«لا أحد ينام في المنامة»  آخر إصدارات الباحث و المفكر البحريني الدكتور نادر كاظم


"هذه المدينة ستكون للبشر من كل الدنيا"

من رواية "الإسكندرية في غيمة" لإبراهيم عبد المجيد


«لا أحد ينام في المنامة» آخر إصدارات الباحث و المفكر و الأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم، صدر مؤخراً عن (دار سؤال للنشر – بيروت). هذا الكتاب كما تحدث الكاتب في مقدمته ليس رواية، لكنه، مع ذلك، ليس بعيداً عن الرواية؛ فعنوانه سيذكر القارئ، بلا شك، برواية إبراهيم عبدالمجيد "لا أحد ينام في الإسكندرية"، الرواية الشهيرة التي صدرت طبعتها الأولى في العام 1996، ووضعتها List Muse في قائمة أفضل مائة رواية في تاريخ البشرية.

الدكتور نادر كاظم كاتب وناقد ثقافي بحريني وأستاذ الدراسات الثقافية بجامعة البحرين. صدرت له عدة كتب في النقد الثقافي والفكر الحديث وقراءة التاريخ آخرها “لماذا نكره” و”المقامات والتلقي”، “تمثيلات الآخر”، “الهوية والسرد”، “طبائع الاستملاك“، “استعمالات الذاكرة”، “إنقاذ الأمل”، “كراهيات منفلتة” و”خارج الجماعة”.

وعلى الرغم من قناعتي - الحديث هنا للدكتور نادر - بأن المنامة أولى بمثل هذا العنوان، وأنه يكون أوقع حين يقترن بالمنامة بحكم المفارقة الصارخة بين (لا أحد ينام) و(المنامة). فهذه المدينة التي اشتق اسمها من النوم على أمل أن تكون مكاناً للنوم، أو مدينة النوم، مضيفاً في هذا السياق بأنه على الرغم من هذه القناعة، إلا أن هذا التناصّ مع عنوان رواية إبراهيم عبد المجيد لم يأتِ اعتباطاً، بل كان مقصوداً منذ البداية، لا بحكم التشابه الكبير بين الإسكندرية والمنامة كمدينتين شرقيتين وساحليتين وتجاريتين ومتنوعتين إثنياً ودينياً فحسب، بل بحكم ذلك التشابه الكبير والمذهل في المسار التاريخي للمدينتين. وهنا تكتسب ثلاثية إبراهيم عبد المجيد عن الإسكندرية أهمية كبيرة؛ لأن إبراهيم عبد المجيد يرصد ببراعة، في ثلاثيته عن الإسكندرية، التحولات الكبيرة التي طرأت على الإسكندرية منذ العام 1939 فور اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى حرب السويس والعدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، إلى العام 1975 الذي غيّر وجه الإسكندرية كلياً…



الإسكندرية والمنامة:

المدينة الكوزموبوليتانية حين تغيّر جلدها

المنامة

تبدأ ثلاثية الإسكندرية برواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" التي تدور أحداثها في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الإسكندرية مدينة كوزموبوليتانية (عالمية)، وفضاء ثرياً تعايشت فيه أجناس وأديان متنوعة من اليونانيين والإيطاليين والقبرصيين والأرمن واليهود والشوام وجنسيات أوروبية أخرى إضافة إلى المصريين الموسرين والأقباط والإسكندريين الأصليين أنفسهم. كان جميع هؤلاء مصريين وإسكندرانيين يوم كانت الإسكندرية مدينة العالم. ثم يبدأ وجه المدينة في التغير، مع الجزء الثاني من الثلاثية أي مع رواية "طيور العنبر" (2000) التي تبدأ مع تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وتتواصل إلى الستينات مع سياسات تأميم المصانع والبنوك الأجنبية، وقرار الرئيس جمال عبد الناصر بمجانية التعليم في العام 1961 حيث تزايد عدد الوافدين من الأرياف إلى المدينة؛ لتنتهي أحداث الرواية بخروج الكثير من الأجانب والإثنيات من المدينة. فقد هرب اليهود مع أموالهم إبان حرب السويس مع تصاعد الأجواء العدائية التي كانت تحوم فوق رؤوسهم، وتلاهم اليونانيون والإيطاليون والفرنسيون وبقية الجاليات، لتتحول الإسكندرية الكوزموبوليتانية إلى مدينة مصرية خالصة بحيث لم يبق من اليونانيين في الجزء الثالث من الرواية، "الإسكندرية في غيمة" (2012)، سوى خريستو، المصور اليوناني، وسوى مقابرهم وبصماتهم على ما بقي من العمارة الإسكندرانية. تدور أحداث الرواية الأخيرة خلال السبعينات التي شهدت ملاحقة اليساريين أمنياً مع عصر السادات، وبداية مرحلة ما سمي بالانفتاح الاقتصادي وخصخصة شركات القطاع العام، وتشجيع تيارات الإسلاميين لمواجهة التيارات الشيوعية، وتنتهي الرواية نهاية حزينة مع تغيّر المدينة وتفرّق شمل سكانها وعشاقها وأسلمتها مع تمدد الإسلاميين الملحتين الذين راحوا يتمددون سياسياً وفي الحياة العامة، ويوزعون المنشورات التي تدعو للحجاب، وينددون بالسفور، ويذكّرون الجميع بالصلاة وأن الاحتفال برأس السنة ليس سوى "عادة من عادات الكفار!".

الإسكندرية

بالطبع، لا وجه للمقارنة بين الإسكندرية والمنامة من حيث المساحة وعدد السكان وطبيعة المناخ، ولا من حيث العراقة والامتداد المتطاول في التاريخ، فالأولى مدينة أسسها الإسكندر الأكبر كما يُعتقد في العام 332 ق. م، وهندس خططها وعمارتها المهندس المعماري اليوناني دينوكراتيس، فجاءت، كما وصفها إبراهيم عبدالمجيد في رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، مدينة منظمّة هندسياً وأشبه بلوح الشطرنج، حيث تقطعها الشوارع من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. كما أن الإسكندرية كانت، في يوم من الأيام، ثاني أكبر مدينة في العالم بعد روما، العاصمة الإمبراطورية. أما المنامة فهي مدينة حديثة النشأة، وتاريخها يتضاءل كطفل صغير إذا ما قورن بتاريخ الإسكندرية، المدينة العجوز؛ إذ يبلغ الفرق الزمني بينهما ستة عشر قرناً بالتمام والكمال؛ لأن أقدم إشارة إلى المنامة كميناء رئيسي لجزيرة البحرين تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وتقريباً إلى ثلاثينات القرن الرابع عشر، كما أن المنامة لم يجرِ تخطيط مكانها من قبل عقل هندسي مفرد إبان نشأتها، بل نشأت وتطورت في سياق التفاعل الطبيعي بين السكان والمكان، بين سكانها الذين نزحوا إليها من أكثر من مكان، من القرى والبلدات في الداخل، ومن ساحل فارس والهند وساحل أفريقيا الشرقية والعراق وبلدان الخليج وشبه الجزيرة العربية، بما في ذلك كثير من الأجانب من إثنيات وديانات متنوعة من الذين كانوا يفدون إليها للتجارة، أول الأمر، ليستقروا فيها، ويندمجوا في حياتها مشكلين جزءاً لا يتجزأ من تاريخها وتكوينها.

كما لا ينبغي أن نغفل عن التفاعل الثري بين كل هؤلاء مجتمعين وبين الميناء والسوق، عصب الحياة والحيوية في تلك القرية الصغيرة التي سرعان ما تطورت لتصبح مدينة العالم، مدينة عالمية (كوزموبوليتانية)، "مدينة ستكون للبشر من كل الدنيا"، بكل ما يعنيه ذلك من فضاءات التنوع وأجواء التسامح والحرية والانفتاح، وهي الأجواء التي ذكّرت الرحالة والمبشر والجاسوس الإنجليزي وليام جيفورد بلغريف في العام 1862/1863، بأجواء الانفتاح والحرية والتسامح والازدهار التي كانت تميّز المدن الساحلية في الشرق آنذاك، في كلٍ من يافا والبصرة ومدن ساحل فارس. بلغريف هذا هو الذي وصف تجار المنامة بأنهم "رجال العالم الذين يعرفون العالم بوصفهم رجالاً".

الرحالة والمبشر والجاسوس الإنجليزي وليام جيفورد بلغريف في العام 1862/1863

الرحالة والمبشر والجاسوس الإنجليزي وليام جيفورد بلغريف في العام 1862/1863

ومع هذا، فإن التشابه بين المدينتين، الإسكندرية والمنامة، كبير جداً، فكلتاهما تمثلان نموذجاً للمدينة الساحلية التي مثّلت الميناء الرئيسي للبلاد، كما أن المدينتين اكتسبتا أهمية تجارية لافتة منذ أواخر القرن التاسع عشر بعد افتتاح قناة السويس في العام 1869، حيث أصبحت المدينتان مواقع أساسية في شبكة الرأسمالية الكولونيالية الآخذة في التوسّع آنذاك بين أوروبا والهند والجزيرة العربية وساحل فارس وسواحل أفريقيا الشرقية، حيث كانت الإسكندرية حلقة ربط أساسية بين بلدان أوروبا المتوسطية والهند وسواحل أفريقيا، فيما كانت المنامة حلقة ربط أساسية بين الهند والبصرة وساحل فارس والجزيرة العربية.

غير أن الأهم من كل هذا، أن المسار التاريخي الحديث للمدينتين يكاد يكون متطابقاً بالرغم من بعض الفروقات الطفيفة. فقد مرّت المنامة بالتحولات الكبيرة التي مرّت بها الإسكندرية، حيث كانت، إبان حقبة اللؤلؤ، مدينة كوزموبوليتانية كالإسكندرية نوعاً ما، وتعايش في حدودها الضيّقة جداً العديد من الإثنيات والديانات والمذاهب من العرب والمسلمين (شيعة وسنة)، والهولة (عرب الساحل)، والنجادة والإحسائيين والعمانيين، والهنود الهندوس (البانيان) والبوذيين والمسلمين والسنديين (الباكستانيين) والبهرة (إسماعيليين من أصول هندية)، واليهود، والمسيحيين، وذوي الأصول الفارسية (شيعة وسنة)، والأفارقة، والبلوش، والبهائيين، وأقليّة قليلة من الصابئة كان أفرادها يعملون في صياغة الفضة، إضافة إلى العديد من الجنسيات الأوروبية، ويأتي البريطانيون - ولاحقاً الأمريكيون بعد اكتشاف النفط وتأسيس شركة نفط البحرين (بابكو) - على رأس القائمة.

وعلى الرغم من أن المنامة لم تكن في قلب المعارك التي طالت الإسكندرية في الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لم تكن بمنأى عن الشرارات المتطايرة من هذه الحرب بحكم وجود القاعدة العسكرية البريطانية على أراضيها آنذاك، كما أنها كانت في قلب البروباغندا الإعلامية البريطانية عن الحرب، ويشتمل الإرشيف البريطاني على ملفات تربو على الـ 1700 صفحة كلها تدور حول بروباغندا الحرب وكيفية التأثير في الرأي العام المحلي في البحرين. كما قامت القوات البريطانية في يوليو 1940 بتكوين متطوعين من الأجانب في قوات الدفاع المحلية التي سرعان ما حُلّت في نوفمبر 1941.

وأكثر من هذا، فقد وصلت حدود المغامرة الجوية الإيطالية إلى حدّ التفكير بقصف البحرين، وذلك عندما قامت ثلاث طائرات حربية إيطالية بقطع مسافة 4000 كيلومتر من جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط لتصل سماء البحرين في تمام الساعة 3:15 من فجر يوم 19 أكتوبر 1940 (الموافق لـ 17 رمضان 1359هـ)؛ بهدف قصف مصفاة التكرير التابعة لشركة نفط البحرين (بابكو)؛ لوقف إمدادات الوقود عن القوات البريطانية.

وقد ألقت هذه الطائرات المهاجمة، من علو 3000 قدم، عشرات القنابل (قدّرت بين 50 و80 قنبلة صغيرة) على البحرين. وعلى الرغم من أن هذه القنابل لم تتسبب بأية أضرار، إلا أن هذه الغارة دفعت شركة نفط البحرين (بابكو) إلى ترحيل النساء والأطفال الأمريكيين والبريطانيين إلى ديارهم، كما دفعت حكومة البحرين إلى تعميم إشعارات عديدة تقضي بمنع الاستماع للبرامج الإذاعية اليابانية ابتداءً من تاريخ 8 ديسمبر 1941، وذلك بعد قرار منع الاستماع إلى البرامج الإذاعية الألمانية والإيطالية بتاريخ 16 يونيو 1940. وصدر قرار بإبعاد قسّ كاثوليكي إيطالي إلى الهند اسمه إرزيو لويجي مجلياكاني بتاريخ 13 نوفمبر 1940 في أعقاب الغارة الإيطالية. وبتاريخ 16 أبريل 1942، صدر إعلان بإطفاء الأنوار ليلاً في المنامة والمحرق وعوالي، وتخفيف أنوار السيارات الأمامية، وحتى طلائها باللون الأسود أو الأزرق! وفي هذا اليوم ذاته، 16 أبريل 1942، نشرت جريدة "البحرين" تصريحاً حول دخول جُزر البحرين في "منطقة عمليات" الحرب العالمية الثانية.

إلا أن الزمن الذي غيّر الإسكندرية غيّر المنامة أيضاً، والأحداث والظروف التي تسببت في هذا التغيير متقاربة جداً: قرار تقسيم فلسطين في العام 1947، ونكبة فلسطين وإعلان قيام إسرائيل في العام 1948، وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر في العام 1956.

من اليسار لليمين :العليوات ، بن موسى ، البكر ، فخرو ، شملان. (الجبهة): التاجر ، أبوديب ، كمال الدين

وإذا كانت الإسكندرية قد تخلت عن روحها الكوزموبوليتانية على وقع هذه الأحداث المتتابعة لتتحول إلى مدينة مصرية عربية خالصة، فإن المنامة مرّت بالظروف ذاتها، فقرار تقسيم فلسطين ونكبتها وحرب السويس أحداث مثّ