ما هو دور المثقف في الحياة العامة والسياسية اليوم؟



بين يديك عزيزي القارئ ترجمة لنص محاورة تلفزيونية أجراها ميشيل فيليبس مقدّم برنامج (التفكير الاجتماعي)، والذي يجري حوارات مع الشخصيات التأصيلية التي تقوم بمراجعة بنى المجتمع وعمل مؤسساته، وهذه المحاورة جرت مع البروفيسور الفلسطيني الأصل وأستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة كولومبيا بنيويورك الدكتور إدوارد سعيد، له مؤلفات كثيرة في النقد والاستشراق والسياسة وما إليها إضافة إلى مئات المقالات في كثير من الدوريات الأجنبية والعربية.

المثير حقا في هذه المحاورة أن بروفيسور سعيد قدم إضاءات كثيرة فيما يختص بإشكاليات الذات والآخر، الاستشراق، ودراسة اللغة، والنقد الثقافي للأدب. لكن الأكثر إثارة من كل هذا هو صورة المثقف وعلاقته بمحيطه الثقافي ومراكز السلطة وقوى المجتمع، إنه بحث حي في وظيفة المثقف وتشخيص دوره في التغيير النظري والعملي، وفيه مقاربات تمس بشكل أو بآخر أنماط تفكيرنا نحن حين نكتشف أن البنى الفكرية التي أنتجت صورة مشوهة لنا في عيون الآخر هي ذاتها التي تتحكم في تفكيرنا وتمثلنا لصور الآخر الحضاري، إن نقد الآخر هذا الذي نجده في هذه القصاصات ينبغي أن يحفز فينا نقدا للذات بعد أن ننظر لأنفسنا من مرآة الآخر.

سيكون من الممتع أن أتركك مباشرة مع إدوارد سعيد..

المترجم




إدوارد سعيد، بروفيسور مؤسس عتيد بقسم العلوم الإنسانية في جامعة كولومبيا بنيويورك. مؤلف (ما وراء السماء الأخيرة)، و(العالم والنص والناقد) وأعمال كثيرة منشورة…أهلا بك بروفيسور سعيد،كيف يقوم المحيط الثقافي بإنتاج نفسه؟


حسناً، أعتقد أن القطبين اللذين يكوّنان المحيط الثقافي هما: المثقف الفرد من جهة، والمحيط الثقافي؛ أي عالم المثقفين الذي يوجد به المثقف دائما من جهة أخرى. وبين هذين القطبين تنشأ جميع أنواع العلاقات؛ أي العلاقات المتصلة بطبيعة سن القوانين، وماذا بإمكان المثقف أن يقول، المنبر، النشر، العمل المدعوم، المهنة، الكفاءة..وما إلى هنالك. أريد القول إن في المحيط الثقافي منظومة كاملة من المؤسسات تتمحور حول أمرين اثنين: الأول هو الحضور المدعوم والاستمرارية، مسألة استمرار تدفق دعم ممولي المؤسسة يوما بعد يوم وعاما بعد عام للمدارس والمعاهد والمكتبات والجامعات..إلخ. الأمر الآخر- وربما الأكثر أهمية لعدة أسباب- هو السلطة؛ لأن المثقف لا يعيش في برج عاجي بل في واقع تشكّل وتفاعل مع جميع أشكال السلطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

بالنسبة لي، العلاقة المثيرة بين المثقف والعالم هي علاقة السلطة، وفي عملي الخاص عالجت علاقة المثقف بالعالم لا باعتبارها علاقة تكامل بل علاقة ضدية. يبدو لي أنه في مجتمع حديث أو ما بعد حديث كالذي نعيش فيه وبالأخص إذا كان مرتكزا على المعرفة والمعلوماتية، فإن أحد أكثر الأمور أهمية هو الدور الذي يمارسه المثقف في هذا الواقع، أو بالأحرى تصورنا لهذا الدور. وبما أن المجتمع تديره صيغ القبول والإجماع ورأي الأغلبية والتلاعب بالآراء فإن أهم الأدوار التي سيلعبها المثقف هي تلك المتعلقة بسلطة المعارضة والنقد. هناك من لا يستطيع أن يُسمع صوته، ومن لا يوجد من يمثله، وأولئك المضطهدون، وحتى على مستوى نظري فهناك الأفكار التي لا يسمح لها أن تُذاع؛ لأننا مجتمع كتلة مبنية على تحوير أعداد ضخمة من المعلومات إلى صيغ مبسطة من قبيل (نعم أعرف، بلادي محقة أو مخطئة..)، ومن ثم فإن دور المثقف هو أن يقوم بصورة مستمرة بتكدير صفو ذلك الإجماع ليبرز نوعا من الفكرة المضادة سياسيا ونقديا، وهو الأمر الذي نفتقده غالبا.

لنتحدث قليلا عن الشرقيين، التاريخ أو ما أسمّيه خطاباً إنما هو نظام كامل من الأفكار عن الشرق أنتجتها حاجة مجتمعنا لوصف وتصور جزء آخر من العالم، النصف الثاني من الكرة الأرضية، ما أسمّيه جغرافيا خيالية، هذا غرب وذلك شرق. كل ذلك يؤدي وظيفة كنوع من (الآخر) المستمر...لو رجعنا إلى الإغريق لوجدنا أن الآخرين كانوا هم الفرس أو البرابرة. وكل مجتمع يحتاج إلى آخر. لنتحدث عن تطور نظرية (الغرب)؛ أعني انه ليس ثمة غرب واحد، لكن لنفترض أنه قد وُجد (غرب) واحد في العصر الحديث منذ حوالي نهاية القرن الثامن عشر حين مدت أوربا والولايات المتحدة ذراعيهما للمحيط العالمي، أو استحوذتا عليه بالأحرى. منذ ذلك الحين أصبح (الآخر) بالتكرار هو الشرقي الذي يشمل الصيني والياباني والهندي والمسلم والشمال إفريقي، وأنا مهتم جدا بالنطاق الذي اختُرع فيه هذا الآخر جزئياً بصورة شعبية وجزئياً أيضا عن طريق التعليم، فلقد احتاج هذا الأمر في الغرب إلى جسم مؤسّس من المعرفة للتعاطي مع العالم الآخر. أنا أصب اهتمامي فقط على الوجه الإسلامي للشرقي رغم أن كثيرا مما أقوله ينسحب على الهنود والفلبينيين واليابانيين ومن إليهم. لم تكن الغاية فهم الآخر فقط- وأنا أعتقد أن الفهم يلعب دورا مهما للغاية في إنتاج الآخر- وإنما الهيمنة عليه أيضا. وبرهاني بسيط للغاية، وهو أن ظهور الإمبريالية تزامن مع ظهور الاستشراق. وكان هناك مظهر شديد الوضوح للمعرفة القسرية والمحوّرة والمصمّمة ليس من أجل المعرفة الخالصة فحسب –ثمّة بالطبع جزء مؤكد منها- لكن أيضا للهيمنة على الشعوب التي يتم إخضاعها أو ممارسة التجارة معها، كشعوب الهند أو مصر أو السودان، كلها شعوب هامشية بالنسبة للغربي لكنه احتاج ليعرف عنها تمهيدا لحكمها. ومن الأمور التي لم ينتبه لها أغلب الناس دراسة اللغة، فأحد الإنجازات العظيمة التي أنجزها المستشرقون عن الشرق في القرن الثامن عشر هو دراسة كل تلك اللغات بالغة التعقيد من السنسكريتية والزندية إلى العربية والعبرية في غرب آسيا والقسم الغربي من الشرق. ما درسته كان عملا بديعا للغاية للّسانيّين (علماء اللغة) الذين اهتموا باللغة فقط. ولقد وجدت الآن أنه حتى في دراسة اللغة يتبدى نوع من النسق الأيديولوجي، كانت هناك تمايزات.

(شليجل) على سبيل المثال، وهو مؤلف وعالم وشاعر وكاتب مقالات عظيم في بواكير القرن التاسع عشر، أوجد تمايزا بين اللغات الهندو-أوربية، وحاول الربط بين اللغات الأصلية للهنود واللغات الأصلية لأوربا، هذا في الكفة الأولى. وفي الكفة الثانية قارنها مع اللغات السامية التي تمثلها اللغتان العربية والعبرية أساسا، وذهب إلى أن اللغات الهندو-أوربية تمتاز بالحيوية والتناغم العضوي والإبداع والابتكار والروح الأصيلة التي نتمتع بها نحن الأوروبيين. بينما الساميون لغتهم ترتد إلى مستوى ثلاثي محدود؛ أي أن الجذر الحقيقي لكل مفردة سامية يتكون من ثلاثة أحرف. وهو يقول إن اللغة هناك تمارس وظائفها بطريقة تراكمية وآلية جدا، وهذا يؤدي بالطبع إلى قصور العقل السامي الذي هو عاجز عن بلوغ الإضاءات العظيمة للشعر أو التراجيديا أو الخيال من النوع الذي نشترك فيه مع الإغريق والأوروبيين، وأفترض أيضا الهنود الأصليين. كل هذا يتحول إلى نظرية كاملة لشخصية الشرقي، والعقل العربي، والروح الإسلامية، وما إلى ذلك.

وما هو أنكى من هذا أن تلك كنظرية أصبحت بالتدريج تشمل كل شيء، وما نتحدث عنه في العادة كاستثناءات في التجربة الإنسانية يُجمع عادة تحت عنوان عام للشرقي، هذا ما يجعل شخصية الشرقي تتحول إلى نوع من النسج الخيالي، نوع من الابتكار الأيديولوجي المتخيّل، له كونه الخاص، ووثوقيته التامة التي ربما نرفعها إلى مصاف (الحقائق)، وكل صورة من عالم الشرق تقف شاهدا على استبداد الشرقي، وشهوانية الشرقي، وفجور الشرقي، وترف الشرقي، وانحلال الشرقي..وهكذا أصبح (الشرقي) صفة عائمة فضفاضة لا تحيل إلى الشرقيين الواقعيين.

في نهاية الأمر بدأت هذه الصور للشرقي تمارس دورا ليس في الهيمنة على الشرق فقط، بل في محاربة الشرق كما في أنحاء مختلفة من العالم الثالث في القرن العشرين. ثمة مقاومة للإمبريالية الأوروبية بدأت بمحاولة تدمير هذه العبارات المستهلكة القديمة، وكان للناس أن يكتبوا تاريخهم الخاص لأول مرة بعد أن كانت كتابة تاريخهم ووجودهم تتم على أيدي العلماء الأوروبيين. إنه الآن يُكتب بأيدي أبناء الشرق أنفسهم الذين أخذوا ولأول مرة يمزقون هذه الرّقع الفضفاضة وبدءوا في التحدث عن الأفراد، عن الأمم، عن الشعوب، وعن العادات التي يمارسونها. ومما يوصم به الاستشراق هو أنه أسلوب للهيمنة ومركزة الغرب، فلقد طُمست الحقيقة عن الشرق فقط ليشرّع الغربي ما هو الأفضل، وهكذا...واستمر ذلك حتى يومنا هذا. أعني أنك لو قلبت صفحات جريدتك اليومية، أو استمعت إلى المذياع، فسوف ترى ذلك العدد الضخم، في الواقع ليس عددا ضخما بل عددا ضئيلا من العبارات المستهلكة يتم نشرها عبر عدد ضخم من الوسائط، وبالتكرار تتشكل لديك إحالات إلى عقل العرب، كما لو أن للعرب عقلا يختلف عن سائر العقول، وله قيمه المغايرة. والمغزى أن كل هذا سينسحب بالتكرار على الشرق الأوسط، وهذا يفسر النقاش الذي يثيره كتابي، فهو لا يُعنى بجهل العوام ورجل الشارع ومن يلوك العبارات العنصرية المستهلكة على غرار (كل السود لديهم إحساس بدائي بالإيقاع) أو (يحبون أكل البطيخ الأحمر)، أنا في الحقيقة لا أتحدث عن هذا المستوى، بل أتحدث عن العلماء، الأصل في نشوء كل هذا، وهم من سيتطوع في المذياع أو التلفاز أو كليشيهات الصحف للتحدث عن حياة العرب بأسلوب (كل الطرق في المدينة العربية تؤدي إلى البازار)؛ أي كل شيء تجارة، ونسيان أن هكذا كليشيهات يمكن أن تنطبق بالتوازي على نيويورك التي توجد بها البورصة وكل شيء..أي الرأسمالية، يمكن للمرء التحدث عن هذا، لكن هناك رغبة دفينة للحديث عن مساحات (الآخر) مجردا فوق كل هذا من شخصيته الإنسانية، ماحين عن الشرقي ربما أي أثر للتاريخ أو التحضر. ذلك أن لدينا فكرة: "حسنا لا مشكلة، ربما يملك سيارة، أو يبصر مثلنا، ربما يستخدم الشوكة والسكين كما نفعل، لكنه في جوهره شرقي صميم!! ثمة نوع من الفرق الأنطولوجي بيننا وبينهم". تناقض النحن/هم –وهو ما أبدي اهتماما خاصا به- يتحول إلى أوراق سياسية رابحة.

نستطيع أن نرى الآن كيف استمرأنا تدمير بلدان كالعراق. تُرسم صورة العراق عادة كصحراء سكانها شيوخ قبائل، أو إرهابيون، أو أصوليون، أو شخص مجنون هو صدام حسين متناسين أن هناك مجتمعا كاملا. أغلب الناس لا يعرفون أن العراق على سبيل المثال ذو جذور ضاربة في الحضارة العربية، وأنه كان ربما المركز أو أحد بلدين مركزيين في مجمل تاريخ الشعوب العربية، وأن بغداد ذات ريادة عريقة في العالم العربي. صدام دكتاتور، لكن هذا -عوضا عن النظر إليه من منظور سياسي- يمثل حقيقة تاريخية يمكن معالجتها، إنها ترجعنا إلى الصراع بيننا كأخيار وبينه كشيطان، ومن السهل علينا اعتباره شيطانا لأنه المسلم، الآخر، العربي... وفي النهاية إنه (الشرقي). هناك سلسلة طويلة لهذا السلوك،وأنا أجد نفسي أحد أولئك الذين قدموا من تلك البقعة من العالم، درست وتعلمت في منطقة، وبشعور معين عشت في أخرى، ومن ثم فأنا قادر على فهم الكليشيهات والقوالب التي فرّختها أخيلة المستشرقين عن هذا العالم كما روّجوها في عالمي، العالم الذي أتيت منه، العالم العربي. لكني قادر أيضا على رؤية الكليشيهات في العالم العربي والأساطير ليس عن ذواتنا فحسب بل عن الغربي الذي يرادف هناك الحاقد الماكر، ويرادف القاصر في فهم السياسات وتفاصيل عالم اليوم.


تحدّثنا عن مبتنيات المجازات والمفاهيم، وفي الواقع عن الأيديولوجيا، وركّزنا على الاستشراق كمبتنى. بدأنا مع المثقف..ألا تنتج أنت مع أشخاص آخرين أيديولوجيا معاصرة عن المثقف الذي يلعب دورا، الذي يعيش في بنية السلطة، والذي ينتج أيديولوجيا القرن المقبل؟


حسنا، أعتقد أن هناك رهانا عظيما على المثقفين للقيام بتلك المهمة، غرامشي (Gramshee) على سبيل المثال يتحدث عن نوعين من المثقفين؛ يتحدث عما يسميه المثقف العضوي، والمثقف التقليدي. المثقف التقليدي هو ذلك الذي يعتبر نفسه في الأساس مدافعا عن الوضع الراهن، والأمثلة التي يسوقها غرامشي هي لأشخاص من قبيل القسسة والمعلمين في المدارس فهم يستعيدون الدروس نفسها عن الأرثوذكسية مثلا جيلا بعد جيل، والأمر يبدو كما لو أنك دخلت كنيسة عام 1900م مثلا ثم عدت إليها عام 1950م ، القس يمارس أساسا الطقوس ذاتها.

لن تجد التنوع نفسه في الفكر والمحتوى كما هو الشأن لدى النوع الثاني الذي هو المثقف العضوي. يخص غرامشي المثقف العضوي باهتمام أكبر، لأن المثقف العضوي يعتبر نفسه مرتبطا عضويا مع حركة معينة، مع طبقة معينة، أو حزب، أو جمعية، أو مجموعة.. ما يثير هاجس التغيير في المجتمع الحالي أو الوضع السياسي. إذن، مثقف كهذا الذي أتحدث عنه في الجامعة مثلا يمكن أن يحدّد دوره بطريقتين؛ إما أن يمارس الأشياء ذاتها التي كانت تمارس، أو يشخص ببصره نحو المستقبل لإنتاج نوع مغاير من التفكير الذي يقود للتغيير في الفكر والمجتمع. ولربما يمتدح شخصا يعتقد أنه مميز، لكن فيما يخصني فأنا أخبرك عن نفسي، لا أملك الحق في الكلام عن الآخرين، أستطيع فقط التحدث عن الأمور التي أعرفها. كمثقف وكأستاذ في الجامعة اعتبر نفسي مفوّضا ومنتدبا لتدريس الأعمال الأدبية العظيمة في الماضي، أدرس الإنسانيات، أدرس الأدب. هذا مهم وأنا أوليه جل عنايتي؛ إذ أنه لا طريق لمعرفة أنفسنا دون التعرف على الماضي. لكن ما أحاول عمله هو محاولة مقاربة هذه الأعمال لا باعتبارها موجودة في عالم يوتوبي ذي طبيعة مجردة ومنفصلة عن العالم، بل النظر إليها كجزء من العالم، جزء حقيقي من الكون الذي نعيش فيه. وبالنسبة لي، أهم مظهر لهذه الحالة التاريخية لنصٍّ ما هو أيضا موقعه الجغرافي. حاول أن تفهم من أي مكان في المجتمع أتى نصك، وإلى أي موقع من المجتمع يؤشر النص.

لنستحضر ما حدّثتك عنه آنفا حول الاستشراق والمعركة الثقافية بين الشرقي والغربي، الغرب والإسلام في حالتي؛ أي العالم الذي جئت منه. من المهم جدا أن أموضع دائما الأعمال العظيمة التي نقرؤها على شاكلة روايات ديكنز في القرن التاسع عشر بالإضافة إلى روايات جين أوستن وفلوبير، فهي تمتلك إحساسا مرهفا للغاية بالمكان الذي تجري فيها أحداثها من العالم.

على سبيل المثال رواية ديكينز (دومبي والولد) التي قمت بتدريسها فيها شخصية رجل أعمال. وديكنز واضح جدا في القول إنه رجل أعمال يرى العالم كله سوقا له؛ أي أن عليه أن يشتري كل مكان. هذا الإحساس بالرسالة يقترح في الواقع شخصية البرجوازي المغامر الذي يخرج للسيطرة على العالم. خذ كونراد مثالا آخر في (قلب الظلام) وهو كتاب عن أفريقيا، وهو تاريخ لا أظنني قادرا على اختزاله ببساطة إلى مستوى النص، بل عليَّ الخوض في سياقه التاريخي، أي الصراع بين أوروبا وباقي العالم الذي احتُل وأُخضع للإمبريالية. إذن ما أفعله كأستاذ هو شرح كيف أن رؤية العالم هذه عند ديكنز أو كونراد قادت إلى الثورة والمقاومة والتمرد عند السكان الأصليين والأفارقة. وهذا يفسر ليس فقط حركة العصيان ضد الإمبريالية بل مجمل الحركات الوطنية التي تمخضت عنها دول جديدة وآداب جديدة !! إذن سيكون من المهم بالنسبة لي كأستاذ أن أشرح كيف أن أعمالا مثل (قلب الظلام) أنتجت الروايات الأفريقية، أو هي على الأقل أثارت استجابة مضادة لدى الروائيين الأفارقة، لدى الأفارقة الذين يريدون كتابة تاريخهم الخاص، ليس مجاراةً لكونراد بل على النقيض منه. وبهذا تحصل على نقائض رائعة حقيقية من الأعمال التي تجيب عن أسئلة الماضي، أو ما يمكنك تسميته بكتابة الماضي. إذن عملي كمثقف وكأستاذ هو أن أغيّر إدراك الطلبة الذين يعتقدون أن الأدب هو شيء من الماضي. أحاول أن أضعه في سياق صراع متواصل على القيم، والمفاهيم، والأفكار التي تتمازج بنا ونحن نتحدث اليوم.


أنت تؤكد أيضا على مفهوم البنية، بنية السلطة، البنية الأكاديمية أو الطباعيّة.


نعم؛ لأنه من المهم جدا أن نفهم تلك الأعمال من الأدب الذي يصدر. هذه الغرفة على سبيل المثال نجد على رفوفها كتبا من ذلك النوع أكثر من الأشياء الجامدة، فلها حياة نستطيع أن نسميها حياة الأدب، حياة بث الأفكار، مناقشة الأفكار، إدراك الأفكار.. وذلك ما يثيرني لتعمقها أكثر من الأفكار الواقعية التي ربما تقبع جامدة في كتاب ما. وذلك النقاش، ذلك السياق، هو في الواقع ما أدرسه وأدرّسه لطلابي، ما أسمّيه التحليل الثقافي أو النقد الثقافي. إن دراسة الكتب والأفكار في ثقافة ما يكتنفها قدر كبير من التباينات، أقصد أن روح الثقافة لاتقتصر على وجود نقاش لا نهائي يتمدد وينكمش، وأفكار تُناقش، وتُنقد، وتُفند، ويتُخلى عنها مهما تكن، بل إن التباينات لازمة دائمة بين الناس الذين هم متباينون بطبيعتهم. اعني أن العالم متنوع الأصول والأمشاج، نحن نعيش في عالم هجين وتلك الأعمال تسهم في تنامي الرأي، في صناعة التقبل، أو في التغييرات المهمة. من هنا فإن دوري كعالم وكمثقف يعارض التصارع – ويبدو لي هو الواجب الأسمى للمثقف كما يقول بيندر- ليس هو حشد الانفعالات الجمعية، أو تبرير المجازر الجماعية، بل على العكس أن نسعى لإفشاء الحق وتلمس الصيغة التي تمكّننا من العيش معا ككيانات بشرية. نعود مرة أخرى للاستشراق، نعود لفكرة (نحن) مقابل (هم)، سنجد أننا حقيقةً نعيش في عالم صغير جدا، والفكرة المبدئية – وهي النتيجة التي قادني لها عملي كمثقف - هي مبدأ التعالق الذي يؤمن بأنْ لا سبيل لأن تكتسب خبرة لوحدك، إن كل الخبرات هي خبرات مشتركة.

حينما ننظر للمفكرين منذ 15 سنة، نجد أيديولوجية نحن ننمّيها هنا، هي دور المثقف، وعلاقته مع السلطة، والوظيفة التي تنهض بها تحليلاته، وتنوع الأصول. هذا يعني أنه خلال الخمس والسبعين سنة القادمة سيكون لدينا مثقفون يدرّسون هذا، وطلاب يقولون "هيا فلنذهب لمحاضرة التفاعل مع الفكر الأفريقي، أو الروسي، أو الكندي.. فمن الواجب علينا أن نحفّز أخيلتنا لنتمكن من فهم العالم".

نعم، إنني أعتقد أن أغلب الثقافات تنـزع إلى التعريف بنفسها، ولو نظرت بتمعّن فستلاحظ أن كل شخص سواء كان أمريكيا أو فرنسيا أو مغربيا أو هنديا، والأساتذة والمعلمون والطلاب في المدارس ، الجميع يميل لتوصيف ثقافته الخاصة بأنها الأسمى والأولى، وذلك يضفي نوعا من الشعور بالسلطة الاجتماعية والصيت. أشعر أن هذا مدمر بشكل فظيع، ويبدو لي أن تلك إحدى أخطر المهام المنوطة بالمثقف في العصر الحديث حيث نحن موبوءون بهذا الداء؛ إذ أن هذه الأفكار التي تصور كيف أننا رائعون وكيف ضمنيا لا يقل كل شخص منا روعة، هذه الأفكار تفرز في النهاية بعض التصورات مثل الهوية النقية جدا أو الشوفينية، أو تنتج تفكيرا عنصريا، حيث تبدو تاريخياً جذور الهوية النقية وثيقة الصلة بالعنصرية؛ أي النظر لأشخاص آخرين باعتبارهم أعضاء في عرق بشري أدنى منزلة وأقل رقيا منا. إذا استطعنا خلال الخمس والسبعين سنة القادمة التخلي عن اعتبار أنفسنا الأصل والرقم واحد والأفضل، وأنْ ليس بمقدور كل شخص القيام بكل شيء، وأنك لن تستطيع اعتصار كل التاريخ الإنساني في رأسك، بل الشعور بأن التاريخ في جوهره استمرار، فالكندي هو في الحقيقة مزيج أو هجين من الأفريقي والشمال أمريكي والجنوب أمريكي.. هذه هي حقيقة الحياة المعاصرة، أعني أن نتاجاتنا تأتي من أجزاء مختلفة من العالم، ونحن عرضة للتأثر بعوامل كثيرة بيئيا وتاريخيا وسياسيا.. إذا استوعبنا كل هذا الدرس فقد أنجزنا عملا عظيما؛ لأنه ليس ثمة ما هو أكثر هدما من الإحساس بأننا – مهما تكن الـ(نحن)_ مركز العالم، وأن كل الأشياء من حولنا تمثل تهديدا كامنا لنا. أعتقد أن ما ينبغي علينا تعلمه هو الوعي بأن هذه الأشياء جميعها يجب أن تتكلم بطريقة سيمفونية بدلا من الطريقة العدائية والنشازية والتعاركية.


هل نستطيع التحدث عن الطريقة التي تمارس بها الكلمات وظيفتها؟ ألا ينبغي أن يكون هناك مبحث حضاري؟ أليس من الواجب أن يكون من طبيعة البشر توظيف الكلمات لإنتاج خطاب أكثر تنوعا في الأصول والأمشاج؟


حسنا، لا أقول هذا لأني فقط دارس وناقد للأدب، وأن الأدب يقع في صلب عملي، لكني أعتقد أننا مجتمع يعيش بفضل الاتصال. والصيغة الأولية للاتصال الذي نعيشه إنما هي لغة. واللغة بالطبع مركبة من لغات متنوعة، بشكل متفاوت. أنا أعني أن الإنجليزية لو نظرنا إليها في المستوى الأول لغة عالمية، يستخدمها الجميع من طياري الخطوط الجوية ومصرفيين وغيرهم في شتى بقاع العالم. لكنها في المستوى الثاني لغة وطنية، إنها لغة الولايات المتحدة، وإنجلترا، وكندا، واستراليا، وغيرها. علاوة على ذلك، هنالك أنواع متعددة من لغات الاتصال، فاستخدام السياسي المتخصص للغة يختلف تماما عن استخدام عالم الاجتماع أو المهندس الميكانيكي. أحد الأمور التي أراها ذات فائدة جليلة هو خلق حساسية لدى الناس في استخدام اللغة ليس كنوع من الفرز المعقد إلى لغة اصطلاحية للهندسة الميكانيكية وأخرى للعلوم السياسية، وإنما الطريقة التي تنقل بها اللغة القيم وتمارس عملها، فهي تمارس عملها بالفعل وتنجز مهامها بطريقة أو بأخرى، وفوق كل هذا كيف للغة أن تغير المفاهيم وصولا إلى تغيير العالم الذي نعيش فيه.

ما لم نمتلك هذا الإحساس بالطريقة التي يمكن من خلالها للغة فعلا أن تغير الواقع خلاف الطريقة التي نفترضها دائما، فإننا نستخدم اللغة بأسلوب جاف وميت. وأحد الأشياء التي أشعر بها كدارس وكمعلم وكمثقف وأحاول نقلها لطلبتي، هو الشعور بالقوى الخلاّقة للغة بغض النظر عن الحقل الذي تُستخدم فيه. وأفضل استخدام بالنسبة لي هو ذلك المؤدي إلى التأمل الذاتي، والوعي الذاتي لدى الطالب أو مستخدم اللغة بدلا من اعتبار اللغة ببساطة وعاءً سلبيا. ومن ثم فإن غريمي هو ذلك الشخص الذي يجلس بسلبية لمشاهدة الـ(CNN) طوال اليوم ويقول "نعم، هذا هو العالم". الشخص المثالي الذي أريده هو من ينظر إلى الـ(CNN) ويقول "لا، ليس هذا هو العالم، هذه رؤية للعالم، وواجبي كصاحب عقل في المجتمع أن أتلمس الرؤى البديلة الممكنة لأكوّن قناعتي الخاصة، ثم أخرج وأغيّر العالم".

2 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email