تأملات: الكتب، باريس، والسمك

 

الكتب متناثرة في كل مكان؛ على المكتب، الرف، المنضدة .. كل مكان. كلها تتراصف بطريقة تناقض جارتها، لا شيء يبدو في إتزان إطلاقاً. هذا يزعجني.. ربما.. لا على الإطلاق. 

الآن أقدم على محاولة بعث النظام من الفوضى العارمة هذه؛ لأول مرة منذ فترة طويلة أحاول أن ارتب الكتب وأعطي كل منها حقها. كل كتاب يحمل ذكرى معينة؛ هناك كتاب بحثت عنه طويلاً، أما الآخر فأستعرته من شخص قبل ثلاث سنوات ولم يستعيده بعد- لا أعتقد أن هذا سيحصل أبداً. 

أغلب الكُتب التي أمتلكها لم أقرأها بعد، بل ألقيت نظرة سريعة على صفحاتها؛ أغلقها وأضعها بعيداً عني. أما الكُتب القليلة التي قرأتها، فأنني لم أقرؤها بطريقة نظامية؛ لا أبدأ من الصفحة الأولى أبداً، فإنها لا تهمني.. ليس للكاتب ما يقوله حقاً في الصفحة الأولى. أدخل في صلب الكتاب، أو أحياناً فصوله الأخيرة؛ ثم.. إذا كان لدي الوقت، أرجع للصفحة الأولى. كما أن بعض الكُتب التي قرأتها لم أقرؤها كاملاً؛ أنت لست بحاجة إلى أن تقرأ المجلد كاملاً لكي تفهم ما يقوله الكاتب. إنه عادة ما يبوح بزوائد ترضي قلقه، أما الأفكار هي سهلة.. أنها دائماً سهلة. 

 

هناك من يحترم صفحات الكتاب الذي يقتنيه، فتراه يعتني بها من دون أن يترك آثاراً عليها؛ حبر قلم، بقعة مشروب، صفحة مُزقت قليلاً عن غير قصد. شخصياً، لا أرى أن هذه هي الطريقة المثلى. أنا لا أترك كتاباً إلا بعد أن تركت أثراً لنفسي فيه، لإنطباعي، لمشاعري، لرأيي، لنقدي، إلخ. وفي النهاية، ما هي فائدة الفراغ الذي يحوم حول النص؟ عليك أن تترك شيئاً منك في الكتاب الذي بحوزتك.

لا أقتني إلا الكُتب التي أحبها. أما تلك التي أبتعتها من أجل نقدها، فأنها دائماً تحظى على إزدرائي بشكل عام؛ لا أعاملها كباقي الكتب- وهي، في كل الأحوال، نادرة. عليك أن تقرأ ما تحب؛ ليس عليك أن تبحث عما تكرهه، فهذه الرحلة تسودها المشاعر التعيسة. أقتني ما تحب، فعبره تدرك ما لا تحب.. أنا لا أقرأ كل شيء، لست ممن يقدسون القراءة؛ ما هو أكثر، لست ممن يقدسون الكتب. لا توجد كتابة بريئة.. هذا ينطبق على القراءة أيضاً. 

الترجمة العربية لكتاب هيغل (فينمولوجيا الروح) واقعة في مثل الزاوية على الرف منذ ثلاث سنوات، لم أقرأ إلا الفصول الأولى منها ثم توقفت كلياً. فأنا لم أقرأ، أو أفهم، (فينمولوجيا الروح) إلا بالانكليزية. لكن هناك شيء ما في وجود هذا الكتاب الضخم، الذي لم أفتح صفحاته، يرضيني أو يشبعني. ربما وجوده يوهمني بأنني قرأته بالعربية، بأنني فعلاً قارئ فاعل؛ يقارن ما بين الترجمتين إلخ. لكنني لست قارئاً حتى، لست من الذين يرون القراءة أمراً تقدمياً أو روحانياً. (فينمولوجيا الروح) سيبقى في مثل الزاوية، ولن أسمح لأحد أن يستعيره أبداً. 

لا أملك كتاباً منشوراً لي؛ المكتبة ورفوفها تتطلع نحو هذا المستقبل. إذا نشرتُ كتاباً يوماً، فإن مصيره سيكون مماثلاً لهذه الكتب؛ لكن في مكتبة شخص آخر. قد لا يقرأه، يكتب على أطرافه الفارغة، يترك عليه بقع مشروب ما، يضعه في زاوية مكتبته لثلاث سنوات؛ هذا هو مصير أي كتاب. الكاتب يؤثث كتابه، وينظمه، ويمضي سنوات في تعديله؛ كي يكون في النهاية: ”أحد الكُتب“ الموجودة في مكتبة شخص ما. إنها عملية الإنتقال من المفردي إلى الكوني. 

 

 

 

 

إنه الشهر الخامس على التوالي أحلم فيه، أحلاماً واضحة جداً، حول شوارع، ونفق مترو، وأجواء باريس. زرتها سبتمبر الماضي؛ رأيت أوروبا لأول مرة في حياتي. قمت بكل الأمور التي يقوم بها السائح العادي لباريس: زرت متحف اللوفر، برج إيفل، كاتدرائية نوتردام، حديقة التوليري، الشانزلزيه، ”شيكسبير اند كومباني“، إلخ. لكنني لا اؤمن أن هذه الطريقة المناسبة لفهم الآخر أو الآخرين.

في طريقي إلى الفندق، لاحظت على الفور أن أسلوب الحياة، ”الحياة اليومية العملية“، هو متشابه كونياً؛ أو تم كوننته. وجدت نفسي في مكان جديد، وبذلك كل شيء فيه مفاجئ. لكنه لم يكن غريباً عليّ كلياً. الغرابة قد توجد في تلك البلدان المتأخرة التي لسبب من الأسباب لم يجرِ عليها التحديث (وهذا نادر في أيامنا هذه)، لكن ليس في سائر بلدان العالم. العولمة، برأيي، ليست مفهوماً علمياً، أو اقتصادياً، أو سياسياً، أو حتى ثقافياً، إلخ؛ أنها فكرة أيديولوجية بحته. لهذا السبب أنا لا أثق بها على الإطلاق، وكلما أسمع أحداً يتحدث عنها أشكك في رؤيته وبصيرته. ما يسمى اليوم بالعولمة هو ليس أكثر من حركة تثوير وتعديل علاقات الإنتاج الكولونيالية عبر إطعامها التصنيع التبعي؛ هذا ما قد يتبعه من عملية التمدين الذي يقضي على أنماط الإنتاجية التقليدية، وبذلك توحيد تصميم المدن. 

التبعية ليست موجودة في بلداننا وحسب، بل أيضاً في البلدان المتقدمة؛ التفاوت أيضاً موجود ما بين البلدان ”الإمبريالية“. السبب في الصفة المألوفة في باريس هو ”أمركة“ الحياة اليومية العملية. أتضح لي، أنهم، مثلنا، واقعين تحت مثل الهيمنة. الشوارع، المباني، الأرصفة، المطارات، المحلات التجارية، إلخ؛ جميعها مصممة بشكل مألوف، بشكل لا يمكنك أن تضيع فيه أبداً، فأنت معتاد عليه. أصبح من الصعب اليوم تكرار غرائبية فرويد حين ضاع في إحدى المدن الإيطالية، وتكرر ذهابه من أحد الشوارع وإيابه إليه مرة بعد الأخرى. يبدو أن التصميم والهندسة خضع لعملية كوننة كذلك. بذلك، أنت تزور مكاناً جديداً عليك.. لكنه مألوف في مثل الوقت. 

لكن ألا توجد الإختلافات بين الشعوب؟ أهي في طريقها إلى الزوال؟ لا أعتقد ذلك. في باريس، ليس هناك أي شيء باريسي في الحياة اليومية (فعلاً، توجد اختلافات عنا؛ لكنها لا تتميز بشيء لا تملكه الشعوب الأخرى). هناك التاريخ، والفكر، والفلسفة، وعلم النفس، والسياسة، إلخ؛ هذا قد يبرز شيئاً متميزاً عندهم، شيئاً خاصاً بهم (كما هو عند كل شعوب العالم). الهوية الثقافية تبرز نفسها اللحظة الذي تعتقد فيها: ”أوه أليست فرنسا شبيهة بـ […]؟“. لكن هذا برأيي وهم أيضاً. 

أمشي ما بين الشوارع الضيقة، التي تعبر عن هوية أوروبية بالفعل، والنسيم البارد يحيطني من كل مكان. عندما أكون في البحرين، أنتظر هذا النسيم البارد بلهفة، الذي يبعث السعادة عندي بشكل فوري؛ لهذا لم تكن لدي مشكلة مع المشي الهادئ في الليل. هذا النسيم البارد يفتح فتحات أنفي المسدودة، ورئتاي المغمومتان؛ هذا يسمح بدخول الأوكسجين في الدم، والدم بدوره يرجع إلى القلب، يجعله يضخ دماً أكثر، الذي يصل إلى المخ ويجعله أن يفكر بشكل أقوى. قال فوريباخ ذلك معللاً: ”المرء هو ما يأكله“، لكنني لا أعتقد أن يمكن فصل الأكل عن المناخ؛ حيث المناخ هو ظرف الأكل - لكن ربما تجاهل فوريباخ ذلك لأنه ألماني. 

في تلك الشوارع الضيقة تجد أشخاص من مختلف الأجناس والأعراق؛ حينها تدرك، كل ما رأيته من معالم سياحية شهيرة لا تعبر عن تلك الكائنات المختلفة. لا شيء من تماثيل نابليون أو شارلمان يذكرك بهذا الأفريقي الذي يحاول أن يبيع بضاعته الرخيصة، هذا العربي الذي يعمل في مطعم ما، هذا الأبيض الذي يحتسي النبيذ في المقهى.. لكل كائن باريسهُ الخاص. 

أجد نفسي في المترو لأول مرة في حياتي. لأول مرة في حياتي أضطر أن اسرع في خطواتي للذهاب إلى مكان ما، لأصل إلى مكان ما. أسرع في خطواتي عالماً بحقيقة إذا تأخرت بضعة ثوانٍ سيفوتني القطار، وعليّ أن انتظر قطاراً آخر. لأول مرة علي أن ابتاع تذكرة كي أصل إلى جادة أخرى.  نفق مترو باريس باقياً في ذاكرتي أكثر من أي متحف أو موقع تاريخي زرته هناك. 

 

 

قرأت، قبل أيام، صدفة مقالة لقاسم حداد في الانترنت تحت عنوان (يوم في حياة ”قاسم حداد“).  استوقفتني عبارة وجعلتني أفكر طويلاً: (( القصيدة يمكن أن تنتظر، السمك الطازج لا ينتظر)). 

تذكرت فوراً ما كتبه ماياكوفسكي في قصيدته: (( فتحنا كل مجلد لماركس/ كما نفتح مصاريع بيوتنا/ لكن لم تعلمنا القراءة أي جانب من الصراع نحن نقف./ لم نتعلم ديالكتيكنا من هيغل/ بل في زئير المعركة قفز بيتاً شعرياً…)). 

حقاً، السمك الطازج لا ينتظرك أبداً؛ فهو لا يخضع لوقتك، إذا كان هناك أي تأخير من جانبك فأن نضارته ستزول وعليك أن تنتظر إلى يوم غد. بومة منيرفا يمكنها أن تنتظر حتى الغسق، لكن الحدث لا ينتظرك أبداً.. أنه لا يكترث إذا فهمته أم لا، إذا أضفت عليه معنى أو لا، إذا أدركته أم لا. تعلمتُ هذا الدرس عندما كنت في الإعدادية، على الرغم أنني - كما يعلم قرائي القليلون- قد وجدتها فلسفةً الآن. 

في الإعدادية أنتشرت موضة لبس الأساور المطاطية (ليفسترونغ) التي أسسها (لانس آرمسترونغ) دعماً لمرضى السرطان. وقتها لم أكن أدرك ما غايتها ومن هو (لانس آرمسترونغ) هذا؛ كنت معجباً بالألوان اللانهائية لهذه الأساور. كما أن بعض الطلبة كانوا يقتنون ألواناً نادرة جداً- وباهضة الثمن كما اعتقد. كنت أملك تقريباً ستة أساور لكن ألوانها كانت عادية، لا شيء فيها يوحي بأي تميز. كنت أطمح لواحدة من تلك الألوان النادرة التي لا يمتلكها أحد، بل لأكثرها ندرة! كان لون السوار أخضر عسكري، يمتزج لونه الأخضر الغامق بالكاكي، والأخضر الفاتح، والأسود؛ كان لوناً مميزاً بالنسبة لي. في يوم من الأيام، بعد انتهاء الدوام المدرسي، أتى إلى طالب يكبرني سناً، لا يعرفني ولا أعرفه، ماسكاً هذا السوار الذي أريده قائلاً: ”هل تريده؟ أنا أمتلك الكثير من هذه الأساور ولا أحتاج إليه“. أعتقدت أنه يمزح معي، لا يمكنه أن يكون بهذه الجدية؛ شخص لا يعرفني يهديني هذه الهدية؟  أجبته وأنا اتوارى وراء خجلي: ”لا، شكراً“. نظر إليّ بطريقة غريبة جداً، وحينها أدركت أنه كان جاداً، ثم مشى ضاحكاً.

أن يطوف عليك أحد ضاحكاً بسخرية؛ أنها أكثر التجارب ارباكاً يمكنك أن تعيشها. هذا كان في 2004. ليس بعيداً، بعد سبع سنوات (2011) طافت علينا أحداثاً مربكة تماماً، أحداث ضحكت علينا بسخرية وضعتنا في موقف محرج تماماً. 

راقب سبينوزا السمك، رأى أن السمكة الكبرى تلتهم الصغرى.. لأن من حقها أن تقوم بذلك، لأنها أقوى، بما أن الحق يعني القوة. الحق هو أن تمارس ما يمكنك، أو ما في مقدرتك، ممارسته. لكن الأسماك تعيش في البحر، لأن من حقها أن تفعل ذلك؛ لأنها تستطيع ذلك. الآن لا يهم إذا كنا اسماك كبيرة أو صغيرة، ما يهم أننا نعيش في البحر(ين) لأن يمكننا ذلك؛ في الوقت الحاضر نحن أسماك صغيرة، جرى ألتهامنا دفعة واحدة. كل ما آمنا به محض وهم، علينا الآن أن نبتكر طرق جديدة للسباحة. ماو تسي تونغ أيضاً رأى أن بعض السمك تقوم بالإلتهام، وبعضها الآخر يجري التهامها؛ في لحظة تاريخية: الكومنتانغ يلتهم الحزب الشيوعي.. في لحظة تاريخية أخرى: الحزب الشيوعي يلتهم الكومنتانغ. كل شيء يعتمد على رمية النرد. لذلك علينا أن نسبح بين الناس كالأسماك التي تسبح في البحر. 

القطار يطوف، السمك يتعفن، الحدث يموت؛ كل شيء يبعث فينا الكآبة. الثقافة تتحول إلى مجاري الصرف الصحي، الكُتاب لا يكتبون إلا بالألوان الصفراء، المجلات الثقافية تنهار، الأفكار القديمة تتداعى، الكُهل يخضعون لإختبارات قاسية. يوماً بعد يوم كل الأمور توحي لنا بإستحالة مطلقة؛ بإننا لسنا حتى سمكاً له الحق أن يسبح! 

 

لكن أليس هذا هو ظرف السباحة؟

 

القطار مضى، السمك تعفن، الحدث مات؛ ماذا يمكننا أن نفعل؟ حدث ما حدث، ليكن! يمكننا دائماً أن ننتظر الغد، لقطار آتٍ، لسمكة طازجة جديدة، لحدث ما.. وقتها، وقتها فقط، سنصبح أسماكاً كبيرة.. أسماكاً مستعدة لأن تقوم بالإلتهام. 

 

الكآبة لا بد منها، لكن كفى. يوم غد آتٍ.. ربما من المحتم. 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد