التغيير السياسي من خلال السينما السائدة حوار مع الممثلة شبانا عزمي

 

شبانا عزمي ممثلة تحظى بسمعة دولية، وهي عضو في البرلمان الهندي، وسفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة، وحازت خمس مرات على جائزة أفضل ممثلة في الهند لأدوارها في أفلام: "النبتة" Ankur  (1974)، " المعنى"  Arth (1983)، " الانهيار " Khandhar (1984)، " العبور"Paar  (1985) ، " العرّابة "  Godmother(1999). وهي    ناشطة اجتماعية ملتزمة تتسم بالصراحة الشديدة، وحازت على جائزة راجيف غاندي، وجائزة مؤسسة غاندي للسلام العالمي، وجائزة (ياش بارتيا) من حكومة ولاية أوتر براديش. وربما تكون الجائزة الأهم التي حصلت عليها هي جائزة (بادما شيري) في عام 1988، التي تمنحها الحكومة الهندية لمواطنين بارزين لتفوقهم في مجالات عملهم، وتقديراً لمساهمتهم الاجتماعية المتميزة.

 

الحوار التالي مع شبانا عزمي (مواليد 18 سبتمبر 1950) أجرته معها نيرمين شيخ ونشر في مجلة Asia Source ويسلط الضوء على حياتها المهنية، والعلاقة بين الفن والسياسة، وتوجهاتها لتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

  • دورك البارز الأول كان في فيلم " النبتة " Ankur للمخرج شيام بينغال في عام 1974، هذا الفيلم الذي دشن ظاهرة السينما البديلة أو المستقلة في الهند. هل تعتقدين أن هذا الدور كان مهماً في تحديد مسارك المهني؟ 

 

بالتأكيد، اعتقد أنني لو لم أعمل في فيلم " النبتة " لكان مساري الفني مختلفاً تماماً، رغم أن المخرج ك. عباس كان قد اختارني لفيلمه "الحاجز " Faasla  عندما كنت طالبة في معهد السينما والتلفزيون بالهند، وكانت المرة الأولى التي أقف فيها أمام الكاميرا في فيلم " الزواج" Parinay للمخرج كانتيلال راثود في اليوم التالي لتخرجي من معهد السينما، ولكن فيلم " النبتة " تم توزيعه قبل الفيلمين السابقين، وحظي بنجاح جماهيري، وإعجاب كبير من النقاد، وحصلت على جائزة أفضل ممثلة.

 

فيلم " النبتة " أصبح مهماً جداً لأنه دشن انطلاقة السينما البديلة في الهند، رغم أن مرينال سين كان قد أخرج في عام 1969 فيلمه " السيد شوم " Bhuvan Shome ، إلا أن فيلم " النبتة "  له أهمية نقدية في تاريخ السينما المستقلة في الهند.      

 

 

  • نشأتِ في ظروف غير عادية، فوالدك شاعرٌ بارز، وعضو في رابطة الأدباء، وعضو في مسرح الشعب الهندي، وعضو في الحزب الشيوعي الهندي، وكان أحد نشطاء الحركة المناهضة للاستعمار، وقلتِ في حوار معكِ أن الصلة بين الفن والسياسة انفصمت هذه الأيام، هل يمكنكِ توضيح ذلك؟

 

 نشأتُ في عائلة تؤمن أن الفن ينبغي أن يستخدم كأداة للتغيير الاجتماعي، وكان والدايّ يمارسان هذا المبدأ: أبي، بوصفه شاعراً معروفاً باللغة الأردية، ومؤلف أغاني أفلام، وكاتب سيناريو العديد من الأفلام مثل " الرياح الحارة " Garam Hawa، وأمي بوصفها ممثلة مسرحية معروفة في مسرح الشعب الهندي. 

لوقت طويل لم أشترك فعلياً في أية أنشطة سياسية. وعندما بدأت العمل في السينما، شعرت بأنني قد تشبعت من السياسة في البيت، لذا أردت أن أبتعد عنها. مع ذلك، كانت التربة خصبة جداً لتجذر النبتة.  

