زهور كرام : إن موضوع المرأة عبارة عن مرآة قد تفضح الخدش الذي يحاول الرجل إخفاءه ليظهر أنيقا حداثيا


زهور كرّام روائية وناقدة وأكاديمية مغربية وأستاذة التعليم العالي بجامعة ابن طفيل في مدينة القنيطرة بالمغرب

تحدثت عن إن مسألة الالتفات إلى ذات المرأة مسألة تطلبتها وضعية المرأة المهمشة في التفكير والتوثيق والتأريخ العربي. وكان من اللازم إعادة الاعتبار إلى هذه الذات، التي تم التعامل معها باعتبارها موضوعا يتم تناوله دون الإصغاء إليه كوجهة نظر وموقف في الحياة والطبيعة والوجود والذات أيضا. ووصفتها بأنها مسألة مشروعة استراتيجيا. لكن عندما يتحول ثقل الاهتمام إلى ذات المرأة مع غياب الآخر كبعد استراتيجي في عملية صياغة ذات المرأة فإن هذا الوضع سيكرس _ لا محالة في ذلك_ خطاب المعارضة الذي سيجد في المساندة الذهنية والتاريخية والثقافية مرجعا لها بحكم أن موضوع المرأة من أكثر المواضيع تشربا للأحكام الجاهزة والقوالب الثابتة. مؤكدة على أن إقصاء الآخر _ سواء عند الحديث عن مركزية ذات الرجل أو مركزية ذات المرأة_ هو إقصاء للعلاقة المتوازنة للبشرية بشكل عام.

فالوجود في معناه الفلسفي والثقافي كما تحدثت يتحقق بالاعتراف والإيمان بوجود الآخر. الآخر هو الذي يحدد معنى وجودنا. فنحن لا نعي وجودنا إلا عبر الوعي بوجود الآخر. الذي يعني استحضار خطاب الآخر وموقفه. لهذا يرتبط الحوار بمبدأ الوجود فلسفيا. لأن الاعتراف بالآخر هو اعتراف مبدئي بوجوده كوجهة نظر قد تختلف عن وجهة نظر الآخر. جاء ذلك خلال لقاء مع الروائية والناقدة و الأكاديمية المغربية..د زهور كرام .



تحدثت الناقدة المصرية شيرين أبو النجا ذات مرة عن إن النقد النسوي في العالم العربي لم يقدم الأدبيات الخاصة به التي يمكن الاستناد اليها. ويرجع هذا الى انه لم تكن ثمة كتابة نسوية وبالتالي فلم يكن هناك نقد نسوي، ومن جانب آخر تحدث عبد الوهاب المسيري عن نشوء حركات نسوية عربية، وصفهم بدعاة التمركز حول الأنثى، تطرح برنامجاً ثوريّاً يدعو إلى إعادة صياغة كل شيء: التاريخ واللغة والرموز، بل الطبيعة البشرية ذاتها كما تحققت عبر التاريخ، وكما تبدت في مؤسسات تاريخية، وكما تجلت في أعمال فنية، فهذا التحقق والتجلي إن هو إلا انحراف عن مسار التاريخ الحقيقي. مضيفاً بأن هذه الرؤى التي تؤسس لها تلك الحركات تصل قمتها »أو هويتها« حينما تقرر كأنثى أن تدير ظهرها للآخر/ الذكر تمامًا، فهي مرجعية ذاتها وموضع الحلول ولا تشير إلا إلى ذاتها، فهي سوبرمان superwoman ولذا تعلن استقلالها الكامل عنه، وحينئذ يصبح السحاق التعبير النهائي عن الواحدية الصلبة ونصل إلى حالة من الواحدية الأنثوية الصلبة والتمركز اللاإنساني حول الذات الأنثوية، وإلى نهاية التاريخ المتمركزة حول الأنثى، وتسود الواحدية السائلة التي لا تعرف الفرق بين الرجل والمرأة أو بين الإنسان والأشياء. ترى كيف يمكن مقاربة هذه المفاهيم من وجهت نظرك، كباحثة في الجندر؟



عبد الوهاب محمد المسيري (أكتوبر 1938 - 3 يوليو 2008)، مفكر وعالم اجتماع مصري إسلامي

لاشك أن ظهور الحركات النسوية، سواء بالغرب أو بالعالم العربي، قد جاءت في بداية الأمر باعتبارها حالة معبرة عن الإعلاء من شأن الذات الأنثوية، جراء التهميش الذي طال تاريخها، بسبب وضعية المرأة في الأعراف والعقلية والذاكرة الجماعية والقوانين أيضا. ولا شك أيضا، أن هذه الحركات قد ساهمت _ إلى حد بعيد_ في خرق رتابة تاريخية المفاهيم. أو بالأحرى خرق مسألة الاعتقاد بثبات دلالات المفاهيم التي كانت تكرس نظاما معينا من إدراك العالم. وهي حركات حولت السؤال حول الأنثى من اعتبارها موضوعا ينظر إليه تاريخيا حسب رغبة المجتمع وسلطة الذاكرة الجماعية، إلى اعتبارها ذاتا منتجة وفاعلة ومفكرة ومدبرة لشأن ذاتها والمجتمع.

وبالتالي،فإن وضعها الإنتاجي يتطلب عملية الإصغاء أو على الأقل رد الفعل. المهم أن الوضع دفع بالآخر سواء السلطة الثقافية أو النظام المفاهيمي أو الأعراف أو المرأة نفسها تلك التي تحت نشاط وصاية الذاكرة الموروثة، لا تملك الوعي بخيار ذاتها، أو الرجل الذي حصنته الذاكرة الجماعية الموروثة بثقافة تجعله خارج السؤال، وتجعل المرأة قيد السؤال الذي يبحث في هويتها غير المكتملة.دفع هذا الوضع بكل هؤلاء إلى استحضار المرأة ذاتا في سياق التفكير. طبعا أخذت المسألة وقتا طويلا _ وما تزال في السياق العربي_ نظرا لكون ما توارثته الأجيال بشأن المرأة يحتاج إلى تفكيك ثقافي للأنظمة الذهنية، وليس فقط إلى مجرد سن قوانين تكفل باحترام حق المرأة في ممارستها لمواطنيتها.

غير أن مسار الانشغال بالمرأة وبحقوقها،واعتبارها سؤال التمركز في كثير من برامج حركات نسوية، قد أنتج _ إلى حد ما _ خطابا شبه مضاد لخطاب التمركز الذكوري. وهو ما جعل بعض الحركات تسقط في رد الفعل، وتنتج خطابا كان من المفترض أن تتجاوزه من أجل بناء خطاب يستوعب العلاقة المتكافئة بين المرأة والرجل في إطار شرعية الحقوق التي تخول لكليهما الحياة الكريمة.

ذلك، لأن اعتبار الأنثى هي مركز الوجود والتفكير هو طرح يقصي الآخر الرجل. وبذلك نسقط في نفس الطرح التاريخي الذي همش المرأة، وأسقطها من التداول التاريخي وفوت الفرصة على التاريخ لكي يقول كلمته الحوارية بصوتي الرجل والمرأة.

لهذا ، إذا كانت مثل هذه الحركات النسوية قد صاغت سؤال الأنثى ضمن الشرط التاريخي، وساهمت في ترويج خطاب يعتمد معجمه مفردات غير مألوفة في القول والتواصل. فإن مسار أغلبها قد انعكس سلبا على مسار تطور العلاقة بين الرجل والمرأة. وذلك حين تحول التمركز من الرجل إلى المرأة.

صحيح إن الالتفات إلى ذات المرأة مسألة تطلبتها وضعية المرأة المهمشة في التفكير والتوثيق والتأريخ. وكان من اللازم إعادة الاعتبار إلى هذه الذات، التي تم التعامل معها باعتبارها موضوعا يتم تناوله دون الإصغاء إليه كوجهة نظر وموقف في الحياة والطبيعة والوجود والذات أيضا. هذه مسألة مشروعة استراتيجيا. لكن عندما يتحول ثقل الاهتمام إلى ذات المرأة مع غياب الآخر كبعد استراتيجي في عملية صياغة ذات المرأة فإن هذا الوضع سيكرس _ لا محالة في ذلك_ خطاب المعارضة الذي سيجد في المساندة الذهنية والتاريخية والثقافية مرجعا لها بحكم أن موضوع المرأة من أكثر المواضيع تشربا للأحكام الجاهزة والقوالب الثابتة.

وسنلاحظ أن هذا الطرح، أو هذا التعامل مع قضية المرأة قد انعكس على المسألة الثقافية عند بعض المثقفين مثلما نجده في طروحات الناقدة السورية " بثينة شعبان" التي من حرصها الشديد على مناصرة إبداعية المرأة العربية والدفاع عن ممارستها لإنتاج الجنس الروائي نجدها في كتابها" 100 عام من الرواية النسائية العربية" قد جعلت الجنس الروائي في التجربة العربية سواء في بعده التأسيسي أو الأفقي المستقبلي جنس مرتبط بالمرأة الكاتبة كمؤسسة له. وبهذا تستبعد من مرحلة التكون الروائي تجربة الروائي العربي. لهذا اعتبرت أن المرأة هي التي كتبت الرواية ومستقبل الرواية العربية مرتبط بالمرأة.

ولعلها نظرة غير موضوعية، لكون البحث في مثل هذا الموضوع المنفتح باستمرار على السؤال المتجدد واكتشاف النصوص غير المعلنة في الدرس النقدي العربي، والتي من شأنها أن تغير في أي لحظة مظاهر تكون النص الروائي العربي. كما أن القول بأن الرجل العربي هو المنتج الأول للرواية العربية أو المرأة هي المنتجة الأولى للرواية، مسألة فيها نظر لأنها لا تستحضر الأبعاد النصية السياقية لظهور الجنس الروائي.

ما نريد أن نؤكد عليه أن طروحات بعض هذه الحركات النسوية في الشأن الاجتماعي والسياسي، قد انعكست على الخطاب الثقافي وأنتجت سلوكا ثقافيا يحتاج إلى نقاش.

إن التعامل مع موضوع المرأة سواء في الخطاب الثقافي أو السياسي أو في المنظور الاجتماعي، يعكس طبيعة الوعي المشتغل على المرأة.

موضوع المرأة كاشف بامتياز لسلوك الوعي البشري. لهذا ، فهو موضوع يتطلب شيئا من الحذر في التعامل معه. وعدم اعتباره من المواضيع السهلة بحكم كثرة تداوله.

الأكيد أن إقصاء الآخر _ سواء عند الحديث عن مركزية ذات الرجل أو مركزية ذات المرأة_ هو إقصاء للعلاقة المتوازنة للبشرية بشكل عام.

فالوجود في معناه الفلسفي والثقافي يتحقق بالاعتراف والإيمان بوجود الآخر. الآخر هو الذي يحدد معنى وجودنا. فنحن لا نعي وجودنا إلا عبر الوعي بوجود الآخر. الذي يعني استحضار خطاب الآخر وموقفه. لهذا يرتبط الحوار بمبدأ الوجود فلسفيا. لأن الاعتراف بالآخر هو اعتراف مبدئي بوجوده كوجهة نظر قد تختلف عن وجهة نظر الآخر.ولكن وجودنا لا يتحقق إلا حين نعترف بالآخر باعتباره وجودا في حد ذاته. وذاته تعبر عن موقعه ومن ثمة عن موقفه من ذاته وذات الآخر، والعالم والطبيعة والأشياء..

هكذا، يحدث التجلي الإنساني من خلال هذه العلاقة التعالقية والتفاعلية والحوارية بين ذات المرأة وذات الرجل.

عندما ننتج خطابا يستحضر أبعاد هذه العلاقة نكون بذلك ننتج خطابا إنسانيا يعتمد مبدأ الوعي بالوجود باعتباره عنصر التحكم في التعامل مع الآخر.

من هنا أعتبر أن القول بأن الكتابة النسائية باعتبارها إنتاجا معرفيا أو اصطلاحيا تمخض عن اشتغال الحركات النسوية في مركزية الذات الأنثوية، قول فيه بعض الملاحظات . لأن الكتابة النسائية ارتبطت في تكونها الاصطلاحي بالنص الإبداعي، وليس بالحركات النسوية التي استفادت من مرونة هذا المصطلح، ووظفته لصالح إعلان أحقية المرأة في التعبير الرمزي . والملاحظة الثانية أننا عندما نلحق تعبير الكتابة النسائية بالحركات النسوية فإن هذا الاعتقاد لا ينتصر للمرأة الكاتبة، كما لا ينتصر للكتابة باعتبارها فعلا رمزيا له أبعاده المعرفية والجمالية. وحين تعتمد بعض الحركات النسوية الكتابة الإبداعية كمجال لتمرير طروحاتها وتحويل التمركز حول ذات الأنثى إلى مجال الإبداع فإنها بفعلها هذا تخدش منطق العملية الإبداعية.

ذلك، لأن الإبداع النسائي هو مسألة إبداعية صرفة وبالتالي الذي طرحها حتى صارت مفهوما متداولا معرفيا ونقديا هو النص الإبداعي الذي كتبته بعض النساء المبدعات، وهو نص عبرت أدبيته وطريقة صوغه للمفاهيم عن إنتاجه للمختلف وغير المألوف في دلالات المفاهيم المتداولة.

لهذا فلابد من التمييز بين حقول اشتغال الأسئلة المعرفية . عندما نتناول موضوع المرأة ضمن المجال الحقوقي فإن المنظومة القانونية هي التي تتحكم في الموضوع. وعندما نتعرض لموضوع المرأة في الحقل الاجتماعي فإن البعد السوسيولوجي هو الذي يتحكم في منهجية التناول. نفس الشئ بالنسبة للحقل السياسي. أما عندما ننتقل إلى العملية الإبداعية في علاقتها بالمرأة باعتبارها ذاتا منتجة للفعل الإبداعي، وليس فقط موضوعا للإبداع ، فإن الذي يحدد طبيعة هذا الموضوع هو منطق الإبداع الذي وحده يملك صلاحية القول بإبداعية النص أو لا إبداعيته، دون اعتماد الجنس( ذكر_أنثى) كمحدد لشرط الإبداعية.

هذه اعتبارات لابد من الوعي بها ، بل استحضارها حين الحديث عن موضوع المرأة، حتى لا تتم مصادرة الموضوعية مع هذا الموضوع، وحتى يتم الانتصار إلى قضايا المرأة سياسيا واجتماعيا وثقافيا بشكل يذيب ما توارثته البشرية من طروحات تجعل المرأة مجرد موضوع ينظر إليه ويفعل به.

عندما يحدث تجاوز مثل هذه الاعتبارات المعرفية يحدث اللبس في إدراك المفهوم مثل الكتابة النسائية. وهو لبس ينعكس _ مع الأسف_ على مشروع انعتاق موضوع المرأة من لا تاريخيته.

لهذا عندما نتحدث عن الكتابة النسائية أو الإبداع النسائي، فإننا نحتكم بالدرجة الأولى إلى منطق الأدب. وهو منطق يحدد توجهات النظر إلى المرأة في علاقتها بالكتابة الإبداعية، مما يحدد أيضا منهجية التعامل التي تجعل المنطلق هو الكتابة، وهو النص ، بل هو الفعل الإبداعي وليس المرأة خارج العملية الإبداعية.

هكذا، أدرك الكتابة النسائية كفعل للقراءة، وكإجراء نقدي