حافظ على الأغنية الشعبية.. وابتكر علاج لـ«كسل العين».. وله اسهامات إنسانية أبرزها مشروع «عطاء» الراح



«الطيبون مصابيح قليلة، لكن نورهم يضيء الكون بأكمله، ولا يغمرهم النسيان لأنهم شموس ساطعة في حياتنا.. صباح الخير» كان هذا آخر رسالة على هاتفي وصلتني منه قبل يومين من وفاته!! نعم.. لقد كنت يا بوبدر قنديلاً من الأمل والسعادة لكل من يعرفك ويحيط بك، ولقد صدقت في مسجك بأن الطيبين مصابيح قليلة وأنت كنت أحد هؤلاء الأشخاص الذين يغمرون الآخرين بصدق المحبة والطيبة والتواضع. بكل أسى، ودعت الأسرة الفنية والأدبية الفنان الدكتور محمد حسن خلف بعد مسيرة حافلة من الفن والعطاء، ليرحل جسده ويبقى ذكراه وطيبته وابتسامته التي تميّز بها باقية بيننا.. رحل الفنان الذي أحب الفن وأحبه، الذي تميز بلونه فأبدع وتفرد، لقد كان محمد حسن فنانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. تميز بأخلاقه وطيبته وصفاته الحميدة وسعيه الدائم على جمع الفنانين والمثقفين في مجلسه، ينثر محبته للجميع..

لتقيته في منتصف الشهر الماضي في مجلسه في بيته في الماحوز، وكعادته ابتسامته تسبقه ودعمه وتشجيعه دائم ومستمر لكل من حوله، وفتح لي قلبه وذكرياته وقال.. «انبش يا يوسف ما استطعت دام للحين في الذاكرة خير» حيث كنت حريصًا على توثيق سيرته ومسيرته الفنية والعملية ليكون من ضمن سلسلة الشخصيات التي وثقت سيرتها سابقًا، وفي أطراف الحديث تناولنا حلمه حول إصداراته الثقافية والتراثية واهتمامه بتوثيق التراث ليحفظ للأجيال القادمة. وكيفية إصدار وإخراج الكتاب الذي عكف عليه لسنوات يعمل ويوثق ويبحث فيه.. إلا أن القدر كان أسرع من الأحلام والأمنيات. ووفاءً للمرحوم الدكتور محمد حسن استعرض معكم محطات سريعة من سيرته الفنية، مستذكرًا بكل وفاء وتقدير ذكراه وسيرته العطرة.. فهو الفنان الذي يجمع الجميع على حبه لما يبادل الناس من محبة وتقدير.\



البداية..

في فريج المخارقة بمدينة المنامة ولد الفنان محمد حسن خلف محسن خلف في العام 1952م، ليأتي ترتيبه آخر العنقود بين الأولاد وتصغره أخت، حيث عاش وتربى في كنف والده الذي كان يعمل خياطًا وكان يحيط أبناءه بحب كبير ورعاية، ختم القران في صغره وتعلم مبادئ الدين وتعلم القراءة والكتابة قبل المدرسة على يد معلمة تدعى «جبرة شاه».. انتظم في الدراسة في المدرسة الغربية ثم انتقل لمدرسة الحورة وبعدها تخرج من مدرسة المنامة الثانوية بالتخصص العلمي، حيث أهله مجموعه الدراسي ليحصل على بعثة.



بين المخارقه والسلمانية والمحرق.. تشكل التكوين الفني

محمد حسن.. كما هو لم يتغير منذ صغره وحتى كتابة آخر سطر في حياته.. ابتسامته وطيبته ومحبته للناس هكذا يصفه أصدقاء دربه، حيث استطاع أن يجد له مكانًا في قلوب الجميع فمن فريج المخارقة إلى السلمانية إلى المحرق قصة تعايش وتآلف وأخوة تستحق أن تدون لتعكس ما يتمتع به شعب البحرين من محبة بين جميع أبنائه وطوائفه، ففي «فريج المخارقة» شهدت طفولته ولعبه وبداية وولعه بالموسيقى من خلال الفرق الحسينية التي تشارك في مواسم العزاء حيث كان في صغره يعزف «ماسور» وكان يشاهد الفنان المرحوم مجيد مرهون وفرقته وهو مبهور به، وفي السلمانية «شلة شباب الأمل» حيث كان مركزًا لتجمع شباب الفريج، وتفجرت مواهب الكثير منهم من خلال الرياضة والرسم والفن والكتابة والشعر، حيث كانوا يجتمعون في «فريج مشبر» بالقرب من القلعة وهم يستمعون لصوت الإذاعة وتنوع الأغاني المصرية والعراقية في ذلك الوقت، أما المحرق التي كان يذهب إليها يوميًا، ساهمت في صقل تجربته مع أصدقاء المشوار أحمد الجميري، مبارك العماري، إبراهيم الأنصاري، سلطان حمد، محمد جمال وجعفر حبيب وغيرهم، من خلال ارتياده لدور الطرب الشعبية واحتكاكه المباشر مع الفنانين، فقد كان يستغل فرصة مصاحبة عمه (عبدعلي) الذي كان لديه محل حواج في سوق المحرق بأن يأتي للمحرق يوميًا معه ليكون مع أصحابه.


علاقته بالموسيقى

بدأت علاقته بالموسيقى منذ نعومة أظافره، فمحيطه الأسري ساهم كثيرًا في حبه للفن.. فجده ووالده رحمهما الله كانا يحيون أغاني المولد وجدته كانت تعشق التراث ولديها فن تركيب المناظر والفرشات والجلوات، وجده لوالدته «يوسف الأبيض» كان فنانًا ويعشق الطرب والموسيقى، إضافة إلى الأجواء التراثية التي تحيط في بيتهم من موالد وأفراح وتمسك بالتراث الفني الذي تشتهر به فنون القرية، إضافة إلى الاحتفاء بالمناسبات كرمضان ومحرم والأعياد، فقد شكلت هذه العوامل وأثرت بشكل كبير على عشقه للفن والإبداع، فالبدايات كانت في المدرسة وأثناء الرحلات الكشفية والشبابية وبعدها تم اختياره للإذاعة من خلال المذيع الأستاذ المرحوم عتيق سعيد لبرنامج ركن الأشبال حيث يتذكر الفنان محمد حسن بأنه غنى أغنية «ابكي على ماجرالي ياهلي» ونالت استحسان المستمعين رغم صغر سنه، كذلك كان يشارك في المنولجستات التي كانت تقدم في المدرسة ومن اشهرها «خلك واعي خلك واعي.. خلك دايم للعلم سلاح.. صاروخ وكوكب صناعي». فبدأت علاقته بالفن تكبر ويزداد الولع، فحاول أن يطور مهاراته، فاتجه الى تعلم عزف العود مع الأستاذ إبراهيم زيدان وانتظم في معهد الأستاذ جاسم العمران وكان يحرص على ترديد الأغاني المألوفة في تلك الفترة.


الرحلة العملية

بعد أن تخرج من الثانوية العامة قسم العلمي حصل على بعثة لجامعة الرياض في العام 1970م وكان معه 11 طالبًا من البحرين ولم يكمل سنة ونص حتى عاد الى البحرين، بعدها سافر الى القاهرة لدراسة العيون في المعهد العالي للبصريات في القصر العيني لمدة خمس سنوات وعمل في مستشفى أبو الريش أثناء دراسته، ثم غادر بعد فترة الى بريطانيا لمدة 3 سنوات ونال الماجستير من جامعة سوسكس، إلا أنه ظل طموح الدراسة يراوده حتى نال الدكتوراه في العام 1991م في علم العدسات اللاصقة عن بحثه الموسوم بعنوان «العدسات اللاصقة وتأثيرها على مناخ الخليج العربي»، وفي أثناء دراسته في العام 1975م فتح محلاً للبصريات في شارع الشيخ عبدالله بالمنامة حيث يعتبر أول محل يحمل ترخيصًا رسميًا من وزارة الصحة وتم تسميته «دلمون للبصريات»، رغم أنه سبقه في ذلك بصريات الوزان ويتيم.


رحلته للفن

علاقته مع الفنان المرحوم أحمد الفردان فتحت له المجال لينظم الى فرقة أسرة هواة الفن ككورال يصاحب الفنانين وكان عمره لا يتجاوز 16 عامًا، ومن ولعه بالفن كان يشارك في كل الحفلات حتى سنحت له الفرصة ليقوم بالتمثيل في مسرحية «ثور نانا في خطر» وقام بتأدية أغنية ثوب النشل في هذه المسرحية. وفي العام 1968م وصل الى البحرين وفد من إذاعة الكويت ليختار مجموعة من المطربين ليقوم بتسجيل أعمالهم في إذاعة الكويت.. فكان من ضمن من تم اختياره من الفنانين، فسنحت له الفرصة لتسجيل عدد من الأعمال الفنية بمصاحبة الفرقة الكويتية وسط اهتمام ورعاية من كبار الفنانين والكتاب في ذلك الوقت، حيث كتب له في البداية كبار الفنانين منهم احمد عبدالكريم، عبداللطيف البناي ولحن له الدكتور عبدالرب ادريس ويوسف ناصر وغنى في تلك الفترة أغاني منها «4 سنين واربع، يأهل الركايب قربولي المسافات، عيا البخت» بالإضافة الى الأغاني الشعبية التي كان يرددها منها «بان الصبح ويالومي يالومي التي نالت شهرة كبيرة، واغنية الأسمراني، ولا يابنية». وفتحت له هذه الفرصة التعرف على الوسط الفني الغنائي الكويتي وكذلك المسرحي وأصبح له علاقات كبيرة في هذا المجال ساهمت في انتشاره. بعد ذلك انضم إلى فرقة الأنوار الموسيقية وكان يشارك في الحفلات والمناسبات بصحبة الفنانين أحمد الجميري، محمد الذوادي، ارحمه الذوادي، أحمد ياسين وغيرهم، كما استغل أثناء دراسته في القاهرة ليشارك في العديد من الحفلات التي كان ينظمها طلبة أندية البحرين في الخارج وكان له لون خاص يميزه في اختيار أغانيه. أول من صور أغنية ملونة!! يذكر بأن الفنان د. محمد حسن يعتبر أول فنان بحريني يسجل أغنية مصورة بالألوان في تلفزيون البحرين وهي أغنية «ثوب النشل» كما سجل مجموعة من الأغاني في تلفزيون الظهران منها أغنية اسم الله اسم الله، وحامض حلو.

أبرز أصدقاء الدرب

ومن أبرز أصدقاء الدرب المرحوم محمد علي عبدالله، أحمد الجميري، إبراهيم حبيب، محمد جمال، جعفر حبيب، إبراهيم الأنصاري، إبراهيم راشد، عبدالصمد أمين والمرحوم أحمد الفردان وراشد ومبارك نجم وغيرهم الكثير ممن يبادلهم الحب والتقدير.

حصيلة مشواره الفني

سجل الفنان محمد حسن العديد من الأعمال الفنية المنوعة، ساهم في الجزء الأكبر من انتاجهم المرحوم أحمد جمال صاحب صوت وصورة الذي كان له الفضل الكبير في دعم الفنان محمد حسن، وخلال مشواره الفني تعامل الفنان محمد حسن مع العديد من الملحنين منهم عيسى والفردان، احمد الجميري، د. عبدالرب ادريس، حسن عراد وطالب الغزولي ومحمد جواد اموري من العراق وغيرهم من الفنانين، حيث تنوعت اعماله بين العاطفية والوطنية والاجتماعية والطفل، وكان آخر عمل قدمه للساحة الفنية عبارة عن أغنية خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة شارك معه الفنان المرحوم محمد علي عبدالله كما قدّم عدد من الأغاني الوطنية منها اوبريت «بحرينيون» من كلماته وألحانه، والجدير بالذكر بأنه تشهد له الساحة الفنية بأنه أفضل وأبرز من قدم ألوانًا مميزة من الفنون القروية التي امتاز بها الفنان محمد حسن والتي يحرص على أدائها وعرضها لاعتزازه بالإرث الثقافي والفني للموروث الشعبي، وكان يعكف على إعداد عدد من البحوث والدراسات الخاصة بالموروث الشعبي.

إسهامته المجتمعية والانسانية

للمرحوم الدكتور محمد حسن اسهامات مميزة وخدمات انسانية كبيرة نابعة من حسه المرهف ومسؤليته الاجتماعية تجاه وطنه ومجتمعه فقد كان رئيس جمعية البصر والسمع والنطق البحرينية، عضو جمعية الاختصاصيين البصرية الدولية، عضو اتحاد اختصاصيي السمع العالمي، عضو مشارك في جمعية الاطباء البحرينية، عين وكيلاً ومستشاراً في دول مجلس التعاون لأجهزة (أنهنز الأميركية) لضعاف البصر الشديد والمعينات البصرية للتأهيل. كما تم تعيينه وكيلاً في مملكة البحرين لجهاز القوقعة (كلاريون) وبرمجته لزراعة أول قوقعة في مملكة البحرين، وأنشأ أول معمل للعيون الصناعية في البحرين بالتعاون مع معهد ترستر الألماني؛ ومؤسس مركز البحرين الشامل لرعاية وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة؛ ومؤسس ورئيس المعهد الشامل للتخصصات الصحية والتدريب. كما يحسب له الابتكار الذي قام به لعلاج كسل العين، وهو اختراع مقدم لتسجيل الملكية الفكرية لدول مجلس التعاون واعتماد براءته في البحرين وتم تصنيفه نموذج منفعة في علم البصريات لتشخيص وعلاج فيزيائي من دون تدخل جراحي. كما أطلق مشروع (عطاء) وذلك من خلال تقديم نظارات طبية هدايا إلى المتقاعدين العاجزين عن شرائها، وذلك تقديرًا من الدكتور محمد لعطاء هذه الفئة من الشعب نظير خدماتهم الجليلة التي قدموها في سنوات عمرهم في أعمالهم.

وفاته..

في يوم الخميس الموافق 16 أغسطس 2018م غيب الموت الدكتور محمد حسن إثر سكتة قلبية مفاجئة المت به، ووري الثرى في يوم الجمعة لتفقد البحرين أحد أبنائها المبدعين والذي قدم الكثير للفن وللتراث البحريني وساهم بحسه الإنساني في الكثير من الاعمال الخيرية والإنسانية والتطوعية.


2 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email