذلك في نص متماسك محكم، وسرد تلقائي وسريع لا مساحة فيه لمونولوج أو حوار داخلي للشخصيات، أو تحليل عميق على لسان الراوي العليم، الحكايا الفرعية القصيرة كثيرة، وكل حكاية منها تعرض قصة عبودية مختلفة، وتتدفق الحكايا زخات زخات مثل موجات خفيفة، وفي النهاية تشكل في ذهن القارئ المحيط الذي بشّر به العنوان. ذلك هو ما يعطي الرواية الصفة الأنثروبولوجية، هناك كثرة في السيّر وعدد كبير لشخصيات تتزاحم على ناصية الحدث، الأسماء كثيرة ويكاد القارئ يسهو عن الشخصيتين الرئيستين "مباندا" و"يوسف".

الروائي فريد رمضان

ما إن كشفت الرواية عن ألم العبودية وحياة عبيد مختطفين من شرق أفريقيا، حتى قفزت في ذهني شخصية "كونتا كونتي"؛ بطل رواية "الجذور" التي صدرت عام ١٩٧٧م. ورحت أقارن بين الروايتين دون شعور، كانت "الجذور" أطول زمناً، من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين، وتناولت ثمانية أجيال لعائلة من الزنوج العبيد وصولاً إلى الحفيد، الأمريكي "أليكس هيلي" كاتب الرواية نفسه. في "الجذور"، يصر المالك الأمريكي الأرعن على تغيير اسم العبد الأفريقي وإعطاءه اسماً مسيحياً في ظاهرة معروفة لكسر روح العبد ومحو ماضيه وهويته، بحيث يخنع ليرضى بدور حياته كعبد فلاح يمارس دين أسياده في كنيسة للسود. يرفض "كونتا كونتي" اسمه الجديد "توبي"، ومع ذلك الرفض يرفض كذلك الدين المسيحي والعبودية برمتها، مثل طير من طيور البراري التي لا يمكن حبسها في قفص، ويظل يحلم بحريته ويواصل محاولاته الهروب، مع أنه لا يعرف طريقه إلى وطنه البعيد وراء المحيط، لكن يكفيه أن يقاوم واقعه المؤلم ويرفض الشقاء المفروض عليه، فيعذبه سيده وفي الأخير يقطع رجله ليمنعه من الهروب، لكن "كونتا كونتي" لم ينكسر أبداً، وظل يحن لموطنه في أفريقيا وعلّم ابنته اسمه الأصلي وحدّثها عن قريته في الأدغال، واستمرت قصة "كونتا كونتي" المقاوم تسرد فخراً من آباء العائلة إلى أبنائها لقرنين من الزمان.

بالنسبة لجيلي حفرت "الجذور" شخصية "كونتا كونتي" في مخيالنا مثال لقصة العبد الإفريقي المقاوم، وقد هب مؤخراً روائيون عرب لقضية العبودية، وتناولوها في أعمال نالت قبول القرّاء، وسمعت أصوات العبيد ومعاناتهم في اللجان القائمة على جائزة البوكر العالمية، وحصدت هذه الروايات جوائز أدبية مهمة. الليبية نجوى شتوان كشفت المستور في قصة الحب بين "السيد محمد" والعبدة "تعويضة"، في روايتها " "زراريب العبيد"، إصدار دار الساقي، ووصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر عام ٢٠١٧. والمصري "محمد منسي قنديل" رفع العبد الأسود "العاصي" عالياً، هذا العبد اجتاز المشاق في السودان، وفي المكسيك أصبح الحارس الخاص للإمبراطورة، وشارك في أحداث الثورة في فرنسا عام ١٨٦٧، وذلك في روايته "كتيبة سوداء"، إصدار دار الشروق للنشر، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر ٢٠١٦. الأردنية "سميحة خريس" نالت جائزة كتارا للإبداع العربي ٢٠١٧ عن روايتها "فستق عبيد"، إصدار سلسلة الأبداع العربي، حيث يروي الجد "كامونقة" لأحفاده سيرته عبداً يوم سمع صوت بوق النخاس يجمعهم على منصة عرض العبيد شبيهاً بصوت البوق الذي يجمعهم للجهاد في معسكر ثورة المهدي. أما السوداني "حمّور زيادة" فأطلق سراح المسجون العبد "بخيت" ورماه في معمعة ثورة المهدي في السودان وفي صميم ذكرى قصة حب مع فتاة نصرانية. صدرت رواية "شوق الدرويش" عن دار العين للنشر ووصلت إلى قائمة البوكر القصيرة عام ٢٠١٥.


في "المحيط الإنكليزي"، هناك أكثر من شخصية تقترب من "كونتا كونتي" وتبتعد، وهناك من يشبه "بخيت" في حبه، وآخرون مرشحون لبطولة "العاصي" وشجاعة "السيد محمد". ربما اهتم آخرون غيري بدراسة القضايا المهمة الأخرى التي تناولتها المحيط الإنكليزي مثل الهويات وأصلها وعالم السحر وعادات الناس وتاريخ البحرين، لكني قصدت في هذا المقال أن أتعرض لقضية العبودية كما تناولتها الرواية، مع أنه ليس من السهل أن أحرر العبيد من خيوط السحر التي شبكها بهم الروائي، لكني سأحاول، فقط ليتسنى لي دراسة الشخصيات ومقارنتها بالأعمال الروائية الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أني ألا أنوي أن أنصب تلك الأعمال حكماً على "المحيط الإنكليزي".


وقبل أن نستعرض سير العبيد في المحيط الإنكليزي نذكر أن الرواية لم تأت على ذكر الأديان الأصلية لهؤلاء العبيد، ما عدا "مسالمي" الذي يكشف اسمه أنه مسلم، ويمكن للقارئ أن يتصور أديانهم معتقدات أفريقية بدائية، مع ذلك هي مهمة في عملية التحول إلى دين جديد، الإنسان يتكئ على معرفته القديمة ليجادل بها المعرفة الجديدة، وسنرى أن هذا الغياب جعل من التحولات الدينية المعقدة لعبيد الرواية يبدو سلساً وفي غاية السهولة، مع أنه في الحقيقة شائك ومربك، خاصةً إذا ما اتفقنا أن روح الرواية هو التعقيد وليس التبسيط.

الروائية الليبية نجوى بن شتوان

أتور المسحور


كان العبد "أتور" طفلاً حين دخل عالم العبودية، وفي الكنيسة استنكر القيود على المسيح، فسأل: (هل كان سيدنا المسيح عبداً حتى يقيد؟)، ومن "أتور" الأفريقي ولد "إستيفان" المسيحي ولكنه سأل مستغرباً مرة أخرى: (ألن يعرفني الرب لو قابلته باسمي الذي احمله؟) عند هذه النقطة الحساسة نجد أن الرواية اختصرت الكثير، سكت الرجال، وتقدم الطفل يسأل، وكان في ذلك ذكاء موفقاً، فأعظم الأسئلة في التاريخ، أسئلة الوجود الكبرى، هي تلك التي يسألها الأطفال ببراءة وعفوية، ويعجز البالغون عن الإجابة عليها.