في خاتمة المطاف،لم يكونوا ليعرفوا وجهتهم.. د.عبد الكريم سروش: الثورة الثقافية في إيران وما ينبغي أن


النص التالي عبارة عن ترجمة لمقابلة صحفية أجرتها صحيفة (لوح) الإيرانية مع المفكر الإيراني المعروف عبدالكريم سروش، يستعرض فيها تجربته فيما أسمي بهيئة الثورة الثقافية (والذي تطور لاحقا إلى مجلس الثورة الثقافية) وما اكتنف هذه التجربة من تجاذبات سياسية وثقافية كانت الحوزات والجامعات قطبيها الرئيسين. التماسّ بين الوعي الحوزوي والوعي الجامعي هو أحد محاور هذا اللقاء.

وإذا كانت هذه المقابلة تبدو للوهلة الأولى تناولا تأريخيا (وقد امتزج فيها التأريخ بالتحليل) لمرحلة مفصلية من عمر الأمة الإيرانية وانعكاساتها على المناخ الأكاديمي، أعني إذا كانت تتناول شأنا إيرانيا خالصا في عناوينه الأولية فإنها حين ترصد أبرز ظواهره الثقافية تحاول استشفاف مسائل أكثر جوهرية وعمقا تمس تفكيرنا الجمعي مباشرة -الفكر الديني عامة والشيعي على وجه الخصوص- أعني بها تلك التداخلات الأزلية بين الدين والعلم، والدين والسياسة، والنص والتأويل، والحداثة والتقليد..وهي تداخلات تلقي بظلالها دون ريب على فهمنا وتمثّلنا للدين، وتثير فينا بهذا بعض المساءلات الهامة التي قد تحفز لإجراء حفريات معرفية تقود لإعادة مراجعة ثقافية لتفكيرنا وتفكيك آلياته.

أخيرا، هذا النص مترجم في نسخته العربية عن ترجمة باللغة الإنجليزية قام بها (نيلو موباسر) عن الأصل الفارسي للمقابلة.


كل ما أثير حول اتحاد (الحوزة-الجامعة) تضمّن أساسا معاني سياسية، غير أن ما قيل فبل ذلك كان علميا في صميمه. كيف يمكن تعريف الوحدة العلمية وإلى أين تقودنا الوحدة السياسية؟


إحدى الدعوات المهمة والبارزة التي انطلقت في سياق الأحداث المعروفة بـ(الثورة الثقافية) كانت الدعوة لاتحاد (الحوزة-الجامعة)، لا أعرف من الذي أطلق هذه الصيحة أو صاغ هذا الشعار أولاً، لكنها أخذت تتردد على نحو متكرر في بدايات الثورة. أستطيع القول بأن العديد من الحوارات والمؤتمرات تم تكريسها لتعريف وشرح اتحاد الحوزة-الجامعة أو تجمع الحوزة-الجامعة. في تقديري الآن أن مفهومه لم يكن واضحا في البداية ولم يتضح أكثر فيما بعد. لقد ظل مفتقرا لشيء ما، أثار جدلا على نطاق واسع وتمخض عن نتائج بسيطة. أعتقد أن فكرة اتحاد الحوزة-الجامعة انبثقت من رحم صراع تاريخي محتدم متجذر في الثقافات الدينية عامة، وممتد إلى ثقافتنا الدينية الخاصة: الصراع بين العلم والدين. قبل النهضة الأوروبية كان هناك مصدر واحد للمعرفة: الدين. بعد النهضة، ثمة على الأقل مصدر آخر هو العلم. لكي أكون أكثر دقة، ظفر العقل الإنساني باستقلاليته، وهذا بالضبط ما عنته العلمانية وما تعنيه دائما. لقد اختار العقل اللا ديني طريق اكتشاف الأشياء دون التعويل على الدين أو البحث عن تخويل منه، والكينونة البشرية أضحت متعددة المصادر.

حينما يكون هناك أكثر من مصدر، فإنها دعوة لتكون العلاقة بين هذه المصادر موضع بحث. هل هي تتصادم أم تتلاقى؟ هذا ما جعل الصراع بين الدين والعلم يمثل موضوعا بالغ الخطورة بالنسبة للمؤمنين والمتدينين. الجامعات هي نموذج العلم ومولّده بالمعنى الحديث للكلمة. الحوزات هي نموذج التفكير الديني والتعليم الديني ومنبعه بمعناه التقليدي. إذن أحد تجليات المصالحة بين العلم والدين هو المصالحة بين الجامعات والحوزات. أعتقد أن أغلب الحوادث التي طرأت في بلادنا –خصوصا منذ الثورة- هي مظاهر صراعات وأفكار قديمة العهد في أرضنا: المعركة بين الحكم الاستبدادي ومعارضة الاستبداد، المعركة بين الدين والعلم..إلخ. وربما كان يدور في خلد الذين أطلقوا شعار اتحاد الحوزة-الجامعة هاجس المصالحة بين العلم والدين وحاولوا أن يضعوا أصابعهم على تجليات العلم والدين الملموسة والقابلة للملاحظة.

إذن، المعنى الأولي والبسيط لاتحاد الحوزة-الجامعة هو إنهاء حالة الصراع بين الدين والعلم. إنهاء هذا الصراع هو قضية علمية وليست سياسية أو عملية. للعلم منطقه الخاص ورؤيته للعالم ومنجزاته، وللدين أيضا منطقه الخاص ورؤيته للعالم ومنجزاته. التسوية بينهم وإثبات أنهما يمكن أن يتعايشا وليسا في تصادم هو عمل تقتني وعقلي وعلمي تماما.

يجب أن يُنظر إلى اتحاد الحوزة-الجامعة قبل كل شيء باعتباره مسعى علميا. بكل بساطة، المنغمسون في التعليم الحديث والمنغمسون في التعليم الديني أو علماء الدين لا ينبغي أن يكونوا أعداء، ولا يجب أن يثير بعضهم المشاكل للبعض الآخر، أو يسعى كل طرف منهم لتوهين سواه. إذن فكرة اتحاد الحوزة-الجامعة تحيل إلى هذا المعنى البسيط: إنزال المفهوم التاريخي العميق إلى مستوى أكثر تحديدا وظهورا، وموضعته في حدود سياسية معينة.

بعد الثورة ووصول علماء الدين إلى سدة الحكم، اتجهت فكرة اتحاد الحوزة-الجامعة (التي تعني إشاعة الفهم بين أساتذة الحوزة والأكاديميين) شيئا فشيئا نحو انصياع الأكاديميين لعلماء الدين وأساتذة الحوزة. لأنها -كما أرى- فقدت معناها العلمي والمنطقي واكتسبت معنى سياسيا وعمليا. وبالتالي -نظرا لحقيقة أن علماء الدين هم رجال السلطة- أصبحت الفكرة تعني خضوع الجامعيين وامتثالهم للحوزويين. كان ذلك خاتمة المطاف لفكرة اتحاد الحوزة-الجامعة. قدّم أشخاص مؤخرا نظريات متعددة بهذا الخصوص وطرحوا أمورا عديدة. أتذكر أن أحدهم قال لي على سبيل الدعابة إن أحد معاني اتحاد الحوزة-الجامعة هو أن يتزاوج الأكاديميون والحوزويون وينسجوا فيما بينهم علاقات عائلية!

حينما لا يكون أمراً ما واضحا فإن تفسيرات من هذا النوع ممكنة.


ماذا تعني [هذه الفكرة] برأيك؟


بالنسبة لشخص مثلي يذهب إلى أن اتحاد الحوزة-الجامعة ليس سياسيا في جوهره وفي المقام الأول، وبمثابة أمر يجب أن يؤخذ بمنتهى الجدية ويُنأى به عن مجال الشعارات السياسية فإن وحدة الجامعة-الحوزة تعني اتجاها موحدا في الدراسة والبحث. لقد قلت مرارا وتكرارا في كتاباتي ومحاضراتي إن الحوزات يجب أن ينظر لها كمؤسسات للتعليم، تماما كما يجب أن ينظر للجامعات بهذه الطريقة. مؤسستان للتعليم ربما تدرّسان مواد مختلفة لكنهما –إذا اتحد اتجاههما ومناهجهما- يمكن أن يتعايشا ويحافظا على وحدة وثيقة بينهما. في رأيي أنه لا ينبغي أن يترسخ في أذهان الحوزويين أنهم يتكلمون باسم الدين فيستبدوا بالرأي. هذا الرأي يعود إلى نظرية عرضت لها في كتابي (القبض والبسط) حيث قلت إن هناك فرقا بين الدين والمعرفة الدينية.

يتضمن الدين ما نطق به الله حقيقة أو ما نطق به الرسول. أما المعرفة الدينية فتتضمن فهمنا وإدراكنا لما قاله الله أو الرسول. إذن، كل ما نقوله أو ندركه إنساني وعرضة للخطأ. هذا يفسر -رغم أن علماء الدين في حوزاتهم يدرسون الدين ويتأملون كلام الله والرسول- أن ما يظهرونه للناس في النهاية ليس كلام الله ولا كلام رسوله، إنه كلامهم الخاص. أسوق هذا للقول بأن الدين لا يستطيع الحديث وإننا المتحدثون تمثلا له. إذن، ما نقوله هو فهمنا وتمثلنا للدين. هذا هو واقع الأمر، لا يجوز لنا إبراز كلامنا في مظهر استبدادي وتقديسي أو الادعاء بأن ما نقوله مقدس لا يُمس. نعم، الله ذات مقدسة، لكننا لا نتحدث بلسان الله، نحن نعبر بكلامنا باسم الله استنادا للأسس التي شرعها لنا. النقطة المهمة التي أحاول بلورتها وينبغي أن تكون واضحة لدى الحوزويين -وحتى لو لم تكن واضحة فهي حقيقة ماثلة- هي أن ما يقولونه ليس مقدسا أو يقينيا. بتعبير آخر، إنهم والجامعيين على حد سواء. لا أحد في الجامعات يدّعي أن ثمة قاعدة أو نظرية أو قانونا مقدسا أو يقينيا. كل شيء يمكن أن يمر عبر مشرحة النقد، يُعاد النظر فيه، يُنقّح، يُستكمل أو يُلغى ويُنقض. الأمر ذاته ينطبق على أي شيء يقال في الحوزات. لم يؤيد كثير من أساتذة الحوزات آرائي. كان ما قدموه من نقد واعتراضات بالغ الأهمية. بعضهم قال إن اليقينيات والمقدسات لا تُقدّم في الحوزات فحسب، بل هي واقع الجامعات كذلك. بعضهم طرح النقيض تماما، قال إن هذا الزعم المغلوط ليس منتفيا في الجامعات فقط بل لا أحد في الحوزات يمارسه وإني قد جانبت الصواب حين عزوته إليهم. حسب معلوماتي –وبإمكان أي إنسان منصف أن يتحقق من حقيقة الأمر- إن أشياء كثيرة وُصفت بالمقدسة في الحوزات، وهذه نقطة فارقة بين الحوزات والجامعات. برأيي أنه طالما بقي طرف ينتج معرفة مقدسة فيما ينتج الطرف الآخر معرفة غير مقدسة فإن الوحدة أو الاتحاد بينهما لن يتحقق مطلقا.


أليس من الممكن اقتراح مفهوم سياسي لاتحاد الحوزة-الجامعة؟


لنتصور أن اتحاد الحوزة-الجامعة شعار سياسي، وأن هذا ما كان يعنيه أساسا، وأن أول من تبنى الفكرة لم يكن يمتلك مفاهيم فلسفية أو اصطلاحية ناضجة في ذهنه، كان يأمل أن يُنتج وفاقا سياسيا بين الحوزات والجامعات وأن الجميع سينضوي تحت لواء الثورة ويسعى خلف أهدافها. بيد أن تحقيق هذا الشعار مثار شك أيضا. ليكن في الحسبان –على سبيل المثال- أن الحوزويين في موضع قوة. لو رغب اثنان في الاتحاد فسيكون لزاما أن يكونا متكافئين، وإلا فلا مجال لوحدة أو اتحاد بينهما. سيكون الأمر كما لو أن أحدها يطلب الخضوع من الآخر ، بكلمات من الشعر:

(كم هي جميلة مأدبة المشاعر! حيث قد يتناول الشحاذ والملك الطعام على مائدة واحدة)

في مأدبة المشاعر يتساوى الشحاذ والملك، وإلا فإن الحديث عن الاتحاد بين ملك وشحاذ ليس أكثر من دعابة أو شكل من التعبير المهذب.

اليوم، يغمر مدرسي الحوزات إحساس عميق بالقوة، فلديهم وشائج قربى بالنخب الحاكمة. هذا ما جعل الحوزات تتخطى كونها معاهد تعليم بالمعنى الطبيعي والمألوف للكلمة، وترتبط بمواقع ستشوّه طبيعتها بشكل تدريجي.

الآراء التي صرح بها بعض الرموز ذات الشأن في حوزاتنا اليوم صدرت لاعتبارات سياسية، وتحظى بتأييد القوى الحاكمة ودعمها. إذن لم يتم مناقشة الأسس العقلية والمنطقية لآرائهم وتمحيصها بالكيفية الواجب عليهم اتباعها. هذا الوضع يحجّم اتحاد الحوزة-الجامعة إلى مجرد شعار سياسي، وتجعله غير قابل للتحقق في الواقع. هكذا أرى إمكانية خلق علاقة بين الحوزات والجامعات: إذا أصبحت الحوزات غير مسيّسة، وانتفى اعتمادها على القوة السياسية، وأعادت النظر في مناهج بحثها، فإن الطريق سيكون ممهدا لتأسيس وحدة طبيعية بين الجامعة والحوزة كمعهدين للتعليم، وإلا ستتسع الفجوة بينهما. أظهر أساتذة الحوزة من خلال مواقفهم –لا سيما بعد الثورة- أنهم ليسوا على استعداد للوقوف مع الجامعيين. هذه قضية أخرى طرحتها في كتاباتي، ولقد رأينا كيف أن جماعات العنف لم تهاجم الحوزات مرة واحدة، وأن الصحف التي خصت الجامعات بنقد لاذع لم تنبس ببنت شفة ضد الحوزات، ولم تتحاشَ جماعات العنف مهاجمة الحوزات فحسب، بل خلال تلك الأحداث حين هاجموا الجامعات والأساتذة لم يوجه الأشخاص الذين زاروا جامعاتنا أصابع النقد إليهم أو يقولوا كلمة احتجاج. هذا النوع من السلوك ولّد شقاقا بين الحوزات والجامعات وبرهن على أن الحوزات ليست معهدا يضع نفسه على قدم المساواة مع الجامعات أو يعتبرها ندا لها أو في الموقع ذاته الذي تصنف نفسها فيه. هناك إشارات وشواهد على أن بعض جماعات العنف كانت في الحقيقة مدفوعة بفتاوى صادرة عن بعض رموز الحوزة البارزين، أو لديها موافقة ضمنية على مهاجمة بعض أساتذة الجامعة والجامعيين. كل هذا يقترح علينا أن ننأى بأنفسنا بعيدا عن اتحاد الحوزة-الجامعة، وأنْ ليس هنالك أمل مشرق لتحقيق هذا الشعار. ما قيل بعيد المنال، وما يقال الآن لا يعدو كلمات جوفاء، ودونه شوكُ القتاد. لاتخاذ خطوة للمضي قدما بمشروع اتحاد الحوزة-الجامعة يتعين على الحوزويين إدانة الأشخاص المسئولين عن مهاجمة الجامعات، واتخاذ موقف فاعل بهذا الشأن. أستطيع أن أرى بوضوح أن الطلاب الجامعيين –وهذا اتجاه بدأ منذ عدة سنوات- أخذوا ينشقون عن علماء الدين ولم يعودوا يعتبرونهم أوصياء عليهم. هناك إذن نوع من التصدع بين المعهدين.

ضمن هذه الملابسات، المعهد الذي يحتاج لحركة إصلاحية واحتواء الطلبة الجامعيين من جديد واستنفار بعض التغييرات بداخله هو الحوزة. لسوء الطالع، لم يتم عمل شيء ولم تتخذ خطوات جدية. بالطبع، هناك تطور يبشر بالخير: طوّر بعض الحوزويين الشباب نزعة جديدة في المواد الحديثة خاصة فلسفة الدين والميثولوجيا الحديثة (علم الأخلاق). وبالرغم من أن بعض رموز الحوزة البارزين لم يسلموا بصحتها رسمياً مع ذلك فإنها تلاقي حماسة بالغة. هذا النوع من التطورات أشبه بالنباتات المتبرعمة، إذا نمت ولم تعْلق وإذا لم تواجه مناوأة من قبل قوى مضادة معينة فإنها يمكن أن تقود إلى نوع من التعاون أو التعايش بين الحوزويين والجامعيين أو على الأقل بين بعض الحوزويين والجامعيين.


هل بإمكان المواد الحديثة حقا أن تدخل الحوزات؟ إذا كان بالإمكان فبأي صيغة؟ هل وجدت الرؤية الحديثة موطئ قدم لها حقا في الحوزات؟ أم أن الأمر لا يعدو استعانة بأدواتها، تماما كالحاسوب والإنترنت؟


ستكون هناك إمكانية لدخول الرؤية الحديثة إلى الحوزات. تتمدد المساحات الواسعة للمعرفة كالشرايين تماما. عندما تتطور مساحة جديدة للمعرفة في جزء ما من البلاد أو تُستخدم أدوات جديدة فسوف يؤثر ذلك على باقي البلاد ويعم في كل مكان. تماما كما يزدهر توظيف الحاسوب في الحوزات فإن توظيف الأدوات النظرية سيزداد اتساعا في بعض الحدود. استخدام وسائل التقنية في تقدم مطرد وهو أكثر سهولة من استخدام القواعد والمعايير النظرية. يمكنك الوقوف على نماذج من هذا القبيل بين صفوف الحوزويين الشباب. زاولت التدريس في قم لعدة سنوات، وقد قوبل درسي بحماسة بالغة من قبل عدد كبير من الحوزويين الشباب. سجلوا محاضراتي على أشرطة سمعية، واستمعوا لها، ثم جاءوا إلى الصفوف. علاوة على ذلك، فإن ترجمة عدد كبير من الكتب في حقول فلسفة الدين وفلسفة علم الأخلاق من الإنجليزية والفرنسية إلى الفارسية –رغم ركاكة بعض هذه الترجمات- لهو مؤشر على نشاط وتوجه جديد في الحوزات. صدور بعض الصحف في الحوزات يشير أيضا إلى اشتغال كثير من الحوزويين بالأفكار الجديدة. من المهم جدا ألا ينظر حوزويونا الشباب بسلبية إلى الأفكار الجديدة أو الذهاب إلى أن الفكر الجديد في العالم اليوم إنما هو بذور مزروعة لإثارة الشكوك بهدف توهين الإسلام أو التفكير الديني. يجب عليهم عوضا عن هذا أن ينظروا لهذه الأفكار على أنها موضوعات تثير شهوة البحث واكتشاف حقيقتهم الخاصة. وهذا تقريبا هو واقع الحال.

حوزاتنا –شأنها شأن أي معهد علمي- مستهلكة كما هي منتجة. منتجاتها هي النظريات التقليدية في علم الأحكام وأصول الفقه وعلم الكلام والتفسير. لكنهم كمستهلكين يقرؤون ويبحثون الأفكار الفلسفية والكلامية الجديدة. إذا تحولت الأقلية التي تتعاطى الآن دراسة الفكر الحديث إلى أغلبية فستكون هذه خطوة واسعة نحو تحقيق اتحاد الحوزة-الجامعة. أنا أعلم أن هذه الأقلية ستقابل بعدم ارتياح وستوصم أحيانا بنعوت سياسية. أرى أن جزءا من ردات الفعل هذه طبيعية، ويمكن أن تحدث في أي مكان من العالم. لكنني آمل في أن يتحلى الحوزويون الذين يتبنون الفكر الحديث بالصبر والجلد ويرفضوا الخنوع لليأس. التفكير العلمي الحديث –أي العلوم التجريبية- لم يشق طريقه للدراسات الحوزوية، وليس ثمة سبب في طبيعة الموضوع يدعوه لهذا. إنما التفكير الفلسفي، والفقهي-الكلامي، والأخلاقي أخذ يتلمس طريقه للحوزات إلى حد ما، وآمل أن يتنامى هذا الاتجاه.


يبدو كما لو أن الثورة الثقافية كانت محاولة لفرض وجهات نظر الحوزويين ومناهجهم على الجامعيين بطريقة ما. برأيك –بوصفك شخصا خاض معترك الثورة الثقافية منذ بدايتها- ماذا بمقدور هيئة الثورة الثقافية أن تقدم للجامعيين؟


قصة نشوء وتكوّن هيئة الثورة الثقافية طويلة للغاية. أود أن أصحح أحد الأخطاء، بدأت هيئة الثورة الثقافية بسبعة أعضاء (وليس أربعة)، والقرار الذي أصدره الإمام الخميني يحمل أسماء سبعة أشخاص هم السادة: جلال الدين فارسي، شمس علي أحمد، رباني أملاشي، وفي وقت لاحق د.باهونر، د.حسن حبيبي، د.شريعتمداري، وأنا. في مايو 1980م حين أغلقت الجامعات مؤقتاً، أنشئت هيئة باسم (هيئة الثورة الثقافية) على يد الإمام الخميني الذي أصدر قرارا يحدد سبعة أشخاص كأعضاء أنيطت بهم مهمة إمساك قياد الجامعات إلى نقطة يمكن فيها إعادة افتتاحها ببنية جديدة وبرامج جديدة. من هذه المجموعة كان د.حبيبي، ود. شريعتمداري من الأكاديميين. د.باهونر –آنئذ- كان حاصلا على درجة ph.D من جامعة طهران-كلية الشريعة. السيد فارسي كان حاصلا على البكالوريوس من كلية القانون. على هذا الأساس يجب أن أقول إن المجموعة تمتلك معرفة كافية بشؤون الجامعات. من هذه المجموعة كنت أنا ود.حبيبي، ود.شريعتمداري قد تلقينا تعليمنا في جامعات أجنبية. كنت الأصغر والعضو الوحيد الذي جمع بين العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، فالدكتور شريعتمداري درس التعليم والتربية، د.حبيبي (الاجتماع والقانون)، ولاحقا د.باهونر (شريعة)، والسيد فارسي (قانون)، وعلي أحمد (الأدب). في وقت لاحق تواجد السيد رباني أملاشي كهمزة وصل بيننا وبين الحوزويين. في الواقع، لقد أخبرني بنفسه أن السيد أحمد الخميني –نجل الإمام- هاتفه وأخبره أنهم يريدون حوزويا ليكون أحد أعضاء المجموعة، لهذا التحق بنا.

ولكون معرفته بأمور الجامعات محدودة، لم يلعب السيد رباني أملاشي دورا بارزا في نقاشاتنا وحواراتنا حول هيئة الثورة الثقافية. أريد أن أضيف أن عددا من الأشخاص من خارج الهيئة كانوا يحيطون به ويوجهون رؤيته. أحد هؤلاء كان مهدي كولشاني الذي يشغل الآن منصب رئيس جمعية دراسات العلوم الإنسانية. السيد إسرافيليان كان أحدهم أيضا، إلى جانب آخرين كانوا –كما اتضح لاحقا- من دائرة معارف د.آيت. وفيما بعد كان باهونر -بفعل مسئولياته السياسية الواسعة- غالباً نصف متيقظ في اجتماعات الهيئة، في مناسبات عديدة كنت ألحظ جفونه وقد أطبقت تماما لشدة الإرهاق. لذا لم يمارس دورا نشطا في النقاشات. السيد جلال فارسي لم يكن مرتاحا للمهمة التي كُلف بها، وكان -في بعض الأوقات ولعدة أيام- يغادر المدينة لصيد الطيور. لم يواظب على حضور الاجتماعات بشكل منتظم، وحين فعل كان يجنح نحو الراديكالية أو ما يمكن تسميتها بالمواقف الأكثر ثورية.

السيد شمس علي أحمد كان عليلا جدا لدرجة أنه يصعب عليه الحركة أو مغادرة المنزل. نادرا ما كان يأتي إلى الهيئة، كان أيضا متشائما للغاية من الأمر برمته بخصوص عضوية الجمعية وأهدافها. لقد كان يحترم الإمام الخميني، ولكنه يرى أن كل شيء –ما خلا الإمام- يتم بمنظور سياسي وفي ضوء الكتل والهيئات السياسية المختلفة. أذكر أنه قال لي مرة إننا -أنا وهو- الوحيدان في الهيئة. الآخرون مرتبطون بصورة أو أخرى بالحزب الجمهوري الإسلامي أو بغيره. بتأثير من هذه الرؤية، لم يستطع البقاء طويلا وانسحب بشكل مهذب. د.حسن حبيبي –الذي تخلى حديثا عن منصب وزير التربية- لديه عقل قانوني، ولم تكن لديه رغبة إطلاقا في الانخراط في النقاشات حول النظام التربوي أو القضايا الثقافية العامة. كان أكثر ما يستهويه صياغة المعايير والضوابط القانونية. الكثير من القوانين المتعلقة بجامعاتنا كتبت بيد الدكتور حبيبي. ولم يكن يحضر عادة اجتماعات الهيئة، وكان يفضل قضاء أغلب أوقاته مع اللجان والجمعيات التربوية التي أسستها الهيئة.

أخذ أعضاء الهيئة شيئا فشيئا ينجرفون بعيدا. السيد حبيبي غادر بالتدريج، الأمر نفسه جرى مع السيد شمس علي. اغتيل الدكتور باهونر عام 1981م. وقع السيد أملاشي فريسة المرض وانسحب. في النهاية بقي ثلاثة أعضاء فقط هم السادة: فارسي، وشريعتمداري، وأنا. كثيرا ما كنا ندعو وزير التربية لحضور اجتماعاتنا. كان السيد أحمد أريفي يحضر في البداية، وحين عين السيد نجفي وزيرا أخذ يحضر جانبا من اجتماعاتنا، كما صنع اللاحقون. مع استحسان طلبة الجامعة، أصبح السيد نجفي -الذي كان على وفاق تام معهم قبل أن تسوء علاقته بهم- وزيرا للتربية. سأضيف هنا أنه بعد انسحاب عدد من الأعضاء عيّن الإمام آخرين. دعني أقول أيضا، في الوقت نفسه رغب في مغادرة الهيئة لأسباب عدة، وقدمت استقالتي للإمام، لكنه رفضها. بعدها طلبت الاستقالة مرة ثانية ولم يقبل، وتركت الهيئة عام 1983م.

كان السيد مهدوي كاني أحد الأعضاء الذين التحقوا بنا فيما بعد، وبقي لفترة قصيرة جدا. كان ينتهج سلوكا تأمّريا للغاية، ويعتبر نفسه حالة خاصة في الهيئة. حادثة واحدة رسخت في ذهني منذ ذلك الوقت. قدمت مجموعة من ضباط البحرية إلى هيئة الثورة الثقافية وقالوا إنهم يريدون تكوين ما أسموه بأكاديمية العلوم البحرية. كانوا شديدي التمسك بألا تسمى جامعة بل أكاديمية. اللواء أفضلي الذي لقي حتفه لاحقا كان أحدهم. جاءوا عدة مرات، ولم نكن نعتقد أن طلبهم سيلبى في ذلك الوقت. شعرنا أن السماح بتأسيس جامعة جديدة تحت رعاية البحرية دون توافر المصادر المطلوبة والهيئة الأكاديمية -وتحت مسمى أكاديمية- أمر يحتاج للبحث والنقاش. لذا، لم نعطهم أي رد فوري ومحدد. شرحنا لهم أننا بحاجة للنظر في طلبهم وأعلمناهم متى سيتبلغون القرار. كانت تلك أول مرة يلتقينا فيها السيد مهدوي كاني في الهيئة، وقد قال علانية في واحد أو اثنين من اجتماعاتنا: إنك تراوغ مع البحرية، سأبلغ الإمام عنك، سأخبره عما تصنع. بعد جلسة أو اثنتين لاحقا، ترك الهيئة وأوعز إلى السيد عزيز الله كوشفاكت –الذي كان صديقا له منذ أن كانا طالبين معا في الحوزة- أن يأخذ مكانه. كان السيد كوشفاكت عالم دين لا يفقه شيئا من أمور الجامعات. في اجتماعات الهيئة التي تستمر من التاسعة صباحا حتى الثانية عشرة أو الواحدة ظهرا لم يكن ينبس بكلمة واحدة، كان يستمع فقط ويغادر. لاحقا، حين تحولت الهيئة إلى مجلس الثورة الثقافية، أول شخص غادر هو السيد كوشفاكت (أخبرني السيد خامنائي بنفسه أن كوشفاكت لم يكن الشخص المناسب لهذه المهمة). كما أتذكر لم يستلم أحدنا راتبا من الهيئة. ربما كان السيد كوشفاكت هو الأول ضمن المجموعة الذي خصص لنفسه راتبا. بعدها عُين د. أحمد أحمدي وهو أستاذ في الفلسفة بجامعة طهران في الهيئة. بعد فترة التحق بنا أيضا وزير الثقافة اللاحق السيد خاتمي. الرئيس السيد مير حسين موسوي كان إضافة أخرى. ولفترةٍ لجأنا لعقد اجتماعاتنا مع الرئيس في مكتبه. كان ذلك الوقت الذي بدأت فيه الهيئة تنجز على نطاق ضيق، وكانت هناك خلافات مستفحلة بيننا وبين وزير التعليم العالي السيد نجفي. ذهبنا لزيارة الإمام عددا من المرات لنطلب منه التحكيم بيننا. أحالنا لقيادة البلاد العليا: السيدين رفسنجاني وخامنائي، فعقدنا عدة اجتماعات بحضورهما. أستطيع القول بأن السيد فارسي لم يحضر مطلقا جلسات التحكيم هذه. لدي انطباع بأنه يفكر بأمور خلاف هذه، لديه مشاغل أخرى في ذهنه.


هل حدث هذا حين بدأ تشكيل مجلس الثورة الثقافية؟


دفعت المشاكل الزعيمين السيدين رفسنجاني وخاتمي لتقرير ضرورة إحداث بعض التغييرات الأساسية. في هذا المفترق، قدما اقتراحات للإمام أفضت لتوسيع الهيئة وضم عدة أعضاء لها وتحويلها إلى مجلس الثورة الثقافية. في خطوةٍ أولى، انحلت الهيئة في مجلس أوسع، لكن الخطوات البطيئة استمرت كالسابق أو أشد بطئا. زاول مجلس الثورة الثقافية عمله بستة عشر أو سبعة عشر عضوا، وهو يضم الآن ما ينيف عن العشرين، بينهم العديد من علماء الدين، وحتى رئيس الإذاعة والتلفزيون..وأشخاص آخرون.

شاركت في أول اجتماع للمجلس عام 1983م ثم انسحبت. سبق أن فكرت بمغادرة الهيئة، وقدمت استقالتي ذات مرت ورُفضت. حين تأسس المجلس، أدركت أن تفككا حتميا منطقيا طبيعيا سيقع وكان من الأفضل لي أغادر. شعرت لبعض الوقت أن عمل هيئة الثورة الثقافية أشرف على نهايته. ذلك أن وزير التعليم العالي ناشط الآن، والهيئة لم يعد لديها ما تفعله. الأوضاع التي كانت سائدة في الجامعة وفي الساحة السياسية للبلد إجمالا لم تعد تروق لي. أخبرت السيد خامنائي ذات مرة أن الأمور سلكت منحى مغايرا ولم أعد أطيق مسايرتها. كان ذلك خلاصة تاريخ الهيئة.


ماذا كانت المهمة الأساسية للهيئة؟


خلال مرحلة تكوينها، كانت مهمتنا أساسا تتمثل في إعادة النظر في برامج تدريس الجامعة. تم إغلاق الجامعات. لم يكن أمر فتح الجامعات حينئذ ضمن نطاق صلاحياتنا، لم يكن ذلك الغرض بتاتا. أسسنا لجانا عليا لمراجعة البرامج الأكاديمية، أسسنا مركزا للنشر الجامعي لنشر نتاجات المحاضرين وترجمتها حين كانت الجامعات مغلقة. أنشأنا مدرسة تدريب المعلمين والتي تغير اسمها فيما بعد إلى جامعة تدريب المعلمين. بالطبع، في تلك المرحلة ونظرا للأجواء الثورية والأوضاع المشوشة وقعت بعض الحوادث العرضية في الجامعات وتدخلت الهيئة لمعالجتها. إحدى تلك القضايا هي فصل الأساتذة من الجامعات. لم تفعل الهيئة شيئا إزاء حملة التطهير وطرد الأساتذة. كانت تلك موجة جارفة في عدد من الهيئات الحكومية بما فيها الجامعات. لم نكن نعرف أعضاء لجان التطهير بالجامعة. كنا نسمع بين فترة وأخرى عن حالات الطرد. في بعض الأحيان كنا نتدخل، وفي البعض الآخر لا. الطلاب الثوريون الذين طالبوا بإغلاق الجامعات يشكلون قوة هائلة، وكان التصدي لهم أمرا بالغ الصعوبة. من باستطاعته تذكر الأيام الأولى للثورة يعلم أن مهمتنا الجسيمة تتضمن التخفيف من غلواء الطلاب ومحاولة انتهاج أنجع السبل للتعاطي مع المشكلات. اقترحت أن يعقد أعضاء الهيئة اجتماعاتهم في الجامعات. كن نتهم دائما بالجلوس خلف الأبواب الموصدة واتخاذ قرارات تخص الجامعات. قلت لبعض أعضاء الهيئة إنه من المحبذ أن نعقد اجتماعات أسبوعية في الجامعات ونعلن أننا سنرحب بكل من يود الحضور، وبذا نستطيع الجلوس وجها لوجه لتجاذب النقاش مع المحاضرين والطلبة. هذا ما أردت فعله دائما وفعلته، وقد عقدنا عدة جلسات. أتذكر أني ذهبت لكلية الآداب، وكلية القانون، وكلية العلوم، وكلية الصيدلة..وغيرها، ولم تكن النتائج سيئة. لكن بعض الأعضاء انسحبوا تدريجيا، ولم يحضر آخر جلسة سواي أنا ود.شريعتمداري. لذا لم تتقدم العملية، ولو قدر لها أن تستمر لآتت أُكُلها.

كان الأساتذة مشحونين جدا من الطلبة ويريدون فرصة للحديث. وقد وجدوا الفرصة المواتية بحضورنا إلى الحرم الجامعي. هذا أمر لا زلت أعتقد أن على قيادتنا القيام به، أعني السماح لأنفسهم بمواجهة أشخاص يستطيعون الكلام بحرية. لقد حرموا أنفسهم من هذه التجربة منذ فترة طويلة. قد يستلمون رسالة أو يسمعون عن شيء ما، لكنهم لا يظهرون أمام مجموعة من الناس وجها لوجه مع مشاعرهم التلقائية. جربت هذا بنفسي ليس في جامعات البلد فحسب بل في الخارج أيضا. (حين هاجرت القيادات السياسية، لم يكن لديهم اتصال مع عامة الطلبة أو الجماهير، كانوا يقابلون جماعة أو قيادات أخرى في جو مغلق، أناس استدعوا سلفاً. إذن لم يعايشوا مشاعر الناس الحقيقية وما يفكرون به). كنت شخصيا عرضة للتهجم والاتهامات من قبل الإيرانيين الذين يعيشون في الخارج لأني عضو في هيئة الثورة الثقافية في فترة ما، كانوا يعتبرونني متواطئا مع النظام ومتورطا في بعض أخطائه. لقد هاجموني وانتقدوني لأنهم أحرار في ذلك. لكني تعلمت درسا مهما من هجماتهم ونقدهم، فقد خلقوا مناخا حرا وهذا ما لم يجربه رجال الدولة. ربما شاهدوه في الفيديو، غير أنهم لم يعيشوه بأنفسهم.هناك حوادث استثنائية تعرض ما الذي حدث حينما واجه رجال دولتنا مراسلين أجانب وجهوا لهم أسئلة بدون تحفظات. استشاط المسئولون غضبا، وفقدوا تماما قدرتهم التسلطية التي ألفوها عندما يتحدثون مع المراسلين المحليين. كانت تلك اللحظات التي باستطاعتك فيها أن تقف على حقيقتهم. دعني أقول كجملة اعتراضية إن العيش في ظروف طبيعية هو الخطوة القبلية الأولى للنجاح في الحياة الاجتماعية والطبيعية. لو تجرد رجال الدولة وعلماء الدين من هذا النوع من الحياة الطبيعية أو حرموا أنفسهم منها فليكن في علمهم انهم لن يفلحوا. في الوقت الراهن لا يتلقى علماء الدين الأسئلة العفوية من الناس في ظروف طبيعية. لقد وصفت في كتاباتي كيف كان الناس يتهافتون على المرحوم مطهري في الجامعات، وفي التجمهرات، وفي المساجد ليطرحوا عليه ما يدور في أذهانهم من أسئلة دون قلق أو خوف. كان المطهري مستعدا للتعامل مع هكذا اجتماعات. حالياً يستطيع هذا العالم أو ذاك أن يقول ما يشاء على منبر الجمعة دون أن يجرؤ أحد على توجيه الأسئلة له. حتى لو امتلكوا الجرأة فليس في مقدورهم الاتصال به وهو قابع في برجه العاجي، يسوق الحكمة في تكلف واصطناع. هذا النوع من الانزواء سيقود للحديث عن الفشل.

قلت في هيئة الثورة الثقافية إننا يجب ألا ننقطع عن الجامعات، كنت أتردد على الحرم الجامعي بنفسي مصطحبا عددا من أعضاء الهيئة للاجتماع بالأكاديميين وطلبة الجامعة. لكن كما أرى حين وصلت الحياة الطبيعية في الهيئة إلى مرحلة الاحتضار وتبنت أشبه ما يكون بالسلوك الزائف، وحين دخل السياسيون للهيئة انسحبت.

إحدى نقاط الاختلاف في الهيئة هي العلوم الإنسانية. هذه قصة طويلة بحد ذاتها، وينبغي أن تروى في سياقها الخاص.


ما هو تعريفك للثورة الثقافية؟ ماذا كانت أهدافك؟ ما الوسائل والأدوات التي عزمت على استعمالها وإلامَ آلَ مصيرها؟ خاصة في العلوم الإنسانية التي تختلف عن العلوم التجريبية.


ليس هنالك معنى متفق عليه للثورة الثقافية، نحن الأعضاء السبعة لم نكن نعرف بعضنا البعض ولم يسبق أن جلسنا معا لنناقش الأمور. سمعت عن د.شريعتمداري بالاسم فقط، التقيت بالدكتور حبيبي مرة واحدة في فرنسا. كنت فقط أعرف شمس علي أحمد عن طريق أخيه. لم نكن نعرف بعضنا. لم يقتصر الأمر على عدم اجتماعنا للتباحث من قبل، بل لم نفعل ذلك حتى بعد تأسيس الهيئة. المشاكل اليومية وآمال الناس المعقودة على أعضاء الهيئة كانت عظيمة للغاية، فلم نمتلك الوقت الكافي للجلوس وتعاطي الأفكار النظرية. لم نعقد اجتماعات لكي نتحدث عما يفترض أن تعني الثورة الثقافية أو ما هي الأهداف المحددة للهيئة أو ما هي التغيرات المفترض إحداثها في جامعات البلد. أتذكر حين التحق السيد مهدوي كاني بالهيئة أنه كان يردد دائما أن الثورة الثقافية لا تستدعي سنوات طويلة، الثورة الثقافية مسألة عام واحد: يأتي شخص ما، يتكلم ويقول "هذا معناها" ، ثم ينصرف. قال هذا عدة مرات، إحداها بحضور السيد خامنئي. قال إن الثورة الثقافية لا تعني أكثر من هذا بالنسبة له، وليست هنالك حاجة لحشد من الناس يتناقشون سنين عديدة، إنها تتضمن نقطة أو اثنتين، شيئا أو اثنين يمكن قولهما في حوار أو حوارين..هذا كل شيء. ثم يمكن لملمة الأغراض وإغلاق الدكان والعودة للمنزل. لا حاجة لكل هذه السفسطة.

في الواقع أجريت عدة حوارات حول الثورة الثقافية. رغم أن أعضاء الهيئة ألقوا بعض هذه الخطب، لكن حقيقة الأمر هو أن الشيء الوحيد الذي قيل كان أساسا هو أن التعليم العلمي شيء جيد للغاية وله فوائد جمة، وأن الإسلام يدعو للتعلم وهو دين العلم، وأنه ليس ثمة تضارب بين الدين والعلم..وهكذا. أما السؤال عما يفترض أن يحدث في مسألة الثورة الثقافية، أو ما هي النقاط الأساسية الجديرة بالمعالجة، هذه الأمور قلما تطرق. لم يكن هنالك حديث بتاتا خاصة في البداية عن أسلمة الجامعات. لم ناقش شيئا من هذا القبيل. أدرجت أسلمة الجامعات ضمن الملفات المطروحة لاحقا، أستطيع القول إن موضوع أسلمة الجامعات تم طرحه إبان تشكل مجلس الثورة الثقافية. لكن –كما كان متوقعا- لم يتحقق شيء من ذلك مطلقا.


إذن هل سيكون من الإنصاف الزعم بأن الثورة الثقافية أملتها أغراض سياسية ملحة؟


دعنني أكمل الصورة لديك بالقول إن (الثورة الثقافية) كانت منذ البداية تسمية خاطئة. لاحقا، حاولت إبدال مسمى (الثورة الثقافية) بـ(الثورة التربوية)، وهذه نقطة طرحتها في اجتماعات الهيئة. أود القول بدايةً إنه ليس بالإمكان إحداث ثورة في الثقافة، قد تحدث ثورة لكن لا يمكن إحداثها عن قصد. إن لجنة من سبعة أو سبعة عشر عضوا لعاجزة عن أن تأخذ على عاتقها إنجاز مهمة جسيمة كهذه. ثانيا، نحن لسنا هنا بهدف إحداث ثورة في ثقافة البلاد بغض النظر عن قدرتنا على ذلك أم لا، نريد فقط إحداث تغيير في الجامعات في مستوى برامجها التربوية. إذن كان تعبير (الثورة الثقافية) ثوبا فضفاضا على جسد التكوين التربوي النحيف بجامعاتنا. لاحقا استخدمت تعبير (ناقلات الثقافة) وقد استخدم السيد خاتمي هذا المصطلح. أود القول إنه قد أصبح لثقافة بلدنا عدة ناقلات: المدارس الابتدائية والثانوية، الأسرة، المجلات والجرائد، الإذاعة والتلفزيون، الرأي العام، والجامعات. هذه هي ناقلات الثقافة. في نطاق صلاحياتنا –هيئة الثورة الثقافية- نتعامل مع إحدى هذه الناقلات: الجامعات، وفقط فيما يتعلق بشؤونها التربوية.

ثقافة البلاد نتاج كل هذه المصادر، نتاج ماضينا التاريخي، نتاج مفكري الاجتماع الذين يبتكرون النظريات. إنها ليست نتاج هيئة من سبعة أعضاء، نحن جميعا لا نستطيع أن ننتجها أو نوجه إنتاجها. نحن فقط نستطيع إعادة تنظيم جانب ضئيل منها يدعى التعليم الجامعي، لسنا معنيين حتى بشأن المدارس. إذن تعبير الثورة الثقافية غير ملائم منذ البداية، إنه بكلمات أخرى: ثوب واسع فضفاض على جسم نحيف.

ثالثا، الدخول إلى نطاق ظاهرة اسمها الثورة الثقافية كان قلبا وقالبا سياسيا. في أول أيام الثورة لم تكن الجامعات جامعات بالمعنى العادي للكلمة. بالنظر للمناخ العام للبلاد كانت الجامعات ميدانا للصراع السياسي وحتى العسكري، تلك كانت الحالة –ولما تزل- حين يطبق مناخ ما على البلاد لا يمكن للجامعات أن تكون بمعزل عما يدور حولها. كان الجو في بداية الثورة مشحونا بالصراعات في طول البلاد وعرضها وبين مختلف الفئات. كان هنالك قتال في كردستان، وقنباد، ومناطق أخرى. في المركز تصاعدت وتيرة الصدام بين مختلف التيارات السياسية بشكل دراماتيكي. تشكل الحزب الجمهوري الإسلامي وواجه النقد والهجوم من قبل مجاهدي خلق. كانت مجاهدي خلق منهمكة في إيقاف الجماعات العسكرية وشبه العسكرية عند حدها. وجماعات جناح اليسار مثل عصابات بيشجام وفدائيان خلق ناشطة بشدة. حزب تودة كان نشطا جدا، وهو مطالب بالعمل وفقا لمبادئ الولاية وتأييد ولاية الفقيه. هذا المناخ أعيد إنتاجه بكليته في جامعاتنا. أريد القول إن لكل هذه الجماعات السياسية المتشاحنة أعضاء وممثلين هناك. منذ مايو 1979م حين عدت لإيران وحتى يونيو 1980م في الفصل الدراسي الذي كنت خلاله في الهيئة الأكاديمية لجامعة تدريب المعلمين، كانت الصدامات والاضطرابات تنشب لأتفه الأسباب. لم يكن الطلبة الإسلاميون مستعدين للتسامح مع هذا الوضع، وقرروا وضع حد له. كان هذا قرارا سياسيا.

أريد أن أقول بخصوص هذه النقطة إن الإمام الخميني -قبل اتخاذ القرار والأحداث التي أفضت لإغلاق الجامعات- قد ألقى خطبة بمناسبة السنة الإيرانية الجديدة في مارس 1980م تتضمن إرشادات ووصايا حول الثورة. إحدى نقاط الخطبة هي أن الجامعات يجب إعادة تشكيلها من الأساس. تلقى الطلاب هذا كتكليف. فتحت كلمات الإمام الباب أمام الأحداث التي دارت في مسرح الجامعات. هكذا بدأت الأحداث. كل هذا قبل أن يكون هناك هيئة الثورة الثقافية أو مجلس الثورة الثقافية، وحتى قبل أن يكون هنالك ذكر لثورة ثقافية. في البداية، كان الأمر برمته فئويا وحزبيا وعسكريا في حقيقته. أطلقت النار. تدهورت الأوضاع حتى تدخل الرئيس بني صدر، وتم إغلاق الجامعات.

نعم، الحركة التي عرفت بالثورة الثقافية بدأت بدوافع سياسية وثورية انسجاما مع المناخ العام للبلد. على أية حال، بعد تأسيس هيئة الثورة الثقافية ظهرت على السطح قوتان، قوة تتألف من الطلبة الذين طالبوا بضخ الحياة إلى الثورة الثقافية، قالوا إنهم طهروا الجامعات من الأعداء والجماعات المناوئة، واعتبروا أن من حقهم قول الكلمة الفصل حول تزعم الثورة الثقافية، وتبنوا الرأي القائل بأن العملية ستحتاج لعشرين عاما. القوة الثانية تتألف من هيئة الثورة الثقافية والقيادة العليا للبلاد (رفسنجاني وخامنئي) اللذين أرادا رؤية الجامعات تعاود الافتتاح في أسرع وقت ممكن.

لقد قال لنا السيد رفسنجاني في أحد الاجتماعات بحضور القيادات العليا: "نعم، نحن نوافق على إغلاق الجامعات لكن ليس إلى أجل غير مسمى، هذا يعني أن يستمر حوالي ستة أشهر" بيد أن القوة الأولى لم تكن راغبة في سماع شيء كهذا.

أتذكر جيدا أن د.معين وزير التربية الحالي الذي تقلد هذا المنصب في ظرف سابق أصبح رئيس جامعة شيراز. أعضاء هيئة الثورة الثقافية الذين كانوا يزورون جامعات البلد كانوا في زيارة لجامعة شيراز. إنهم د. شريعتمداري وأنا وربما شخص ثالث. في ذلك الوقت فتحنا الجامعات للطلبة الذين لم يتبق عليهم سوى اجتياز 25 ساعة معتمدة للتخرج. قال لنا د.معين إن عملنا هذا يصل إلى مستوى الخيانة أو على الأقل تفريط بالغ، أخبرنا طلبة الجامعة أن الجامعات ستظل مغلقة لعشرين سنة قبل أن تحدث التغييرات الجذرية التي طالب بها الإمام. بالطبع، كان الإمام بنفسه إلى جانبنا، وأتذكر إنه قال في إحدى المناسبات حين ذهبنا لتحيته: لا أريد لطلبة الجامعة أن يتسكعوا في الشوارع، يجب إعادة افتتاح الجامعات. أخبرناه أن هذا ما نفكر فيه أيضا، لكن الطلبة غير مستعدين للتقبل منا فنحن في نظرهم مشبوهون وغير ثوريين. سيكون من الأفضل أن تخبرهم بنفسك. ولقد طرح الإمام هذه المسألة في إحدى خطبه ودعا لإعادة افتتاح الجامعات، وبهذا مهد السبيل لنا فأعدنا فتح الجامعات بعد سنة ونصف من إغلاقها. لم يكن ذلك نزولا عند رغبة الإمام فحسب بل كان استجابة لحاجات البلاد أيضا. كانت الهيئة تواجه ضغوطا من كل حدب وصوب. على سبيل المثال، تحتاج وزارة الخارجية لمترجمين للغات عديدة. أين يتلقون تعليمهم؟ ليكن واضحا إذن أن الجامعات ليست زينة نتباهى بها، بل هي على العكس من ذلك تستطيع إذا مارست مهامها كما ينبغي أن تحل الكثير من مشاكل البلاد. كل هذا يعني أن الأرضية كانت ممهدة لإعادة افتتاح الجامعات، وقد وضعنا الشراع لإحداث تغييرات ذات صلة بالبرامج التربوية وبالأساتذة لاختصار المهمة. تزامن إعادة افتتاح الجامعات مع خروجي من هيئة الثورة الثقافية. تمخض تقرير وزارة التعليم العالي إلى هيئة الثورة الثقافية عن تسريح 700 من أعضاء الهيئة الأكاديمية بالجامعات.


من مجموع كم؟


من مجموع حوالي 12,000. الأعداد التي بحوزتنا في بداية الثورة كانت 200,000 طالب في التعليم العالي، و12,000 محاضر ومساعد محاضر ومدرس. بعض هؤلاء الـ700 سرّحتهم لجان التطهير بالجامعة، وبعضهم الآخر آثروا التنحي بأنفسهم قبل أن تطالهم أيدي اللجان. أما بخصوص ما حدث لاحقا وما هو العدد الإجمالي وكم عدد الذين أعيدوا للجامعة واستعادوا مراكزهم، فليست لدي أي معلومات مؤكدة بهذا الشأن.


ذكر البعض العدد 6000 وثمة إحصائيات بهذا الصدد. لكن الأرقام بحد ذاتها لا تكشف الصورة الواضحة للمناخ السائد فلربما فضل محاضر ما الصمت أو العمل بخفاء للمحافظة على موقعه والبقاء في منصبه.


ما أشبه الليلة بالبارحة. سواء كنت عضوا في هيئة الثورة الثقافية، أو أكاديمية العلوم، أو الجمعية الفلسفية، أو معهد دراسات العلوم الإنسانية، أو المجلس الشعبي الجامعي..فليس لي حق في الكلام، لا حق في التدريس، لا حق في إلقاء محاضرات عامة. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الأشخاص الآخرين. الحال في جامعاتنا اليوم واحد في الكبت والاستبداد. وليست هناك علامة على الحرية الفكرية التي يجب أن تسود في المحيط الأكاديمي. الوضع هكذا منذ البداية، وهو للأسف وضعنا اليوم بشكل أو بآخر.


لماذا حدث هذا في العلوم الإنسانية؟ هل لأن اختلاف الرأي أكثر وضوحا فيه؟


حين حدث هذا في العلوم الإنسانية خضنا ميدان معركة جديد. ولقد أبدى الطلبة حساسية بالغة إزاء هذا الموضوع، قرروا –يؤيدهم في ذلك بعض الأشخاص- أن هذه العلوم آثمة ومنبوذة. قيل هنا وهناك في الصحف والمحاضرات إن العلوم الإنسانية يجب أن تؤسلم. كان ذلك عام 1981م أو 1982م حين قلت في حوار أو مقال لي إن العلم واسع وليس له وطن. بكلمات أخرى، ليس من المهم أن تنتج المعرفة العلمية في الولايات المتحدة أو الصين أو الاتحاد السوفيتي أو إيران، إنها ملك لأي شخص وفي أي مكان. كانت هنالك صحيفة اسمها (جامعة الثورة) تنشر بعض كتابات هؤلاء المتطرفين. دبّجوا عدة مقالات لإثبات أن العلم ليس واسعا وبلا وطن، وليس صحيحا أن العلم لا يعترف بالجغرافيا، ومن ثم يمكن لنا ابتكار علوم إسلامية. أخذوا مقالي وكتاباتي إلى (المجلس) وإلى بعض النواب ولجنة التعليم العالي ووجهوا اعتراضات واتهامات عديدة، كما قابلوا د.حبيبي وهو عضو لجنة التعليم العالي بالمجلس. اطلعت في صحيفتكم (لوح) على قول إحدى هذه الشخصيات: "إذا تحدثت مع سروش عام 1981م عن علوم إنسانية غير مؤسلمة فسأشرّح بدنك إلى قطعتين". لم يكن مطّلعا بشكل كافٍ، وقع في أخطاء فادحة أثناء المقابلة، منها أنه قال إن الهيئة بدأت بأربعة أعضاء، وكانوا سبعة في واقع الأمر.

الخطأ الثاني الذي ارتكبه يتعلق بي. كتاباتي ونصوص حواراتي متداولة في ذلك الوقت، لكنهم صوّروني مخلوقا له أظلاف حيوانات وقرون، واعتبروني عميلا خائنا. ورحبوا بابتعادي. في وقت لاحق قال بعض الأعضاء الحاليين في مجلس الثورة الثقافية إن هنالك مندسين داخل هيئة الثورة الثقافية-يقصدونني بالطبع. لم أتاجر بتاتاً بإنتاج المعرفة العلمية وتعليمها. كنت دائما أعبّر عما أفكر به، ولا زلت أفعل ذلك. وإذا تغير رأيي تغير حديثي. دار حوار بيني وبين الراحل د.بهشتي بحضور الإمام حول ما إذا كان هناك شيء اسمه علوم إنسانية إسلامية أم لا. أتذكر جيدا أننا إذا أردنا مقابلة الإمام فإن السيد بهشتي يكون متواجدا دائما. دار الحوار حول العلوم الإنسانية والنقاشات المثارة بهذا الشأن. ما قلته لاحقا أن العلوم يجب أن تترك وشأنها. لها منطقها الخاص، ويجب أن تبرهن أو تدحض باستخدام مناهجها النابعة منها.

أصر المرحوم بهشتي على أن هذا لا يمثل حقيقة العلوم الإنسانية وأنها تتضمن أساسا فلسفيا قد يكون إسلاميا أو لا. اكتفى الإمام بالإنصات باهتمام ولم يقل شيئا. أقول لك هذا فقط لأوضح طريقة تفكيري. أسهبت في الحديث حول هذا الموضوع في الجامعة، ومن ثم نشرته في كتابي (صناعة التفكير). شرحت هناك أنه إذا كان لا بد من شيء اسمه علوم إنسانية إسلامية فليس السبيل لتحقيقه هو القول إن هذا الجزء ينتهك القواعد الإسلامية ويجب حذفه، أو تلك الرؤية الدينية تحتاج لإضافتها هناك. ليكون ذلك الشيء في متناول اليد وليتحقق ينبغي أن تنفر مجموعة من الأشخاص ذوي التوجه الإسلامي لإنتاج علوم إنسانية (وليس اجترار نظريات الآخرين فحسب) رؤيتهم ستؤثر تلقائيا في أفكارهم النظرية. وبعد سلسلة من النتاجات ستلج العلوم الإنسانية ميدانا سيكون إسلاميا في طبيعته. في اجتماعات الهيئة أيضا كنت أقول إن فكرة (الضرب على وتر أن هذه العلوم ذات منشأ غربي) تعني أن الأشخاص ذوي الثقافية الغربية هم من أنتج هذه العلوم. إذا أردت أن تكون علومك الإنسانية إسلامية خالصة فلا تعبث بعلوم الآخرين الإنسانية. دع أشخاصا من ذوي الثقافة الإسلامية ينتجون علوما إنسانية إذا استطاعوا. ربما ستصطبغ هذه العلوم بصبغة أو طابع إسلامي، هذا كل ما في الأمر..نهاية القصة. لا تعبث بالدراسة العلمية! لكل علم مناهجه ومعاييره. الحوزويون تمسكوا بموقفهم إلى أن أمر الإمام عددا من أعضاء هيئة الثورة الثقافية باللجوء إلى قم لإصلاح العلوم الإنسانية هناك.

ذهبنا لمقابلة رابطة علماء قم، كانوا يقولون أشياء قوية للغاية. كان في اجتماعنا السادة: كريمي، خرازي، شرعي، مكارم، جوادي، آزاري، حسيني، أميني، ويزدي. سألنا السيد أميني: كيف ستدرّسون الاستقامة الأكاديمية؟ أجبته كما قال سقراط: الاستقامة لا تدرّس. بعدها قال السيد يزدي الذي اصبح لاحقا في رأس السلطة القضائية: لنتكلم بصراحة، الأمر هو أن هنالك أشخاصا عقولهم محشوة بالأفكار الغربية، وهم الذين يضعون المصنّفات في العلوم الإنسانية. هذه الأمور يجب أن تعالج. فهمه وباقي علماء الدين للعلوم الإنسانية مبني على أفكار أمير حسين أريانبور، ويقولون إن العلوم الإنسانية تقود للإلحاد وهي مخترقة من الماركسية وغيرها. قال لنا أحد أعضاء رابطة علماء قم ممن ليس لهم حظ وافر من المعرفة: لا نريد أن نعرف شيئا من كل هذا. اذهبوا وألفوا الكتب المختصة المركزة على التعاليم الدينية للجامعات، وسوف نقوم بتنقيحها. قلنا بإصرار: يجب أن تؤلف الكتب في التعاليم الدينية بنفسك. لا يعنينا أن نكتب شيئا ثم نعطيك إياه لتنقحه.

السيد مكارم كان هناك ووقف لجانبنا، قال: إنهم على حق، أنت تعلم أن كتب الطب يضعها طبيب، لا يضعها الآخرون ثم تعطى للأطباء للتنقيح.

وهكذا سيؤلفون على الأقل كتاب التعاليم الإسلامية. إنه لم يؤلَّف في الحقيقة. كان تجميعا لأشياء كانت مؤلفة سلفا، متضمناً مقالات كتبتها حول التغيير، الأساس المنطقي للدين..وهكذا أصبح هذا كتاب التعاليم الإسلامية، وله قصته الخاصة. قصة ما تتضمنه التعاليم الدينية، ما كابدوا من أجلها، وإلامَ انتهى بها المآل؟ هل سلبياتها تفوق إيجابياتها أم العكس؟ هذا أمر محل نقاش. رابطة علماء قم مركزها السيد مصباح وجمعيته: حوزة باقر العلم. اقترح السيد مصباح برنامجا وقال فليأت الأساتذة إلى قم وسنناقش الأمور معهم. أيدت الهيئة الاقتراح، وبدأت عملية افترض أنها ستستغرق تسعة أشهر، لكنها استمرت لأكثر من عام. أساتذة العلوم الإنسانية من فقه، وعلم نفس وعلم اجتماع، قدموا إلى قم مصطحبين معهم بحوثا معدة في هذه المواد، ستقرأ هناك وتناقش. تمخضت هذه الجلسات والنقاشات عن خمسة مجلدات: علم النفس الإسلامي، علم الاجتماع الإسلامي..وهكذا. لم تلاقِ استحسانا في الجامعات ولم يحالفها النجاح. كان لقم دورها في أسلمة العلوم الإنسانية، وجمع كل ذلك في المجلدات الخمسة.لم ينجز شيء آخر في هذا الصدد. بذل جهد هائل في هذا المشروع، وعارضت الهيئة هذا الجهد الكبير وتلقت رسالة غاضبة شديدة اللهجة كرد على ذلك من السيد مصباح. بغض النظر عن كل هذه النقاشات شقت العلوم الإنسانية طريقها، رغم أن الجامعات لم تستطع أن تضع يدها على خدها لقتل الوقت في انتظار فتاوى قم، أو أن تقوم حوزة باقر العلوم بتنقيح العلوم الإنسانية على أيدي مجموعة حوزويين لم يسمع بهم أحد.

همزة وصلنا مع قم بخصوص العلوم الإنسانية هو د.أحمدي. حضر بعض الجلسات ثم تنحى عن أداء هذه المهمة. لقد قال: من غير الممكن التحدث مع السيد مصباح يزدي، بعد عدة جمل يشمر ذراعيه للتلاكم معك (هذه كلماته بالضبط). بالطبع جربنا بأنفسنا مزاج السيد مصباح الحاد في مناسبات أخرى.

نعم، لم تفكر الجامعات جيدا في التطورات اللاحقة، أعيد افتتاح الجامعات وبدأ تدريس العلوم الإنسانية. ما كنت أقوله في الهيئة هو أن العلوم الإنسانية يجب أن تمارس درسها بناء على مناهجها الخاصة بها، لا أحد يزعم أن ما تأتي به العلوم الإنسانية حقائق يقينية، وأن كل نظريات علم الاجتماع مثلا صحيحة. لكن فكرة أن مجموعة من الأشخاص الجاهلين بالعلوم الإنسانية استطاعوا تشكيل لجنة خارج الجامعات لتهذيب العلوم الإنسانية وزرقها في أوردة الجامعات لهو أمر سخيف للغاية. أثبتت التجربة هذا الأمر. إذا كانت هناك حاجة لتنقيحات وتهذيبات فينبغي على الجامعات أن تقوم به بنفسها. مذ أعيد افتتاحها، واجهت الجامعات مصاعب جمة لأنها لم تعالج هذا الموضوع بجدية.


بعد هذه المخاضات الصعبة والمحن، ما هو تقييمك للمبادئ الأكاديمية في جامعاتنا؟


بشكل عام، يجب أن أقول إن جامعاتنا في حالة يرثى لها. حين زرت جامعات أجنبية وعدت أحسست بأسى مضاعف. بعض الأساتذة الإيرانيين الذين يعملون في الخارج أكثر تشاؤما مني ويعتقدون أن هناك الآن هوة واسعة كالخندق العميق بيننا وبين التعليم الحديث، وإن الأمل بتجسير هذه الهوة ليس إلا أضغاث أحلام. لم يذهب بي الأمر إلى هذا الحد، ولا أريد أن أجلس هنا وأوبخ الناس، ولا أريد أن أثمّن أو أبخس من قيمة الإنجازات العظيمة التي قام بها الأكاديميون الجادون في البلاد.

لا يمكنني تقديم المساعدة فقط أستطيع أن أكون واقعيا. لا تمتلك جامعاتنا للأسف سجلا ناصعا، سواء في العلوم الإنسانية أو التجريبية. وإذا لم أرد القول بأنها تردت للأسوأ فإنها لم تتقدم منذ الثورة. ثمة أسباب عديدة سأخوض فيها في مقام آخر.

أحد الأسباب المهمة هو أن جامعاتنا أصبحت مؤدلجة مع تمييز بين ما هو أصيل وما هو دخيل. لهذا التمييز -الذي صاغه بعض سياسيينا والمتاجرين بالسياسة لسوء الحظ- آثار خطيرة ومدمرة. في الجامعات كما في أي مكان رسمت خطوط تصنف الناس إلى أصيلين ودخلاء، وهذا يتضمن كلا من الطلبة والأساتذة. وتخلصوا من الأساتذة الذين اعتبروا دخلاء. تأمل بنفسك، وصل التمييز بين الأصيلين والدخلاء إلى حد أن أشخاصا مثل السيد بازركان والسيد عزت الله سحابي اللذين لا يرقى الشك لنزاهتهما اعتبروا دخلاء. فيما اعتبرت من الأصيلين شخصيات مثل كرم الله ومهدي نصيري وحسين شريعتمداري الذين لا حاجة للتذكير بما ارتكبوه في حق الوطن. مسألة التمييز بين الدخلاء والأصيلين أقحمت إلى الجامعات كذلك. فلم يعد التعليم والبحث هو معيار كفاءتك بقدر أن تكون أصيلا. الامتيازات الرفيعة التي حظي بها الأصيلون تم تجريد الدخلاء منها. هذا التمييز أصاب الجامعات بداء ستظل تعاني منه لأزمان متمادية. النظام التربوي لا يزدهر أو يتداعى بين يوم وليلة، ينتج التداعي من أمراض مزمنة، ويحتاج الانتعاش لعلاجات طويلة الأمد.

في الميادين التي اطلعت عليها وعالجتها بشكل تخصصي، رأيت بنفسي كيف أن أشخاصا شجعوا وكوفئوا برواتب أساتذة لا لشيء سوى لأنهم أصيلون دون أن يمتلكوا كفاءة أكاديمية. عدد كبير من هؤلاء المحاضرين الأصيلين لهم انشغالاتهم الواسعة ولا يحظى التدريس في الجامعات بأدنى اهتمام منهم. لن تزدهر الجامعات بوجود هذا النوع من الأساتذة، لقد تلقيت تعليمي في جامعات أجنبية لست أو سبع سنوات، وشاهدت بنفسي مستوى اقتدار الأساتذة، ومنظرهم في المكتبات، وصلتهم الوثيقة مع الطلبة. لو جربت وضع هؤلاء الأساتذة الأصيلين في مكتبة جامعية ليوم واحد سأعطيك مكافأة إن استطعت جعلهم جالسين على نفس المقعد لساعة واحدة كالطلبة وهم فاتحون كتابا أمامهم يقرؤونه حقا. بعد فشلهم الذريع في حقل العلوم الإنسانية عينوا شخصا هو (...) لتنقية كتب العلوم الإنسانية من الشوائب، كدّسوا أمامه 3000 كتاب ليصهرها في أسيد الأسلمة لتأمين ذوبان النحاس وبقاء الذهب، ثم يخلون سبيل الكتب بعد ذلك. من الصعب أن تجد شيئا أكثر عبثية وخواء من هذا!!


ترجمها (للإنجليزية) نيلو موباسر



0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email