ستانلي كوبريك.. الوثبة الكبرى إلى الفراغ


حاوره: إريك نوردين

  • من دون وضع لافتات فلسفية للمشاهد، هل يمكنك أن تعطينا تفسيرك الخاص لمعنى فيلم (2001: أوديسة الفضاء)؟


لا يمكنني ذلك، وللأسباب التي ذكرتها مسبقاً. إلى أي مدى سيكون بمقدورنا تقدير لوحة الـ (موناليزا)، على سبيل المثال، لو كتبَ ليوناردو تحتها: ((هذه المرأة تبتسم إبتسامة خفيفة لأنها تخشى بروز أسنانها المسوسة))، أو: ((لأنها تخفي شيئاً عن حبيبها))؟ هذا سيلغي تقدير المشاهد بتقييده بـ "واقع" يختلف عن واقعهِ الشخصي. أنا لا أريد أن يحدث ذلك لفيلم (2001).

  • أتتفق – إذا كان بإمكاننا العودة إلى التفسير الفلسفي لفيلم (2001) - مع النقاد الذين يدعون أن الفيلم هو أساساً فيلم ديني؟


علي أن أقول أن مفهوم الله هو جوهري بالنسبة إلى فيلم (2001) - لكن ليست بطريقة التصوير التقليدي والتجسيدي لله. أنا لا أؤمن بالأديان التوحيدية الدنيوية، لكنني أؤمن أن للمرء القدرة على أن يبني تعريفاً علمياً مثيراً للإهتمام حول الله في اللحظة التي نقبل حقيقة أن مجرتنا وحدها تحتوي على حوالي مئة مليار نجم. كل نجم من تلك النجوم هي شمس مولدة للحياة، وفوق ذلك توجد مئة مليار مجرة في ما هو مرئي من الكون فقط. في وسط كل ذلك قد يكون هناك كوكبٌ يدور بشكل ثابت، إنه ليس حاراً ولا بارداً، ويمر عبر مليارات من السنين بتفاعلات كيميائية صدفية بفعل تفاعل طاقة الشمس مع كيميائيات هذا الكوكب، بذلك سيكون مقنعاً لو قلنا إن هناك شكلاً من أشكال الحياة ستولد فيه. ومن المنطقي الافتراض أن هذا قد حدث فعلاً في مليارات لانهائية من كواكب كتلك، حيث يوجد فيها نوع من الحياة البايولوجية، وإحتماليات أن جزء من هذه الحياة وجدت لنفسها ذكاءاً متطوراً ليست قليلة. الآن، الشمس هي ليست بأية حال نجماً كهلاً وكواكبها صغيرة السن كوسمولوجياً، بذلك يبدو أن الفضاء الفسيح يحتوي على مليارات من الكواكب التي ليست أقل ذكاءاً من الإنسان، بل أيضاً مليارات أخرى لها نسبة ذكاء متساوية أو متقدمة علينا بآلاف الملايين من السنين.


حين تفكر في الخطوات التكنولوجية الهائلة التي قام بها الإنسان منذ آلاف السنين - التي هي أقل من ميكروثانية بالنسبة إلى كرونولوجيا الكون كله - هل يمكنك تخيل المراحل التطورية التي مرت بها اشكال الحياة السابقة؟ فأنها قد تبدأ بالتطور من كائنات بايولوجية، التي هي القشرة الهشة للعقل حتى في أعلى مستوياته، إلى كائنات آلية أبدية - وثم، عبر دهور غير معدودة، قد تتطور من شرنقة المادة لتتحول إلى كائنات مكوّنة من طاقة محضة. ستكون إمكانياتها لا-محدودة، وذكاؤها لن يفهم من قِبل البشر.


  • هل تشارك رأي بعض علماء النفس الذين يدّعون أن إعتمادنا المستمر على توازن القوة النوويّة، مع كل مخاطرها الحاضرة لمآساة عالميّة، قد يؤدي إلى نوع من رغبة جماعيّة في الموت؟


لا. لكنني أعتقد أن الخوف من الموت قد يساعدنا على فهم لماذا يقبل الناس السيف الديموقليسي هذا على رؤوسهم بهذا الشكل المهادن. الإنسان هو الكائن الوحيد المدرك لموته، وفي الوقت نفسه هو غير قادر بشكل عام على التعامل مع هذا الإدراك ودلالاته.

يواجه الملايين من الناس، بطريقة أو أخرى، المخاوف العاطفية، والتوتر، ومشاكل لا حل لها تتشكل في هيئة مرض عصابي وحزن عام متغلغل في حيواتهم عبر الإحباط والألم الذي يتضخم كلما كبروا في السن، وفي النهاية يلتقون بالقبر الذي يتثائب أمام أعينهم. وبما إن أعداد الناس صارت تتقلص أمام أعداد أولئك الذين يجدون في الدين عزاءاً ومواساة بوصفه الحاجز ما بينهم وبين لحظة موتهم، فأنني أؤمن بأنهم لا شعوريا يستمدون نوعاً من العزاء المنحرف من الفكرة القائلة أن العالم سينتهي بحرب نووية بعد موتهم. الإله قد مات، لكن القنبلة تحيا. لذا، لم يعودوا وحيدين في ضعفهم المأساوي أمام حقيقة موتهم. كتب سارتر في مكان ما إذا كان هناك ما يمكن قوله للمرء الذي واجه عقوبة الموت كي يشعر بالسعادة هو: أن مذنباً سيصطدم بكوكب الأرض في اليوم التالي من إعدامك. وسيدمر هذا الاصطدام كل شكل من أشكال الحياة وسينهى حياة البشر جميعاً.


هذا لا يعبر عن رغبة جماعية في الموت أو نزعة تدميرية للذات نتيجة لإنعكاس الوحدة المريعة للموت. هذا مضر جداً، طبعاً، لأنه يلغي الغضب والسخط الذي من المفترض أن يدفع العالم نحو الغاء الحالة التي تسمح لقلة من القادة السياسيين في كل مكان أن يستعدوا جدياً لإبادة الملايين من الناس نتيجة لفهم مغلوط حول مسألة الدفاع عن الأمن القومي.


  • هل تعتبر نفسك من أتباع اللاعنفية؟


لست على يقين مما تقصد بمفهوم "اللاعنفية" حقاً. فمثلاً اذا خصعت لهتلر بغية تجنب الحرب هل يمكننا إعتبار هذا الفعل فعلاً أخلاقياً سامياً؟ لا اعتقد ذلك. لكن أيضاً منذ الحرب العالمية الأولى نشبت حروب تراجيدية وعبثية، وحالياً نجد احداها في فييتنام وفي انتشار الحروب الدينية التي تلوث التاريخ. ما يختلف في وضعنا اليوم بشكل مطلق عن كل شيء حدث في السابق هو حقيقة أن للإنسان، للمرة الأولى في التاريخ، القدرة أن يدمر مجموعة كاملة من الأنواع والكائنات - حتى الأرض نفسها. مشكلة تهويل هذه المسألة لعامة الناس هي أنها تبدو غير مقنعة وتجريدية، كأنك ببساطة تقول: "ستموت الشمس بعد مليار سنة". ما هو مطلوب كخطوة تصحيحية بدائية هو تفكير بدائل ملموسة لتوازن الخوف الحالي - بديل يمكن للناس فهمه ودعمه.


  • هل تؤمن بحكومة عالمية كلية القوة، أو قل: بنوع معين من نظام اجتماعي، وسياسي، وإقتصادي جديد بشكل راديكالي، بإمكانه التعامل بحنكة وحكمة مع هذه المشكلات مثل الحرب النوويّة؟


أياً من هذه الأنظمة القائمة ليست ناجحة بمعنى الكلمة، ولكنني لا أعلم بما يمكنني إستبدالها به. فكرة وجود مجموعة من الملوك الفلاسفة يديرون كل شيء بأسلوب أبوي كلي القدرة هي مغرية دائماً. لكن أين نجد هؤلاء الملوك الفلاسفة؟ وإذا افترضنا أننا وجدناهم، كيف يمكننا توفير من يخلفهم؟ لا، يجب علينا الإعتراف أن النظام الديموقراطي، رغم كل مشاكله وتناقضاته الموروثة، هو أفضل نظام يمكن لأي شخص أن يحققه. أعتقد أن تشرتشل هو من قال: الديموقراطية هي أسوأ نظام اجتماعي في العالم، لكنها أفضل من الأنظمة الأخرى.



  • بفضل المؤثرات الموجودة في فيلم (2001)، يمكننا أعتباره الفيلم الأكثر تمثيلاً، من الناحية الجرافيكية، للطيران الفضائي في تاريخ الأفلام - ومع ذلك أعترفتَ في احدى المرات أنك ترفض استعمال وسيلة الطيران، حتى ركوب طائرة عادية. لماذا؟

اعتقد أنه بالإمكان تفسير المسألة وفقاً للإدراك المذهل للموت. قدرتنا، التي لا تمتلكها الحيوانات الأخرى، في فهم نهايتنا يخلق لنا نوعاً من القيود النفسية الهائلة: يكمن في كل واحد منا خوف متوارٍ من هذه المعرفة المطلقة التي تزعج ذاته وشعوره بالغاية، سواء قبلنا الاعتراف بذلك او لا. أننا محظوظون، إلى حد ما، أن اجسادنا، وتحقيق حاجياتها ووظائفها، تلعب هذا الدور الأساسي في حياتنا، هذه القشرة الفيزيقية التي تخلق حاجزاً ما بيننا وبين ادراكنا المريع للسنوات القليلة التي تفصل ما بين الحياة والممات. اذا لا يفعل المرء شيئاً سوى الجلوس والتفكير حول موته الوشيك، وحول تفاهته وعزلته الشديدة في الكون، بلا شك: إما سيجن جنونه أو إما سيستسلم للشعور العبثي. وقد يسأل نفسه: لماذا اجهد نفسي إذن بتأليف سيمفونية عظيمة؟ أو اجهد نفسي في العمل؟ أو حتى اقع في حب شخص ما؟ بما إنه ليس سوى ميكروب مؤقت موجود في ذرة غبارية تدور بشكل دائري في فضاء شاسع بشكل لا يصدق؟

أولئك الذين أجبروا على التفكير بهذه الطريقة بفعل حساسيتهم الخاصة في فهم حياتهم على هذا النحو - ويدركون أن هناك لا غاية أو هدف يستطيعون اللجوء اليه، وأن وجودهم مجهول في وسط نجوم لانهائية – هم الذين سيقعون ضحية سهلة لحالة لا معيارية بشكل مطلق. أفهم جيداً ما أصبحت الحياة عليه بالنسبة لماثيو ارنولد: ((قفرٌ مظلم … حيث تتصادم جيوش الجهل في الليل … حيث هناك لا حب، ولا أمل، ولا يقين، ولا إيمان، ولا نهاية للألم ))، ولكن حتى بالنسبة لهؤلاء الذي يواجهون نقصاً في الحساسية لفهم وقتية حياتهم وتفاهتهم، حتى لو كان بشكل غامض، يسرق هذا الادراك اللامكتمل الحياة من اي معنى وغاية، لهذا السبب: ((الكثير منا يجد غياب المعنى من حياته مثل موته)).


أغلب الأديان، بنظرتها الخاصة، قامت بتخدير هذا الألم العظيم، ولكن بما إن الكهنة الآن يعلنون موت الإله، وانحسار: ((بحر الإيمان))، هنا اقتبس ارنولد مرة اخرى ، في العالم بـ: ((صرخة حزينة، وطويلة، ومتراجعة))، ليس للإنسان عكاز يتوكأ عليه - وليس هناك، على اية حال، اي امل، مهما كان غير عقلاني، لإعطاء معنى لوجوده. هذا الادراك المهلك لموتنا هو أساس وجود مرض عقلي أعظم مما أعتقد أن الاطباء النفسيين على وعي به.


  • إذا كانت الحياة لا معنى لها إلى هذا الحد، هل تستحق برأيك العيش فيه؟ا


نعم بالنسبة للشخص الذي يستطيع بطريقة ما مواجهة حقيقة أنه سيموت يوماً ما. عبثية الحياة بحد ذاتها تدفع الإنسان ليخلق لها معنى خاص. يبدأ الأطفال، طبعاً، بدهشة واضحة؛ تلك القدرة على الشعور بالسعادة الكاملة حول أبسط الأشياء مثل خضرة أوراق الشجر. لكن حالما يكبرون في السن يبدأ ادراك مفهوم الموت والتحلل يسيطر على وعيهم، وبذلك يتبدد حبهم للحياة ومثاليتهم واعتقادهم بالخلود بشكل عميق.

حين يكبر الطفل في السن، يرى الموت والألم في كل الارجاء، بذلك يفقد الأمل في الخير المطلق للإنسان. لكنه اذا كان قوياً بشكل معقول، يمكنه أن ينهض من ظلامه الروحي نحو انبعاث حيوية الحياة. ورغم ادراكه لعبثية ولا معنى هذه الحياة، فإنه لا يزال بإمكانه التوكيد على معنى صحي وثابت لها. بالطبع لا يمكنه أن يعيد تجربة الحس النقي الذي كان حاضراً في الطفولة، لكن يمكنه أن يبتكر شيئاً له أكثر ديمومة وثبوتية. الحقيقة الأكثر رعباً عن الكون ليس أنه عدواني بل أنه لا-مبالي. لكن حالما نتوافق مع هذه الحقيقة، ونقبل بتحديات الحياة على حدود الموت يمكن لوجودنا ككائنات أن يكسب على معنى حقيقي.


مهما كان الظلام حالكاً، علينا أن ننشر النور!


___________________________


* هذا الحوار المترجم هو جزء مقتطع من حوار مطوّل أجراه إريك نوردين مع المخرج السينمائي ستانلي كوبريك في العام 1968.


* ستانلي كوبريك أحد أهم وأشهر المخرجين السينمائيين في تاريخ السينما. أخرج العديد من الأفلام المهمة مثل: لوليتا (1962)، دكتور سترينجلوف ( 1964)، 2001: أوديسة الفضاء (1968)، البرتقالة الآلية (1971)، اللمعان (1980)، عيون مغلقة بإتساع (1999).

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email