لوليتا في طهران حوار مع الكاتبة الإيرانية آذر نفيسي

 

ولدت آذر نفيسي في منتصف الخمسينيات، وهي من عائلة معروفة وثرية، فوالدها أحمد نفيسي كان محافظاً لمدينة طهران ونائباً في البرلمان في أوائل الستينيات، في هذه الفترة ابتعثت آذر إلى سويسرا للدراسة هناك. ولكنها عادت في عام 1963 إلى إيران بعد اعتقال والدها نظراً لخلافه مع وزير الداخلية، وبقت في طهران حتى نهاية الستينيات. خلال السبعينيات استكملت آذر دراستها الجامعية في جامعة أوكلاهوما، وانضمت هناك إلى حركة الطلاب الإيرانيين، وعادت إلى طهران في عام 1979 وعملت أستاذة للأدب الانجليزي في جامعة طهران حيث تعرضت هي وطالباتها للمضايقة منذ البداية ثم قيدت حريتهن المدنية، وأصبحت المناقشات لاحقاً في الصفوف الدراسية تتمحور أكثر حول القمع المتزايد في المجتمع الإيراني.

 

استقالت نفيسي من الجامعة في سنة 1995 بعد رفضها ارتداء الشادور، ثم دعت سبعة من أحسن طالباتها لحضور جلسات أدبية خاصة في بيتها كل يوم خميس للحديث عن الأدب. في 24 يونيو 1997 هاجرت آذر نفيسي إلى الولايات المتحدة لتعمل أستاذة زائرة في جامعة جون هوبكنز ولتنشر سنة 2003 كتابها "قراءة لوليتا في طهران" . مضى الكتاب أكثر من 100 أسبوع على لائحة الكتب الأكثر مبيعاً، وترجم إلى 32 لغة. 

 

الحوار التالي أجرته معها نيـرمن شيــخ ونشر في مجلـــــــة (Asia Source):

  • قلتِ في كتابكِ " قراءة لوليتا في طهران"  بأنكِ عدتِ إلي إيران في عام 1979 بعد سبعة عشر عاماً قضيتها في الخارج، هل يمكن أن تتحدثي عن ظروف تعليمكِ وأين نشأتِ؟ 

 

نشأتُ في إيران حتى بلغت الثالثة عشرة من عمري، ثم سافرت إلى بريطانيا لاستكمال دراستي، بعد أن مكثت في سويسرا لفترة قصيرة، وبعد ذلك قضيت سنوات الجامعة في الولايات المتحدة. ولكن حتى أثناء وجودي في الخارج، كنت أعود إلى إيران أثناء الإجازات، وذات مرة قضيت عاماً كاملاً في إيران (أثناء فترة اعتقال والدي). 

 

  • هل يمكن أن توضحي سبب اختياركِ لتأليف كتاب يشتمل على عدة أنواع أدبية: السيرة الذاتية، الرواية، والنقد الأدبي؟

 

جاءتني الفكرة بينما كنت أؤلف كتاباً عن نابوكوف بالفارسية بعنوان (دراسة نقدية في روايات فلاديمير نابوكوف). كنت دائمة الاشتغال في مزج الحقيقة والخيال وتحولاتهما في الرواية. وأثناء تأليفي الكتاب كنتُ أفكر كم سيكون رائعاً لو كتبتُ عن كل الأزمنة المختلفة، كل المراحل المختلفة في حياتي، التي كنتُ أقرأ فيها روايات نابوكوف.  في الفصل الأخير من كتابي، ذكرت شيئاً من هذا القبيل. ولكن في إيران يصعب عليّ ذكر الحقيقة عن حياتي، ليس على المستوى السياسي، ولكن على المستوى الشخصي. على سبيل المثال، أردت أن أشرح كيف قرأت نابوكوف للمرة الأولى، ولكن حتى أشرح ذلك كان عليّ أن أكشف شخصية الرجل الذي أعطاني كتاب نابوكوف، فقد كنت على علاقة عاطفية مع هذا الرجل. في واقع الأمر ذكرتُ ذلك في كتابي بالفارسية، ولكن الأصدقاء المقربين طلبوا مني أن أحذف هذه الفقرة. في الولايات المتحدة ألفت الكتاب الذي لم أستطع أن أكتبه في إيران. ورغم ان الكاتب يملك رؤية واضحة لما يريد أن يكتبه قبل الشروع في الكتابة، إلا أنه حين يبدأ الكتابة، فإنه يكتشف أشياء لم يكن يدركها، ويبدأ الكتاب في تشكيل عالمه بنفسه.  

 

 

  • هل تجدين في الأدب إمكانات تعويضية، هذه الإمكانات التي أصبحت الثيمة البارزة في كتابكِ.

 

يجب أن يُقرأ الأدب بوصفه متعة حسية خالصة، وهي متعة فريدة من نوعها. القراءة تشحذ المخيلة، وتخلق التواصل مع الناس والأمكنة التي لم نختبرها أبداً. هذا هو الجانب التعويضي للأدب، بوضع القراء في سياقات غير مألوفة، وتعرضهم لمختلف الاحتمالات، حينها يبدأ القراء في التآلف مع الشخصيات والأمكنة بمنأى عن تجاربهم الشخصية.

 

والكتب تصبح أكثر أهمية في زمن الأنظمة القمعية الاستبدادية التي تصادر الحريات الشخصية، فالكتب لها القدرة على إنقاذ بعض الكرامة المهانة وحس الروح الفردية. والقاريء يرغب في الذهاب إلى مكان ما حيث الأفراد يمكن أن يشعروا بالبهجة، وأن يحتفلوا. والأدب، بغض النظر عن مصدره، يستطيع أن يأخذ القاريء إلى هذا المكان. الأدب احتفالٌ بالحياة.  

 

  • كيف اتجهتِ إلى الأدب؟

 

لا أذكر متى كان ذلك، فالأدب كان جزءاً مهماً في حياة عائلتي. في الثالثة أو الرابعة من عمري كان أبي يأخذني إلى الفراش ويقص عليّ حكايات من الأدب الإيراني الكلاسيكي، وكانت عنده طريقة طريفة في اللعب معي: إذا أراد أن ينصحني، أو يطلب مني شيئاً، كان يقول ذلك في حكاية قبل النوم. وإذا كان غاضباً مني فإنه يحكي لي قصة أب يحبُ ابنته حباً جماً ولكنها تغضبه بأفعالٍ خاطئة. وهكذا كنا نختلق معاً هذه القصص. منذ طفولتي كان الأدب ملاذاً لي، ولا استطيع أن أذكر وقتاً لم أقرأ فيه كتاباً.

 

  • ما هي التأثيرات الأدبية الرئيسية في حياتك؟

 

ذكرتُ في كتابي بأنه عندما أتحدث عن التأثيرات الأدبية فأنا إنسانة مشوشة جداً، فهي خليط من كل شيء. حكايات أبي كانت مستمدة من الحكايات الإيرانية الكلاسيكية، ولكنه كان أيضاً يحكي ليّ قصص لافونتين، هانز كريستيان أندرسون، والحكايات الخرافية التي تتداول في الشرق والغرب (على سبيل المثال سندريلا والجمال النائم) .

 

 

حين بدأت القراءة، كنت أقرأ كل شيء: الآداب الفارسية والأوروبية، ووقعت في البداية تحت تأثير الأدباء الروس والفرنسيين، ثم الإنجليز. ومنذ ذلك الوقت بدأت أقتنع بأن الأدب لا وطن له. ولهذا فإنني استغرب حين اتهم بأنني لا أكتب إلا عن الروايات الغربية، في حين أنني أكتب عن الكتب التي بداخل عقلي. هناك أشياء معينة في العالم كونية وغير مرتبطة بمكان. فالأعمال الفنية لا تنتمي إلى جنسية معينة، على الرغم من كونها تمنحنا معرفة كافية عن أناس وأماكن محددة، يمكن أن نتآلف معها في مستويات مختلفة، أهمها المستوى الكوني. 

 

  • ذكرتِ في كتابكِ حادثة وقعت في طهران أثناء تدريسكِ بالجامعة، حيث أشاد أحد الطلاب المتشددين الإسلاميين بفكر إدوارد سعيد. لماذا شعرتِ بأن هذه الإشادة كانت في غير صالح إدوارد سعيد. كيف تقيمين كتابات سعيد بصفتك ناقدة أدبية وناشطة سياسية؟

 

 

من الصعب التعليق على إدوارد سعيد، لأنه يمثل جوانب كثيرة، فهو مغوٍ جداً لأنه واسع المعرفة، ومثقف، وشخصية كاريزمية. اعتقد ان الموسيقى هي شاغله الرئيسي، وحين يتحدث عن الموسيقى يمكنكِ معرفة مقدار بهجته وسعادته. العديد من الناس يعارضونه بسبب آرائه السياسية، وأنا لست منهم. مشكلتي معه محض أدبية.

 

يطرح إدوارد سعيد إشكالات معينة في قراءته للنصوص الأدبية، وأنا    لا أتفق معها.  قرأتُ كتابه (الثقافة والامبريالية) بعد أن سمعت إشادة الطالب المتشدد، ووجدت نفسي أختلف معه في جزء كبير من الكتاب. هناك مفارقات في نظريات إدوارد سعيد، فهو من جانب كاتب غربي، حتى نظرياته الانتقادية للاستعمار نابعة من فكره الغربي، ومن جانب آخر، لا اعتقد انه بالإمكان تجيير أي عمل فني لصالح السياسة. و كثير من الكتاب الذين يتحدث عنهم يمكن أن يكونوا رجعيين، ولكنني اعتقد بأن القوة التعويضية للأدب انها تتجاوز آراء الكاتب نفسه. هذا الشيء لا يندرج في حسابات إدوارد سعيد.  

 

 

بالطبع هناك فترات في التاريخ حيث يوجد كتاب ليسوا فقط منحازين بل عنصريين تماماً، أذكر على سبيل المثال الكونت غوبينو. ولكنني لا أعتقد بأنه يمكن القول بأنه منذ اسخيلوس إلى بلزاك إلى فلوبير، كل كاتبٍ كان استشراقياً.       

بالنسبة إلي العلاقة مع الغرب هي علاقة متناقضة، فمن جهة، هناك الاستغلال الاقتصادي والسياسي المؤكد، والملاحظ في كل يوم. هذا ما أشدد عليه كثيراً، ولا أعتقد بأنه علينا أن نتجاهل ذلك. ومن جانب آخر، اعتقد بأنه يوجد في مستوى آخر من الاتصال، الذي هو الثقافة، حيث هناك أيضاً التبادل. فهي ليست ثقافة أحادية الجانب. الكتاب أمثال نابوكوف أو سلمان رشدي جاءوا من أجزاء أخرى من العالم وأثروا اللغة الانجليزية وثقافتها أكثر من أي كاتب محلي. 

 

إذن المسألة ليست في أن الغرب منحنا المعرفة التي ننهل منها، بل في تبادلية الأخذ والعطاء.

 

لا شك أن الثقافة الغربية وثقافات أجزاء أخرى من الشرق أغنت ثقافتي الشخصية، فهذا هو الجانب الإيجابي في العلاقة بين الشرق والغرب الذي يتمثل في التدفق الثقافي.  وهذه العلاقة لا يمكن حصرها في عنصر واحد: فليس بالإمكان تجاهل ثقافات أجزاء أخرى من العالم، لمجرد أن لنا علاقة ثقافية متميزة مع الغرب. وليس بالإمكان تأويلها سياسياً وننظر إلى هؤلاء الروائيين بوصفهم جميعاً عملاء للإمبريالية، فهم كانوا يحملون بداخلهم تناقضاتهم الخاصة: عندما عاشت جين أوستن في انجلترا كان هناك أشخاص يناهضون بشدة الرق والاستعمار. إن النظريات المضادة للاستعمار انبثقت عن الغرب، والناس لا يمكن حصرهم في عنصر واحد: هذا ما أهدف إليه. 

 

إن ما حدث لإدوارد سعيد هو أن أشخاصاً استعانوا بنظرياته وقاموا بتبسيطها. وأصبحت نظرياته سطحية جداً بفضل أشخاص استقطبوا الجماهير. ففي بلد مثل إيران كانت نظرياته مرجعاً للعديد من المتشددين الإسلاميين الذين صرحوا بابتهاج شديد بأنه يردد كل ما يؤمنون به. 

   

بالتأكيد نظريات إدوارد سعيد ليست بهذه البساطة التي يصرح بها هؤلاء الناس. ولكن هذه هي خطورة الأفكار: هناك من يستولي عليها وليس بوسع أحد أن يفعل شيئاً.

 

  • لقد ذكرتِ في موقع آخر بأن الحرية الفردية التي يمارسها أشخاص يؤمنون بكرامتهم الإنسانية هي التي توقع أكبر الضرر بالمتشددين الإسلاميين، هل يمكن أن توضحي هذه الفكرة؟

 

عندما عدتُ إلى الولايات المتحدة اكتشفتُ للأسف طروحات سطحية جداً عن "الإسلام"  (مثلما كانت في أوروبا أثناء دراستي)، وحاولتُ أن أبين نقطة هامة جداً وهي أن الحديث عن الإسلام يختلف تماماً عن الحديث عن المسلمين. فأولاً الشرق الأوسط يمثل أقلية بالنسبة لسكان العالم الإسلامي، في حين أن الغالبية من المسلمين يقطنون في أماكن أخرى. وثانياً لنأخذ التنوع الهائل فيما يمثله العالم الإسلامي: اندونيسيا، نيجيريا، إيران، تركيا، المملكة العربية السعودية، لا دولة من هذه الدول أو الثقافات تماثل الأخرى. نحن لا نطلق على فرنسا أو ألمانيا دولاً "مسيحية"، فلماذا ينطبق ذلك على الإسلام؟.

 

ما أريد قوله هو أن الحركات الإسلامية المتشددة لها قواسم مشتركة مع الأنظمة الاستبدادية في الغرب أكثر مما لها مع المسلمين العاديين في مجتمعاتهم. في المجتمعات الاستبدادية – سواء في الاتحاد السوفياتي أو الصين أو أفغانستان- تمثل الدولة تهديداً للحرية الفكرية والحرية الشخصية. وأهم الأشياء التي يرغبون في مصادرتها هو إحساسك بذاتك، إحساسك كفرد، لذا يجب أن نواجههم بمخيلتنا، بأفكارنا، فليس بوسعنا التخلص منهم عن طريق العنف.

 

  • قلتِ في كتابكِ بأن الحركة النسوية في الإسلام " فكرة متناقضة"،  وقلتِ أيضاً في لقاء نشر مؤخراً بأن الإصلاحيين في إيران تأثروا بأفكار المثقفين الأوروبيين العلمانيين، هل تعتقدين إن الإرث الديني بكل تعقيداته وتنوعاته هو سبب عدم قدرتهم على فعل التغيير؟

 

كلا، إذا نظرتِ إلى تاريخ أي بلد، في فترات الركود أو التحجر، فإن التغيير يأتي من الداخل والخارج. وهذا هو السبب الذي يجعلني أؤمن بأن الإبداعات الفكرية لا تنتمي إلى أي موقع جغرافي. ما كنت أقوله هو أن الإصلاحيين في إيران طرحوا الأسئلة ولكن دون أن يحصلوا على أجوبة.   

فيما يتصل بسؤالكِ عن الحركة النسوية الإسلامية، الجواب ببساطة هو اننا لا نتحدث عن حركة نسوية مسيحية، أو نسوية يهودية، فلماذا إذن نتحدث عن نسوية إسلامية؟  هناك نساء مسلمات يناضلن من أجل حقوق المرأة، ولكن ما يزعجني حقاً هو أن الغرب عمل دائماً على عزل الإسلام. على سبيل المثال: ماذا يعرف الغرب عن حقوق الإنسان في الإسلام؟ هل نحن مخلوقات مختلفة؟ اعتقد أن هذا الأمر مهين جداً. 

 

 

 

كنت أصر دائماً في حديثي مع الخبراء في شئون الغرب، بأن الغرب لا يمتلك حق احتكار الحياة، أو الحرية، أو البحث عن السعادة. إنه لأمر مهين القول بأن "الثقافة" الإسلامية مختلفة عن ثقافة الغرب: هل هذا يعني بأن المرأة المسلمة سعيدة بأن تجلد، أو أنها لا تكترث بأن ترجم، أو أن الفتيات المسلمات في إيران يرغبن بالزواج وهن في سن التاسعة؟ لماذا يفعلون ذلك بنا؟ إذا أرادوا الحديث عن ثقافتنا، فليتحدثوا عن الفيلسوف ابن عربي، وجلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي. وليتذكروا بأن كلمة "الجبر" خرجت من الجزيرة العربية. هل يجب أن نذكرهم بتاريخ إحراق الساحرات في منطقة سيلم، الذي كان جزءاً من الثقافة الأمريكية؟ حسنٌ، لقد كانت كذلك ولكنهم الآن يفتخرون بتغيير هذه الثقافة.   

 

  • في نفس اللقاء قلتِ بأنكِ حاولتِ أن تشرحي لإصدقائكِ الأمريكان بأن اعتداء المتطرفين على مركز التجارة الدولي لم يكن بدافع الخوف من الولايات المتحدة فحسب، بل بسبب خوفهم أيضاً من شعبهم الذي يتوق إلى الديمقراطية، هل يمكن أن تشرحي ماذا تقصدين بهذا الكلام؟    

 

كنت أقول لأصدقائي الأمريكان بان العالم بدأ يتقلص شيئاً فشيئاً، لذا فلا يمكن تجاهل ما يحدث خارج هذه البلاد على أمل أن تبقى في مأمن من الشرور إلى الأبد. إذا كنت تتجاهل ما يحدث في أفغانستان، وتتجاهل اعتقال الناس في   ملعب رياضي وتصفيتهم، وإن ما يحدث لن يؤثر عليك، فأنت على خطأ. لا يمكن أن نقبل بفكرة إنه ما دام هذا يحدث للآخرين فإننا سنتركهم يفعلون ما يشاءون. 

حاولت أن أشرح بأن دعم التطلعات الديمقراطية لدى الشعوب الأخرى ستكون في مصلحة أمريكا. فالديمقراطيون في الدول الأخرى ينتقدون النفاق الغربي، فهنا يتحدث الناس عن الديمقراطية، ولكنهم لا يأبهون لانتهاكات حقوق الإنسان في أماكن أخرى.  

 

ثم هناك الأصوليون – على شاكلة الستالينيين من قبل- الذين ينتقدون انحطاط الغرب وثقافة الغرب، ولكن ما يعنونه حقاً هو أن حرية المرأة لم تكن جزءاً من ثقافتهم، وإنها اختراع غربي، لذا لا بد من سحقه. كل الذين يتحدثون عن الحريات الفردية في إيران يتهمون بأنهم جواسيس للغرب، انهم يخافون من شعبهم الذين يتوق للحرية وللحقوق المدنية، وهم يخافون من تأثير الأفكار الديمقراطية. كثير من أولئك المتشددين الإسلاميين ليسوا بمسلمين حقاً، وعدد من الخاطفين الذين شاركوا في اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر شربوا كؤوسهم الأخيرة في الحانات الصغيرة قبل أن يباشروا مهامهم الانتحارية. لذا فالأصولية هي حركة سياسية اختطفت هذا الدين العظيم. لذا فمن غير العدل أن نطلق على هؤلاء الأصوليين بأنهم يمثلون الإسلام، وهل كان ستالين ممثلاً عن الشعب الروسي؟ 

 

  • نشر كتابكِ في أوائل عام 2003 في الولايات المتحدة، هل فكرت كيف سيتقبله الجمهور هنا في ذلك الوقت؟     

 

أنا متشائمة جداً فيما يتصل بأعمالي الأدبية، وأظل اسأل نفسي كيف أقنعتُ الناشر بأن ينشر كتابي هذا. لقد وقعتُ العقد في عام 1999 قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولكن كتابي لم ينشر إلا بعد حرب العراق لذا كنت مقتنعة بأن لا أحد سيلتفت إلى كتابي أبداً.

ولكن ما أذهلني هو أن كتابي حقق نجاحاً كبيراً بسبب طبيعته الأدبية، وكنت مبتهجة جداً لأنني أستطيع أن أقابل الناس دون أن يسألوني عن خاتمي أو خامئني، بل عن قراءتهم لكتاب "لوليتا".   كان واضحاً ان الناس يهتمون في القصص التي كانت بداخل كتابي، والتي لم تكن معروفة لديهم، فمعظم القصص التي كُتبت عن إيران كانت عن الناس العاديين، كنت أريد أن أخبر الآخرين بقصتي لأنني أرى أن النظام الاستبدادي صادر من كل شخص قصته، وأن الطريقة الوحيدة لمواجهة ذلك ليس بتوجيه البنادق ضدهم، أو المطالبة بتغيير النظام، ولكن برواية قصتك، لذا فإنني لم أتوقع أبداً أن يُحدث الكتاب ما أحدثه.

 

  • في نهاية كتابكِ ، الشخصية التي تشيرين إليها باسم "الساحر" يقول لكِ: أنكِ تقولين بأنكِ ستكتبين كتابكِ الجديد باللغة الفارسية، في حين إنكِ تتحدثين عما ستقولينه في مؤتمرك القادم في الولايات المتحدة أو أوروبا، أنت تكتبين لقراء آخرين" ، هل هذه العبارة تعكس القرار الذي اتخذتيه في الكتابة باللغة الانجليزية وبأنك تكتبين أساساً للقراء الأمريكان؟

 

أكسب رزقي بالتدريس والكتابة. ولا استطيع الاستغناء عنهما ببساطة. في إيران أخذوا مني أشياء كثيرة، بما في ذلك التدريس الذي كنت أشعر ببهجة كبيرة وأنا أدخل صفوف الدراسة.  واضطررت في آخر سنتين أن أعطى دروساً في منزلي، وكنت أدرك بأن تلميذاتي سيتخرجن يوماً ما، ولا وسيلة عندي لإيجاد طلبة جدد، وسأظل وحيدة في النهاية. ولم يكن أمامي إلا أن أقرر السفر إلى الولايات المتحدة، والذي كان صعباً للغاية، لذا فمن جهة كان "الساحر" على حق، ومن جهة أخرى اكتشفتُ الآن بأنه حين أكتب فإنني لا أكتب لا للأمريكان ولا للإيرانيين، أنا اكتب لرفاق الروح، فلقد تعرفتُ على كثير من الإيرانيين المنتشرين في جميع أنحاء العالم بفضل كتابي، واستلمت الكثير من الرسائل الالكترونية من طلبة في إيران، والتقيت بالعديد من الإيرانيين في محاضراتي بلندن أو نيويورك، لقد اكتشفت بأن الكتابة عمل كوني، وأن الكاتب لن يعرف أبداً من هم قراؤه، ومثلما يوجد من يحب كتابي في أمريكا فمن المحتمل أن يوجد من يكره كتابي، وهكذا في إيران أيضاً.

 

  • هل أنتِ عموماً راضية باستقبال الناس لكتابكِ؟

 

نعم، وأنا مبتهجة لذلك، فقد حظي كتابي بإعجاب الكثيرين، كنت في اجتماع في فيلادلفيا بحضور 400 شخص وقلت لهم بأنني سأعلن في كل اجتماع "يا عشاق الكتب في العالم اتحدوا".

ينبغي أن نتذكر أن مجرد وجود الديمقراطية في أمريكا، لا يعني عدم وجود رقابة على الكتب. ثمة كتاب رائع كتبته دايان رافيتش بعنوان (لغة الشرطة) تسلط الضوء على الرقابة التي تمارسها الجماعات اليسارية المتطرفة واليمنية المتطرفة على الكتب المدرسية.   فالكثير من رفوف الكتب في المكتبات أخليت تماماً، بما في ذلك كتاب (هاري بوتر)، أما المكتبات العامة فإنها تتعرض للإغلاق بسبب نقص الموارد المالية، اعتقد أن هذا الموضوع يجب أن يعنينا جميعاً.

 

لم أولف كتاب "قراءة لوليتا في طهران" لأقول للأمريكان كم نحن محرومين في إيران، بل كتبت هذا الكتاب لأقول للناس كم هي المخيلة مهمة،    بغض النظر عن المكان الذي تعيش فيه. وآمل أن أكون قادرة على تقديم شيء ما لأجل قضيتي . 

 

  • ما هو مشروعكِ التالي؟ 

 

أمامي مشروعان، الأول هو ترجمة كتابي النقدي عن نابوكوف من الفارسية إلى الانجليزية. لقد وجدت من خلال كتابي "قراءة لوليتا في طهران" الكثير من الأشخاص المهتمين في أدب نابوكوف، وأتمنى أن يترجم كتابي إلى الإنجليزية.  المشروع الآخر هو عن أمي، التي توفيت بينما كنت أكتب "قراءة لوليتا في طهران" . قبل مغادرتي إيران كنت على علاقة وثيقة بها، وكنت دائماً أفكر في سؤال الفقد، فأمي فقدت أمها وهي في الرابعة من عمرها، وحياتها كانت سلسلة من فقدان من أحبتهم، أردت أن أكتب قصة عن مفهومي للفقد، وكيف يمكن أن أستعيد ما خسرته عبر فعل الكتابة، أريد أن أعيد اكتشاف أمي، واستعيد ما خسرته هي، وما خسرته أنا في غيابها.  

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد