التنافر الدائم بين الذاكرة والنسيان .. حوار مع الكاتبة التركية أليف شفق

 

  تعد الكاتبة التركية أليف شفق  Elif Shafak أهم ممثلي الرواية التركية الحديثة، إلى جانب ياشار كمال و أورهان باموك، وحازت، رغم حداثة سنها، على أهم الجوائز الأدبية في تركيا. ولدت في  مدينة ستراسبورغ بفرنسا في عام 1971 ، من أم كانت تعمل في السلك الدبلوماسي التركي. قضت طفولتها وصباها متنقلة بين مدريد وعمان وكولونيا قبل أن تعود إلى تركيا، وهاجرت إلى الولايات المتحدة لتواصل دراستها أولاً،  ثم بعد ذلك لتشغل منصب أستاذة محاضرة في مادة الدراسات والأجناس بجامعة أريزونا. نشرت روايتها الأولى (الصوفي) Pinhan  (8 طبعات) وهي في السابعة والعشرين من عمرها ، وحازت على جائزة الجمعية المولوية الأدبية في عام 1998، والتي تمنح لأفضل نص يتناول الأدب الصوفي في تركيا،  وتحكي الرواية عن صوفي مزدوج الجنس، يتمزق بين الذكورة والأنوثة، وبين الانطواء على الذات، والانفتاح على الآخر.

 

في روايتها الثانـــية ( مرايا المدينة) The Mirrors of the City (7 طبعات) تناولت موضوع محاكم التفتيش في اسبانيا في القرن السابع عشر، وما قامت به من جرائم، وحازت على جائزة اتحاد الكتاب الأتراك .  في عام 2000 نشرت روايتها الثالثة (التحديق) Mahrem   (8 طبعات) ، أما روايتها الرابعة ( بيت البرغـــوث ) The Flea Palace (9 طبعات) فتتناول  قصة بناية في قلب مدينة اسطنبول يسكنها ناس كثيرون، تختلط قصصهم وحيواتهم، وهي رواية أشبه ما تكون بلوحة سريالية من طبقات عدة، وحققت هذه الرواية نجاحاً كبيراً إذ بيعت منها  في ثلاثة أشهر أكثر من 15 ألف نسخة، وترجمت إلى اللغة الانجليزية، وغدت من أفضل الكتب مبيعاً لأسابيع عدة . 

 

في ربيع 2004 أنهت أليف شفق روايتها الخامسة باللغة الانجليزية ( قديس الحماقات الأولى ) The Saint of Incipient Insanities  وهي قصة أربعة طلاب في منزل واحد في الولايات المتحدة من أصول مغربية واسبانية وتركية وأميركية، وتبرز مسألة الهوية القومية والانتماء والتراث الديني ، أما روايتها السادسة والأخيرة  (لقــــــيط اسطنبول) The Bastard of Istanbul (60 ألف نسخة) فقد اتهمت فيها بالحط من قيمة الروح التركية، وتناول موضوع الإبادة الجماعية للأرمن أيام الحرب العالمية الأولى (1916-1917) من قبل الأتراك، وحققت معها النيابة العامة في 6 يونيو 2006 بناءً على دعوى رفعت من قبل جمعية الحقوقيين التي يترأسها المحامي القومي اليميني المتطرف كمال كرينجسيز بدعوى انها تتعمد إهانة كل ما هو تركي، وهو نفسه الذي أقام الدعوى على الكاتب التركي أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب.  إلا أن المحكمة برأت ساحتها لعدم كفاية الأدلة. 

 

 

الحوار التالي مع الكاتبة أليف شفق أجراه معها جان هندريك باكر ونشر في صحيفة 

Haggsche Courant الهولندية:   

  • سيرتكِ الذاتية تقترح علينا أنكِ تعيشين كمواطنة عالمية.  

هذا صحيح، فقد ولدتُ في فرنسا، وعدتُ إلى تركيا مع أمي، بعد أن انفصلت عن أبي. تكفلت أمي بتربيتي، وهذا ترك أثراً عميقاً علي شخصيتي وكتاباتي.  ففي مجتمع بطريركي مثل تركيا، ليس من المألوف أن تتولى الأم تربية ابنتها في غياب العائلة الكبيرة.

في التاسعة أو العاشرة من عمري عُينت أمي في السلك الدبلوماسي، وسافرنا معاً إلى مدريد وعمّان وكولونيا. كانت العالمية رديفاً لطفولتي، ثم أصبحت خياراً شخصياً. لقد اخترتُ العيش بمفهوم العالمية، أشبه بحياة امرأة بدوية مرتحلة. 

 

  • هل عدتِ إلى تركيا بدافع الحنين إلى الوطن؟ ولماذا غادرتِ وطنكِ مرة أخرى؟  

بعد أن عدتُ إلى تركيا لاحظتُ علي الفور أمرين غريبين: الأول، غربتي عن اللغة، وهذا الأمر أثار دهشتي حقاً، ليس لأنني نسيتُ اللغة التركية، بل لأنني شعرت باغترابي عن لغتي الأم، إلى الحد الذي بدأت اسمعها بشكل مختلف، وأتعرّف للمرة الأولى إلى نغماتها، وتحريفاتها للمعاني، وألاحظ رقتها وتحويراتها. هذا الشعور لا يدركه إلا الذين فقدوا لغتهم الأم كما هو الحال معي، أما الآخرون فلا توجد عندهم أسبابٌ للخوف من هذا النوع من الفقد. 

في المقابل هذا الشعور بفقد اللغة الأم ساعدني كثيراً في تنمية قدراتي اللغوية، فقد بدأت أولي كل اهتمامي باللغة. وكانت اللغة تثير فضولي الشخصي، وصرفتُ الكثير من الوقت في دراسة تاريخ اللغة التركية، ودراسة اللغة العثمانية، وتعقب أساليب التعبير السابقة واللهجات المحلية.  

 

الأمر الثاني الذي لاحظته بعد عودتي إلى تركيا كان متعلقاً بحالتي الوجودية، فقد شعرتُ بتناقض حاد، فأنا مواطنة وأجنبية في نفس الوقت، أو بعبارة أصح أنا مواطنة مغتربة، وهذا الإحساس الذي داهمني في ذلك اليوم لم يغادرني أبداً. 

 

  • أنتِ في مقتبل العمر، ومؤلفة لعدد من الأعمال الأدبية المثيرة للإعجاب.. كيف أصبحتِ كاتبة؟ 

علاقتي بالكتابة تعود إلى سنوات طفولتي المبكرة، ولم يكن دافعي أن أكون في يوم من الأيام كاتبة، بل لأنني كنتُ طفلة وحيدة. طفلة لم تلتق بأبيها، ولم تتعرف على أخيها غير الشقيق وبقية أفراد عائلتها، ولا تعرف أين يقيمون، أو كيف يعيشون. ولأنني كنت دائمة التنقل من مكان لآخر، لم أعقد أبداً مع أي إنسان صداقة طويلة الأمد. الوحدة في الطفولة كانت دائماً رديفاً للاغتراب الثقافي الذي أواجهه في كل بلد أقيم فيه.

الكتب كانت ملاذي الوحيد. كنت أقرأ باستمرار، باللغة التركية أولاً ثم باللغتين الاسبانية والانجليزية. كنت أرى الحياة التي تفترضها الكتب أكثر واقعية من الحياة "الواقعية". وهكذا بدأت أؤلف الروايات. وأصبحت الكتابة متاعي الوحيد الذي أحرص على حمله في أسفاري من مكان لآخر.

الكتابة منحتني الإحساس بالاستمرارية. بدأتُ أولاً بكتابة يومياتي، ولكن حياتي كانت رتيبة ومملة، وهذا دعاني للكتابة عن حياة شخصيات وهمية، أو حوادث لم تحدث أبداً. وتحوّلت اليوميات إلى قصص، وتطوّرت القصص إلى روايات. الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو أهمية الكتابة في حياتي، فهي المعني الوحيد لاستمرار وجودي في الحياة.

 

  • روايتك " مرايا المدينة " هي عن طرد اليهود من اسبانيا في القرن السابع عشر ولجوءهم إلى الإمبراطورية العثمانية، هل يمكن أن تتحدثي عن بحثك ومرجعيتك لهذا الكتاب، وهل تتفقين معي بوجود قواسم تاريخية مشتركة بين أوروبا وتركيا؟   

أوافقك تماماً. ولسوء الحظ، فالوشائج والمصاهرة التاريخية بين أوروبا وتركيا توارت في أحيان كثيرة بفعل الصراعات السياسية المعاصرة التي عمقت الانحياز الثقافي في كلا الجانبين.  

 

   لقد استفدت كثيراً من دراستي للتصوف في الديانتين الإسلامية واليهودية في كتابة رواية " مرايا المدينة ". ومن المثير للدهشة حقاً هذا التوافق الفكري بين الصوفيين والروحانيين من الديانتين،  والذين لم يلتقوا قط، وعاشوا في ظروف مختلفة تماماً وعصور تاريخية متباعدة، ورغم ذلك توصلوا إلى نفس الاستنتاجات فيما يخص الحياة والموت والروح والخلق.    

 

من المعروف أن اليساريين والعلمانيين في تركيا يفتقرون إلى فهم الأديان، والفلسفات الدينية، وتاريخ الأديان. ويتحفظ المثقفون اليساريون الأتراك بشكل عام على الخوض في الموضوعات الدينية، إلا أنني أحسب في خانة المثقفين اليساريين القلائل الذين يظهرون اهتماماً   بالدين.  وشخصياً لا اعتقد أن بوسع الروائي أن يفهم ويكتب عن الوضع الإنساني دون أن يكون مطلعاً وملماًً بالأديان.  

 

  • أنت تعيشين في الولايات المتحدة، هل ينتابك أحساس أنكِ أجنبية،     أو مهاجرة، وهل تشعرين بأي التزام تجاه التاريخ الأمريكي، وما هي صعوبات كتابة أعمالك الإبداعية باللغة الإنجليزية؟   

 

من المفارقات المثيرة للسخرية ان شعور الاغتراب الذي لازمني في تركيا تلاشى حين أقمتُ كأجنبية في الولايات المتحدة، كان التعامل سهلاً كوني " أجنبية في أرض أجنبية "  من كوني " أجنبية في وطني"          في كلا المكانين كان عليّ التعايش مع مفهوم اللاانتماء والفقد، فأنا لست مواطنة في اسطنبول، ولا مواطنة هنا في الولايات المتحدة، وربما لن يتحقق لي أن أكون مواطنة كاملة في أي مكان. 

 

منذ مدة توقفتُ عن طرح هذا السؤال على نفسي: إلى أين أنتمي؟. لقد أدركت انني أنتمي إلى أماكن كثيرة. هناك حكاية في التراث الإسلامي تقول بوجود شجرة في الجنة ضاربة بجذورها في السماء وليست في الأرض، أنا مثل هذه الشجرة، جذوري ليست في الأرض بل في السماء. 

 

  • أفترض أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألقت بظلالها على وضعك كامرأة تركية تعيش في الولايات المتحدة.  

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبحت الهويات والتصنيفات  مهمة جداً في الولايات المتحدة.  ككاتبة اشعر دائماً بمثل هذا التصنيف،   فأنا أصنف على أنني " كاتبة من الشرق الأوسط " ومن ثم فهم يتوقعون مني الكتابة عن مشاكلي كامرأة تنتمي إلى الشرق الأوسط. هم يحاولون حصري في خانة معروفة لديهم، في أمريكا النقاد والقراء على السواء يبحثون عن وظيفة معينة للرواية، في حين أرى على النقيض أن الرواية   هي القدرة على التجاوز، على أن تكون شخصاً آخر، يتخيل، ويحلم ويرحل ويتحوّل.

 

  • هل لكِ أن تطلعينا على دور المرأة في آداب الشرق الأوسط.  

حالياً أعطي دروساً في مادة الجنوسية في الشرق الأوسط، ودروساً في سياسات ذاكرة الشرق الأوسط، سياسات الذاكرة والنسيان، بالإضافة إلى الدراسات الثقافية والنسوية والعلوم السياسية، وعادة ما أقوم بدمج هذه المواد معاً. 

 

لا أميل إلى مصطلح " الإسلام والمرأة " على الإطلاق لما يحمله من معنى فضفاض. عن أي إسلام وعن أية امرأة نتحدث؟. فالإنسان الغربي للأسف حين يتحدث عن الحياة الجنسية في الشرق الأوسط فأنه عادة ما ينظر إلى الجانب " المعتم " من الحياة الجنسية، مثل جرائم الشرف، اختبار العذرية، قمع النساء، والاغتصاب.. اعتقد انه علينا أن لا نغفل الجانب " المضيء " حين نناقش الجانب " المعتم " وإلا فلن نستطيع فهم جوهر الثقافة أبداً.

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد