أنشودة السياب والمعنى القرآني للمطر


أحسب أن قصيدة (أنشودة المطر) للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، قصيدة خالدة حيث تنبأ الشاعر فيها بالكثير من الأزمات التي تعيشها منطقة الخليج عموماً والعراق على وجه الخصوص، وهي القصيدة التي نشرت في الخمسينات وأصدرها الشاعر في ديوان بنفس العنوان في أوائل الستينات من القرن الماضي.

عبدالله جناحي كاتب و ناقد بحريني

هذا المقال لا يحاول تحليل أو تفكيك القصيدة فنياً، إنما الهدف الرئيسي هو تبيان بعض تنبؤاتها، ومدى فهمها لمفردة (المطر)، حيث يتجلى إبداع هذه القصيدة في مقاربتها مع معنى (المطر) في الآيات القرآنية.


تنبؤات القصيدة : في مقطع يقول فيه الشاعر


وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

سواحلَ العراق بالنجوم والمحار

كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ

أَصيح بالخليج : " يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! "

فيرجعُ الصّدى

كأنّه النشيجْ :

" يا خليج

يا واهب المحار والردى .. "



يتجلى الإبداع في سرقة الثروة العامة وبقاء الجوع والموت حين رجع الصدى دون (اللؤلؤ) كرمز للعيش الكريم وثروة الأمة.


وفي مقطع آخر يتكلم عن آلام وعذابات الشعب العراقي وزيادة في عدد المهاجرين من أرض العراق، وكأنه يشخص الوضع الراهن تماماً


أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السّهول والجبالْ

حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تئنّ ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع

وينثر الخليج من هِباته الكثارْ

على الرمال ، : رغوه الأُجاجَ ، والمحار

وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لجَّة الخليج والقرار


وفي مقطع آخر ينطق وكأنه لسان حاله يفضح الفساد الكبير وسرقة المال العام من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة حتى وقتنا الراهن.


وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ

وحقاً ما يزال في العراق غربان وجراد يأكل الأخضر واليابس.

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى


ورغم هذا الحزن والجوع والظلم، إلا أن القصيدة تنظر بعين من الأمل للمستقبل القادم:


في كل قطرة من المطر

حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ

وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد

أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !

مطر ...

مطر ...

مطر ...

سيُعشبُ العراق بالمطر ...


المطر والمعنى القرآني:


تعاملت قصيدة "أنشودة المطر" مع مفردة (المطر) فيها بمجازات وإيحاءات قريبة من المقاصد المختلفة للمطر في الآيات القرآنية حسب التفسيرات والتأويلات. فمن المعروف أن جدلاً قد حدث حول هذا الموضوع بين طرف يرى أن كلمة (مطر) في جميع تلك الآيات يقصد بها العذاب والأذى وليس الماء النازل من السماء، وطرف آخر يرى بأن هذه الكلمة يصح إطلاقها على الخير والشر، ورغم إنني لست متبحراً في هذا الحقل التفسيري للآيات القرآنية، لذا سأستعين ببعض التفسيرات من المواقع الإلكترونية.


ففي حديث الصحيحين ورد أن "مطرنا بفضل الله ورحمته" وكما في قوله تعالى في القرآن الكريم ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ "النساء 102"


ففي تفسير هذه الآية قول إبن عتيبة بأن ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ﴾ فلا تدخل تحت هذه القاعدة فالمطر هنا يراد به الغيث، وهو رحمة، فلم يستعمل في العذاب، وإنما حصل التأذي بثقل حمل السلاح حينئذ.


وقد جاء في تفسير البغوي: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ رخص في وضع السلاح في حال المطر والمرض، لأن السلاح يثفل حمله في هاتين الحالتين.

ورغم إن جميع الآيات الأخرى تشير كلمة مطر للعذاب، ما عدا هذه الآية 102 من سورة النساء، فقد استعملت كلمة (مطر) في العذاب كما في "آية الأعراف 84" ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أو في "آية الانفال 32" ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أو في "آية هود 82" ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾، ونفس المعنى في "سورة الحجر الآية 74" أو في "آية الفرقان 40"﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، أو كما في "سورة الشعراء الآية 173 ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴾ وهو نفس المعنى في "سورة النمل الآية 58"، وفي "سورة الأحقاف الآية 24" ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.