ما دفعني في النهاية تجاه السياسة كان هذا التناقض الجوهري: إذا كان الهدف الأسمى للفن هو في مقدار حساسيته تجاه الناس، كيف   يمكن أن نقول أن هذه الحساسية يجب أن تختص بنفسكِ فقط لتقدمي أفضل ما يمكنكِ في التمثيل؟ ان هذا غير ممكن، لأن أفضل المصادر للممثل يجب أن تأتي من الحياة نفسها.  لذا عندما تمثلين في السينما دور شخصية تناضل ضد الظلم الاجتماعي والاستغلال، فإنكِ لا تستطيعين أن تتعاملي مع مهنتكِ كمهنة عادية، لا استطيع أن أتخيل أنني لست معنية بحياة الناس، الذين اخترت أن أمثل أدوارهم، بعد انتهاء عملي في السادسة من مساء كل يوم. 

أما فيما يخص الانفصام بين الفن والسياسة، اعتقد أن هذا الأمر يعود إلى المخرج نفسه، وليس من الصواب فرض طريقة معينة في التفكير على أنها الأفضل، فهذا أسلوب فاشي. اعتقد ان من حق الناس   عمل ما يريدون عمله. لقد اخترت أن استخدم السينما كوسيلة للتعبير عن اهتماماتي الاجتماعية، ولكن لا أطالب الجميع أن يفعلوا الشيء نفسه.  

 

  • لقد قلتِ مراراً أن الفن أداة للتغيير الاجتماعي، وحاولتِ في الوقت نفسه أن تبرهني أن أي شكل من أشكال التغيير الاجتماعي أو السياسي يجب أن يحدث من خلال السينما السائدة، وليس من خلال السينما البديلة، هل لك أن توضحي هذا الأمر؟  

 

السينما لها تأثير قوي في الهند، ولكن إذا أردنا إحداث تغيير سياسي أو اجتماعي عبر السينما البديلة، فإن عملنا سيتحوّل إلى مواعظ للهداية. وعلى النقيض تتيح لنا السينما السائدة حضوراً جماهيرياً كبيراً، وقضايا عديدة، لعرضها ومناقشتها مع هذا الجمهور. 

إذا أخذنا موضوع المرأة، على سبيل المثال، نجد أن عناوين أفلام مثل " سوف أصمت

(" Main Chup Rahoongi 1962) كانت توحي أن التزام الصمت هي فضيلة للمرأة، في حين حصرت السينما المرأة في أدوار نمطية معروفة: فهي إما زوجة مضطهدة، أو أم متسامحة، أو أخت متفهمة. وإذا لم تواجه هذه الأدوار النمطية بنوع من التحوّل التدريجي في السينما السائدة، فإن الرسالة لن تصل إلى الجمهور الواسع.  

 

 ومع ذلك اعتقد أن نوعاً من التغيير يحدث الآن في السينما السائدة، فالناس يتوقعون من المرأة أن تكون كائناً آخر وليست موديلاً،  ويمكن ملاحظة أن نجوم السينما السائدة لم يعودوا يعملون مع ممثلات مثل كاريشما كابور أو مادوري ديكسيت.. هؤلاء النجوم يريدون أن يظهروا في النهاية على أنهم يهتمون بشيء ما. وهذا دليل حقيقي على أن نوعاً من التغيير الايجابي بدأ يظهر في السينما السائدة.    

إذا نظرنا إلى شخصيات المرأة النمطية التي قدمتها السينما الهندية  فسنلاحظ ثلاث شخصيات: الأولى، الأم القوية جداً التي هي نسخة تقليدية من بطلة فيلم " أم الهند "  Mother India ، ثم هناك المرأة اللعوب التي دائماً ما تكون ذات شعر أشقر وعينين زرقاوين (قد نعزو ذلك إلى بقايا   آثار الاستعمار الغربي، وإلى المعنى الضمني بأن هذا النوع فقط من النساء هن المرغوبات جنسياً)، وأخيرا بالطبع هناك البطلة. 

المثير في الأمر ذلك الفصل الواضح دائماً بين البطلة والمرأة اللعوب. ولكن بدءاً من الثمانينيات تغير هذا الأمر كثيراً، خاصة أن الجمهور بدأ يعبر عن قلقه إزاء البطلة، التي بدأت تأخذ دور المرأة اللعوب، كما لو أن المرأة اللعوب هي المثيرة جنسياً فقط. المشكلة أن البطلة بدت هي الأخرى مثيرة جنسياً.  

شخصياً، لا أرى ضيراً في احتفاء المرأة بأنوثتها، على أن لا تكون في الوقت نفسه عرضة للتحديق الذكوري. هذا ما كان يحدث دائماً في السينما السائدة. وهذه مشكلة، لأن النساء لا يزلن يسمحن لأنفسهن أن يتحولن إلى سلعة. بالطبع السينما هي تجارة الصورة، لذا من السهل جدا استغلال النساء في هذا المجال. 

 

على سبيل المثال هناك أغنية مشهورة تردد فيها البطلة (ماذا يوجد تحت ثيابي)  Choli key peechay kya hai في حين نرى مشاهد الصدور وهي ترتفع وتنخفض، والأرداف وهي لا تتوقف عن الدوران.. وهلم جرا. هذه المشاهد كانت موجهة أساساً للتحديق الذكوري، وهذه مشكلة خطيرة. لذا لا يزال الطريق طويلاً أمامنا لنقطعه، رغم إحراز بعض التقدم بشأن تمثيل المرأة في السينما السائدة.  

 

  •   كثيراً ما يقال بأن السينما الشعبية الهندية، خاصة في العقد الماضي، أصبحت أكثر انحلالاً، هل تعتقدين بأن الأفلام الهندية تغيرت دراماتيكياً في السنوات الأخيرة، وإذا كان الأمر كذلك، إلى ماذا تعزين هذا التحوّل؟ 

 

أكثر انحلالاً ؟! اعتقد انه تعبير غير موفق، لابد أن تدركي أن المنتج في السينما السائدة الهندية هو شخص يهتم في المقام الأول في جذب أكبر قدر ممكن من الجمهور لفيلمه، لذا فهو على استعداد ليعمل كل ما شأنه جذب الطبقات الدنيا من المجتمع.  

 تقدم السينما التقليدية الهندية للجمهور واقعاً بديلاً، يستند بشكل تام على الخيال، حتى بيت مفتش الشرطة في الفيلم الهندي هو أبعد ما يكون عن بيت مفتش الشرطة في الحياة الواقعية. علي أية حال هذه الأفلام لا تزال تحتفي بالقيم المثالية (هزيمة الشر وانتصار الخير في النهاية).

اعتقد أن المشكلة الرئيسية تكمن أن لا أحد يولي اهتماماً بالسيناريو، فهناك تخوف من إعادة خلق الحياة الحقيقية للناس. فالهند بلد شاسع جداً، وإذا أنتج فيلم خاص بإقليم الغوجارات فلن يثير اهتمام الناس في الجنوب، لذا يلجأ المنتج إلى ما أطلق عليه (متلازمة الآنسة نيتا)    حيث الشخصيات تعرف بأسمائها الأولى، وليس بأسماء العائلات التي تنتمي لها. فاسم العائلة يكشف عن أصولها، وهذا من شأنه أن يخلق المشاكل. لذا فالمشكلة الرئيسية تكمن في قلة الاهتمام بالسيناريو. هناك اهتمام بغزارة الخيال، والتقدم التقني (الذي بدأ واضحاً في التصوير السينمائي، والمونتاج..الخ) ولكن هذه التقنيات البصرية هي منفصلة عن الواقع تماماً، وتقدم واقعاً بديلاً.     

 

  • إلى أين تتجه السينما الهندية الآن؟

 

 لست منزعجة من وضع السينما الهندية، رغم أن الكثير من زملائي منزعجون من الوضع. وهم يرددون أن السينما البديلة انتهت تماماً، لكنني لا أتفق معهم في هذا القول. أشعر أن اتجاهاً جديداً من السينما البديلة بدأ يشق طريقه، وهذا نجده في أفلام ديف بينغال، سدير ميشرا، كيساد غوستاد، ميرا ناير، ديبا مهتا. كل هؤلاء الناس يتحدثون عن واقعهم الخاص، المدني، والمعاصر، والمتحدث باللغة الانجليزية. وهم يتطلعون عبر أفلامهم الناطقة باللغة الانجليزية إلى السوق العالمية.  

فوظيفة السينما البديلة لا تنحصر في تسليط الضوء على استغلال الطبقة الإقطاعية للفلاحين الفقراء. الهند بلد تعيش في عدة قرون معا.   فيها أناس يعيشون في القرن التاسع عشر، القرن العشرين، القرن الواحد والعشرين، وفيها أناس يعيشون كل التناقضات التي تنشأ عن ذلك. لقد سئمت وجهة نظر الغرب تجاه الهند: بلد من بلدان العالم الثالث، مفعم بالروحانيات والسحر – رغم المجاعة والجفاف -  الخ. اعتقد ان الهند بلد في غاية الحيوية والدينامكية، ومليء بالتناقضات، وهذا ما تطرحه السينما البديلة المعاصرة  

اعتقد أن مشكلة السينما البديلة تكمن في سوء التوزيع، فهذه الأفلام تنتظر دورها طويلاً للعرض، ومنذ مدة وأنا أحاول إقناع الحكومة بأنها إذا أرادت أن تشجع السينما المستقلة، فلا بد من التركيز على شبكة التوزيع. ان أكثر منتجي القطاع الخاص سوف ينتجون هذه الأفلام، إذا ضمنا لهم حسن التوزيع. لذا هناك الكثير من المشاكل التي تواجه السينما البديلة، ولكن بالتأكيد هذا لا يعني انها انتهت.  

 

السينما السائدة مستمرة، أحياناً تواجهها بعض المشكلات، فكثير من الأفلام التي رصدت لها ميزانيات ضخمة لم تحقق النجاح المنشود. وأحيانا يحقق فيلم مثل " أمنيات القلب "  Dil Chahta Hai للمخرج فرحان أختر اهتماماً نقدياًً غير متوقع.  هذا الفيلم مهم جداً جداً، فهو يتحدث عن واقع مدني، وعن حياة الأثرياء، ولكن ليس بالأسلوب التقليدي. لم يحقق الفيلم نجاحاً كبيراً ولكنه على الأقل حظي بإعجاب النقاد واستطاع ان يغطي تكلفته، وهذا يغري مخرجاً شاباً مثل فرحان أختر ليواصل إخراج أفلامه.  فيلم " حدث ذات مرة في الهند  " Lagaan حقق أيضاً نجاحاً كبيراً، وهو أحد أفلام السينما السائدة الناجحة جداً.  

 

  • في مقابلة أخرى قلتِ أنك أبلغت أباك، الشاعر المعروف كيفي عزمي Kaifi Azmi أن المنتجين أصبحوا يقللون من الاعتماد على شعره الغنائي، بسبب معتقداته السياسية. هل تعتقدين أن السياسة تشوه الفن، أو هل يمكن عمل تسوية ما بينهما، أو يبقى الفن من أجل الفن فقط؟   

  

أنا ممثلة محترفة، وهذه قاعدة لضبط العمل. لقد درست التمثيل بأسلوب ستانيسلافسكي، هذا الأسلوب الذي يفرض على كل ممثل أن يجيد تأدية أي دور مهما كان. فالممثلة الجيدة هي التي تستطيع أن تقول: " أنا قادرة على تمثيل دور..... " (المومس/ الأم تريزا/ الملكة إليزابيث). 

الآن أجد نفسي غير قادرة على تمثيل أي دور بسبب معتقداتي السياسية، ولا أستطيع أن أنظر إلى الفن على أنه من أجل الفن فقط، بسبب هذه المعتقدات التي لن أتنازل عنها أبداً.   

