إيرلندا: هل تجاوزت لعنة الجزر؟


مايكل كولينز

« أشــعر أنــي أوقــع علــى وثيقــة قتلــي وليــس وثيقــة إعــلان الجمهوريــة». هــذا مــا قالــه «مايــكل كولــن»، القائـد الوطنـي والجنـرال المحنـك لــ «جيـش إيرلنـدا الجمهـوري» الـذي خـاض حـرب الاسـتقال، ١٩١٩- ١٩٢١م، ضـد الوجـود البريطانـي. كانـت لحظـة حاسـمة فـي تاريـخ إيرلنـدا الحديـث. وافـق الإًنجليـز علـى قيـام «الجمهوريـة الإيرلنديـة» بعـد أكثـر مـن ثمانمائـة عـام مـن الاحتـلال، ليس قبل أن يضعوا شرطاً صعـباً جـداً، كمـا جـرت عــادتهم حيــن يحــددوا مصائــر شــعوب مســتعمراتهم ويرســموا حــدود دولهــم.

الروائي عقيل الموسوي

كان شــرطهم هــو أن تقــام الجمهوريـة علـى السـتة وعشـرين مقاطعـة جنوبيـة فقـط، أمـا المقاطعـات السـت فـي الشـمال، والتـي تسـيطر عليهـا أقليـة بروتسـتانتية مـن أصـول بريطانيـة واسـكتلندية، فتكـون بلـداً منفصلاً. تـم الاسـتفتاء علـى وثيقـة إعـلان «جمهوريـة إيرلنـدا» فـي البرلمـان الإيرلنـدي الـذي وافـق بفـارق بسـيط. وقامـت حـرب أخـرى، بيـن الإيرلندييـن هـذه المـرة، وقُتـل «مايـكل كولـن» حسـبما توقـع، فقد كان مـن الموقعيـن علـى الوثيقـة. بطـل البـلاد العظيـم صـار ضحيـة حربهـا الأهليـة.


لعنة الجزر


تبدو الجزر مثل جنات جميلة إذا ما قورنــت بالبلــدان المحصــورة فــي عمــق القــارات البعيــد، أو المعزولــة عــن مجــرى أحــداث العالــم بعــوازل طبيعيــة مثــل الصحــارى والجبــال، فســواحلها مفتوحــة علــى البحــار وموانــئ التجــارة فــي العالــم المحيـطة بهـا، وتجلـب التجـار مـن أبعـد الأصقـاع. ومـع البضائـع تأتـي عـادة الأفـكار والديانـات والهجـرات البشـرية المسـتمرة. وتتشـابه شـعوب الجـزر أنهـا تميـل للتجـارة، وتكـون متسـامحة وتتقبـل الاختافـات الثقافيـة

والدينيـة مـن أجـل أن تجـري معاملاتهـا فـي كل اتجـاه. ومــع مــرور العصــور، يتشــكل فــي العــادة خليــط غيــر متجانــس فــي الجــزر مــن الهجــرات المتراكمــة، أقليـات متعـددة بخصوصيـات ثقافيـة مختلفـة، وأحيانـاً متصادمـة، ورغم ذلك تجمعهـم مصالـح التجـارة. فـي العصور القديمـة، تتبـع كل جزيرة فـي أغلـب الأحيـان إمبراطوريـة كبيـرة وقويـة، وتـذوب فـي الدولـة، تصبح مثـل ميناء كبيـر لا أكثـر. فيمـا تظهـر المشـكلة لاحقـا، فـي التاريـخ الحديـث، عندمـا تسـتقل هـذه الجـزر، فتتنافـس هوياتهـا الثقافيـة المختلفـة وتتقاتـل فيمـا بينهـا لاحتـكار الهويـة الرسـمية للدولـة. وربمـا هي ظاهرة عامة تحـدث لمعظـم الأمـم لحظـة تأسـيس الدولـة الحديثـة، وخاصـة الصغيـرة منهـا، أو تلـك التـي تقـع علـى مفتـرق طـرق الحضـارات العظيمـة، لكـني أرى أن الظاهـرة تكـون أكثـر وضوحـاً فـي حالـة الجـزر، لأنـه في غياب الحـدود الجغرافيـة علـى الأرض مـع الـدول الجـارة، يحدث التدخل من جميع الاتجاهات، لـذا لا تُتـرك الجـزر وشـأنها، وُتعطـي الـدول الجـارة الكبيـرة لنفسـها الحـق فـي التدخـل فـي شـئون الجـزر الصغيـرة بشـكل سـافر، مـن أجـل الدفـاع عـن جماعـة مضطهَـدة، أو لحمايـة جماعـة مضطهِـدة، يعتمـد ذلـك علـى كيـف ُينظـر للأمـر.

وفـي معظـم حـالات التاريـخ الحديـث، يتقاتـل ابنـاء الجـزر فـي حـروب أهليـة طويلـة الأمـد دون التوصـل إلـى توافـق عـام علـى هويـة رسـمية واحـدة، ودون قبـول التعدديـة الثقافيـة كمـا فـي الـدول العظمـى. كلمـا تابعـت أحـداث الحـروب الأهليـة فـي الجـزُر، زادت قناعتـي بـأن معظـم الجـزر الصغيـرة منكوبـة ومصابـة بلعنـة جيوسياسـية، وليـس مــن المبالغــة أن أســمي هــذه الظاهــرة «لعنــة الجــزر». وقد يكون أفضــل مثاليــن علــى مــا ذكــرت همــا حالتــا جزيرتـي سـيرلانكا وقبـرص.

عملة الاتحاد الأوروبي، إيرلندا / يورو، بمناسبة مرور قرن على ثورة 1916م

فـي صيـف ٢٠١٦، زرت جزيـرة إيرلنـدا لأتعـرف أكثـر علـى لعنـة جزيرتهـم التـي ملئـت أصداؤهـا الجرائـد فـي السـبعينات والثمانينـات مـن القـرن المنصـرم. صـادف زيارتـي مـرور مائـة عـام علـى قيـام ثـورة ١٩١٦ والتي أدت فـي الأخيـر إلـى تأسـيس الجمهوريـة. كانـت البلاد تحتفـل بالثـورة فـي كل مـكان، فـي المتاحـف، وفـي صـالات العـرض والاسـتوديوهات، حتـى الباصـات العامـة حملـت صـور الشـهداء. واصـدر الاتحاد الأوروبي عملات تذكاريـة بالمناسـبة المجيـدة.


الهوية الإيرلندية


منـذ البدايـات الأولـى، بـدأ التاريـخ عنـد شـعب إيرلنـدا وكان وعيـاً يبحـث باسـتمرار عـن هويـة. وربمـا جـرت الأمــور بشــكل طبيعــي لــو لــم تكــن إيرلنـدا جزيــرة جاءهــا الغــزاة علــى مــر العصــور، وأهمهــم الإنجليــز؛ الجـار القـوي الـذي نـازع الشـعب الإيرلنـدي حكـم الجزيـرة لقرابـة الثمانيـة قـرون. وفـي معمعـة صراعـات الايرلندييـن الطويلـة تشـكلت أهـم ملامـح هويـة الشـعب وخصوصيتـه الثقافيـة التـي سـنتابعها فـي هـذا المقـال. سـكن مـا يمكـن أن نسـميه الشـعب الإيرلنـدي الجزيـرة النائيـة فـي الألفيـة السـابعة قبـل الميـاد، فـي العصـور الحجريـة، وعاشـوا علـى صيـد السـمك وبعـض الحيوانـات المنزليـة، وفـي القـرن الرابـع قبـل الميلاد، جـاءت جماعـات (النيوليثيـك) وبـدأت الزراعـة علـى الجزيـرة. فـي العصـر الحديـدي، كانـت شـعوب (الكلت) تسـكن غـرب اوروبـا، وبعـد توسـعها فـي الغـرب اسـتقر بعضهـا فـي جزيـرة ايرلنـدا. و(celt)، وتلفـظ كلـت، مشـتقة مـن اللغـة اليونانيـة، مـن الكلمـة (kelto) والتـي تعنـي البرابـرة. اختلطـت شـعوب الكلت بالشـعوب الأصليـة ونشأت طريقة تجمع صـار يعـرف بمجتمـع الـ (جـال)، (gaelic way of life)، والذي اعتبر الأصـل الأول لسـكان ايرلنـدا. فـي أوج الإمبراطوريـة الرومانيـة، توسـعت حدودهـا الغربيـة ووصـل فرسـان الإمبراطوريـة إلـى الجزيـرة البريطانيـة. لـم يهتـم الرومـان لاحتـلال جزيـرةإيرلنـدا! اعتبروهـا بلاداً غيـر متحضـرة، يسـكنها همـج رعـاع. ولأنهـا تقـع فـي أقصـى الغـرب الـذي يعرفونـه آنـذاك، تصوروهـا نهايـة العالـم المخيـف. يفاخر الايرلنديـون المعاصـرون بتلـك الحقيقـة بعزة وأنفـة، إذ لـم يكونـوا جـزءاً مـن الإمبراطوريـة أو الاسـتعمار الرومانـي.


ظلـت القبائـل الايرلنديـة تتقاتـل فيمـا بينهـا علـى الـدوام، وتؤمـن باعتقـادات بدائيـة، للشـمس فيهـا تبجيـل كبيـر. فقـد آمنـوا بوجـود المخلوقـات الخرافيـة (Fairies) وقصصهـم الغرائبيـة، وتقربـوا لــ (Druids) وهم كهنـة مجتمـع الكلـت الذيـن قامـوا بـدور الأنبيـاء والأطبـاء، وأصغـوا لنخب مـن الفيلييـن (Fili) حمـاة المعرفـة القديمـةوالعارفيـن الشـعراءالذيـن يحكـون قصـص الأوليـن بطريقـة أخـاذة سـاحرة علـى أنغـام القيثـارة. كانـت اللغـة الايرلنديـة شـفوية، فـي عهـدة الكهنـة والقصاصيـن الذيـن يتوارثونهـا جيـل بعـد جيـل. الجديــر بالذكــر أن جميــع المرشــدين الســياحيين الذيــن أصغيــت لهــم خـلال أســبوع مــن التجــوال فــي مــدن إيرلنـدا، كانـوا متحدثيـن رائعيـن ويـرون قصصهـم بمهـارة تذكـر بالفيلييـن الأوائـل.(He has got a good story)، لديــه قصــة جيــدة، هكــذا يمتــدح الايرلنديــون الشخص الظريف. الأمــر الآخــر اللافــت الــذي لا يفـوت أي زائـر هـو العـدد الكبيـر مـن الكتـاب والشـعراء الإيرلندييـن الذيـن يتمتعـون بشـهرة عالميـة، رغـم أن الجزيـرة الإيرلنديـة صغيـرة ولا يتجـاوز عـدد سـكانها السـبعة ملاييـن نسـمة. مع ذلك بـدت لـي العاصمة دبلـن متحفـاً خاصـاً، زينـت شـوارعها تماثيـل كثيـرة لـكل أبنـاء الجزيـرة النبلاء، وكانـت حصـة الكَّتـاب والقصاصين والشـعراء هـي الأكبـر. أفضـل البقـع فـي المياديـن، والمتاحـف، والحدائـق، خصصـت لعمالقـة الأدب الإيرلنـدي (اوسـكار وايلـد، وجيمـس جويـس، وجـورج برنـارد شـو).

تمثالان للعملاقين، أوسكار وايلد في حديقة (ماريون سكوير)؛ وجيمس جويس على زاوية شارع (أوكونيل)، دبلن، جمهورية إيرلندا.


القديس باتريك


بعــد ظهــور الديــن الجديــد فــي العالــم الرومانــي المتحضــر، جــاء إلــى جزيــرة ايرلنــدا فــي القــرن الرابــع الميـادي شـاب مـن بلاد ويلـز، مـن ذلـك الجانـب مـن جزيـرة بريطانيـا المطـل علـى إيرلنـدا. كان الشـاب (باتريـك) حاذقـا بحيـث دمـج بيـن عقائـد الجزيـرة وأهمهـا الشـمس، ومبـادئ المسـيحية، وكانـت نتيجـة ذلـك الدمـج (صليـب الكلـت) الـذي يجمـع شـكل الصليـب، رمـز المسـيحية، وشـكل الدائـرة، رمـز الشـمس.


صليب الكلت في مقبرة قلعة (كاشل)، جنوب إيرلندا.


سـافر القديـس باتريـك إللـى جميـع القـرى مبشـراً بالمسـيحية، ورافعـاً نبتـة (الشـامروك) ذات الوريقـات الثـلاث والمنتشـرة فـي جميع أنحـاء الجزيـرة، وكان مبهـراً للإيرلنديين أن أقنعتهم النبتـة المشـهورة وكأنها تبشـر بالثالـوث المسـيحي (الله، الابـن ، الـروح القـدس) طـوال الوقـت، وقبـل وصـو القديـس باتريـك، فاعتنـق الايرلنديـون الديـن الجديـد بسـهولة ويسـر. اليـوم، لا تخلـو بلـدة من اسم له لكاتدرائيـة أو كنيسـة أو شـارع، ويحتفـل الايرلنديـون بيـوم السـابع عشـر مـن ابريـل، يـوم وفاة القديـس باتريـك، عيـداً قوميـاً ودينيـاً، ويلبسـون مشـابك علـى شـكل نبتـة شـامروك. (صـورة ٤). فـي دبلـن، كنـت فـي حافلـة سـياحية تتجـه نحـو كاتدرائيـة القديـس باتريـك، أهـم كاتدرائيـة فـي المدينـة لأنهـا البقعـة التـي عمّـد فيهـا رئيـس الكنيسـة الإيرلنديـة، القديـس باتريـك بنفسـه، رؤسـاء القبائـل الايرلنديـة. (كنـا نعبـد إلـه الشـمس وصرنـا نعبـد ابـن الإلـه)، قـال المرشـد السـياحي سـاخرا:


We used to worship SUN God, now we worship SON of God


مـع المسـيحية أتـت اللغـة الاتينيـة، واندمـج القساوسـة فـي الأديـرة فـي كتابـة الشـروحات المسـيحية برسـومات ملونــة وجميلــة مســتوحاة مــن المأثــورات الشــعبية. أهــم هــذه الكتــب هــو ( The Book of Kells) الــذي يُعـرض فـي متحـف باسـم الكتـاب نفسـه فـي (جامعـة ترينيتـي كولـج) فـي العاصمـة دبلـن، ويبيـن رمـوز الثقافـة الإيرلنديـة القديمـة مختلطـة بنظيرهـا المسـيحي. وقعـت عيـون الايرلندييـن علـى اللغـة الاتينيـة، وكانـت المـرة الأولـى التـي يـرى فيهـا أهـل الجزيـرة لغـة مكتوبـة، وانشـغلوا فـي اسـتخدام الحـروف الاتينيـة لصياغـةً لغتهـم المحليـة، وكتابـة أول الأعمـال الإيرلنديـة. كانـت المعرفـة وتاريـخ الكلـت حتـى ذلـك الوقـت معروفـا شـفاهة، وحمتـه اللغـة اللاتينية مـن الضيـاع، خاصـة أن الكهنـة والفيلييـن قـد تحولـوا للديـن الجديـد، وتعرضـت الكثيـر مـن رواياتهـم للنسـيان.

مشـبك علـى هيئـة نبتـة (الشـامروك) الـذي يرتديـه الإيرلنديـون فـي يـوم ١٧ أبريـل، يـوم القديـس باتريك.


أحدثـت المسـيحية تغييـرا هائـا فـي المجتمـع الإيرلنـدي، ولكـن بقيـت بعـض الاعتقـادات الوثنيـة القديمـة تمارس فـي الجبـال النائيـة، ومـازال الكثيـر مـن الفاحيـن يؤمنـون إلـى اليـوم بالخرافـات وعفاريـت الجبـال، ويبنـون أضرحـة علـى مداخـل الغابـات لترضـى عنهـم المخلوقـات الخرافيـة، فلا تتعـرض لحقولهـم. هنـاك أشـجار تنمـو علـى مرتفعـات يسـميها الفلاحـون ( Fairy Fort)، أو حصـن العفاريـت، لا يتعرضـون لهـا، فمـن الخطـر جـدا قطعهـا. ومـن أكثـر القصـص غرابـة فـي هـذه الاعتقـادات، أن هنـاك مـن يعتقـد أن اغتيـال الرئيـس جـون كنيـدي عـام ١٩٦٣م ، حـدث لسـبب فـي إيرلنـدا وليـس فـي أمريـكا. أكثـر اغتيـالات القـرن العشـرين غموضـا تفسـرها الخرافـة الإيرلنديـة بـكل بسـاطة. عـاش الجـد الكبيـر كنيـدي فـي (وكسـفورد) فـي إيرلنـدا، وقطع أحـد أشـجار العفاريـت. حـدث ذلـك قبـل أن يهاجـر إلـى أمريـكا، وظهـرت اللعنـة علـى الحفيـد بعـد أكثـر مـن قـرن مـن الزمـان. قبـل الحكـم علـى تلـك الحكايـة، ينبغـي أن نفهـم أن فـي تركيبـة إيرلندا الثقافيـة هناك إيمان غريب بالخرافـة، مـوروث قديـم لا يصدقونـه ولا ينكرونـه في الوقـت نفسه. ثمة أمـور يعتقـد الإيرلنديـون أنهـا تجلـب لهـم الحـظ السـعيد مثـل تقبيـل