الصورة التي لم تكتمل: نحن والآخرون بعد "الربيع العربي"

 

 

 

نحن والآخرون: سياقات التعرّف وعلاقات الهيمنة

في العام 2004 نشر روبرت كيلروي سيلك، السياسي والإعلامي البريطاني، مقالة مثيرة للجدل تحت عنوان "نحن لا ندين للعرب بشيء". والمقالة تنطوي على هجوم أهوج على العرب، عالماً ودولاً وشعوباً. وبحسب المقالة فإن التخلص من الدول العربية وتدميرها لا يعني سوى التخلص من "الحكم المطلق، والبربرية والفساد". أما العرب أنفسهم فليسوا سوى حفنة "انتحاريين، وقاطعي أشلاء، وقامعي نساء"؛ ولهذا وغيره فإن العالم العربي – كل العالم العربي بحسب المقالة – "لا يستحق احترامنا"! 

 

مثّلت هذه المقالة صدمة للكثيرين، وتسببت في ردود أفعال كثيرة من قبل العديد من المنظمات الإسلامية البريطانية، ولجنة المساواة العرقية في بريطانيا، حتى إن البي بي سي أوقفت برنامج كليروي في يناير 2004 بسبب هذه المقالة. كما أن الكاتب اضطر ليقدّم اعتذاره عن المقالة في لهجة تشي بالندم بحكم أن المقالة نشرت، أول مرة، في أبريل 2003 في أعقاب التدخّل الأمريكي/البريطاني الذي أطاح بنظام صدّام حسين في العراق دون أن يلتفت إليها أحد، ثم نشرت ثانية بطريق الخطأ، بحسب كليروي، في 4 يناير 2004.

 

كان كليروي قد برّر مقالته بأنه قصد الدول العربية لا الشعوب العربية. وسواء اعتذر الكاتب أم لا فإن المقالة ليست إلا جزءاً صغيراً جداً من إرشيف هائل من التنميط السلبي الضارب في القدم، وخطابات الكراهية المقززة والجارحة التي تستهدف العرب في خطابات الاستعمار والاستشراق والاستشراق الجديد واليمينيين المتطرفين والجدد في الغرب.

والمفارقة – هنا – أننا – كعرب وكمسلمين وحتى كشرقيين– لسنا مهووسين بصورتنا في مرآة أحد كما نحن مهووسون بنقاء صورتنا في مرآة هذا الغرب تحديداً. فنحن، كعرب، لا نلتفت كثيرين إلى نقاء صورتنا في مرآة الآخر الهندي ولا الآخر الصيني ولا الآخر الفارسي ولا الآخر التركي ولا الآخر الأفريقي...إلخ، أو على الأقل فإن اهتمامنا بذلك لا يأخذ طابعاً وسواسياً ومَرَضياً كما هو حالنا مع صورتنا في الغرب. وعلى الرغم من التنميط المكشوف الذي تنطوي عليه هذه العبارات حين نتحدث عن "العرب" و"المسلمين" و"الشرقيين" و"الغرب" كما لو كانت هذه كيانات واحدة وموحدة، إلا أن الحاصل أن الشرق كان مشبوكاً، منذ الاحتكاكات الضاربة في زمن العصور الوسطى وربما قبلها، بالغرب كآخره المباشر والشامل تقريباً، وذلك في جدلية تعرف متبادل أو إساءة تعرف متبادلة حيناً، وخصام وصراع لا يهدأ في أحيان كثيرة إلى أن استقرت صورة الشرق، والشرق العربي والإسلامي على نحو أكثر تحديداً، على أنه نقيض الغرب، وممثل "الغيرية بامتياز"، وسالب الموجب الذي صار من الممكن أن تلصق به أية صفة سلبية ودونية وتحقيرية ودونما تحرّج، فهو قرين الاستبداد والجهل والغباء والتعصب والإرهاب والبداوة والعنف والشهوانية الحيوانية...إلخ. إنه، كما يكتب تييري هنتش، "مكان جامع لكل الرواسم (الكليشيهات)، مرادف لكل ما له صفة الغرابة، حفّاز لشتى التناقضات والمبالغات (...) خرج نرمي فيه كل ما يفرزه مخيالنا".

 

 

على الطرف الآخر، كان الغرب قد ارتسم في المتخيل العربي على أنه ممثل "الآخرية بامتياز"، وهي آخرية ظلت تولّد الكثير من التناقضات تماماً كما كان الشرق في المتخيل الغربي. إلا الاطلاع على هذا الاشتباك بين الغرب والشرق من منصة العصر الحديث لا يترك أمام الباحث سوى متابعة أجواء الصدام والصراع والتوتر، وكأن "الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا" كما قال الكاتب الإنجليزي روديارد كيبلنغ (1865 - 1936).

وقد اتسمت مسألة "الآخرية" وأسئلة الهوية والاختلاف، في الفكر/المتخيّل العربي الحديث، بطابع التوتر الذي يتجلى أحياناً في صورة التمزّق بين ماضي الذات المزدهر وحاضرها المتقهقر، ويتجلى أحياناً أخرى في صورة عالم - هو العالم العربي الإسلامي – مازال "مفجوعاً بزوال غلبته"، وتحوّله "من حضارة غالبة إلى مغلوبة". وهو التمزّق الذي بات يعكس حالة سيكولوجية مرضية وصفها بعض الباحثين بأنها "مأساوية انفصامية"، أو إنها عرض لـ"عصاب جماعي" و"جرح نرجسي" أصيب به ذلك الشرق الذي اكتشف نفسه "متأخراً في قبالة الغرب الذي اكتشفه متقدماً بزهاء قرون خمسة".

 

يعكس هذا الاختلاف بين السياقين، سياق العصور الوسطى وسياق العصر الحديث، اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربية، وفي مجال الآخرية، فإذا كان مجال الآخرية في السياق الوسيط متشعِّباً ومتعدِّداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك، فإن مجال الآخرية في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده الذي أصبح "آخرنا" الشامل أو "الآخر" بألف ولام التعريف.

من حيث المبدأ فإن ثقافة من الثقافات لا تكاد تخلو من تمثيلٍ للذات أو للآخر، فالتمثيل هو الذي يعطي للجماعة صورة ما عن نفسها وعن آخرها، وهو الذي يصنع لهذه الجماعة معادلاً لما يسميه بول ريكور بـ"الهوية السردية" للجماعة. أن تُمثِّل، بالمعنى المسرحي، يعني أن تتقمّص الدور وتتصدّر المشهد وتفرض حضورك على الآخرين، وأن تمثِّل، بالمعنى النيابي، هو أن تتحمّل مسئولية النطق بالنيابة عن الآخرين الممثَّلين. وهي وضعية لم تبلغها الثقافة العربية إلا مع ظهور الإسلام الذي دفع ثقافة العرب إلى الواجهة، وأتاح لها إمكانية التوسّع والامتداد في بقاع العالم الوسيط، كما وفّر لها إمكانية كبيرة لاحتضان الآخرين المختلفين واستيعاب ثقافاتهم المتنوعة. وبهذه الخصوصية في استيعاب الآخرين المختلفين اشتقّت هذه الثقافة فرادتها المميّزة على مستوى الهوية الثقافية، حيث كانت الهوية، في هذه الثقافة، بمثابة مشروعٍ غير ناجز ولا مكتمل، بل هي سيرورة متنامية تعظم بتكاثر الداخلين في الإسلام والمنضوين تحت رايته. وبما أن مجال الهوية الثقافية غير محدّد ولا مؤطَّر بحدودٍ نهائية، فإن مجال الآخرية كذلك بقي مفتوحاً دون رسمٍ نهائي لحدوده. فالسؤال عمن هو "الآخر" في هذه الثقافة سؤال لا تتاح الإجابة عنه بيسرٍ إلا بطريقة سلبية، بمعنى أن الآخر هو من لا يكون جزءاً من هويتنا، وهذه آخرية مفتوحة بحكم أن حدود هويتنا مفتوحة. إلا أن انغلاق مجال الآخرية، في العصر الحديث، على آخر واحد ووحيد أصبحنا مرضى به أي الغرب، لا يشير إلى شيء سوى أن حدود هويتنا أصبحت مغلقة وضيقة ومنكفئة على ذاتها.

 

 

 

وقد اكتسبت مسألة تمثيل الآخر أهمية متزايدة في العصر الحديث، وبحسب تصور ميشيل فوكو، فإن التمثيل ليس مجرد موضوع للعلوم الإنسانية، بل هو "ميدان العلوم الإنسانية بكل امتدادها: إنه الأساس العام لهذا النوع من المعرفة، وهو الذي يجعل هذه المعرفة ممكنة". والتمثيل الذي يقصده فوكو هنا هو التمثيل بوصفه الاستراتيجية الأكثر شيوعاً في إنتاج المعرفة، وهو يقوم على فكرة الاستغناء عن الشيء بصورته، أو نيابة الصورة الممثَّلة عن الشيء موضوع التمثيل. أما التمثيل بوصفه آلية من آليات الهيمنة، وأداة من أدوات مؤسسات الانضباط وأجهزة المراقبة والمعاقبة، فإنه يقوم على هذه الفكرة ذاتها، فسلطة العقاب تعتمد على التمثيل لفرض هيمنتها، فإذا كان الباعث على الجريمة هو المكسب المتصور، فإن فعالية العقوبة تكون في الضرر المتوقّع منها، أو في صورة العقاب والألم لا في الإحساس بالعذاب والضرر الجسدي، ومن هنا "فليس للمعاقبة أن تتناول الجسد، بل تتناول التمثيل [تصوّر العقوبة]. أو بالأحرى، إذا كان على العقوبة أن تطال الجسد، فإنما من حيث إنه لا يكون ذات عذاب بقدر ما هو موضوع تمثيل: فإن ذكرى الألم يمكن أن تمنع التكرار"؛ لأن تمثيل العقوبة يمكن أن يكون أكثر إخافة من أقسى العقوبات الجسدية. وعلى هذا، فسلطة العقاب لا تتحقق في واقعيته الجسدية، بل في القوة التي يتمتع بها تمثيل هذا العقاب.

 

إن تمثيل الآخر هو شكل من أشكال التمثيل العام بوصفه آلية من آليات الهيمنة والإخضاع، وجزءاً مندغماً في مؤسسات الانضباط وأجهزة المراقبة والمعاقبة. كما أن تمثيل الآخر مهمة شاقة ومعقدة وبالغة الصعوبة، فهي تستلزم درجة من التقدّم على مستوى الوعي والتقدم المادي معاً، كما أنها محكومة بمحدّدات ثقافية واجتماعية وسياسية ولغوية. ولهذا فإن القدرة على تمثيل الآخرين، فضلاً عن كونها عملية شاقّة، ليست متاحة لأيّة ثقافة كانت إلا إذا بلغت تلك الدرجة من التقدّم على المستويين: الغلبة على المستوى السياسي، والتحضّر على المستوى الثقافي. وقد جاءت التمثيلات في العصر الحديث "لتؤكّد وتثبت القوة الأوروبية" الاستعمارية، ولتثبت ما تمتلكه هذه الثقافة من تقدم صناعي وعسكري وعلمي. إن الثقافة تكون قادرة على التمثيل حين تملك القوة ووسائل فرض الهيمنة، ويكون لسان حال هذه الثقافة هو: "نحن نسيطر لأننا نملك القوة (الصناعية، والتقنوية، والعسكرية، والأخلاقية)؛ وهم لا يملكونها، ولذلك فهم ليسوا مسيطرين؛ إنهم دونيّون ونحن فوقيّون". وحين يتمّ إشاعة مثل هذه التمثيلات عن الآخرين، فإن هؤلاء الآخرين قد يقتنعون بصدق ما وُصِفوا به، وبحقيقية هذه التمثيلات عنهم؛ ولهذا يتمكّن التمثيل، في الغالب، من إبقاء العبد عبداً، والخاضع خاضعاً، والأدنى أدنى، والجاهل جاهلاً...، فإذا "حاولنا إقناع البشر بأنهم عبيد، فإنهم يصدِّقون ذلك في النهاية". ومن هنا يمكننا أن نكتشف النتائج المدمِّرة واللاإنسانية التي يمكن أن ينتهي إليها ذلك التواطؤ المريب بين القوة (العسكرية مثلاً) والمعرفة (قوة الإقناع مثلاً)، ومن هنا أيضاً ندرك الدلالة وراء تلك العبارة ذات الدلالة العميقة التي أطلقها والتر بنيامين حين قال: "ليست هناك وثيقة من وثائق الحضارة دون أن تكون في نفس الوقت وثيقة من وثائق البربرية"، أو بتعبير تيري إيجلتون، فإنه "ليس هناك وثيقة من وثائق الثقافة دون أن تكون سجلاً من سجلات البربرية أيضاً". فنحن نجد أنفسنا أمام مأزق خطير يفرضه هذا التواطؤ بين القوة والمعرفة، وخصوصاً إذا استثمرا من أجل الهيمنة على الآخرين والسيطرة على بلدانهم وثرواتهم، وهكذا فالتحضّر قد ينقلب همجية، والتقدّم قد يبلغ حافة البربرية، و"التفوق يصبح نقصاً، والأفضل يؤدي للأسوأ"؛ إذ كثيراً ما يجرّ التحضّر والتفوّق وراءه رغبة جامحةً في التوسّع على حساب الآخرين، وتهميشهم وإبادتهم وتدميرهم. هذا ما حدث في بعض توسُّعات العرب المسلمين في القرون الوسطى، وهذا ما حدث في فتح أمريكا في القرن الخامس عشر، وهذا ما حدث في الحملات الاستعمارية في العصر الحديث.

تنطوي التمثيلات إذن على  بُعدين. فمن جهة أولى تعدّ التمثيلات وسيلة من وسائل التعبير والكشف عن القوة والهيمنة، إنها دليل ومؤشّر على توافر هذه القوة والهيمنة، ولهذا تكون واحدة من إفرازات هذه القوة، وإحدى النتائج المترتبة على فرض الهيمنة. ومن جهة ثانية، فإن التمثيلات تعمل كأداة من أدوات هذه القوة والهيمنة، إنها وسيلة من وسائل إخضاع الآخرين والهيمنة عليهم، ومن ثَمَّ المحافظة على استمرار القوة ودوام الهيمنة. ويذهب بعض الدارسين إلى القول بأن هذه التمثيلات ومجموع الصور التي يكوّنها المتخيّل عن الآخرين "لا تتضمن القوة وحسب، بل إنها هي القوة"، وذلك من حيث إنها تصورات في الوعي أو اللاوعي الجماعي، لكنها تصورات ذات تأثير قوي على مجريات الأحداث في الواقع، وعلى نوع العلاقة القائمة بين الجماعات، بل إن للتمثيلات دوراً في تشكيل الواقع، وتحويل التمثيل – على هذا – "هو في الوقت ذاته تحويل للعالم الاجتماعي ذاته"، وذلك لأن "العالم هو تمثيلي له".

 

 

ليست معرفة الآخر فعلاً بريئاً أو محايداً على الإطلاق، والتحليل الجينالوجي للمعرفة، كما يقول ميشيل فوكو، يبيّن أن المعرفة مشبوكة بإرادة القوة والهيمنة دائماً، وأنّ ما من معرفة "إلا وتقوم على الظلم والخطأ (وأن المعرفة لا تنطوي بالتالي على حق الصواب أو أساس الصدق)، كما يبيّن أن غريزة المعرفة شريرة (وأن فيها جانباً قاتلاً لا يستطيع ولا يهدف إلى إسعاد الإنسانية" بالضرورة، بل قد يهدف إلى شقائها وإبادتها. وعلى هذا، فنحن نسعى إلى معرفة الآخرين والكتابة عنهم لا بقصد المعرفة الخالصة فحسب، ولا هو استجابة لدافع الاستطلاع الحرّ البريء فحسب، بل إنه، فوق ذلك، سعي محموم من أجل الهيمنة على الآخرين، ومن أجل المحافظة على هذه الهيمنة وتعزيزها. ومن هنا "تميل جميع الثقافات إلى صنع تمثيلات للثقافات الأجنبية،  [تمثيلاتٍ] توفّر سبيلاً أفضل لمعرفتها بإتقان أو السيطرة عليها بطريقة ما". وحين تتكاثر هذه التمثيلات وتتسم باتساق واطراد كبيرين، عندئذٍ تمتلك هذه التمثيلات حضوراً مادياً في شكل ممارسات أو مؤسسات كما هو شأن الاستشراق في العصر الحديث، وذلك من حيث هو "نظام من التمثيلات مؤطَّرة بطقمٍ كاملٍ من القوى التي قادت الشرق إلى مجال المعرفة الغربية، والوعي الغربي، وفي مرحلة تالية، الإمبراطورية الغربية". إن الاستشراق، بوصفه نظاماً من التمثيلات، نتاج لقوى سياسية، ونتيجة مترتبة على التقدّم العلمي والعسكري لأوربا في العصر الحديث، فهو إذن خطاب معرفي محكوم بسلطة ومؤسسات مادية. وعلى صعيد آخر، يمثّل الاستشراق خطاب الغرب المعرفي الذي يدور حول الشرق بدراسته، ووصفه، وتدريسه، و إصدار التقريرات والأحكام حوله، كل ذلك بهدف "السيطرة على الشرق، واستبنائه [إعادة خلق بنيته]، وامتلاك السيادة عليه". 

لكل جماعة طريقتها الخاصة في تمثيل ذاتها وعرض الآخرين أمام وعيها، كما أن لكل جماعة أغراضها الخاصة من وراء هذه العملية، فالجماعات تقوم بتمثيل الآخرين لأغراض متعددة، غير أن جميع عمليات التمثيل تشترك في استهداف غايات أساسية، ففضلاً عن كون عملية التمثيل أداة من أدوات الهيمنة والسيادة على الآخرين، فإن أبرز غايات التمثيل وأعمقها تلك الرغبة الواعية أو اللاوعية في تحصين "حدود هوية" وحراستها من اختراقات الثقافات الأجنبية. فمن أجل الحفاظ على "الهوية النقية" مصانة من أي تشويهٍ أو تحريفٍ أو تدخّلٍ من قبل عناصرَ من ثقافات أجنبية، من أجل هذه الغاية تمارس الثقافات تمثيلاتها على الآخرين. إن هذه الثقافات تسعى من أجل تعميق الهوة بينها وبين الآخرين، وذلك من خلال تحديد الخطوط الفاصلة بينها وبينهم، وهي الخطوط التي ربّما تعرّضت للمحو والغموض والالتباس، فيلزم عندئذٍ القيام بتجديدِ رسومِ ما امّحى من هذه الخطوط، وكشفِ ما غمض والتبس منها؛ لتكون الحدود واضحة وبارزة وناتئة بحيث لا تترك مجالاً للتداخل والاختلاط فضلاً عن الاختراق إلى درجة أن الحدود تترك مشرعة ليقلّد أبناء هوية ما الآخرين.

الخوف من تأثير الغرب في ثقافات الشرقيين وغيرهم خوف معروف، والحديث فيه مستفيض إلى درجة لا تحتمل الزيادة، ولكن أن نغفو لنستفيق على حديث يقلب المعادلة فيصبح الغرب هو من يخاف من تقليد الشرقيين، والعرب هذه المرة، فهذه حالة متفردة ولا تخلو من دلالة. في مقالة رأي في صحيفة الواشنطن بوست، كتبت الصحفية الأمريكية آن أبلبوم تحلل المظاهرات التي اجتاحت العالم خلال العام 2011، وانتقدت مطالب حركة "احتلوا" العالمية حيث "يقارن المتظاهرون في لندن ونيويورك أنفسهم بهم [أي بالمتظاهرين المصريين في ميدان التحرير] بشكل واسع (وأحمق)"! يبدو أن الكاتبة مستفزة تحديداً من هذه المقارنة، إذ كيف يجرؤ هؤلاء "المعتوهون" على مقارنة أنفسهم بمتظاهري ميدان التحرير المصريين؟! ومنذ متى أصبح العرب نموذجاً ومثالاً يحتذى به؟ وفي ماذا؟ في الاحتجاجات من أجل الديمقراطية؟!

هل هذا تعبير عن خوف من العرب أم إنه نظرة دونية واحتقارية من العرب ترجمت نفسها بهذه الطريقة؟ وإلا كيف يقارن متظاهرو لندن ونيويورك أنفسهم بمتظاهري ميدان التحرير المصريين؟! في إحدى جلسات النقاش التي شاركت فيها حول التحولات الجارية في المنطقة، انبرى أستاذ جامعي عربي متخصص في التاريخ للدفاع عن فكرة تقول بأن سبب فشل "الربيع العربي" هو تدخل الغرب لخوفه من أن يتأثر الأوروبيون والأمريكيون بـ"الربيع العربي"، فينبروا للمطالبة بتغيير ديمقراطي حقيقي في بلدانهم! لم يكن هذا الأستاذ وحده يفسّر فشل "الربيع العربي" بهذه الطريقة، بل إن سلافوي جيجك، المفكر السلوفيني المعروف،

 

لم يكن يذهب إلى حد القول بأن الغرب ارتعب من "الربيع العربي" فسعى لإجهاضه، ولكنه كان يحوم حول فكرة قريبة من هذه، وتقول بأن "الدوائر الرسمية ومعظم الإعلام الغربي احتفوا" بثورات "الربيع العربي" لظنهم أنها ثورات على غرار ثورات أوروبا الشرقية مطلع التسعينات أي لكونها ثورات تحركها "الرغبة في الديمقراطية الليبرالية الغربية، الرغبة في أن يصيروا كالغرب"، إلا أن الموقف الغربي انقلب إلى عدم الارتياح عندما تبيّن أن لهذا "الربيع العربي" وجهاً آخر، وعندما "أصبح واضحاً أن هناك بعداً آخر موجوداً، يشير إليه المرء عادة بالمطالبة بالعدالة الاجتماعية". وهذا البعد هو الذي يشبك هذه الثورات بحركات "احتلوا" العالمية التي كانت تحتج لا لكون بلدانها تفتقر إلى الديمقراطية الليبرالية، بل إنها تحتج ضد "النتائج الاجتماعية الهدامة للنظام الرأسمالي العالمي". وهنا بالتحديد يكمن خوف الدوائر الرسمية والإعلام الغربي من تأثير "الربيع العربي".

لا تخلو هذه الفكرة من نرجسية مرضية لذات متضخمة ترى نفسها مركز اهتمام العالم، وهدفاً لمؤامراته وتدخلاته التي لا تنتهي. والحقيقة أن الذي يعنيني، هنا، ليس تفنيد هذه الفكرة أو تصحيحها، بل استجلاء حجم المفارقة بين هذه الصورة المشرقة للعرب، وبين تلك الصورة المشؤومة التي افتتحنا بها هذه الدراسة من مقالة روبرت كيلروي سيلك. لا فارق بين الصورة وانقلابها في الحالتين سوى "الربيع العربي" الذي يكشف كيف تمكنت التحولات الجارية في البلدان العربية منذ 2011 من زحزحة صورة العربي السلبية كإنسان خنوع ومذعن وكسول وإرهابي وغير مؤهل للديمقراطية إلى صورة إيجابية ومشرقة لشباب عربي مواكب لأحدث تكنولوجيا الاتصال، ويتطلع إلى نموذج متقدم من الحكم الديمقراطي؟ ثم ما الذي جرى لتنتكس هذه الصورة قصيرة العمر إلى أسوأ مما كانت عليها قبل العام 2011، وفي مشهد يوحي بأن كل ما جرى منذ انتكاسات "الربيع العربي" إنما جاء ليؤكد، وبشكل "نهائي!" هذه المرة، صورة العربي "الإرهابي" و"العاجز ديمقراطياً"؟!

 

 

"الربيع العربي" القصير وصورة العربي التي لم تكتمل!

 

 

امتازت حقبة تسعينات القرن العشرين برهاناتها الكبيرة على إمكانية إنجاز مهمة التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، ثم تبيّن أن هذا الأمل لم يكن سوى ومضة خاطفة وسرعان ما انطفأ وغرق الشرق الأوسط مجدداً في الظلام. وبدت الشكوك تطفو على السطح حتى بين الدعاة المتحمسين للمجتمع المدني والتحول الديمقراطي. لقد انقضت التسعينات دون أن تتحول حتى دولة عربية واحد نحو الديمقراطية. بل إن التراجع كان عاماً بحيث تعاظمت الفجوة الديمقراطية بين العالم العربي وبقية مناطق العالم منذ أوائل التسعينات، وتوسّعت الدولة التسلّطية بصورة مثيرة. الأمر الذي كان يوحي بوجود شيء ما فريد واستثنائي في هذه المنطقة. هذا لا يمنع أن يكون هناك من اكتفى بتصيّد أي إصلاح هنا أو انتخابات هناك من أجل أن يقنع  نفسه بأن المنطقة كانت تمرّ بالفعل بحالة من التحول الديمقراطي. إلا أن الحاصل أن انحسار موجة المدّ الديمقراطي قد تسببت في صعود موجة مضادة من خيبة الأمل والإحباط من هذا الاستعصاء المزدوج المزمن ديمقراطياً وحداثياً (مدنياً)، والذي بدا وكأنه عجز بنيوي عصيّ على الإصلاح وميؤوس منه في هذه المنطقة. وهو العجز الذي فسّره بعض الدارسين الغربيين على أنه "استثنائية عربية". وكان هذا التفسير مناسبةً مواتية لاستحضار كامل الإرث الاستشراقي والعنصري والاستعلائي والجوهراني ضد المجتمعات العربية التي ألصقت بها أقذع الأوصاف وأقبحها، إذ قيل عنها بأنها مجتمعات كسولة ومتخلّفة ومتعّصبة وقاصرة معرفياً وعاجزة سياسياً وغير مؤهلة مدنياً وحضارياً...إلخ. وكان كل هذا سبباً كافياً ليقتنع البعض لا بأن عجز هذه المجتمعات ديمقراطياً ومدنياً هو الفصل الأخير في مسيرة تطورها فحسب، بل إن هذا العجز المزمن والعميق ليخفي وراءه حقيقة أعمق وهي أن تطور هذه المجتمعات قد تجمّد إلى الأبد عند القرن الخامس الهجري!

وينقل مارتن كريمر أن بعض أولئك الباحثين وقع في حيرة من أمره، فهو يرى أمامه "أنظمة تفتقر للشرعية"، وهذا يعني أنها آيلة إلى السقوط لا محالة، إلا أنها ظلت باقية ولم تسقط بالرغم من كل ذلك، بل إن "كل تجارب الدمقرطة قد فشلت، تاركة وراءها عدم تناسب بين التوقعات النظرية والوقائع التجريبية. وواحدة من هذه الوقائع تتمثل في أن أجهزة الدولة بقيت كبيرة ومنتشرة، والأنظمة استمرت تتمتع بميزات القوة على حساب أحزاب المعارضة، ودولة المخابرات قد تكون تراجعت قليلاً، إلا أنها ما زالت قائمة كعقبة هائلة أمام الدمقرطة"". وقد تسببت هذه الحيرة والتناقض القائم بين الوقائع والتنظيرات في خيبة أمل كبيرة في نفوس كثير من الباحثين والدارسين والمتحمسين ودعاة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي، وبدا العالم العربي وكأنه أحبط كل "منظري المجتمع المدني بشكل عام". وقد وفّرت خيبة الأمل هذه الفرصة أمام كثيرين، ومارتن كريمر واحد منهم، لاستحضار الإرث الاستشراقي والعنصري تجاه العرب والمسلمين، وذلك من أجل التأكيد على أن هذه البلدان ليست مؤهلة للديمقراطية ولا للمجتمع المدني، وأنه "إذا كان هناك من مكان في الشرق الأوسط تتقلّص فيه الدولة لصالح المجتمع المدني، فهذا المكان هو إسرائيل، حيث التحرير الاقتصادي، والخصخصة، وإصلاح النظام الانتخابي، وانتعاش الإعلام". وفيما عدا إسرائيل، فإن كل بلدان الشرق الأوسط، والبلدان العربية في المقدمة طبعاً، بقيت غارقة في الفساد، وخاضعة لدول تسلطية مخابراتية وقفت كعقبة كأداء تحول دون نجاح أي تحوّل ديمقراطي.

 

وفي السياق ذاته شنّ باحث آخر، وهو شون يوم، هجومه على أطروحة المجتمع المدني القائلة بأن هذا الأخير يمكنه أن يلعب دوراً حيوياً في تحويل بلدان الشرق الأوسط ديمقراطياً. ويلاحظ يوم، تماماً كما لاحظ كريمر، أن "المراقبين الغربيين قد تبنّوا، في وقت مبكر في التسعينات وبشكل أخص منذ 11 سبتمبر 2001، المجتمع المدني كشرط مسبق للتحول الديمقراطي في الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". الأمر الذي استدعى نشاطاً وحماساً غير مسبوقين من قبل المنظمات ووكالات التنمية والدبلوماسية الغربية، وذلك سعياً لتعزيز هذا الشرط المسبق للتحول الديمقراطي عبر تمكين المجتمع المدني. ومع هذا فقد باءت هذه "الرعاية المتقدة للنشاط المدني بالفشل في جلب أي ربيع عربي ديمقراطي" إلى هذه البلدان التي مازالت الدول التسلطية فيها تتمتع بالقوة والثبات على الرغم من مشكلاتها الاقتصادية وتآكل مصادر شرعيتها المفترض. ويرجع هذا، كما ينقل عن ليزا أندرسون، إلى أن الدولة العربية عبارة عن "متغير تراكمي يتضمن العديد من المتغيرات الفرعية الأخرى ومنها: البيروقراطية الإدارية، والقوة العسكرية، والموارد المالية، وتكاملها الإقليمي، وشرعيتها الأيديولوجية، وربما متغيرات أخرى" أسهمت مجتمعة في صنع هذه الظاهرة التي جرى الاصطلاح على تسميتها بـ"الاستثنائية العربية".

وقد طُرحت تفسيرات عديدة لهذه الظاهرة التي تسمى "الاستثنائية العربية"، بعضها يقول إن سبب هذه "الاستثنائية" يرجع إلى افتقار هذه البلدان إلى المجتمع المدني القوي، فيما ركّزت تفسيرات أخرى على افتقار هذه البلدان إلى الطبقة البرجوازية، أو ارتكاز اقتصادها على قاعدة ريعية، أو اعتمادها على الحماية الدولية، أو هيمنة الإسلام كدين لا يرحّب بالديمقراطية...إلخ، إلا أن كل هذه التفسيرات، بنظر إيفا بيلن، تبقى ناقصة وغير مرضية ولا تصمد أمام المقارنة مع بلدان أخرى تتوفر فيها ذات الشروط والنواقص ومع هذا تمكنت من التحول الديمقراطي، وهذا ينطبق على بلدان أوروبا الشرقية، وبلدان أمريكيا اللاتينية، وبلدان أفريقيا ما وراء الصحراء. أما مشكلة هذه المنطقة من العالم فإنها لا تتمثل في كونها "استثنائية" من حيث انعدام الشروط المسبقة للديمقراطية؛ بدليل أن بلداناً أخرى كانت تفتقر إلى هذه الشروط إلا أنها تمكنت من التحوّل الديمقراطي بدرجة أو بأخرى، لكن مشكلة "استثنائية" هذه المنطقة تكمن تحديداً في لغز آخر، و"اللغز الذي تطرحه بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس هو لماذا فشل توطيد الديمقراطية في هذه المنطقة (وهو فشل متوقع)، بل لماذا فشلت الغالبية العظمى من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الشروع/البدء في التحول بشكل مطلق. هنا تكمن استثنائية المنطقة". أما حل لغز هذه "الاستثنائية" فيكمن في "الشروط الراهنة التي تعزّز التسلطية القسرية، وبخاصة أجهزة الإكراه القسري في هذه الدول. إن إرادة وقدرة أجهزة هذه الدول القسرية على قمع أية مبادرة ديمقراطية قد أخمدتا أية إمكانية للتحول الديمقراطي. وهنا تكمن استثنائية المنطقة الحقيقية" أي في كون الدولة في هذه المنطقة تتمتع بـ"متانة الأجهزة القسرية" والقمعية. وهي دولة تجسّد، كما جاء في "تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002"، "التجلي السياسي لظاهرة "الثقب الأسود" الفلكية، حيث تشكّل السلطة التنفيذية "ثقباً أسود" يحوّل المجال الاجتماعي المحيط به إلى ساحة لا يتحرّك فيها شيء ولا يفلت من إسارها شيء". وما كان لأية تجربة تحول ديمقراطي أن تنجح في ظل هذه الدولة.

والنقاشات التي بدأت في محاولة لتفسير "الاستثنائية العربية" بالتشديد على غياب المجتمع المدني ومتانة الدولة القسرية والقعمية...إلخ، سرعان ما انزلقت إلى حدّ اتهام المجتمع العربي والمسلم بشكل عام بأنه عاجز ديمقراطياً بشكل ميؤوس منه. وقد وجدت هذه التفسيرات الاتهامية ما يفي بغرضها في الإرث الاستشراقي القديم منه والجديد. وتندرج هذه التفسيرات الاتهامية في سياق الإجابات الثقافية أو الثقافوية التي راحت ترجع سبب فشل التحوّل الديمقراطي في البلدان العربية إلى أسباب ثقافية متأصّلة في طبيعة الإسلام، وطبيعة الفرد والمجتمع العربيين، وطبيعة إرث هذه المجتمعات الثقافي المثقل بالاستبداد وبأخلاقيات الخضوع وطاعة ولي الأمر! 

 

لقد لامست هذه التفسيرات كثيراً أو قليلاً من الحقيقة، حقيقة التعثّر الديمقراطي أو العجز الديمقراطي أو الاستعصاء الديمقراطي في المنطقة، إلا أنها تكشف، كذلك، أن الرهان على التحول الديمقراطي الذي انطلق في الثمانينات، واشتدّ عوده مع مطلع التسعينات، قد تواضع سقف طموحه وتطلعاته حتى انزلق سريعاً إلى مجرد الاكتفاء بتفسير هذا التعثر أو التعطّل أو العجز أو الاستعصاء أو الاستثنائية في هذه المنطقة. لقد شهدت حقبة الثمانينات والتسعينات فورة لافتة في التنظيرات والتحليلات والأبحاث والاستقصاءات والتنبؤات بمستقبل ديمقراطي زاهر ينتظر البلدان العربية. وتحوّلت المنطقة إلى مختبر ضخم لعدد لا يحصى من الندوات والمؤتمرات والمحاضرات وورش العمل والمنح والبعثات والكتب والتقارير والمقالات وبرامج لمشاريع ومراكز الأبحاث ومؤسسات المجتمع المدني التي راهنت كلها على دور المجتمع المدني في التحوّل الديمقراطي في العالم العربي. إلا أن كل هذا الرهان بدا كما لو أنه قد ذهب أدراج الرياح، وكأن كل الحيوية التي كانت تضج بالنشاط والأمل لم تكن سوى صرخة، صحيح أنها كانت نابعة من الأعماق، إلا أنها بقيت صرخة في وادٍ. وهكذا بدأ الكثيرون يشعرون في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بأن أزمات الدولة العربية على قدر عالٍ من الضخامة والتعقيد، الأمر الذي جعلها عصية على الحل. وجعل هذا الاستعصاء المنطقة برمتها تعاني من "عجز ديمقراطي" متمكّن ومحيّر حقاً. ووفق تحليل إبراهيم البدوي وسمير المقدسي فإن تفسير "العجز الديمقراطي في الوطن العربي" يكمن في وجود "النفط والصراعات" في هذه المنطقة، فهذان "هما العاملان الأساسيان لتواصل العجز الديمقراطي في الوطن العربي"، وهما السبب في فشل العالم العربي المزمن في اللحاق ببقية العالم وركوب موجة الديمقراطية. بل إنه تراجع وتخلّف أكثر من ذي قبل، بحيث تعاظمت الفجوة والمسافة بين العالم العربي وبقية مناطق العالم منذ أوائل التسعينات، وتوسّع التحكم التسلطي بصورة مثيرة، و"ازدهرت النظم الاستبدادية العربية، بحيث إن تقرير التنمية البشرية العربية لاحظ وجود فجوة ضخمة بين البلدان العربية والمناطق الأخرى من ناحية المشاركة في الحكم (...)، الأمر الذي يوحي بوجود شيء ما فريد في عملية الدمقرطة في الوطن العربي". أما هذا الشيء الفريد الذي يشير إليه الباحثان فإنه لا يكمن في أن هذه المنطقة لم تلحق ببقية مناطق العالم ضمن موجة التحول الديمقراطي فحسب، بل في حقيقة مؤلمة أخرى وهي أن هذه البلدان "تخلّفت [حتى] عن بقية العالم النامي بحيث يمكن القول، تقريباً، أنها لم تحقق أي تقدّم"، بل الأصح أن نقول إنها كانت تتقدّم إلى الخلف! هذا ما يفصّل فيه الباحثان بلغة الأرقام والمؤشرات، وهذا ما تكشفه تقييمات التقارير الدولية المعنية برصد مستوى الحالة الديمقراطية في بلدان العالم بالاعتماد على مؤشرات حقوق الإنسان والحكم الرشيد والشفافية والمساءلة والمشاركة وحكم القانون...إلخ

و"العجز الديمقراطي" هو مصطلح رديف لـ"الاستعصاء الديمقراطي"، وهو استعصاء مزمن ولا سبيل إلى الخلاص منه؛ بدليل أنه "على رغم التحولات العالمية، الإقليمية والداخلية، لم يحرّك الوطن العربي ساكناً، ولو خطوة ذات معنى نحو الديمقراطية، وهذا على الرغم من تحوّل حوالي أربعين دولة في العالم إلى أنظمة ديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة. ومازالت الدولة التسلطية تعمل من خلال أجهزتها القمعية على صيانة الإذعان الاجتماعي" في هذه المنطقة من العالم. وما يسميه عبد النور بن عنتر بـ"الاستعصاء الديمقراطي" يسميها

باقر النجار بـ"الديمقراطية العصيّة" في البلدان العربية، والخليجة على نحو أخص. وتتجلّى هذه "الديمقراطية العصيّة" لا في تعطيل "إمكانية إحداث تغييرات وإصلاحات سياسية واقتصادية أساسية في المنطقة العربية"، ولا في دفع "الأمور نحو تعميق الفجوة بين الدولة والنخب السياسية من ناحية، والمجتمع من ناحية أخرى" فحسب، بل إنها تتجلّى، كذلك، في الإطاحة بأي إمكانية لنشوء مجتمع مدني قوي ومؤثّر وسليم ومعافى، وفي "عجز الأنظمة السياسية العربية عن تحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسي والإداري في مجتمعاتها". ويرجع باقر النجار هذا العجز إلى "طبيعة الدولة العربية وهيمنتها المطلقة على المجتمع والحكم على  السواء، بالإضافة إلى طبيعة علاقاتها التحالفية عموماً مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية". ويمكننا أن نستنتج من هذا أن الديمقراطية ستبقى عصيّة في هذه البلدان مادامت طبيعة الدولة العربية هي هي لم يطرأ عليها أي تغيير حقيقي، وما دامت العلاقات التحالفية مع الدول الغربية باقية على حالها، وما دام المجتمع المدني ضعيفاً وتابعاً وعديم الفعالية. وفي ظل هذه الظروف فإن هذه الحالة من "الاستعصاء الديمقراطي" قد تطول بحيث لا يمكن التنبؤ بمتى يمكن أن تحدث "المعجزة" التي تجعل هذا التحول الديمقراطي ممكناً في هذه المنطقة. بل إن أقصى ما يمكن التطلع إليه هو ديمقراطيات شكلية وانتخابات مزوّرة بدون ديمقراطية وبما يفرغ الديمقراطية من مضامينها الجوهرية الأساسية. وكل هذا يتمّ وسيتمّ باسم الديمقراطية والإصلاح السياسي!

إننا أمام خيبة أمل وحالة من التململ بلغت حدّها الأقصى، وهو تململ دفع كثيراً من المتفائلين من باحثين وناشطين ومراكز أبحاث ومؤسسات مجتمع مدني، دفعهم دفعاً إلى الوقوع في قبضة الإحساس بالإحباط واليأس والقنوط. ومصدر هذا الإحساس قد يكون، كما يكتب عمرو حمزاوي في أوج ما سمي بـ"الربيع العربي"، كامناً في "القصور المعرفي والمفاهيمي لأجنداتها البحثية الكبرى [أي أجندة مراكز الأبحاث والمؤسسات] التي وجّهت منذ التسعينات جل الطاقة البشرية والتمويلية لدراسة قضايا الديمقراطية، والحكم الرشيد، وحقوق الإنسان/الحريات الأساسية. وانتهت إلى التشديد البسيط على تعثّر الأولى، ونواقص الثاني، واستمرار غياب الأخيرة". إلا أنه لا ينبغي أن نغفل أن المصدر الأساسي لهذا التململ واليأس إنما يكمن في معطيات الواقع العربي التي كانت في تدهور متواصل حتى بلغت نقطة حرجة بدءاً من العام 2008. ويكفي أن يتصفّح القارئ مسلسل التقارير السنوية التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت حتى يصل إلى قناعة بأن "حال الأمة العربية" قد بلغت نقطة حرجة، بل خطرة وتهدد بالانفجار. وقد كان الإحساس بخطورة الوضع بادياً حتى في عنوان تقرير "حال الأمة العربية" لعام 2008/2009، والذي جاء تحت هذا العنوان الصادم: "أمة في خطر". وكشف التقرير الكثير من التهديدات التي واجهت الأمة العربية في هذه الفترة، كما كشف أن التطور الديمقراطي – وهذا بالمناسبة استخدّام عديم المعنى إن لم يكن متناقضاً لمفردة "تطوّر"! – لم يكتف بانعدام النقلات النوعية تجاه تعزيز الديمقراطية في بلدان هذه المنطقة، "بل شهد على العكس عدداً من الانتكاسات في هذا الصدد تمثّلت بانضمام دولة عربية أخرى إلى شريحة الدول التي لا تقيّد دساتيرها مدة إبقاء رأس الدولة في الحكم (الجزائر)، واستمرار عدم الاستقرار في العلاقة بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية (الكويت)، والإخفاق في تنظيم الانتخابات التشريعية في موعدها (اليمن)، غير أن المثال الأكثر فداحة لانتكاسة التطور الديمقراطي تمثّل في الانقلاب العسكري الذي شهدته موريتانيا في عام 2008". ولم يتحسّن حال الأمة العربية، بحسب تقرير السنة اللاحقة 2009/2010، بل استمرت الانتكاسة والتدهور، وكان التدهور عاماً على أكثر من صعيد، حتى جاء التقرير كما لو أنه يشهر أمام هذه الأمة إنذاره الأخير: "النهضة أو السقوط" ولاخيار ثالث غيرهما!

لم يذهب هذا الإنذار الأخير مع الريح، فسرعان ما انفجرت انتفاضات "الربيع العربي" في هذا الجو المسموم باليأس والإحساس العام بالخطر والتحلل والسقوط، وكأن "الربيع العربي" كان الردّ المباشر على إنذار التقرير الأخير: النهضة أو السقوط. لقد مرّت السنوات الصعبة بكل آمالها الكبيرة والعريضة ولم تخلّف وراءها سوى حصيلة ضئيلة. وكان علينا أن ننتظر ثورات "الربيع العربي" وانتفاضاته حتى تنتعش الآمال مجدداً، وتتحسن، معها، صورة العربي بشكل دراماتيكي غير مسبوق.

لقد رأى الرئيس الأمريكي باراك أوباما "أن هذه الثورات تفتح آفاقا واسعة أمام الأجيال الجديدة، وبأنها رياح حرية هبت على المنطقة". ووجد فيها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي فرصة لتصحيح الخلل في الدبلوماسية الفرنسية، وهو الخلل الناتج عن اهتمام فرنسا بمبدأ الاستقرار على حساب قيم الديمقراطية في رسم علاقاتها "مع أنظمة لم تكن مثالا في الديمقراطية. غير أن نهضة الشعوب العربية وتوقها للحرية يسمحان لنا بالتوكؤ عليهما لوضع حد نهائي لمبدأ الاستقرار الذي كان يجعلنا في حالة تناقض دائمة بين القيم التي كان علينا الدفاع عنها وحقيقة الواقع الذي كنا نعيشه". ويقدّم "الربيع العربي"، بحسب ساركوزي، الفرصة "للتوفيق بين الواقع والقيم". أما وزير خارجية ساركوزي ألان جوبيه فقد أعلن أن "الثورات الحاصلة جنوب المتوسط تدفعنا لتغيير نظرتنا إلى تلك المنطقة وإلى ابتداع طريقة جديدة في ممارسة الدبلوماسية". وذهب الوزير الإيطالي للتعاون الدولي والاندماج أندريا ريكاردي إلى أبعد من كل هؤلاء حين صرّح بأن "الربيع العربي كان مفاجأة القرن الكبرى التي "جاءت لتغيّر أفكارنا عن الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغرب".

 

على صعيد الفكر والثقافة كان "الربيع العربي" يغيّر صورة العرب والشباب العربي، ويحوّلهم إلى نموذج متقدم وفريد من حركات التغيير والاحتجاج في القرن الحادي والعشرين إلى درجة أن المفكر الفرنسي من أصل بلغاري تزفتان تودوروف دعا في كتابه الجديد "أعداء الديمقراطية الحميمون" إلى "القيام بربيع أوروبي على غرار ربيع الثورات العربية". واعتبر توماس فريدمان، الكاتب المعروف بصحيفة نيويورك تايمز، أن "الربيع العربي" يقدّم نموذجاً لثورات القرن الحادي والعشرين. ووجّه، في مقالة له، نصيحة إلى الرئيس الصيني هو جينتاو، بأن يعتبر من دروس "الربيع العربي". وامتدح فريدمان ثوار ميدان التحرير وقدرتهم على التحرك دون قادة، كما امتدح مطالبهم التي كانت، كما ينقل عن المؤرخ الروسي ليون آرون، تشبه الثورة الروسية الديمقراطية في العام 1991 من حيث أنها ثورات "لم تكن تطالب بالحرية أو الطعام بقدر ما طالبت بـ"الكرامة". وذهب في مقالة سابقة إلى أبعد حين كتب بأن متابعة الانتفاضات العربية ترسم الابتسامة على الوجه نتيجة "مشاهدة كتلة بشرية بأكملها تتخلى عن خوفها، وتستعيد كرامتها"، راسماً بذلك طبيعة هذه انتفاضاتها كانتفاضات "وجودية" وليست سياسية بالأساس.

وهكذا بدا وكأن الشباب العربي يقدم نموذجاً باهراً وملهماً لكثير من حركات المطالبة والاحتجاج السلمي وعلى رأسها "حركة احتلوا"  العالمية، كما بدت هذه الانتفاضات، فيما يشبه الإجماع، وكأنها "قد غيّرت من قواعد اللعبة تماماً"، بل إنها "غيّرت العالم" بحسب عنوان كتاب الباحث الألماني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ميشانيل لودرز "أيام الغضب: الثورة العربية تغيّر العالم". فصورة العربي الجاهل والمتخلف والبدوي والعنيف والخاضع والعاجز اختفت وأفسحت المجال لصورة ناصعة لذلك الشاب العربي الثائر الذي أطلق شرارة انتفاضات واحتجاجات عالمية بالاعتماد على آخر ما توصل إليه الإعلام الجديد من وسائل وشبكات "التواصل الاجتماعي"، والفيسبوك وتويتر في مقدمتها، إلى درجة أن بعض الباحثين ذهب إلى القول إن انتفاضات "الربيع العربي" أنتجت نموذجاً جديداً من المثقفين أطلق عليه مصطلح "المثقف الرقمي"، وهو نموذج المثقف الذي يقوم باستخدام تقنيات وسائل الإعلام الجديدة بصورة ملائمة لبناء احتجاجاته وحركاته الديمقراطية.

ربما كانت هذه هي المرة الأولى في العصر الحديث الذي يكون لفعل عربي تأثير عالمي مدوٍ، انعكس في صورة تغيّر إيجابي ملحوظ في صورة العربي في مرآة الغرب، وتحسّن كان بادياً في تصريحات السياسيين من أوباما إلى ريكاردي، وفي كتابات المثقفين من تودوروف إلى فريدمان وآخرين. كما انعكس كذلك في وسائل الإعلام الغربية التي اعتادت رسم صورة سلبية وقاتمة عن الإنسان العربي والمجتمعات العربية. ففي دراسة أجراها بسام عويضة عن "صورة العربي في وسائل الإعلام الألمانية بعد الربيع العربي"، لاحظ أن "ثورات الربيع العربي" أسهمت في تغيير صورة العربي إيجابياً خلال العام 2011، ومن دلائل هذا التغيير أن القناة التلفزيونية الألمانية "دويتشي فيللي" اعتبرت ثورة الشعب المصري بأنها تعبير عن الإنسان "الذي استعاد ذاته من جديد، وأنه لن يقبل الاستبداد والظلم بعد اليوم".

 إلا أن الآمال التي أنعشها "الربيع العربي" كانت قصيرة العمر، وما هي إلا أشهر قليلة منذ أن اندلعت انتفاضات "الربيع العربي"، حتى ظهرت الكثير من التشكيكات في صوابية "الربيع العربي"، وفي جدواه، وفي مساراته ومآلاته، وأنه لم يكن "ربيعاً عربياً" أصلاً، بل خريفاً أو شتاء مثّل فرصة تاريخية لصعود الإسلاميين الذين سيخطفون هذه الثورات، وسيتحطم أمل التحول الديمقراطي، وأمل الثوّار "أمام قيام نظام جديد على نفس القدر من سوء النظام القديم الذي أطاحوا به، إن لم يكن أسوأ". وقد صرّح هنري جينو المستشار الخاص للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أنه من "الممكن أن نكون أخطأنا جميعا في الحكم على الربيع العربي"، وبأننا "يمكن أن نكون جميعا ارتكبنا خطأ في الحكم، بشكل سريع جداً، على الربيع العربي الذي أدى إلى "عدم استقرار البلاد" التي شهدت ثورات". وفي السياق ذاته، ذهب آخرون بأن هذا "الربيع العربي" لم يكن سوى "زوبعة في فنجان" و"فقاعات تطفو على السطح"، وأن كل "ما حقّقه الربيع العربي حتى الآن هو سيطرة التيار الأخواني-السلفي على السلطة في بعض البلدان العربية". وآخرون لم يكن يخفون مرارتهم – بالرغم من تعاطفهم الواضح مع "الربيع العربي" – من مشهد "التغيير الذي لم يكتمل"، والذي ظلّ يتأرجح بين "ثورات وخيبات".

في عموده الصحفي بجريدة الحياة بتاريخ 16 ديسمبر 2013، تساءل غسان شربل عن "من قتل الربيع؟"، وراح يعدد القتلة على لسان من أسماهم "المنخرطين البارزين في ذلك الربيع"، والذين بثّوا له، في أكثر من لقاء، خيبة أملهم من حصيلة هذا "الربيع"، ثم يختم هذا العمود الصحفي بترجيح ظنونه الذاهبة باتجاه "أننا في بدايات موسم العواصف" التي لن تأخذنا باتجاه دولة المستقبل: الدولة الديمقراطية الحديثة؛ وذلك لأن "أول شروط الذهاب إلى المستقبل هو الخروج من كهوف التاريخ وأوهام امتلاك حلول نهائية جاهزة لمشكلات جديدة مطروحة في عالم سريع متدفق"!

 

 

والحاصل أنه لا جديد في هذه الإجابة "الجاهزة" والظنيّة، وكأن الطابع المباغت في "الربيع العربي" قد حفّز "ملكة إصدار الأحكام" لدى كثير من المتفائلين ممن أخذهم حماسهم إلى حدّ الاعتقاد بأن "الربيع العربي" سيجلب الديمقراطية الليبرالية الناجزة إلى هذه المنطقة لا محالة، وسيكون فاتحة عصر جديد من التحولات الكبرى والمصيرية، وأنه حدث سوف يطوي صفحة ويفتح أخرى، بل هو "أشبه بالمعجزة" التي ستحقّق المستحيل وتفتح المجال "لكي ينبلج عصر عربي جديد، وينفتح أفق غير مسبوق للعمل السياسي والتحول الديمقراطي" في هذه المنطقة. إلا أنه لن يكون من الصعب أن نتوقّع حجم الإحساس بخيبة الأمل الذي سيكون في انتظار مثل هذه الاستجابات المتحمّسة والمبالغة في سقف توقعاتها، وذلك بعد أن ظهرت على السطح الكثير من مؤشرات الانتكاسة حتى في بلدان "الربيع العربي" ذاتها، حتى إن منظمة "فريدوم هاوس"، في أحد تقاريرها تحت عنوان "دول على مفترق طرق - 2012"، رصدت حالة من التراجع العام في الديمقراطية على مستوى العالم بما في ذلك بلدان "الربيع العربي" في الفترة من أبريل 2009 حتى يناير 2012. كما حذّرت هذه المنظمة من أن المكاسب التي تحققت في بلدان "الربيع العربي" تبقى مكاسب هشّة للغاية، وأنه يمكن، أثناء حالة الفوضى التي أعقبت الانتفاضات، أن ينزلق الحكام، مجدداً، إلى الديكتاتورية والحكم الشمولي. وعلى الرغم من التوقعات المرتفعة نحو الإصلاح الديمقراطي في بلدان "الربيع العربي"، إلا أن هذا التقرير يرصد حالة من خيبة الأمل، حيث ضاعفت الحكومات التسلطية من استخدام القوة وتضييق الخناق من أجل الاحتفاظ بقبضتها على السلطة. علاوة على هذا، كان هناك العديد من التطورات المقلقة "تشير إلى أن التقدم نحو ترسيخ الديمقراطية، ولاسيما في مصر، أمر غير مؤكد". وبحسب التقرير فإن تونس هي الدولة الوحيدة من بين بلدان "الربيع العربي" التي تحسّنت مؤشراتها خلال فترة الرصد، بالرغم من أنها مازالت تجرّ وراءها حزمة من القضايا التي تثير القلق. وهو قلق صار مؤكداً بحسب أحدث تقرير لمنظمة "فريدوم هاوس" تحت عنوان "الحرية في العالم - 2014"، حيث كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العام 2013 "الأسوأ في العالم في تصنيف الحريات المدنية"! وقد انقلب القلق إلى حالة من الذعر المعمم بعد أن تصدرت مشهد "الربيع العربي" الحركات الإسلامية العنيفة ممثلة في جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العرق وبلاد الشام (داعش) بالمشاهد الإرهابية التي تبثها للقتل والذبح وتقطيع الرؤوس وسبي النساء والتنكيل بالأقليات.

وهكذا كان مسار التغيير الذي لم يكتمل، والمشهد الذي ظل يتأرجح بين "الثورات والخيبات"، يتداخلان مع صورة العربي الإيجابية التي لم تكتمل، ولم تبق ناقصة فحسب، بل انحدرت بشكل مريع وسريع إلى صورة الإرهابي العنيف والبشع والدموي الذي لا يتورّع، كما لو كان وحشاً، عن قطع الرؤوس بلا رحمة، ونهش أكباد البشر دون أن يرفّ له جفن. وحصل ما كان يحصل دائماً في التصور الغربي للشرق بحسب تييري هنتش، فعند "أدنى حادثة، عند أي لطخة من دماء، يغور الشرق في وحول خوفنا، يتراجع إلى النسيان قبل أن يعود إلينا في الحلم، لمعان أشياء تافهة تعاد فيها على مفترق الطريق، زخرفة، وهم خادع"".

إلا أني أتصور أن هذه الاستجابات المتسرعة في الكفر بـ"الربيع العربي" ومآلاته، لا تختلف عن نظيراتها التي رأت في هذا "الربيع" معجزة القرن الحادي والعشرين ونموذجه الباهر في التغيير، وأنه فاتحة عصر ذهبي ديمقراطي جديد في المنطقة. وبمنأى عن مثل هذه الاستجابات المتشابهة رغم تعارضها، فإن ما لا ينبغي أن يفوتنا في تقييم هذه الهزة الكبيرة التي تعرّضت لها المنطقة هو أن "الربيع العربي" لم يذهب سدى ودون يترك وراءه الكثير من الدروس. وأول درس علينا أن نتعلمه من "الربيع العربي" هو أننا كنا مهووسين بتحسين صورتنا في مرآة الآخر طوال عقود طويلة ولكن بلا فائدة، وأن هذا الهوس أو الانشغال الهاجسي بصورتنا كان مرضياً ولا يضاهيه هوس آخر على وجه الكرة الأرضية سوى الهوس الأمريكي بتحسين صورتهم لدى الآخرين مع الفارق بين الحالتين. وعلى الرغم من كل الجهود الكبيرة التي بذلت وعلى مستويات عديدة، طوال هذه العقود، لتحسين صورتنا، إلا أن عائدها كان صفراً، في حين أن أشهراً معدودات من انتفاضات "الربيع العربي" كانت كفيلة بوضعنا في الموقع الذي يليق بنا كبشر متطلعين للحرية والكرامة. الأمر الذي يعني أن مبادراتنا الفعلية هي الكفيلة بتحسين صورتنا في مرآة الآخر وليس خطاباتنا الجوفاء، وكتابات الرثاء ولوم الذات وجلدها، وأعمال العلاقات العامة التي تنفق فيها أموال طائلة سدى.

 

في التفاتة كاشفة لاحظ جورج طرابيشي أن محمد أركون يتبدى في كتابه "الإسلام، أوروبا، الغرب: رهانات المعنى وإرادات الهيمنة" الصادر في العام 1995، مغاضباً وبعيداً عن هدوئه التحليلي المعتاد، والسبب، كما يستنتج طرابيشي، يكمن في أن أركون "بعد نحو من عشرة كتب وربع قرن من النشاط الكتابي، قد فشل في المهمة الأساسية التي نذر نفسه لها كوسيط بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي. فأركون لم يعجز فقط عن تغيير نظرة الغرب "الثابتة"، "اللامتغيرة" إلى الإسلام، وهي نظرة "من فوق" و"ذات طابع احتقاري"، بل هو قد عجز حتى عن تغيير نظرة الغربيين إليه هو نفسه كمثقف مسلم مضى إلى أبعد مدى يمكن أن يمضي إليه بالنسبة إلى من هو في وضعه من المثقفين المسلمين". ثم يمضي طرابيشي في تعميم استنتاجه بأن هذا الفشل المتكرر في تغيير صورتنا عند الغرب، "لا يدل على استحالة تغيير تلك النظرة، بل على عدم سداد الاستراتيجية العربية أو الإسلامية التي تضع كل رهانها على تغيير نظرة الغرب إلينا". فالمهم هنا ليس تغيير صورة الغرب إلينا بقدر ما هو تغيير أنفسنا. وقد رأينا كيف أن صورتنا تغيّرت سريعاً بمجرد أن انتفضت الشعوب العربية مطالبة بتغيير واقعها إلى الأحسن.

 

قد يتبادر إلى الذهن أن تغييرنا الأخير الذي لم يكتمل سيرسّخ، إلى أمد طويل، صورتنا السلبية كشعوب إرهابية ومتخلفة وعاجزة وخاضعة وغير مؤهلة للديمقراطية، إلا أن الدرس الآخر الذي يعلّمنا إياه "الربيع العربي"، هو أن "التقدم" لا يسير، بالضرورة ودائماً، في خط مستقيم ومتناسق وصاعد إلى الأمام باتجاه المستقبل والنهايات السعيدة التي تنتظرنا. والصحيح أن التقدم قد يكون ممكناً، والإيمان به قد يكون مفيداً ورافعة أساسية لآمال الكثيرين، إلا أن الصحيح كذلك أن التقدّم صراع مستمر، وتنازع لا يهدأ، وسيرورة من الالتواءات والانحرافات والتموجات وحركة في أكثر من اتجاه، ربما إلى الأمام، وربما ترتد إلى الوراء، وربما تكتفي بمجرد المراوحة في نفس المكان، وربما تتحرك في طرق ملتوية. 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد