في خاتمة المطاف،لم يكونوا ليعرفوا وجهتهم.. د.عبد الكريم سروش: الثورة الثقافية في إيران وما ينبغي أن


النص التالي عبارة عن ترجمة لمقابلة صحفية أجرتها صحيفة (لوح) الإيرانية مع المفكر الإيراني المعروف عبدالكريم سروش، يستعرض فيها تجربته فيما أسمي بهيئة الثورة الثقافية (والذي تطور لاحقا إلى مجلس الثورة الثقافية) وما اكتنف هذه التجربة من تجاذبات سياسية وثقافية كانت الحوزات والجامعات قطبيها الرئيسين. التماسّ بين الوعي الحوزوي والوعي الجامعي هو أحد محاور هذا اللقاء.

وإذا كانت هذه المقابلة تبدو للوهلة الأولى تناولا تأريخيا (وقد امتزج فيها التأريخ بالتحليل) لمرحلة مفصلية من عمر الأمة الإيرانية وانعكاساتها على المناخ الأكاديمي، أعني إذا كانت تتناول شأنا إيرانيا خالصا في عناوينه الأولية فإنها حين ترصد أبرز ظواهره الثقافية تحاول استشفاف مسائل أكثر جوهرية وعمقا تمس تفكيرنا الجمعي مباشرة -الفكر الديني عامة والشيعي على وجه الخصوص- أعني بها تلك التداخلات الأزلية بين الدين والعلم، والدين والسياسة، والنص والتأويل، والحداثة والتقليد..وهي تداخلات تلقي بظلالها دون ريب على فهمنا وتمثّلنا للدين، وتثير فينا بهذا بعض المساءلات الهامة التي قد تحفز لإجراء حفريات معرفية تقود لإعادة مراجعة ثقافية لتفكيرنا وتفكيك آلياته.

أخيرا، هذا النص مترجم في نسخته العربية عن ترجمة باللغة الإنجليزية قام بها (نيلو موباسر) عن الأصل الفارسي للمقابلة.


كل ما أثير حول اتحاد (الحوزة-الجامعة) تضمّن أساسا معاني سياسية، غير أن ما قيل فبل ذلك كان علميا في صميمه. كيف يمكن تعريف الوحدة العلمية وإلى أين تقودنا الوحدة السياسية؟


إحدى الدعوات المهمة والبارزة التي انطلقت في سياق الأحداث المعروفة بـ(الثورة الثقافية) كانت الدعوة لاتحاد (الحوزة-الجامعة)، لا أعرف من الذي أطلق هذه الصيحة أو صاغ هذا الشعار أولاً، لكنها أخذت تتردد على نحو متكرر في بدايات الثورة. أستطيع القول بأن العديد من الحوارات والمؤتمرات تم تكريسها لتعريف وشرح اتحاد الحوزة-الجامعة أو تجمع الحوزة-الجامعة. في تقديري الآن أن مفهومه لم يكن واضحا في البداية ولم يتضح أكثر فيما بعد. لقد ظل مفتقرا لشيء ما، أثار جدلا على نطاق واسع وتمخض عن نتائج بسيطة. أعتقد أن فكرة اتحاد الحوزة-الجامعة انبثقت من رحم صراع تاريخي محتدم متجذر في الثقافات الدينية عامة، وممتد إلى ثقافتنا الدينية الخاصة: الصراع بين العلم والدين. قبل النهضة الأوروبية كان هناك مصدر واحد للمعرفة: الدين. بعد النهضة، ثمة على الأقل مصدر آخر هو العلم. لكي أكون أكثر دقة، ظفر العقل الإنساني باستقلاليته، وهذا بالضبط ما عنته العلمانية وما تعنيه دائما. لقد اختار العقل اللا ديني طريق اكتشاف الأشياء دون التعويل على الدين أو البحث عن تخويل منه، والكينونة البشرية أضحت متعددة المصادر.

حينما يكون هناك أكثر من مصدر، فإنها دعوة لتكون العلاقة بين هذه المصادر موضع بحث. هل هي تتصادم أم تتلاقى؟ هذا ما جعل الصراع بين الدين والعلم يمثل موضوعا بالغ الخطورة بالنسبة للمؤمنين والمتدينين. الجامعات هي نموذج العلم ومولّده بالمعنى الحديث للكلمة. الحوزات هي نموذج التفكير الديني والتعليم الديني ومنبعه بمعناه التقليدي. إذن أحد تجليات المصالحة بين العلم والدين هو المصالحة بين الجامعات والحوزات. أعتقد أن أغلب الحوادث التي طرأت في بلادنا –خصوصا منذ الثورة- هي مظاهر صراعات وأفكار قديمة العهد في أرضنا: المعركة بين الحكم الاستبدادي ومعارضة الاستبداد، المعركة بين الدين والعلم..إلخ. وربما كان يدور في خلد الذين أطلقوا شعار اتحاد الحوزة-الجامعة هاجس المصالحة بين العلم والدين وحاولوا أن يضعوا أصابعهم على تجليات العلم والدين الملموسة والقابلة للملاحظة.

إذن، المعنى الأولي والبسيط لاتحاد الحوزة-الجامعة هو إنهاء حالة الصراع بين الدين والعلم. إنهاء هذا الصراع هو قضية علمية وليست سياسية أو عملية. للعلم منطقه الخاص ورؤيته للعالم ومنجزاته، وللدين أيضا منطقه الخاص ورؤيته للعالم ومنجزاته. التسوية بينهم وإثبات أنهما يمكن أن يتعايشا وليسا في تصادم هو عمل تقتني وعقلي وعلمي تماما.

يجب أن يُنظر إلى اتحاد الحوزة-الجامعة قبل كل شيء باعتباره مسعى علميا. بكل بساطة، المنغمسون في التعليم الحديث والمنغمسون في التعليم الديني أو علماء الدين لا ينبغي أن يكونوا أعداء، ولا يجب أن يثير بعضهم المشاكل للبعض الآخر، أو يسعى كل طرف منهم لتوهين سواه. إذن فكرة اتحاد الحوزة-الجامعة تحيل إلى هذا المعنى البسيط: إنزال المفهوم التاريخي العميق إلى مستوى أكثر تحديدا وظهورا، وموضعته في حدود سياسية معينة.

بعد الثورة ووصول علماء الدين إلى سدة الحكم، اتجهت فكرة اتحاد الحوزة-الجامعة (التي تعني إشاعة الفهم بين أساتذة الحوزة والأكاديميين) شيئا فشيئا نحو انصياع الأكاديميين لعلماء الدين وأساتذة الحوزة. لأنها -كما أرى- فقدت معناها العلمي والمنطقي واكتسبت معنى سياسيا وعمليا. وبالتالي -نظرا لحقيقة أن علماء الدين هم رجال السلطة- أصبحت الفكرة تعني خضوع الجامعيين وامتثالهم للحوزويين. كان ذلك خاتمة المطاف لفكرة اتحاد الحوزة-الجامعة. قدّم أشخاص مؤخرا نظريات متعددة بهذا الخصوص وطرحوا أمورا عديدة. أتذكر أن أحدهم قال لي على سبيل الدعابة إن أحد معاني اتحاد الحوزة-الجامعة هو أن يتزاوج الأكاديميون والحوزويون وينسجوا فيما بينهم علاقات عائلية!

حينما لا يكون أمراً ما واضحا فإن تفسيرات من هذا النوع ممكنة.


ماذا تعني [هذه الفكرة] برأيك؟


بالنسبة لشخص مثلي يذهب إلى أن اتحاد الحوزة-الجامعة ليس سياسيا في جوهره وفي المقام الأول، وبمثابة أمر يجب أن يؤخذ بمنتهى الجدية ويُنأى به عن مجال الشعارات السياسية فإن وحدة الجامعة-الحوزة تعني اتجاها موحدا في الدراسة والبحث. لقد قلت مرارا وتكرارا في كتاباتي ومحاضراتي إن الحوزات يجب أن ينظر لها كمؤسسات للتعليم، تماما كما يجب أن ينظر للجامعات بهذه الطريقة. مؤسستان للتعليم ربما تدرّسان مواد مختلفة لكنهما –إذا اتحد اتجاههما ومناهجهما- يمكن أن يتعايشا ويحافظا على وحدة وثيقة بينهما. في رأيي أنه لا ينبغي أن يترسخ في أذهان الحوزويين أنهم يتكلمون باسم الدين فيستبدوا بالرأي. هذا الرأي يعود إلى نظرية عرضت لها في كتابي (القبض والبسط) حيث قلت إن هناك فرقا بين الدين والمعرفة الدينية.

يتضمن الدين ما نطق به الله حقيقة أو ما نطق به الرسول. أما المعرفة الدينية فتتضمن فهمنا وإدراكنا لما قاله الله أو الرسول. إذن، كل ما نقوله أو ندركه إنساني وعرضة للخطأ. هذا يفسر -رغم أن علماء الدين في حوزاتهم يدرسون الدين ويتأملون كلام الله والرسول- أن ما يظهرونه للناس في النهاية ليس كلام الله ولا كلام رسوله، إنه كلامهم الخاص. أسوق هذا للقول بأن الدين لا يستطيع الحديث وإننا المتحدثون تمثلا له. إذن، ما نقوله هو فهمنا وتمثلنا للدين. هذا هو واقع الأمر، لا يجوز لنا إبراز كلامنا في مظهر استبدادي وتقديسي أو الادعاء بأن ما نقوله مقدس لا يُمس. نعم، الله ذات مقدسة، لكننا لا نتحدث بلسان الله، نحن نعبر بكلامنا باسم الله استنادا للأسس التي شرعها لنا. النقطة المهمة التي أحاول بلورتها وينبغي أن تكون واضحة لدى الحوزويين -وحتى لو لم تكن واضحة فهي حقيقة ماثلة- هي أن ما يقولونه ليس مقدسا أو يقينيا. بتعبير آخر، إنهم والجامعيين على حد سواء. لا أحد في الجامعات يدّعي أن ثمة قاعدة أو نظرية أو قانونا مقدسا أو يقينيا. كل شيء يمكن أن يمر عبر مشرحة النقد، يُعاد النظر فيه، يُنقّح، يُستكمل أو يُلغى ويُنقض. الأمر ذاته ينطبق على أي شيء يقال في الحوزات. لم يؤيد كثير من أساتذة الحوزات آرائي. كان ما قدموه من نقد واعتراضات بالغ الأهمية. بعضهم قال إن اليقينيات والمقدسات لا تُقدّم في الحوزات فحسب، بل هي واقع الجامعات كذلك. بعضهم طرح النقيض تماما، قال إن هذا الزعم المغلوط ليس منتفيا في الجامعات فقط بل لا أحد في الحوزات يمارسه وإني قد جانبت الصواب حين عزوته إليهم. حسب معلوماتي –وبإمكان أي إنسان منصف أن يتحقق من حقيقة الأمر- إن أشياء كثيرة وُصفت بالمقدسة في الحوزات، وهذه نقطة فارقة بين الحوزات والجامعات. برأيي أنه طالما بقي طرف ينتج معرفة مقدسة فيما ينتج الطرف الآخر معرفة غير مقدسة فإن الوحدة أو الاتحاد بينهما لن يتحقق مطلقا.


أليس من الممكن اقتراح مفهوم سياسي لاتحاد الحوزة-الجامعة؟


لنتصور أن اتحاد الحوزة-الجامعة شعار سياسي، وأن هذا ما كان يعنيه أساسا، وأن أول من تبنى الفكرة لم يكن يمتلك مفاهيم فلسفية أو اصطلاحية ناضجة في ذهنه، كان يأمل أن يُنتج وفاقا سياسيا بين الحوزات والجامعات وأن الجميع سينضوي تحت لواء الثورة ويسعى خلف أهدافها. بيد أن تحقيق هذا الشعار مثار شك أيضا. ليكن في الحسبان –على سبيل المثال- أن الحوزويين في موضع قوة. لو رغب اثنان في الاتحاد فسيكون لزاما أن يكونا متكافئين، وإلا فلا مجال لوحدة أو اتحاد بينهما. سيكون الأمر كما لو أن أحدها يطلب الخضوع من الآخر ، بكلمات من الشعر:

(كم هي جميلة مأدبة المشاعر! حيث قد يتناول الشحاذ والملك الطعام على مائدة واحدة)

في مأدبة المشاعر يتساوى الشحاذ والملك، وإلا فإن الحديث عن الاتحاد بين ملك وشحاذ ليس أكثر من دعابة أو شكل من التعبير المهذب.

اليوم، يغمر مدرسي الحوزات إحساس عميق بالقوة، فلديهم وشائج قربى بالنخب الحاكمة. هذا ما جعل الحوزات تتخطى كونها معاهد تعليم بالمعنى الطبيعي والمألوف للكلمة، وترتبط بمواقع ستشوّه طبيعتها بشكل تدريجي.

الآراء التي صرح بها بعض الرموز ذات الشأن في حوزاتنا اليوم صدرت لاعتبارات سياسية، وتحظى بتأييد القوى الحاكمة ودعمها. إذن لم يتم مناقشة الأسس العقلية والمنطقية لآرائهم وتمحيصها بالكيفية الواجب عليهم اتباعها. هذا الوضع يحجّم اتحاد الحوزة-الجامعة إلى مجرد شعار سياسي، وتجعله غير قابل للتحقق في الواقع. هكذا أرى إمكانية خلق علاقة بين الحوزات والجامعات: إذا أصبحت الحوزات غير مسيّسة، وانتفى اعتمادها على القوة السياسية، وأعادت النظر في مناهج بحثها، فإن الطريق سيكون ممهدا لتأسيس وحدة طبيعية بين الجامعة والحوزة كمعهدين للتعليم، وإلا ستتسع الفجوة بينهما. أظهر أساتذة الحوزة من خلال مواقفهم –لا سيما بعد الثورة- أنهم ليسوا على استعداد للوقوف مع الجامعيين. هذه قضية أخرى طرحتها في كتاباتي، ولقد رأينا كيف أن جماعات العنف لم تهاجم الحوزات مرة واحدة، وأن الصحف التي خصت الجامعات بنقد لاذع لم تنبس ببنت شفة ضد الحوزات، ولم تتحاشَ جماعات العنف مهاجمة الحوزات فحسب، بل خلال تلك الأحداث حين هاجموا الجامعات والأساتذة لم يوجه الأشخاص الذين زاروا جامعاتنا أصابع النقد إليهم أو يقولوا كلمة احتجاج. هذا النوع من السلوك ولّد شقاقا بين الحوزات والجامعات وبرهن على أن الحوزات ليست معهدا يضع نفسه على قدم المساواة مع الجامعات أو يعتبرها ندا لها أو في الموقع ذاته الذي تصنف نفسها فيه. هناك إشارات وشواهد على أن بعض جماعات العنف كانت في الحقيقة مدفوعة بفتاوى صادرة عن بعض رموز الحوزة البارزين، أو لديها موافقة ضمنية على مهاجمة بعض أساتذة الجامعة والجامعيين. كل هذا يقترح علينا أن ننأى بأنفسنا بعيدا عن اتحاد الحوزة-الجامعة، وأنْ ليس هنالك أمل مشرق لتحقيق هذا الشعار. ما قيل بعيد المنال، وما يقال الآن لا يعدو كلمات جوفاء، ودونه شوكُ القتاد. لاتخاذ خطوة للمضي قدما بمشروع اتحاد الحوزة-الجامعة يتعين على الحوزويين إدانة الأشخاص المسئولين عن مهاجمة الجامعات، واتخاذ موقف فاعل بهذا الشأن. أستطيع أن أرى بوضوح أن الطلاب الجامعيين –وهذا اتجاه بدأ منذ عدة سنوات- أخذوا ينشقون عن علماء الدين ولم يعودوا يعتبرونهم أوصياء عليهم. هناك إذن نوع من التصدع بين المعهدين.

ضمن هذه الملابسات، المعهد الذي يحتاج لحركة إصلاحية واحتواء الطلبة الجامعيين من جديد واستنفار بعض التغييرات بداخله هو الحوزة. لسوء الطالع، لم يتم عمل شيء ولم تتخذ خطوات جدية. بالطبع، هناك تطور يبشر بالخير: طوّر بعض الحوزويين الشباب نزعة جديدة في المواد الحديثة خاصة فلسفة الدين والميثولوجيا الحديثة (علم الأخلاق). وبالرغم من أن بعض رموز الحوزة البارزين لم يسلموا بصحتها رسمياً مع ذلك فإنها تلاقي حماسة بالغة. هذا النوع من التطورات أشبه بالنباتات المتبرعمة، إذا نمت ولم تعْلق وإذا لم تواجه مناوأة من قبل قوى مضادة معينة فإنها يمكن أن تقود إلى نوع من التعاون أو التعايش بين الحوزويين والجامعيين أو على الأقل بين بعض الحوزويين والجامعيين.


هل بإمكان المواد الحديثة حقا أن تدخل الحوزات؟ إذا كان بالإمكان فبأي صيغة؟ هل وجدت الرؤية الحديثة موطئ قدم لها حقا في الحوزات؟ أم أن الأمر لا يعدو استعانة بأدواتها، تماما كالحاسوب والإنترنت؟


ستكون هناك إمكانية لدخول الرؤية الحديثة إلى الحوزات. تتمدد المساحات الواسعة للمعرفة كالشرايين تماما. عندما تتطور مساحة جديدة للمعرفة في جزء ما من البلاد أو تُستخدم أدوات جديدة فسوف يؤثر ذلك على باقي البلاد ويعم في كل مكان. تماما كما يزدهر توظيف الحاسوب في الحوزات فإن توظيف الأدوات النظرية سيزداد اتساعا في بعض الحدود. استخدام وسائل التقنية في تقدم مطرد وهو أكثر سهولة من استخدام القواعد والمعايير النظرية. يمكنك الوقوف على نماذج من هذا القبيل بين صفوف الحوزويين الشباب. زاولت التدريس في قم لعدة سنوات، وقد قوبل درسي بحماسة بالغة من قبل عدد كبير من الحوزويين الشباب. سجلوا محاضراتي على أشرطة سمعية، واستمعوا لها، ثم جاءوا إلى الصفوف. علاوة على ذلك، فإن ترجمة عدد كبير من الكتب في حقول فلسفة الدين وفلسفة علم الأخلاق من الإنجليزية والفرنسية إلى الفارسية –رغم ركاكة بعض هذه الترجمات- لهو مؤشر على نشاط وتوجه جديد في الحوزات. صدور بعض الصحف في الحوزات يشير أيضا إلى اشتغال كثير من الحوزويين بالأفكار الجديدة. من المهم جدا ألا ينظر حوزويونا الشباب بسلبية إلى الأفكار الجديدة أو الذهاب إلى أن الفكر الجديد في العالم اليوم إنما هو بذور مزروعة لإثارة الشكوك بهدف توهين الإسلام أو التفكير الديني. يجب عليهم عوضا عن هذا أن ينظروا لهذه الأفكار على أنها موضوعات تثير شهوة البحث واكتشاف حقيقتهم الخاصة. وهذا تقريبا هو واقع الحال.

حوزاتنا –شأنها شأن أي معهد علمي- مستهلكة كما هي منتجة. منتجاتها هي النظريات التقليدية في علم الأحكام وأصول الفقه وعلم الكلام والتفسير. لكنهم كمستهلكين يقرؤون ويبحثون الأفكار الفلسفية والكلامية الجديدة. إذا تحولت الأقلية التي تتعاطى الآن دراسة الفكر الحديث إلى أغلبية فستكون هذه خطوة واسعة نحو تحقيق اتحاد الحوزة-الجامعة. أنا أعلم أن هذه الأقلية ستقابل بعدم ارتياح وستوصم أحيانا بنعوت سياسية. أرى أن جزءا من ردات الفعل هذه طبيعية، ويمكن أن تحدث في أي مكان من العالم. لكنني آمل في أن يتحلى الحوزويون الذين يتبنون الفكر الحديث بالصبر والجلد ويرفضوا الخنوع لليأس. التفكير العلمي الحديث –أي العلوم التجريبية- لم يشق طريقه للدراسات الحوزوية، وليس ثمة سبب في طبيعة الموضوع يدعوه لهذا. إنما التفكير الفلسفي، والفقهي-الكلامي، والأخلاقي أخذ يتلمس طريقه للحوزات إلى حد ما، وآمل أن يتنامى هذا الاتجاه.


يبدو كما لو أن الثورة الثقافية كانت محاولة لفرض وجهات نظر الحوزويين ومناهجهم على الجامعيين بطريقة ما. برأيك –بوصفك شخصا خاض معترك الثورة الثقافية منذ بدايتها- ماذا بمقدور هيئة الثورة الثقافية أن تقدم للجامعيين؟


قصة نشوء وتكوّن هيئة الثورة الثقافية طويلة للغاية. أود أن أصحح أحد الأخطاء، بدأت هيئة الثورة الثقافية بسبعة أعضاء (وليس أربعة)، والقرار الذي أصدره الإمام الخميني يحمل أسماء سبعة أشخاص هم السادة: جلال الدين فارسي، شمس علي أحمد، رباني أملاشي، وفي وقت لاحق د.باهونر، د.حسن حبيبي، د.شريعتمداري، وأنا. في مايو 1980م حين أغلقت الجامعات مؤقتاً، أنشئت هيئة باسم (هيئة الثورة الثقافية) على يد الإمام الخميني الذي أصدر قرارا يحدد سبعة أشخاص كأعضاء أنيطت بهم مهمة إمساك قياد الجامعات إلى نقطة يمكن فيها إعادة افتتاحها ببنية جديدة وبرامج جديدة. من هذه المجموعة كان د.حبيبي، ود. شريعتمداري من الأكاديميين. د.باهونر –آنئذ- كان حاصلا على درجة ph.D من جامعة طهران-كلية الشريعة. السيد فارسي كان حاصلا على البكالوريوس من كلية القانون. على هذا الأساس يجب أن أقول إن المجموعة تمتلك معرفة كافية بشؤون الجامعات. من هذه المجموعة كنت أنا ود.حبيبي، ود.شريعتمداري قد تلقينا تعليمنا في جامعات أجنبية. كنت الأصغر والعضو الوحيد الذي جمع بين العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، فالدكتور شريعتمداري درس التعليم والتربية، د.حبيبي (الاجتماع والقانون)، ولاحقا د.باهونر (شريعة)، والسيد فارسي (قانون)، وعلي أحمد (الأدب). في وقت لاحق تواجد السيد رباني أملاشي كهمزة وصل بيننا وبين الحوزويين. في الواقع، لقد أخبرني بنفسه أن السيد أحمد الخميني –نجل الإمام- هاتفه وأخبره أنهم يريدون حوزويا ليكون أحد أعضاء المجموعة، لهذا التحق بنا.

ولكون معرفته بأمور الجامعات محدودة، لم يلعب السيد رباني أملاشي دورا بارزا في نقاشاتنا وحواراتنا حول هيئة الثورة الثقافية. أريد أن أضيف أن عددا من الأشخاص من خارج الهيئة كانوا يحيطون به ويوجهون رؤيته. أحد هؤلاء كان مهدي كولشاني الذي يشغل الآن منصب رئيس جمعية دراسات العلوم الإنسانية. السيد إسرافيليان كان أحدهم أيضا، إلى جانب آخرين كانوا –كما اتضح لاحقا- من دائرة معارف د.آيت. وفيما بعد كان باهونر -بفعل مسئولياته السياسية الواسعة- غالباً نصف متيقظ في اجتماعات الهيئة، في مناسبات عديدة كنت ألحظ جفونه وقد أطبقت تماما لشدة الإرهاق. لذا لم يمارس دورا نشطا في النقاشات. السيد جلال فارسي لم يكن مرتاحا للمهمة التي كُلف بها، وكان -في بعض الأوقات ولعدة أيام- يغادر المدينة لصيد الطيور. لم يواظب على حضور الاجتماعات بشكل منتظم، وحين فعل كان يجنح نحو الراديكالية أو ما يمكن تسميتها بالمواقف الأكثر ثورية.

السيد شمس علي أحمد كان عليلا جدا لدرجة أنه يصعب عليه الحركة أو مغادرة المنزل. نادرا ما كان يأتي إلى الهيئة، كان أيضا متشائما للغاية من الأمر برمته بخصوص عضوية الجمعية وأهدافها. لقد كان يحترم الإمام الخميني، ولكنه يرى أن كل شيء –ما خلا الإمام- يتم بمنظور سياسي وفي ضوء الكتل والهيئات السياسية المختلفة. أذكر أنه قال لي مرة إننا -أنا وهو- الوحيدان في الهيئة. الآخرون مرتبطون بصورة أو أخرى بالحزب الجمهوري الإسلامي أو بغيره. بتأثير من هذه الرؤية، لم يستطع البقاء طويلا وانسحب بشكل مهذب. د.حسن حبيبي –الذي تخلى حديثا عن منصب وزير التربية- لديه عقل قانوني، ولم تكن لديه رغبة إطلاقا في الانخراط في النقاشات حول النظام التربوي أو القضايا الثقافية العامة. كان أكثر ما يستهويه صياغة المعايير والضوابط القانونية. الكثير من القوانين المتعلقة بجامعاتنا كتبت بيد الدكتور حبيبي. ولم يكن يحضر عادة اجتماعات الهيئة، وكان يفضل قضاء أغلب أوقاته مع اللجان والجمعيات التربوية التي أسستها الهيئة.

أخذ أعضاء الهيئة شيئا فشيئا ينجرفون بعيدا. السيد حبيبي غادر بالتدريج، الأمر نفسه جرى مع السيد شمس علي. اغتيل الدكتور باهونر عام 1981م. وقع السيد أملاشي فريسة المرض وانسحب. في النهاية بقي ثلاثة أعضاء فقط هم السادة: فارسي، وشريعتمداري، وأنا. كثيرا ما كنا ندعو وزير التربية لحضور اجتماعاتنا. كان السيد أحمد أريفي يحضر في البداية، وحين عين السيد نجفي وزيرا أخذ يحضر جانبا من اجتماعاتنا، كما صنع اللاحقون. مع استحسان طلبة الجامعة، أصبح السيد نجفي -الذي كان على وفاق تام معهم قبل أن تسوء علاقته بهم- وزيرا للتربية. سأضيف هنا أنه بعد انسحاب عدد من الأعضاء عيّن الإمام آخرين. دعني أقول أيضا، في الوقت نفسه رغب في مغادرة الهيئة لأسباب عدة، وقدمت استقالتي للإمام، لكنه رفضها. بعدها طلبت الاستقالة مرة ثانية ولم يقبل، وتركت الهيئة عام 1983م.

كان السيد مهدوي كاني أحد الأعضاء الذين التحقوا بنا فيما بعد، وبقي لفترة قصيرة جدا. كان ينتهج سلوكا تأمّريا للغاية، ويعتبر نفسه حالة خاصة في الهيئة. حادثة واحدة رسخت في ذهني منذ ذلك الوقت. قدمت مجموعة من ضباط البحرية إلى هيئة الثورة الثقافية وقالوا إنهم يريدون تكوين ما أسموه بأكاديمية العلوم البحرية. كانوا شديدي التمسك بألا تسمى جامعة بل أكاديمية. اللواء أفضلي الذي لقي حتفه لاحقا كان أحدهم. جاءوا عدة مرات، ولم نكن نعتقد أن طلبهم سيلبى في ذلك الوقت. شعرنا أن السماح بتأسيس جامعة جديدة تحت رعاية البحرية دون توافر المصادر المطلوبة والهيئة الأكاديمية -وتحت مسمى أكاديمية- أمر يحتاج للبحث والنقاش. لذا، لم نعطهم أي رد فوري ومحدد. شرحنا لهم أننا بحاجة للنظر في طلبهم وأعلمناهم متى سيتبلغون القرار. كانت تلك أول مرة يلتقينا فيها السيد مهدوي كاني في الهيئة، وقد قال علانية في واحد أو اثنين من اجتماعاتنا: إنك تراوغ مع البحرية، سأبلغ الإمام عنك، سأخبره عما تصنع. بعد جلسة أو اثنتين لاحقا، ترك الهيئة وأوعز إلى السيد عزيز الله كوشفاكت –الذي كان صديقا له منذ أن كانا طالبين معا في الحوزة- أن يأخذ مكانه. كان السيد كوشفاكت عالم دين لا يفقه شيئا من أمور الجامعات. في اجتماعات الهيئة التي تستمر من التاسعة صباحا حتى الثانية عشرة أو الواحدة ظهرا لم يكن ينبس بكلمة واحدة، كان يستمع فقط ويغادر. لاحقا، حين تحولت الهيئة إلى مجلس الثورة الثقافية، أول شخص غادر هو السيد كوشفاكت (أخبرني السيد خامنائي بنفسه أن كوشفاكت لم يكن الشخص المناسب لهذه المهمة). كما أتذكر لم يستلم أحدنا راتبا من الهيئة. ربما كان السيد كوشفاكت هو الأول ضمن المجموعة الذي خصص لنفسه راتبا. بعدها عُين د. أحمد أحمدي وهو أستاذ في الفلسفة بجامعة طهران في الهيئة. بعد فترة التحق بنا أيضا وزير الثقافة اللاحق السيد خاتمي. الرئيس السيد مير حسين موسوي كان إضافة أخرى. ولفترةٍ لجأنا لعقد اجتماعاتنا مع الرئيس في مكتبه. كان ذلك الوقت الذي بدأت فيه الهيئة تنجز على نطاق ضيق، وكانت هناك خلافات مستفحلة بيننا وبين وزير التعليم العالي السيد نجفي. ذهبنا لزيارة الإمام عددا من المرات لنطلب منه التحكيم بيننا. أحالنا لقيادة البلاد العليا: السيدين رفسنجاني وخامنائي، فعقدنا عدة اجتماعات بحضورهما. أستطيع القول بأن السيد فارسي لم يحضر مطلقا جلسات التحكيم هذه. لدي انطباع بأنه