عندما قلت هذا الكلام لوالدي، كنت مهتمة أن أسمع وجهة نظره حول الموضوع، ولكن في اللحظة التي سألته قالت لي أمي: " انظروا من التي تتكلم، أنظري إلى نفسك أولاً "،  وهذا الكلام أثارني جداً، فقد قالت لي أبرانا سين، المخرجة التي أحترمها كثيراً، والصديقة المقربة جدا لي،   بأن صورتي خارج الكادر أصبحت قوية جدا الآن، وهي تتردد  في إعطائي أنواعاً معينة من الأدوار. وهذا ليس في صالح الممثل، لأن شخصية الممثلة القوية يجب أن لا تطغى على الشخصية التي تؤدي دورها. هذا هو التناقض الذي أعيشه.   

على سبيل المثال، لن أمثل أبداً في فيلم تظهر فيه المرأة على انها خنوعة، ذليلة، وتابعة، وعليها أن تظل كذلك. لقد ترددت كثيراً في أن أشارك في فيلم " العرّابة " Godmother ، فقد كان الدور مهماً وغير تقليدي في السينما السائدة.  لقد قضيت وقتا طويلا أفكر عما إذا كان ينبغي لي أن أمثل الدور من عدمه، الحركة النسائية كانت تطالب دائماً أننا بحاجة إلى إشراك المزيد من النساء في المجال السياسي، لتغيير التركيبة السياسية، ومع أن فيلم " العرّابة " يحكي عن امرأة خاضعة، لحد ما للنظام، وتتحوّل إلى إنسانة فاسدة، إلا أن المخرج أوضح لي أنه لم ينظر إلى الفيلم من هذه الزاوية فقط، ولكن كان يريد التركيز على التلاعب بفرز الأصوات الانتخابية، والمناورات السياسية، وسوء استغلال الانتخابات، وكان في ذلك على حق.     

 

كنت في نزاع داخلي شديد بسبب هذا الفيلم، فقد كنت منجذبة إلى الدور الذي أؤديه، وفي الوقت نفسه أؤمن إيمانا راسخاً أن على المرأة أن تغير التركيبة السياسية في الهند. لقد كنت جزءاً من الحركة النسائية التي طالبت بضرورة إدخال المرأة في الساحة السياسية، لأنني أؤمن تماماً أن بوسع المرأة، متى ما دخلت المعترك السياسي، أن تغير السياسة نفسها.     هذا التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا أذا استطعنا تغيير عقلية الجماهير. وإلا فأن العالم لن يكون مكاناً أفضل. 

 

  • هل تتحدثين عن مشاركتك في الحياة السياسية، وكيف أصبحت هذه المشاركة مهمة بقدر أهمية مهنة التمثيل في حياتك؟   

 

لقد حدث هذا بشكل تدريجي، فقد كنت أمثل في فيلم " المعنى" Arth للمخرج ماهيش بات، قصة الفيلم كانت عن امرأة هجرها زوجها بعد أن تعرف على صديقة جديدة. تنهار الزوجة تماماً بسبب هذه الخيانة، ولكنها في النهاية تستطيع أن تلملم نفسها وتعيش حياة جديدة. بعد ذلك يعود الزوج ويطلب الصفح منها قائلاً انه ارتكب خطأ فادحاً، ولكن الزوجة تسأله عما إذا كان سيصفح عنها، لو أنها اقترفت الخطأ نفسه، فيقول الزوج بأنه لن يقبل ذلك. فتقرر أن تنسحب من حياته.  

كنا نعرض الفيلم في عرض خاص بالموزعين، كل واحد منهم أعرب عن إعجابه بالفيلم، إلا انهم قالوا أن الفيلم لن يستمر عرضه يوماً واحداً، إلا إذا غيّرنا نهاية الفيلم.. فمشهد امرأة هندية ترفض قبول اعتذار زوجها غير مقبول على الإطلاق، ولكن ماهيش بات وأنا لم نتنازل عن مشهد النهاية، وقلنا ان هذه هي فكرة الفيلم بالتحديد، ولن نغيّر في النهاية شيئاً.

وكانت مفاجأة غير متوقعة على الإطلاق، إذ حقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وحصلتُ على جائزة أفضل ممثلة. وأصبح الفيلم من الأفلام المثيرة للإعجاب. وبدأت السيدات يتوافدن إلى منزلي، وهن يتوقعن أن أحل لهن مشاكلهن الزوجية. لم يعدن ينظرن إليّ كنجمة سينمائية، بل كأخت لهن، كامرأة.  كنت مأخوذة، وخائفة لأنني لم أتوقع ذلك للحظة واحدة، ومن ثم أدركت حقيقة انني وضعتُ في موضع المسئولية العظيمة.  

بعد فيلم " المعنى"  Arth بدأت الدعوات تصلني للمشاركة في الحلقات الدراسية، والاشتراك في نشاطات من هذا النوع. 

 

 من جانب آخر، كنت أعمل مع المخرج غوتام غوش في فيلمــه " العبور" Paar وكنا نصوّر في كوخ صغير في مدينة نايهاتي ، ومن أجل إتقان دوري كنت استعين بامرأة تعيش نفس الظروف المشابهة في الفيلم، ووجدت هذه المرأة من بين ساكني الأحياء الفقيرة، وأخذت أراقب طريقة مشيها، وحديثها، وطعامها، وأسلوب حياتها، وهذا التقارب بيني وبينها جعلتنا صديقتين. 

ذات يوم دعتني لزيارة بيتها، وأصبت بصدمة كبيرة حين شاهدت تلك البيوت الفقيرة التي تعيش بدون ماء، ولا كهرباء، ولا هواء. كنت مذهولة تماماً من هؤلاء الناس الذين يتحملون العيش في هذه الظروف القاسية.  

في ذلك اليوم شعرت بأنه إذا عدت، ولم أحاول أن أحدث أي تغيير في حياة هؤلاء الناس، فسأفقد ثقة تلك الإنسانة التي أصبحت صديقتي،  وسأكون كمن يقول لها: " سوف استغلك وأفوز بجائزة أفضل ممثلة، ولكنني لن استطيع أن أشاطرك القلق على وضعك الإنساني".   

ثم صادف انه حين عدت إلى بومباي أن شاهدت فيلم " بومباي مدينتنا "  Bombay Our City للمخرج أناند باتواردان، حيث يسلط الضوء على أوضاع الأحياء الفقيرة، وأن هدم هذه الأحياء ليس الحل الأمثل، فالهدم يخلق أحياء فقيرة أكثر سوءاً، تفتقر إلى الماء والكهرباء. والفقراء الذين دمرت بيوتهم لا يعودون إلى القرى التي أتوا منها، بل يضطرون إلى الابتعاد عدة كيلومترات إلى أحياء أكثر فقراً، لا تتوافر فيها الماء والكهرباء. 

 

ثم انضممت إلى مجموعة تدعى " نيفارا حق " Nivara Hakk (أي الحق في المأوي) تهتم بحياة سكان الأحياء الفقيرة في بومباي. ونفذنا في عام 1986 إضرابا عن الطعام، بعد تدمير كبرى الأحياء الفقيرة، دون أن يمنحوا المقيمين أية أرض بديلة حسب القانون.   واستمر الإضراب لخمسة أيام، وأجبرنا الحكومة في النهاية على منح الفقراء أرضاً بديلة.   

 

  • لماذا قررت أن ترشحي للبرلمان؟ وكيف وجدت نفسك وأنت   عضو في البرلمان ؟ 

 

لست عضوا منتخباً في البرلمان، ولم أرشح نفسي للبرلمان، إنما أنا عضو مرشح، وترشيحي جاء من قبل رئيس الجمهورية الهندية في عام 1997. لقد كان الناس يطالبونني بالمشاركة في الانتخابات وكنت دائماً أرفض مثل هذه المشاركة، لأنني لا أؤمن بالسياسة الحزبية. ولكن عندما حانت الفرصة أدركت أنه من الممكن إيصال صوت المرأة إلى المكان الذي تناقش فيه التشريعات.

اعتقد ان قوتي وضعفي في البرلمان متساويان.  فقوتي في انني صوت مستقل، وضعفي في ان لا حزب سياسي يدعمني، لذلك تبقى مساهمتي متواضعة، وتنحصر في لفت الانتباه إلى مناقشة موضوعات معينة تخص وضع المرأة في الهند.

 

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد